وضع داكن
05-03-2024
Logo
محفوظات - موضوعات لغير الدكتور - قناة الجزيزة – الشريعة و الحياة في رمضان - الشيخ محمد الصغير : 02 - الحاكم العادل لا يخشى العلماء بل يقربهم منه
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 

مقدمة :

المذيع :
 مشاهدينا الكرام ؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وأهلاً بكم في حلقةٍ جديدة من الشريعة والحياة في رمضان ، يقول الله عز وجل في كتابه الكريم :

﴿ يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26)﴾

[ سورة ص]

 موضوع حلقة اليوم حول دور علماء الدين في حفظ المجتمع وحمايته ، وبناء علاقةٍ صحيةٍ بين الحاكم والمحكومين ، ضيف حلقتنا اليوم فضيلة الدكتور محمد الصغير ، عضو مجلس أمناء الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين .
 نرحب مجدداً بفضيلة الدكتور محمد الصغير ، عضو مجلس أمناء الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ، فضيلة الدكتور مرحباً بك ، هناك إشكالية تتعلق بالموضع الذي ينبغي أن يكون عليه عالم الدين بين الحكام وبين المحكومين ، بين ولاة الأمر وعموم الناس ، أين يجب أن يقف عالم الدين ؟

الموضع الذي ينبغي أن يكون عليه عالم الدين بين الحكام وبين المحكومين :

الدكتور محمد الصغير :
 الحمد لله ، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وبعد ؛
 هذه الإشكالية نتجت لمّا خاصم الحكّام علماء الدين ، أو لمّا خاصم الحكام العلم بصفة عامة ، ورأوا أن وجود العالم في المشهد يخصم من رصيد الحاكم ، لكن عندما يكون الحاكم عالماً بأمور الدين ، عالماً بأمور الدنيا ، بعيداً عن الظلم ، يرى أن العلماء في وجودهم ضمانة ، ويستعين بهم في أشياء كثيرة ، والتاريخ ذكر الأمرين ، ذكر كيف أن الحاكم لاسيما إذا استبدّ أكثر ما يضايقه عالم الدين صاحب الكلمة ، لكن أحياناً يكون عالم الدين هو جزء من حاشية هذا السلطان المستبد ، وهنا يكون لسان من ألسنة الظالم ، إذاً الإشكالية ليست بين مطلق الحاكم ومطلق عالم الدين ؛ ولكن الإشكالية في التطبيق ، إذا استبد الحاكم ، وكان عالم الدين لسان الأمة ، وله ضمير حي .
المذيع :
 والإشكالية كيف يقنع عالم الدين ولاة الأمر بمقتضيات الشرع وفي الوقت ذاته يكفكف من غلواء بعض الذين احترفوا مهنة المعارضة ، لمجرد المعارضة في صفوف المجتمع، كيف يمكن أن يوفق بين هذه وتلك ؟ أن يصدع بكلمة الحق وفي الوقت ذاته يوجه المجتمع نحو السبيل الأقوم ولاسيما في أجواء الاستقطاب التي تسود بعض بلدان العالم الإسلامي ؟

وظيفة عالم الدين هي الإعانة والمراقبة والمحاسبة :

الدكتور محمد الصغير :
 لو حددنا واجبات كل طرف من الطرفين ، والتزم كل طرف بما عليه من الواجبات ، لن يحدث الخلاف ، ولن يكون هناك نوع من عدم التفاهم ، ولن يصل أبداً إلى الصراع ، الحاكم لو تعامل مع الأمة على أنه أجير عند الأمة ، على أنه موظف كبير تختاره الأمة ، وتعطيه حق التوظيف ، ويعمل لصالح هذه الأمة ، ويستفيد بكل طوائف المجتمع ، وفي مقدمتهم العلماء ، العلماء واجبهم في هذا الأمر توقير العالم للحاكم العادل ، وبذل النصح له ، وعدم تقليب الناس عليه ، والأمر الأهم إن رأى في هذا الحاكم عوجاً قوّمه ، وألا يحتاج إلى شيء من دون علم ؛ لأنّه لو احتاج إلى شيء من الحاكم أو سلطان الحاكم ، فإذا أكل الفم استحى اللسان عن البيان، ثم لو نظرنا إلى التطبيق العملي ، لولا أن هناك في الإسلام التطبيق العملي لقيل : إن هذا الدين دين فضائي ، دين خيالي ، لكن مع أول حاكم استلم بعد رسول الله لأن النبي صلى الله عليه وسلم نبيّ ، ثم حاكم بعد ذلك ، لكن أول حاكم استلم هو أبو بكر الصديق ، حدد هذه العلاقة ، قال : إن رأيتم خيراً فأعينوني ، وإن رأيتم غير ذلك فقوّموني ، الأمر إعانة ، مراقبة وتقويم ، إن رأيتم خيراً فأعينوني ، إذا قام الحاكم بعمل الخير ، والتزم بالعقد الذي بينه وبين الأمة ، فعلى الأمة جميعاً أن تعين ، وفي مقدمتهم الأئمة ، الإمام في الأمام ، وإن رأيتم غير ذلك فقوّموني ، وليس أعينوني ، وعمر بن الخطاب كرر نفس الأمر ، فقيل له : نقوّمك بسيوفنا يا بن الخطاب، فهذه طبيعة العلاقة ، الإعانة والمراقبة والمحاسبة ، المحاسبة ملك أصيل للأمة تجاه الحاكم .
المذيع :
 ما بال بعض العلماء يجنحون إلى توفير الغطاء الشرعي لأي سياسة ينتهجها الحاكم ، إن قال شرقاً فلديهم من النصوص ما يعطل هذا الشرق ، وإن قال غرباً فلديهم أيضاً من النصوص ما يبرر إذا اتجه غرباً ، علاقة الثابت بالمتغير ، النصوص الحاكمة في الشريعة الإسلامية نصوص ثابتة تتغير ، نصوص القرآن ونصوص السنة موجودة منذ ألف وأربعمئة عام بين المسلمين لم تتغير ولن تتغير ، لكن المتغير هو سياسات بعض ولاة الأمر ، سياسات بعض الحكام ، ما بال بعض العلماء يصنعون هذا ؟

علماء الدين منهم الماهر الحاذق الذي يرعى الله ومنهم المتكسّب :

الدكتور محمد الصغير :
 في البداية يجب أن نعرف أن علماء الدين هم طائفة من المجتمع ، كالمحامين والإعلاميين ، هم طائفة كالأطباء ، فيهم الماهر الحاذق الذي يرعى الله تبارك وتعالى ، ويرعى حق الأمة ، وفيهم المتكسّب الذي يريد أن يصل بهذا العلم إلى غرض دنيوي ، فيوجد في داخل الفقهاء أو علماء الدين كما ذكر عمر بن عبد العزيز وهو حاكم ، ذكر شهادته على هؤلاء ، قال لهم : من أحمق الناس ؟ قالوا له : قل يا أمير المؤمنين ؟ قال : الذي باع دينه بدنياه ، قال : وهناك من هو أحمق منه ؟ قيل : من هو ؟ قال : من باع دينه بدنيا غيره ، فهذا الذي وظف الفتاوى ، أو الذي قصقص الفتاوى ، أو الذي عدلها على هوى الحاكم ، هذا الذي باع دينه ، وباع فقهه ، مثله مثل الصيدلي ، هناك صيدلي يبيع حبوب هلوسة ، هل هذا الآن أصبح صيدلانياً ؟ لا ، هذا تاجر مخدرات ، كذلك عالم الدين الذي رضي أن يكون في بلاط الحاكم ليقوم بتهيئة الأمور ، وجعل الفتاوى عليه ، هو عبارة عن ضابط ، مخبر ، لسان للحاكم ، ولكن تخصصه هنا هو تخصص فقيه ، فقد باع فقهه ، وعلمه ، وشرفه ، ودينه ، بما يأخذه من فتات هذا الحاكم ، لذا نراهم يتخبطون ، فإذا قال الحاكم : رأسمالية ، تكون الرأسمالية هي النظام الإسلامي ، لو قال الحاكم : اشتراكية ، قالوا : الاشتراكيون أنت إمامهم ، بل منهم من قال : النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي وضع الاشتراكية وحاشاه ، فهذا التخبط يظهر لأن الإسلام غير متغير ، الأصول غير متغيرة ، وتغير الفتاوى تتغير في إطار ما وضعه الإسلام من ضوابط .
المذيع :
 فضيلة الدكتور هذا الحديث يقودنا إلى إشكالية أو شبهة ، من خلالها يتم تمرير بعض الأشياء الخاطئة ، تحت عنوان عريض مثلما يقول البعض : أينما تكن المصلحة فثم شرع الله ، تحت هذا العنوان يمكن تبرير تغيير النصوص ، تغيير الفتاوى ، وتبديل الوجهات ، بل حتى مثل مسألة عدم وقوع الطلاق الشفهي ، هذه المسألة التي يتم فيها التذرع بحماية الأسرة والمجتمع وتماسكه ، كيف نتعامل مع هذه الشبهة ؟

مخالفة الشريعة أكبر مفسدة ممكن أن تقع :

الدكتور محمد الصغير :
 هذه لم تصبح فقط مجرد شبهة ؛ وإنما كما تحدث عنها الأستاذ السيد قطب قبل ذلك تحت مسمى : مصلحة الدعوة ، أحياناً يضع مصلحة الدعوة أو مصلحة الشرع كسبيل وطريق لمخالفة الشرع نفسه ، وهدم بنيان الدعوة من باب الحفاظ على مصلحة الدعوة ، وفي الحقيقة هي محافظة على مصلحة أفراد ، أو على رؤية شخص ، عندما أقول أينما وجدت المصلحة فثم شرع الله ، فلابد أن أكون منضبطاً أولاً بشرع الله عز وجل ، وأن أكون من البداية محافظاً على حدود شرع الله تبارك وتعالى ، وأن تكون المصلحة هي مصلحة الشريعة ، كيف أخالف الشريعة تحت ذريعة أني أحقق مصلحة ؟ مخالفة الشريعة هذه أكبر مفسدة ممكن أن تقع ، بل تطور الأمر الآن لاستغلال علمي كبير جداً أنه علم من قصد الشريعة ، أي بدل المصلحة وشرع الله ، يقول لك : لا ، هذا من مقاصد الشريعة ، فتركت الشريعة من أجل تحقيق المقاصد ، وهذه المقاصد ليس مقاصد متفق عليها ؛ وإنما من المقاصد التي يدونها علماء ينتسبون إلى هذا الأمر، وهذا الباب فتح شراً كبيراً جداً على المسلمين ، ولا سيما المسلمين في الغرب ، فكلما اختلف الشرع مع ثقافة غربية ، أو مع قضية استشراقية ، رجعنا إلى صنم المصلحة ، رجعنا إلى صنم الضرورة ، رجعنا إلى صنم المقاصد ، وأصبحت هذه معاول ، مثلاً تأتي أمور كثيرة جداً في قضايا الربا ، أو في قضايا العمل في مزارع العنب الذي يؤدي إلى الخمر ، كل هذه ينظر فيها إلى مصلحة أفراد ، إلى مصلحة مزارع ، إلى مصلحة مراب صغير تعامل مع بنك ، ويقال: هذه مصلحة ، وأينما وجدت المصلحة فثم شرع الله ، ونسينا أننا هنا خالفنا شرع الله عز وجل ، ووقعنا في كبيرة من الكبائر ، التي هي كبيرة الربا ، أو كبيرة التعاون في حمل الخمر ، لعن الله تبارك وتعالى في الخمر حاملها ، وعاصرها ، ومعتصرها ، والمحمولة إليه ، والنبي صلى الله عليه وسلم لما تحدث عن قضية الربا ، قال :

((لَعَنَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ آكِلَ الرِّبَا ، وَمُؤْكِلَهُ ، وَكَاتِبَهُ ، وَشَاهِدَيْهِ ، وَقالَ : هُمْ سَوَاءٌ))

[ صحيح مسلم]

 فأي مصلحة بقيت إلا مصلحة أفراد ، أو مصلحة طوائف وجدوا في مكان معين حافظت عليها وهدمت المصالح الكلية والقواعد الأساسية في الدين ؟!
المذيع :
 يقول قائل : إن تخلف المسلمين هو السبب في كل هذه الآفات ، وهذه الأجواء ، يقول قائل أيضاً : إن الذين يعملون بهذه الصورة سوف يعتزلون المجتمعات الغربية ويتقوقعون داخل أنفسهم ، وفي هذا مفاسد كبيرة جداً على حياتهم وعلى المسلمين والإسلام في الغرب على سبيل المثال المشكلة أنه ليس هناك اقتصاد إسلامي ، أو ليست هناك بنوك إسلامية ، تقدم منتوجات وخدمات تنافس البنوك التي يطلق عليها بنوك ربوية في الغرب ، البعض حتى يجادل في مسألة الربا بمعناه القديم ، أو بمعناه الذي جاء النهي عنه في الشرع ، ويقول : إن ما يحدث الآن من معاملات مصرفية لا علاقة له بالربا على الإطلاق ؛ لأنّ المصرف عندما يأخذ منك المال فإنه ليس في حاجةٍ لها ؟

التضييق على الإسلام كدين :

الدكتور محمد الصغير :
 هذه قضية شرعية لو أردت نذكر الحكم فيها ، لكن أنا سأشرح المثال الذي تفضلت به ، الأمر كله مرجعه إلى الاستبداد وليس قضية مؤامرة ، هناك حرب على الإسلام ، وعلى وجود الإسلام ، وعلى وجود البدائل الإسلامية ، بدايةً هل الحجاب يزعج في شيء ؟ أليس مَن لها حق التعري ، وأعطيتها هذا الحق ، هناك امرأة من نفس الجنس اختارت الحشمة أعطها نفس الحق ، لكن أنت تحارب ، هذا المثال عارض ، لكن في قضية البنوك وفي قضية الأموال لما أراد الاقتصاد الإسلامي أن يدخل ، ويدخل بقوة ويطرح بدائل ، أُنشئ بنك التقوى ، ما الذي حدث ؟ تحدث عنه بوش الابن في خطابه ، وذكره بالاسم ، ولم يُسمح للبديل الإسلامي أن يكون موجوداً ، في حين لا ننكر أن في بعض البنوك - وأنا شهدت هذا عند إقامتي في ألمانيا - كان هناك بعض البنوك يقولون لك : أعطني الصورة الشرعية التي تريد لك أن يكون المشروع ضخماً والعائد كبيراً ؟ أعطني الصورة الشرعية وأنا سأوفق أوضاعي عليها ، لا يُسمح للإسلام أن يقدم البديل ، وهو يحَارب في كل البدائل .
 الأمر الثاني ؛ يوجد ليونة في أصحاب الموقف الإسلامي ، وأنا سأعطيك مثالاً آخر، الذبح ، اليهود موجودون في أوروبا أسبق من المسلمين ، يُسمح لهم بالذبح أم لا ؟ يُسمح لهم بالذبح ؛ لأنّ العقيدة اليهودية تقول بذلك ، عندما يأتي المسلم ويقول : إن عقيدتي تقول أنا لا آكل إلا المذبوح ، يقولون له : ليس لك هذا الحق .
المذيع :
 هذا الكلام ليس على الإطلاق فضيلة الشيخ ، كثير من البلدان الأوروبية أو كل البلدان الأوروبية تسمح بالذبح ، وعندهم شهادة الحلال على منتوجات اللحوم .
الدكتور محمد الصغير :
 هذا جاء بعد الصراع ، هذا جاء بعد الصراع ، وهذا حق انتزع ، لم يأت ضربة لازم، وإنما انتزع بثبات الثابتين ، وهناك بعض الدول مثل فرنسا الآن تعيد الموضوع للرجوع بالأمر مرة أخرى .
المذيع :
 الأمر في فرنسا فيه تفصيلات أكثر ، وليس المجال منفسح . . .
الدكتور محمد الصغير :
 أنا الذي أريد أن أقوله : إن هناك حركة تضييق كبرى على الإسلام كدين ، وعلى الإسلام كشريعة وعقيدة ، ولا يُسمح للمسلمين بتقديم الدلائل ، والدليل سأقول لك أمراً بنسبة مئة في المئة ، هل توجد عاصمة من العواصم العربية الكبرى ليس فيها جامعة من الجامعات الأجنبية ؟ خذ مثلاً القاهرة ، عندك الأمريكية عتيقة ، والكندية ، والألمانية ، وكل الجامعات ، هل توجد مدرسة لأولاد المسلمين في كل أوروبا ؟
المذيع :
 يُسمح نعم ، في بعض العواصم هناك بعض المدارس التي تقدم أيضاً منهجاً فيه تربية إسلامية وفيه قرآن .
الدكتور محمد الصغير :
 منهج لكن هل يسمح أن نفتح مدرسة مثل المدارس العالمية التي في عواصمنا ، عواصمنا غُزيت بالمدارس العالمية ، لكن كان يوجد حضانة واحدة في ألمانيا وتمّ التراجع عنها ، أنا أقول لك المثال لأني عايشته وعاصرته ، سُمح لنا بحضانة واحدة ، وكان مسموح بمدرسة تابعة لسفارة لدولة عربية ، ثم أُغلقت ، عندما أقدم أنا ، وأنا كنت ممن قدموا هذا المشروع ، تحججوا لنا أنكم هل تريدون التعليم السني أم التعليم الشيعي ؟ هل تريدون التعليم السلفي أم التعليم الصوفي ؟ ودخلوا في دهاليز ، نحن لا نريد تعليم مدارس من هذه المدارس ، نحن نريد تعليم القرآن والسُنة ، فيوجد تضييق واضح ، والاستبداد ليس استبداد حكام في بلادنا ؛ إنما الاستبداد جاء من رعاة هؤلاء الحكام .
المذيع :
 فضيلة الشيخ نود العودة وإلقاء المزيد من الضوء على مسألة الحقوق التي للحاكم على المحكومين ، وبالمقابل للمحكومين على الحاكم ، يتذرّع البعض بأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من قبيل : وإن جلد ظهرك وأخذ مالك ، وفي المقابل تهضم حقوق المواطن تماماً مقابل هذا الأمر ، والبعض الآخر همه كما ذكرنا المعارضة لمجرد المعارضة ، أين بالضبط حقوق كل طرف من الأطراف ؟

مهمة الحاكم :

الدكتور محمد الصغير :
 أولاً : الحاكم موظف أو أكبر موظف في الدولة ، ليس قيصراً ، لا يوجد عندنا دعم قيصر لقيصر ، وإنما أبو مسلم الخولاني عندما دخل على أمير المؤمنين معاوية ، ومعاوية حكم أربعين سنة في الشام ، عشرون سنة أمير الشام ، وعشرون سنة أمير المؤمنين ، دخل أبو مسلم الخولاني إلى بلاط معاوية في دمشق ، وقال : السلام عليك أيها الأجير ، فالحاشية تدخلت كالعادة ، وقالوا : الأمير أمير المؤمنين ، فعاد أبو مسلم : السلام عليك أيها الأجير ، فقالوا : أمير المؤمنين ، فقال لهم معاوية : دعوا أبا مسلم فهو أدرى بما يقول ، أن يتعامل الحاكم على أنه أجير عند هذه الأمة ، وأن الأمة هي التي تفرض له راتبه ، وهذا الذي حدث ، الذي حدد راتب الحاكم الأمة ، أول حاكم للمسلمين كان أبا بكر الصديق ، وكان تاجراً ، يأكل من كسب يده ، خرج في أول يوم للخلافة إلى السوق فلقي عمر بن الخطاب ، قال : إلى أين يا خليفة رسول الله ؟ قال : إلى السوق ، قال : لا يصلح هذا الأمر الذي دخلت فيه مع التجارة ، قال : ومن أين يأكل أولادي ؟ قال : نفرض لك من بيت المال ، يقول : نفرض ، نون الجمع هذه من أين ؟ من الأمة ، فرض له راتباً شهرياً ، وكسوة في الصيف ، وكسوة في الشتاء ، وفراء يجلس عليها يميز بها خليفة النبي صلى الله عليه وسلم ، وإن كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه قبِل هذا التفرغ ، هو تفرغ من التجارة لإدارة أمر الأمة ، وبعد وفاته كتب حائطاً في مقابل ما أخذه من رواتب ليكون هذا في سبيل الله تبارك وتعالى ، لما جاء حكام انتخبهم الشعب ، واختارتهم الأمة ، وكانوا لا يأخذون الرواتب ، تمّ الخروج عليهم ، وتمّ إقصاؤهم ، بل وتمّ قتلهم أمام الناس، فلابد أن يعرف الحاكم أنه موظف في الأمة ، وهو أجير عند هذه الأمة ، وأساس عمل هذا الحاكم إقامة الدين وحراسته ، هذا الأمر الأساسي ، ثم سياسة الدنيا به ، لكن عندما أجد الحاكم تقول لي : جلد ظهرك وأخذ مالك ، هذا قاطع طريق ، هذا لص ، الذي يجلد ظهور الناس بغير حق ، ويأخذ أموالهم بغير مشروعية ، هذا قاطع طريق وليس حاكماً ، وينبغي أن يؤخذ على يده، وأنا أرجع إلى التطبيق العملي حتى لا يقال هذه مثاليات ، أبو بكر في خطاب التولي ، في الخطاب الأول ، في البيان يقول : إن رأيتم خيراً فأعينوني ، وإن رأيتم غير ذلك فقوموني ، أطيعوني ما أطعت الله فيكم ، فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم ، إذاً أن يلتزم الحاكم بالميثاق الذي بينه وبين الأمة في رعاية حقوق الناس ، في رعاية حريات الناس ، في تقديم حياة كريمة .
 عثمان بن عفان سيدنا معاوية كان يرى أنه يوجد ثغرة في الجيش الإسلامي ، أن الجيش الإسلامي ليس فيه سلاح بحري ، والعرب لا يعرفون البحر ، ولا يركبون السفن ، فقال لعمر بن الخطاب : علينا أن نعمل سلاحاً بحرياً ، فعمر ين الخطاب ماذا فعل ؟ استشار المتخصص ، جاء بعمرو بن العاص ، وعمرو ركب البحر قبل ذلك ، قال له : صف لي البحر يا عمرو بن العاص ، فقال له : يا أمير المؤمنين دودٌ على عود ، إن هاج هلكوا ، وإن سكن ماتوا ، قال : والله لا نركبه ، لأنه مسؤول عن الأمة ، ظلَّ معاوية هكذا حتى جاء عهد عثمان ، فقال له : البحرية يا أمير المؤمنين ، قال : يا معاوية ما كلمت عمراً في البحر إلا وأنا حاضر ، لا آذن لك إلا إذا ركبته بأهلك وولدك ، إذاً عثمان ينظر إلى الجنود نفس نظرة معاوية إلى ولده وإلى زوجه ، فقال : تجهز يا يزيد وأقرع بين نسائه ، أن يكون مسؤولاً عن المجتمع ، عن حمايته ، عن توفير الحياة الكريمة ، وهنا يأتي دور الشعب في إعانة الحاكم :

((كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيَّتِه))

[ أخرجه الطبراني]

 هذه المسؤولية تبدأ من رأس الهرم الذي هو الحاكم ، وتنزل إلى رأس الأسرة ، قالوا : وشر الظلمة حاكمٌ ظلم في حكم أسرته ، شر الجبابرة المتجبر على زوجه وأولاده ، ينبغي على المجتمع بعد ذلك أن يعطيه حق التوقير ، حق التبجيل ، حق النصح ، النصح لكل مسلم ، عن أبي رقية تميم بن أوس الداري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

((الدِّينُ النَّصِيحَةُ . قُلْنا : لِمَنْ ؟ قالَ : لِلَّهِ ولِكِتابِهِ ولِرَسولِهِ ولأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وعامَّتِهِمْ))

[ صحيح مسلم]

 فأوجب ما يُبذل النصح ، وأهم ما يُبذل النصح ، في مناصحة ولاة المسلمين ؛ لأنّه إذا صلح العالم ، أصلح الحاكم ، فصلح العالم .
المذيع :
 نعم في المقابل دور عالم الدين في توجيه المجتمع ، وتوجيه الأفراد نحو الحفاظ على وحدة وتماسك الدولة ، وعدم الانخراط في النعرات الانفصالية مثلاً ، والمعارضة الدائمة التي ربما تهدم في نهاية المطاف تماسك وكيان الدولة ، ما الذي ينبغي على العالِم في هذا الصدى ؟

دور العالم تجاه المجتمع :

الدكتور محمد الصغير :
 العالم هو صمام أمان في المجتمع ، وأيضاً أعود وأذكر إلى مثال من الواقع ، عندما ننظر إلى فترات السيولة التي تحدث في المجتمعات ، مجتمع حدث فيه غزو مثلاً ، كما حدث في غزو الكويت ، أو فترات السيولة التي تمت في فترات الربيع العربي ، ما الذي حدث ؟ لجاً الناس إلى الأئمة ، إلى العلماء ، ذهب الناس إلى المساجد ، هم الذين أقاموا الجماعات الشعبية التي تنظم الأمر ، فالإمام ، العالم ، الداعية ، صمام أمان للمجتمع ، يحفظ وحدته ، ويعمل على نزع فتيل أي معركة عصبية ، أو نزعة قبلية ، بل وعليه أن يقود الأمة للوقوف تحت قضاياها الكلية ، العالم مهمته ليس قضية قطر ، العالم الحقيقي هو الذي يخرج من القطرية الضيقة إلى الأممية الواسعة ، مسؤول عن كل شبر من الأماكن الإسلامية التي يوجد فيها المسلمون ، فهو يأخذهم إلى قضايا الأمة الكلية ، ولا ينحصر بهم في قضايا داخلية ، يحتك بالمجتمع ، يحتك بقضاياه ، وهو القادر على حلّ هذه المشاكل ، وأرجع إلى الغرب ، الغرب عندما يكون لديه مصلحة ، هنا فثم شرع الغرب ، عندما وجدوا أئمة المراكز الإسلامية ، لهم باع في حلّ المشاكل الأسرية ، قالوا : نعتمد ما يأتي من حل المشكلة من إدارة المسجد وإمام المسجد ، عندما تذهب الأسرة في خلاف داخلي في بعض الدول الأوروبية وجدوا أن المساجد أزاحت عنهم حملاً كبيراً ، وفي زيارة للأئمة كنا نزورها في السجون ؛ لأنّ نسبة المسلمين في السجون في أوروبا كثيرة ، لماذا جعلوا الزيارة أسبوعية وصرّحوا بخطبة الجمعة ؟ بل بعض البلاد التي الإسلام فيها تمثيل برلماني مثل بلجيكا وهولندا ، هناك إمام خاص للسجن، وأنا التقيت ببعض هؤلاء الأئمة وزرت جمعيات لهم ، لأنهم وجدوا أن أكثر فترات الهدوء التي بين المسجونين هو في اليوم الذي يأتي فيه الإمام ويجلسون إليه ، وتمّ عمل مسمى له ، ليس تحت اسم إمام المسلمين ، سموه معتنياً روحياً ، يعتني بهؤلاء الروحيين ، فإذا كان يعتني بالمسجون روحياً ، ينبغي للإمام بأن يعتني بالمجتمع كله روحياً ، مسؤول عن كل شيء يستطيع أن يصلحه في هذا المجتمع .
المذيع :
 هذه هي الصورة المثالية التي فصلنا فيها في دور العالم تجاه الحاكم ، ودور العالم تجاه المجتمع ، لكن الذي يطبق هذا قد لا يسلم من الأذى ، في كثير من الأحيان يكون الثمن الذي يمكن أن يدفعه العالم باهظاً جداً من حياته ، أو من حرياته ، أو من حياة ذويه وحرياتهم على السواء ، ما حدود التقيّة أو ما حدود شجاعة هذا العالم في وجه ما يمكن أن يتعرض له من الظلم ؟ هل له أن يتقي هذا ويسكت أم يعتزل الناس أم يهاجر ؟

حدود شجاعة العالم في ضوء ما يعترضه من الظلم :

الدكتور محمد الصغير :
 أولاً : الله تبارك وتعالى - وهذه لفتة تربوية بسيطة - أن الناس جميعاً يوم الجمعة جلوس ، والإمام فوق ، وإذا نزل الإمام وقفوا جميعاً صفوفاً على قدم واحدة في التساوي ، وهو في الأمام ، لذا سمي إمام المسلمين ، فإذا كنت إمامياً فكن أمامي ، لا يأت وقت الشدة ووقت الضيق وأجدك قد رجعت وقفت في الصف ، أو أصبحت في آخر الصفوف ، لا ، الإمامة الحقيقية أن يكون عالم أمة ، ينبغي أن يكون في المقدمة ، وأن يتحمل ، وعلى قدر الغنم يكون الغرم ، نحن لدينا الأئمة الأربع ، مالك ، وأبو حنيفة ، والشافعي تلميذ مالك ، وأحمد تلميذ الشافعي ، لكن في أمة محمد إذا أُطلق لقب إمام أهل السنة والجماعة ، هل يشارك أحمد في أحد ؟ لا ، فأصبح لقباً خاصاً بالإمام المبجل أحمد بن حنبل ، أبو حنيفة إمام أهل السنة والجماعة ، والشافعي إمام أهل السنة والجماعة ، وسبقوا إلى ذلك ، لكن مواقف الإمام أحمد في نصرة الحق وحفظ ثوابت الأمة ، حتى قيل : إن الله تدارك الإسلام برجلين ، بأبي بكر في الردّة، وبأحمد في المحنة ، صمود الإمام المبجل أحمد بن حنبل جعله على قدم المساواة مع الخليفة الأول في حفظ ثوابت الأمة :

(يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17))

[ سورة لقمان]

 إذاً الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لابد أن يتسلّح معه الداعية والآمر بالمعروف والمحتسب بسلاح الصبر .
المذيع :

(وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (24))

[ سورة السجدة]

مخالطة الناس والصبر على أذاهم :

الدكتور محمد الصغير :
 ثم النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه الترمذي قال :

((المؤمِنُ الذي يُخالِطُ الناسِ و يَصبِرُ على أذاهُمْ ، أفضلُ من المؤمِنِ الَّذي لا يُخالِطُ النَّاسَ و لا يَصبرُ على أذاهُمْ))

[ أخرجه الترمذي]

 كيف أعالج مشاكل المجتمع وأنا لا أخالط الناس ولا أحيا بينهم ؟ هذه المخالطة قد تعود عليَّ بالأذى ، من الناس أنفسهم ، فلابد أن أصبر نفسي على هذا الأذى ، قد يكون الأذى أكبر ، لأنني قد أغير المنكر الأكبر الخاص بالأمة ، بالدولة ، بالحاكم ، خير الجهات كلمة حق عند سلطانٍ جائر ، هذا خير أنواع الجهاد ، هذه الكلمة عند السلطان الجائر هل ستمر مرور الكرام ؟ لا ، الرواية الأخرى التي رواها ابن حبان ، وصححها الألباني :

((سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب))

[ أخرجه ابن حبان]

 رجلٌ قام إلى حاكم جائر أمره ونهاه فقتله ، قام إليه ، مشى إليه ، ذهب إليه ، أوصل صوته إليه ، أمره ونهاه ، أمره بالمعروف ، ونهاه عن المنكرات ، فقتله فأصبح شهيداً ، إذاً لو الأمر انتهى عند الكلمة ، ووصول كلمة الحق ، فقد قام هذا العالم بأعلى درجات الإسلام وهو في ذروة الثناء ، إذا قتل في سبيل توصيل كلمة الحق ، ماذا يريد بعد أن أصبح سيداً من سادة الشهداء كحمزة بن عبد المطلب ؟
المذيع :
 فضيلة الشيخ أرجو منك ومن السادة المشاهدين أن تبقوا معنا ، سنعود بعد فاصلٍ قصير مشاهدينا الكرام .
المذيع :
 مشاهدينا الكرام أهلاً بكم مجدداً في هذه الحلقة من برنامج الشريعة والحياة في رمضان ، ونجدد الترحيب بضيفنا فضيلة الدكتور محمد الصغير ، فضيلة الدكتور استكمالاً لما كنا نناقشه قبل الفاصل ، هناك من العلماء من يحذر من نفاق العلماء ، أو عالم الدين للحاكم أو لولي الأمر ، وهناك من يحذر أكثر من نفاق العوام واسترضائهم بالفتاوى والمواقف على حساب الحق والشرع ، كيف نحدث التوازن في هذا ؟

على كل عالم أن يشعر بمسؤوليته تجاه الحاكم والشعب :

الدكتور محمد الصغير :
 والله هذا التوازن المعصوم فيه من عصمه الله تبارك وتعالى ، مولانا الشيخ محمد الغزالي رحمه الله كان له أقوال مأثورة جميلة جداً ، كان يقول : رغبات العوام لا تهادن ، وإن الشر الذي يكون في متابعة رغبات الجماهير لا يقل عن متابعة الحكام الظالمين ، هناك بعض الناس عصمهم الله تبارك وتعالى من ممالأة الظالم ، أو الوقوع في شرك الحكام ، لكن وقعوا في نفاق الشعوب ، لاسيما مع سطوة وسائل التواصل الاجتماعي ، وتقديم ما يحبه الجمهور ، والحصول على الاستحسان ، الاستحسان هذا يسمى إعجاباً أو سمّه ما تحب ، لكن العالم لابد أن يضع الميزان الحقيقي ، هو موقع عن رب العالمين ، وهذا أشرف وصف وأخطر وصف للعالم ، الذي أطلقه شيخ الإسلام ابن القيّم رحمه الله ، عندما سماهم الموقعين عن رب العالمين، هذا كأنه يوقع عن الله تبارك وتعالى ، فعليه أن يستشعر هذه المسؤولية ، لا يداهم الحاكم ، ولا يمالِئ الجمهور .
المذيع :
 هذا يقودنا أيضاً ، بعض العلماء أو الدعاة يعتزل تماماً واقع المجتمع ومقتضيات الحال ، ويتفرغ تماماً للعلم والتدريس والكتابة فقط ، لا يلابس مشاكل المجتمع ، البعض الآخر لا يحدث توازناً بين هذه وتلك ، ويعتزل القراءة والعلم ، ويتفرغ للدعوة وملابسة مشكلات المجتمع فينقص علمه ، وكما يقال من قبل البعض فإن الدعاة أنصاف علماء .

على العالم أن يسلك طريق الاعتدال لأنه ميزان العدل والقسط :

الدكتور محمد الصغير :
 الله تبارك وتعالى يقول :

﴿ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ (143)﴾

[ سورة البقرة]

 والعلماء قالوا وسطاً أي عدولاً ، فالاعتدال الذي هو ميزان العدل والقسط ، هذا الذي تحدثت عنه وضربت له أمثلة ، هي صور من صور التطرف ، التطرف الذي هو بعيد عن الوسطية ، شمال أو يمين ، الذي حصر نفسه في التدوين والتأليف ويرى نفسه لا يحسن غير ذلك ، ويشجع الآخرين ، ويمدهم بهذا الزاد ، لو كان الأمر من باب تكامل الأدوار والتكاتف كما كان عهد الصحابة رضوان الله عليهم ، هذا شيء جميل ، أين مرويات الصحابي الجليل خالد ابن الوليد ؟ أين غزوات الصحابي الجليل أبي هريرة ؟ كان هذا له ميدانه وهذا له ميدانه ، وبينهم نوع من التكامل ، أما أن يرى هذا المنكفئ على كتبه ودفاتره أن هذا هو الحق فلا ، لو أخذ الأمر على أنه على ثغر من الثغور وغيره يقوم فهذا اسمه : مؤلف ، هذا الذي تحدثت عنه اسمه مؤلف ، أما الذي يصدع بكلمة الحق ، والذي يقول كلمة الحق ، فهذا مجاهد ، هذا مناضل ، هذا ثوري ، لكن ليس معنى هذا أن يكون خاوي الوفاض ، فالإمام أبو حامد الغزالي يقول : البلاغ زكاة ، فلا يؤدي الزكاة من لا يملك النصاب ، لابد لأن أزكي عن هذا العلم أن يكون لدي النصاب ، والنبي صلى الله عليه وسلم البعض يستدل بها وهي ضده :

((بلِّغوا عني ولو آيَةً))

[ صحيح البخاري]

 يقول لك : لدي آية واحدة أبلغها ؟ لكن يجب أن تكون تعرف هذه الآية ، هل هي منسوخة أم لا ؟ هل أنت تحفظها حفظاً جيداً ؟ اقرأ تفسيرها ، وبلغها ، لكن يجب أن يكون عندك ، أما فاقد الشيء فلا يعطيه ، ينبغي أن يكون عندنا في العالم الإسلامي وبين العلماء قضية أن يكون هناك تخصص ، ويقف كل منا على ثغر لو حدث نوع من التكاتف فهذا خير .
المذيع :
 يقول بعضهم : إن إطلاق هذه الأمور دون قيد هذه الصورة يعظّم كثيراً من دور علماء الدين بما يصل بنا إلى هيمنة رجال الدين مرةً أخرى ، الهيمنة المذمومة التي خابرها الغرب في عصوره المظلمة على مجريات حياة الناس ، وكذلك على الجوانب السياسية بما يسمى الثيوقراطية في العلوم السياسية ، وهذا أيضاً مذموم ، هل ترى لهذا التخوّف من وجاهة في الحالة الإسلامية ؟

من سلك طريق العلم لرفعة الأمة إنسان محترم :

الدكتور محمد الصغير :
 هذا ظلام من الغرب كما عبر الشيخ محمد الغزالي رحمه الله ، وهذه الحقبة الظلامية التي حلّت بالغرب ، وسيطرت فيها الكنيسة ، وأحرقت العلماء ، وأحرقت الكتب ، هي أحرقت البشر وأحرقت الورق ، فهذا أنتج ظاهرة العلمانية عندما كفرت أوروبا بالكنيسة وبرجالها ، هذه تجربة عقيمة ، هذه تجربة مذمومة ، فلا تحملني أنا تبعات هذه التجربة ، أنا منهجي وديني وشرعي يناقض هذا تماماً ، لا يوجد في النصوص الشرعية في القرآن أو السنة في تفضيل العالم تخصيص عالم الدين ، إنما :

((من سلك طريقًا يبتغي علمًا سهل اللهُ له طريقًا إلى الجنَّةِ))

[ أخرجه الترمذي]

 أياً كان هذا العلم ، فكل صاحب علم في الإسلام شريف ، وكل صاحب تخصص مقدر ومحترم مادام يستخدم هذا التخصص وهذا العلم في رفعة الأمة ، وفي نهضة الشعوب ، أما أن يسيطر العالم ، وتصبح الكنيسة هي الدولة ، وهي الحاكم ، فهذا نموذج غير موجود؛ لأنّه لا يوجد عندنا في الإسلام طبقة اسمها : رجال الدين ، إنما أنا لدي تخصصات ، لدي القاضي ، ولدي المفتي ، ولدي الداعية ، ولدي المجاهد ، ولدي الثوري ، ولدي المناضل ، وكل واحد فيهم له مجاله ، فهذه الشبهة عبارة عن فوبيا ، الغرب أصبح عنده فوبيا من رجال الدين ، وإن كان لو نظرنا الآن في بعض الدول العربية الكنيسة أصبحت دولة ، وأصبح رئيس الكنيسة يستقبل رؤساء الدول كما يستقبله رئيس الجمهورية .
المذيع :
 فضيلة الشيخ تطرقت إلى موقف الإمام أحمد بن حنبل ، وكان لا يدخل على الحكام ولا يخالطهم ويعتزلهم بهذه الصورة…
الدكتور محمد الصغير :
 بل ويجابههم .
المذيع :
 الإمام أحمد نعم ، لكن مسألة هيبة العالم ووقاره أحياناً لا تتحقق فقط بالصدع بكلمة الحق ، ولكن تتحقق بالعيشة الكريمة التي يعيشها ، إذا ذهب أحدهم إلى محاضرة مثلاً وهو غير مهندم الثياب ، لا يجد ما يرتديه من ثياب لائقة وكريمة ، قد يسقط من نظر الناس الذين سيحاضرهم ، إذا لم يكن يملك قوت يومه ، ربما أيضاً لا يكون قادراً على الاطلاع بالمهمة الجليلة التي ينبغي أن يطلع بها ، كيف نضع الحدود بين الاحتياج إلى ما يفرضه الحاكم أو تفرضه الدولة للعالم لتضمن له عيشةً كريمة وبين الدوران في فلك هذه الدولة وسياستها وتأييدها التأييد المطلق الأعمى ؟

الابتعاد عن ظواهر الإسفاف والإخلال بمكانة العالم :

الدكتور محمد الصغير :
 نبدأ بالدولة ؛ أُريد للعالم أن يكون بحاجة إليها ، وأن يأخذ منها الراتب ، فتحول من الرسالية إلى الوظيفية ، بدل أن كان صاحب رسالة ، أصبح صاحب وظيفة ، وأصبح الولاء لمن يعطي الراتب ، وإلى عهدٍ قريب كان الأزهر له مخصصاته ، له مخصصات في اليونان ، وفي السنغال ، وفي أغلب دول العالم ، وكان علماء الأزهر يأخذون رواتبهم وشيخ الأزهر من أوقاف الأزهر ، لما حدث التأميم ثم تلاه التعيين ، فأصبحت أنا أملك التعيين وأعطي الراتب ، فلابد أن آخذ الولاء الكامل لهذا ، ويصبح دائماً بحاجة إلى هذا الراتب ، حتى روى ابن جماعة عن الإمام الشافعي رحمه الله قال : لو كُلفت بشراء بصلة ما كتبت سوداء في بيضاء ، أو قال : ما حفظت مسألة ، لو لم يُهيأ للعالم العيش الكريم ، ويكون راتبه من الدولة ، من خزينة الدولة ، ليس منّةً لأحد ، حتى لا يسيطر أحد أو يوجه أحد قرار هذا العالم ، لكن بالمقابل بعض العلماء يفقدون هيبتهم ، الحرص على الحضور الإعلامي ، مثلاً داعية ، مرةً يحلق شاربه ، مرةً يحلق لحيته ، حتى تبقى عليه الإضاءة ، وآخر يقول : نحن نعمل مظهراً جديداً ، من يمسك الأزهار ، ومن يمسك السبحة ، هناك بعض القراء يقرأ وهو يعمل لنفسه شكلاً ، عند نهاية الآية يعلق السبحة ، وعند بداية الآية ، هذا امتهان لمقام القراءة ، وهذا امتهان أن يكون الرجل الذي يفتي الناس يأخذ بأحاديث جانبية ، ويدخل بدلاً من الفتوى إلى درجة الإسفاف ، هنا ليست الدولة التي أزرت بهذا الداعية ولكن أزرى بنفسه .
المذيع :
 طالما يحافظ على سلامة فتواه أو علمه ، ما المشكلة في أن ينزل بمستوى كلامه حتى يخالط عوام الناس ويفهمهم ويفهمونه ؟
الدكتور محمد الصغير :
 هناك فرق بين أن أُبسّط المعلومة أو أن أصل إلى درجة الإسفاف ، أن يصل الأمر إلى درجة الإسفاف وكأنه حديث بين بائع متجول وبائعة مرت أمامه ، هذا لا يمت إلى العلم بصلة ، لو قرأ هؤلاء ما كان يفعله الأكابر من علماء المسلمين ، أنس بن مالك كان لا يحدث إلا إذا اغتسل ، ولبس جبّته ، وكوّر عمامته ، احتراماً لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واحتراماً لطلاب العلم الذين جاؤوا إليه ، لا يخرج إلا في كامل الهيئة ، وكامل الهيبة ، ستقول لي : هذا مالك بن أنس ، نأخذ الإمام المراغي ، شيخ الأزهر قال : لو أردت أن أعزل فاروق لفعلت ، وهنا يذكرنا هذا بقول أحمد شوقي رحمه الله في وصف هؤلاء : كانوا أجلَّ من الملوك جلالةً ، وأعز سلطاناً ، وأفخم مظهراً .
المذيع :
 فضيلة الشيخ ليس كل الناس يملكون هذه القدرة ، مثلاً مما معروف أن الشيخ الشعراوي رحمه الله كان قادراً على أن يتحدث بفصاحة وبلاغة يفهمها المتعلم ونصف المتعلم والأميّ على السواء ، لكن ليس كل الناس قادراً على هذا الأمر ؟
الدكتور محمد الصغير :
 أنا لست ضد تبسيط المعلومة ، وإنما أنا أتحدث عن ظواهر من ظواهر الإسفاف والإخلال بمكانة العالم ، أن يصل الأمر إلى الإسفاف في الحديث ، أن ينزل حتى أنا أستحي أن تسمع ابنتي هذا الحوار ، إذا وصل الأمر أن أستحي أن تسمع ابنتي هذا الحوار ، أو تنصت زوجتي لهذا الحديث من رجل المفروض أنه يفتي ، إنها لإحدى الكبر .
المذيع :
 ختاماً فضيلة الدكتور رسالة لرجال الدين أو لعلماء الدين في هذه الأمة ، ما الذي ينبغي عليهم أن يفعلون في هذه المحن المتلاحقة ، والفتن التي يسلم بعضها بعض ؟

رسالة لرجال الدين في هذه الأمة :

الدكتور محمد الصغير :
 الأمة أمانة في أعناق علمائها ، الله تبارك وتعالى شرّفهم ، فقال تعالى :

﴿ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَٰلِكَ ۗ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28)﴾

[ سورة البقرة]

 وقال صلى الله عليه وسلم :

((الدُّنيا ملعونةٌ وملعونٌ ما فيها إلَّا ذِكرَ اللَّهِ أو عالِمًا أو متعلِّمًا))

[ صحيح الجامع]

 وبلغ الأمر من شرف العلم إلى - أعزكم الله - تفضيل الكلب العالم الكلب ، العالم له فضل عن الكلب الجاهل ، وهذا حديث في القرآن الكريم ، قال تعالى :

﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ ۖ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۙ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ ۖ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (4)﴾

[ سورة المائدة]

 بمعنى الكلب المتدرب على الصيد يؤكل صيده ، الكلب الجاهل لا يؤكل صيده ؛ لأنّ المدرّب صاد لسيده بالتعليم ، والجاهل صاد لنفسه ، فإذا كان هذا الشرف وهذه المكانة ، فعلى قدر التشريف يكون التكليف ، فأنتم ربان السفينة لهذه الأمة الحائرة ، التي تتلاطمها أمواج كثيرة ، لا ينبغي أن يتأخر العالم عن بيان الحق ، فقد حفظنا منكم ، وقد علمتم طلابكم ، أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ، الأمة في حاجة إلى بيانات عامة ، وكاملة ، وشاملة من ألسنة العلماء ، ومن كتابات العلماء ، الآن الأمة تحتاج إلى جوار فقه الصلاة وفقه الصيام إلى الفقه السياسي .
 حياة شيخ الإسلام ابن تيمية ، لو نظرنا إلى أكثر سهام تصوب لعالم في ظني في تاريخ الأمة إلى شيخ الإسلام ابن تيمية ؛ لأنّه قدّم صورة العالم الذي يهتم بكل كبيرة وصغيرة في أمر الأمة ، في أمر الجهاد في أوائل الصفوف ، في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أول المحتسبين ، وسبحان الله لا ينقضي عجبي من أناسٍ يرفعون كلمة التيمية وينتسبون إلى الحنبلية ويتركون أهم صفات هذه المدرسة ، وهي الصدع بالحق ، والوقوف أمام الظلم ، وردع الجائر ، والحفاظ على مقدرات الأمة .

خاتمة وتوديع :

المذيع :
 فضيلة الشيخ محمد الصغير ، عضو مجلس أمناء الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين شكراً جزيلاً لكم على هذه المشاركة .
 ختاماً مشاهدينا الكرام ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم :

((اللهُمَّ مَنْ ولِي من أمْرِ أُمَّتِي شيئًا فَشَقَّ عليهم فاشْقُقْ علَيهِ ، ومَنْ ولِيَ من أمرِ أُمَّتِي شيئًا فَرَفَقَ بِهمْ فارْفُقْ بِهِ))

[ صحيح الجامع]

 هذه الحديث رواه الإمام مسلم ، علماء الأمة إذاً هم لسان الحق ، ومنارات الهدى ، والرجوع إليهم رجوعٌ إلى ما أمر به الله عز وجل ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم ، بثباتهم واستقامتهم تعتدل لدى الناس الموازين بين الدنيا والدين ، وتصح العلاقة بين الحاكم والمحكومين، دمتم في أمان الله ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

إخفاء الصور