وضع داكن
11-07-2026
Logo
الخطبة : 1051 - الصيام ، الإنفاق في كتاب الله عز وجل - الحض على الصدقة .
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمَن جحد به وكفر، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم، رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ، أو سَمِعَت أُذُنٌ بخبر.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغُر الميامين، أُمناء دعوته وقادة ألويته، وارضَ عنّا وعنهم يا ربَّ العالمين. 
اللهم لا عِلم لنا إلا ما علَّمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علَّمتنا وزِدنا عِلماً، وأرِنا الحقَّ حقَّاً وارزقنا اتباعه، وأرِنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتَّبِعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القُربات.
أيُّها الإخوة الكرام: نحن في الأسبوع الرابع، ونحن في الخُطبة الثالثة من خُطب رمضان، والموضوع اليوم حول الإنفاق.
أيُّها الإخوة الكرام: لو تتبَّعنا الإنفاق في كتاب الله عزَّ وجل، لوجدنا فيه معانٍ دقيقةٍ جداً.

من صفات المؤمن الأساسية الإنفاق:


أيُّها الإخوة: أولاً من صفات المؤمن الأساسية الإنفاق، قال تعالى يصف المؤمنين:

﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3)﴾

[ سورة البقرة ]

وهذه أوسع آيةٍ في الإنفاق، من أي شيءٍ رزقك الله، سواءً أكان علماً، أم مالاً، أم جاهاً، أم مكانةً، أم خبرةً، إلى آخره... (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) لأنك جئت إلى الدنيا من أجل أن تدفع ثمَن الآخرة، والآخرة ثمنها العمل الصالح.
فلذلك علّة وجودك في الدنيا أن تعرف الله، وأن تتقرَّب إليه بالعمل الصالح، لتكون المعرفة والعمل الصالح ثمناً للجنَّة التي خُلِقت من أجلها، فالذي آمن بالآخرة يبني حياته على العطاء، أمّا الذي آمن بالدنيا فيبني حياته على الأخذ، فشتَّان بين أن تفرح بالعطاء أو أن تفرح بالأخذ، أتباع الأنبياء يفرحون بالعطاء، لكن أتباع الأقوياء يفرحون بالأخذ، بالتعبير المُعاصر استراتيجيتك الأساسية أنك في الدنيا من أجل أن تُعطي، وتُعطي من أجل أن تكون في أعلى عليِّين عند الله عزَّ وجل.
أيُّها الإخوة: الآن التحذير:

﴿ وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ۛ وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195)﴾

[ سورة البقرة ]

إن لم تُنفقوا، ما الذي يُقابل عدم الإنفاق؟ الهلاك، لأنك تأتي يوم القيامة صِفر اليدين فقيراً، هذا الذي عناه سيدنا علي رضي الله عنه حينما قال: "الغنى والفقر بعد العرض على الله" .
ماذا قال سيدنا موسى حينما سقى للفتاتين؟

﴿ فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24)﴾

[ سورة القصص ]

المؤمن مُفتقرٌ إلى العمل الصالح، وغير المؤمن مُفتقرٌ إلى المال، الغِنى الحقيقي أن تأتي ربَّك يوم القيامة وجعبتك ممتلئةٌ بالأعمال الصالحة.

الوعيد الشديد لمَن لا يُنفِق:


لذلك: (وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) قال بعض المُفسِّرين: إن لم تُنفقوا.
الوعيد الشديد لمَن لا يُنفِق:

﴿  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۗ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ۖ هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ (35)﴾

[ سورة التوبة ]

كيف أنَّ الورَم الخبيث مرضٌ عُضال يُصيب الجسم، وقد يُنهي حياة صاحبه، كذلك الشُحّ هو مرض النفس العُضال، والدليل:

﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9)﴾

[ سورة الحشر ]

لذلك الزكاة تُطهِّر نفس الغني من الشُحّ، وتُطهِّر نفس الفقير من الحِقد والحسَد، وتُطهِّر المال من تعلُّق حقِّ الغير به، وتُطهِّر المجتمع من التفاوت الطَبَقي.
أيُّها الإخوة الكرام: لكن منهج الله منهجٌ كاملٌ، مُتكاملٌ، شامل، فالذي يُنفِق فقط، ولا يلتزم بأمر الله ونَهْيّه، قد لا يُحقِّق الفائدة من الإنفاق، الدليل:

﴿ قُلْ أَنفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ ۖ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (53)﴾

[ سورة التوبة ]

هناك نماذجٌ، منهم مَن يُنفِق بغير حساب، معه أموال لا تأكلها النيران، لكنه يخضع لشهواته المُحرَّمة من دون قلقٍ، ومن دون إحراج، ويظن أن هذا المال الذي يُنفقه سيُنجيه يوم القيامة، الجواب هذه الآية: (قُلْ أَنفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ ۖ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ) أنا أدعو إخوتي الكرام، أنهم إذا أنفقوا ينبغي أن تُرافق نفقاتهم استقامةٌ على منهج الله.

المال الذي جعله الله بين يديك هو أمانةٌ عندك وليس لك:


لكن المعنى الدقيق، أنَّ هذا المال الذي جعله الله بين يديك، هو أمانةٌ عندك وليس لك، استخلفك الله به، جعلك أميناً عليه، يدك عليه يد الأمانة، لك أن تُنفِق منه بالمعقول، أمّا أن تنُفِق الأموال الطائلة على ملذاتك، حتى ولو أنها مُباحةٌ، والناس يتضورون من الجوع، فهذا ليس من صفات المؤمن، يمكن أن تُنفِق من مالك بالمعروف، لكن الفقراء والمُعذَّبون بحاجةٍ إلى هذا المال، لذلك قال تعالى:

﴿ آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7)﴾

[ سورة الحديد ]

أنت مُستخلفٌ على هذا المال، ويدُكَ عليه يدُ الأمانة.
لكن قد يقول أحد الإخوة الكرام، وله عند الله شأنٌ كبير، أنه لا يجد ما يُنفِق، بماذا نُجيبه؟ نُجيبه بهذه الآية:

﴿ لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَىٰ وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ۚ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (91)﴾

[ سورة التوبة ]

(( أتى النبيَّ صلى اللهُ عليهِ و سلمَ رجلٌ يستحملُه فلمْ يجدْ عندهُ ما يتحملُهُ فدلَّه على آخرٍ فحملَهُ فأتى النبيَّ صلى اللهُ عليهِ و سلمَ فأخبرَه فقال إنَّ الدالَ على الخيرِ كفاعلِه ))

[ أخرجه الترمذي ]

ما هذا الحديث؟ لك مثل أجر المُنفِق، إذا كنت وسيطاً بين غنيٍ وفقير، وزيَّنت للغني أنَّ هذا الفقير في أمسّ الحاجة إلى بعض المعونة، وكنت أنت الوسيط، وكنت أنت السبب، فلا تنسَ أن لك مثل أجر صاحب المال، أليست هذه بحبوحة لمَن لا يجد ما يُنفِق؟ فإن لم تُنفِق فكُن سبباً في الإنفاق، انقل حاجة الفقراء إلى الموسرين، اجمعهم مع بعضهم بعضاً، يسِّر سُبل الإنفاق.

أحد أسباب القُرب من الله الإنفاق:


ومَن منّا لا يُصدِّق أنَّ أحد أسباب القُرب من الله الإنفاق، والدليل:

﴿ وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ ۚ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ ۚ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (99)﴾

[ سورة التوبة ]

أحد أسباب القُرب، ألم يقُل الله عزَّ وجل:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (35)﴾

[ سورة المائدة ]

الإنفاق هو أحد الوسائل التي تتقرَّب بها إلى الله.
بالمناسبة، أحياناً يشعر الإنسان أنَّ الله ليس راضياً عنه، لأنَّ الله كاملٌ كمالاً مُطلَقاً، الله عزَّ وجل يُسترضى، والأقوياء لا يُسترضون، لكن الله جلَّ جلاله مَلِك الملوك يُسترضى، فالله عزَّ وجل يُسترضى بالصدقة.

(( صدقةُ السرِّ تطفئُ غضبَ الربِّ ))

[ أخرجه الطبراني ]

(( باكِروا بالصَّدَقةِ فإنَّ البلاءَ لا يتخطَّاها ))

[ أخرجه الطبراني ]

‏ويقول الإمام ابن القيِّم رحمه الله :"لو عَلِم المُتصدِّق حقَّ العلم وتصور أن صدقته تقع في يد الله قبل يد الفقير لكانت لذة المُعطي أكبر من لذة الآخذ" .
فإذا ساءت علاقة الإنسان مع الله، إذا زلَّت قدمه، إذا ارتكب خطأً، إذا ارتكب فاحشةً ـ لا سمح الله ولا قدَّر ـ إذا ارتكب إثماً، فالطريق ليس مغلقاً أمامه، بالصدقة يَسترضي الله.

(( اتَّقِ اللهَ حيثُما كنتَ، وأتبِعِ السَّيِّئةَ الحسَنةَ تَمْحُهَا، وخالِقِ النَّاسَ بخُلُقٍ حَسنٍ  ))

[ أخرجه الترمذي وأحمد ]

الصدقة لها وظيفةٌ، إنْ ساءت العلاقة مع الله، يمكن عن طريق الصدقة أن تسترضي الله عزَّ وجل (باكِروا بالصَّدَقةِ فإنَّ البلاءَ لا يتخطَّاها) ، (صدقةُ السرِّ تطفئُ غضبَ الربِّ) .

يمكن أن تُنفِق الصدقة سِرَّاً ويمكن أن تُنفِقها علانيةً:


أيُّها الإخوة: يمكن أن تُنفِق الصدقة سِرَّاً، وهذا ضمانٌ لإخلاصك، ويمكن أن تُنفِقها علانيةً، وهذا تشجيعٌ منك لمَن حولك، فإذا نويت التشجيع، وأعلنت الصدقة فلا شيء عليك، لكن الضابط في هذا الموضوع، أنَّ الصدقة إذا توجَّهت لإنسانٍ فالأَولى أن تكون سِرَّاً، أمّا إذا توجَّهت إلى جمعيةٍ، أو إلى لجنةٍ، أو إلى مشروعٍ، أو إلى شخصيةٍ اعتبارية، فينبغي أن تكون علانيةً.
لي تجربةٌ متواضعة، كنت فيما مضى، أُدعى إلى إلقاء كلمةٍ في رمضان، من أجل استنهاض الهِمَم في التبرُّع، فكان المبلغ كبيراً جداً، يقترب من ستة ملايين ليرة، في بعض الأعوام طُلب أن يكون التبرُّع على ورقةٍ بشكلٍ سِرّي، فكانت النتيجة ستمئة ألف ليرة فقط، لذلك:

﴿ إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271)﴾

[ سورة البقرة ]

إذا توجَّهت الصدقة إلى جمعيةٍ، إلى مؤسسةٍ، إلى صندوقٍ، إلى شخصيةٍ اعتبارية، أنا أُرجِّح أن تكون مُعلنةً تشجيعاً للباقين، أمّا إذا توجَّهت إلى إنسانٍ، فيجب أن تكون سِرّاً بينك وبينه، كي تحفظ له ماء وجهه.

الإنفاق يجب أن يكون مُعتدلاً:


أيُّها الإخوة: الإنفاق يجب أن يكون مُعتدلاً.

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا (67)﴾

[ سورة الفرقان ]

الإنسان في حالة تألُّقٍ مع الله قد يُنفِق ماله كله، لكن بعد حينٍ تضعُف نفسه، وقد ينتكِس، لذلك ما أخذ النبي عليه الصلاة والسلام من صاحبٍ من أصحابه ماله كله إلا أبا بكر، من عمر أخذ نصف ماله، وبعضهم يفهم قوله تعالى: (وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) يفهمون المعنى: إن أنفقتم كل مالكم، يهلك الإنسان إن لم يُنفِق، وقد يهلك الإنسانُ بنكسةٍ لا يتمنَّاها إذا أنفق كل ماله (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا) .
أيُّها الإخوة: المُنفِق ما الذي يطمَح إليه؟
قبل هذا، لو معك هديةٌ تريد أن تُقدِّمها لإنسانٍ، وهو مريضٌ، فُتِحَ لك الباب، وقدَّمتها لابنه، فإنك تقلق قليلاً، تقول في نفسك: يا ترى أوصلها إلى أبيه؟ بلَّغه ممن؟ ذَكرَ له اسمي؟ لذلك تأخذ احتياطاً فتضع بطاقةً في داخل الهدية، حتى إذا فُتِحَت رأوا البطاقة، إذاً المُنفِق حريصٌ أن يعلم من أُنفِق له، أنك أنت الذي أنفقت، الله عزَّ وجل يُطمئنُنا فيقول:

﴿ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ ۗ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ (270)﴾

[ سورة البقرة ]

فهو ليس بحاجةٍ إلى إيصالٍ، وليس بحاجةٍ إلى بطاقةٍ، لأنَّ الله يعلم كل شيءٍ، فلمُجرَّد أن تُنفِق فهذا الإنفاق بعِلم الله عزَّ وجل، هذه أول طمأنةٍ من الله، أن أيّ شيءٍ تُنفقونه يا عبادي هو بعلمي، وقد سُجِّل في صحائفكم، وترتقون به.
وما الذي تتمنّى أيضاً؟ أنك إذا أنفقت هذا المال، أن يعوِّضه الله عليك أضعافاً مُضاعفة، فالله طمأنك أيضاً فقال:

﴿ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ۚ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (39)﴾

[ سورة سبأ ]

﴿  لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۗ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (272)﴾

[ سورة البقرة ]


أي شيءٍ تُنفقه يعلمه الله وأيّ شيءٍ تُنفقه يُعوُّضه الله عليك:


والله أيُّها الإخوة، لو لم يكن في موضوع الإنفاق إلا هاتان الآيتان لكفتا، أي شيءٍ تُنفقه يعلمه الله، وأيّ شيءٍ تُنفقه يُعوُّضه الله عليك، لكن هذا الذي ـ لا سمح الله ولا قدَّر ـ يتألى على الله، فيقول: أنا لا أُطعِم فقيراً شاء الله له أن يكون فقيراً، وهناك تعبيرٌ يستخدمه العامة: ما يكفي العباد إلا ربِّ العباد، ولست أرحم من ربِّه، هذا كلامٌ نُسِبَ في القرآن الكريم إلى الذين كفروا.

﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (47)﴾

[ سورة يس ]

إيَّاكم أن تتمثلوا أقوال العامة أحياناً، فهناك أقوالٌ للعامة والله هي الكُفر بعينه، الله عزَّ وجل أرادك أن ترقى بهذا الفقير، وأراد للفقير أن يرقى بمعونتك، ترقى أنت بالإنفاق، ويرقى هو بالأخذ، من قال لك: أنك إن لم تُطعِم فهذه هي الحكمة؟!
ثم يقول الله عزَّ وجل:

﴿ هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ ۚ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم (38)﴾

[ سورة محمد ]

﴿ مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ (46)﴾

[ سورة فصلت ]

هذا المعنى الدقيق: النبي عليه الصلاة والسلام بتعبيرٍ رائعٍ دقيق، كان يوزِّع شاةً والسيدة عائشة معه، يبدو أنه وزَّع مُعظمها، وكاد أن يوزِّعها كلها فقَلِقَت:

(( أنَّهم ذبحوا شاةً فقالَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ ما بقيَ منْها؟ قلت ما بقيَ منْها إلَّا كتفُها، قالَ: بقيَ كلُّها غيرَ كتفِها ))

[  أخرجه الترمذي وأحمد وابن أبي شيبة ]

الذي تُنفقه هو الذي يبقى، لذلك الحديث الرائع:

(( أتَيتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو يَقرَأُ: {ألهاكُمُ التَّكاثُرُ} ، قال: يقولُ ابنُ آدَمَ: مالي، مالي، قال: وهل لَكَ - يا ابنَ آدَمَ- مِن مالِكَ إلَّا ما أكَلتَ فأفنَيتَ، أو لَبِستَ فأبلَيتَ، أو تَصَدَّقتَ فأمضَيتَ؟! ))

[ صحيح مسلم ]


الفرق بين الكسب والرزق:


لذلك فرَّق العلماء بين الكسب والرزق، الكسب هو حجمك المالي، هذا هو الكسب، مالٌ كسبته لم تنتفِع به إطلاقاً، وسوف تُحاسَب عنه قرشاً قِرشاً، ما قولك؟ الكسب غير الرزق، الكسب رقمٌ في الميزانية، رقمٌ في الحساب، لكنك سوف تُحاسَب عنه قرشاً قرشاً، أمّا الرزق فهو ما انتفعت به، والذي انتفعت به أصنافٌ ثلاثة، صنفٌ استهلكته وأكلته، وصنفٌ بَليَ وهو الثياب، والصنف الثالث بقيَ.
إذاً: لو أنَّ إنساناً يملِك مئة، واستخدم ثلاثة بالمئة، واحد بالمئة أكله، وواحد لبسه، وواحد تصدَّق به، فبقيَ من المئة كلها واحد (وهل لَكَ - يا ابنَ آدَمَ- مِن مالِكَ إلَّا ما أكَلتَ فأفنَيتَ، أو لَبِستَ فأبلَيتَ، أو تَصَدَّقتَ فأمضَيتَ) .
أندَم الناس مَن دخل ورثته بماله الجنَّة، ودخل هو بماله النار، وأندَم الناس من عاش فقيراً ليموت غنياً، يقول الله عزَّ وجل:

﴿ وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (10)﴾

[ سورة الحديد ]

هذا الذي إن لم تُنفقه سوف يرثه الله عزَّ وجل، وهو خير الوارثين، وكل شيءٍ بيَدِنا مؤقَّت، بيتك مؤقَّت، المال مؤقَّت، وهو سبحانه خير الوارثين.
لكن الله سبحانه وتعالى بآيةٍ يذوب لها المؤمن، يسألك أن تقرضه:

﴿ مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ۚ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245)﴾

[ سورة البقرة ]


الإنفاق قرضٌ لله عزَّ وجل والله يرُدّ القرض بفوائدٍ فلكية:


أنت حينما تُنفِق نفقةً فكأنك تُقرضها إلى الله، والله عزَّ وجل يرُدّ القرض بفوائدٍ فلكية، بفوائدٍ تفوق حدَّ الخيال، وقد يرى الإنسان لقمةً وضعها في فم زوجته يوم القيامة كجبل أُحُدٍ.
ولئلّا يقَع الندم القاتل عند الموت يقول الله عزَّ وجل:

﴿ وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ (10) وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا ۚ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (11)﴾

[ سورة المنافقون ]

(( دعا أحدُهم النبي عليه الصلاة والسلام، وقدَّم له خَلَّاً من شدّة فقره، فقال عليه الصلاة والسلام تعليماً لنا، وجبراً له قال: نِعمَ الأُدُمُ - أوِ الإدامُ- الخَلُّ، وفي روايةٍ: نِعمَ الأُدُمُ، ولَم يَشُكَّ ))

[ أخرجه مسلم ]

بعض الروايات: أن غنياً دعا النبي إلى خلٍّ فقال: بئس الإدام الخل.
صدقة الفطر مئة ليرة، ويكون مع أحدهم مئات الملايين، يقول لك: الحمد لله عندي خمسة فدفعت خمسمئة ليرة! أنت صدقتك خمسة آلافٍ عن كل شخصٍ.

﴿ لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ ۚ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا ۚ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (7)﴾

[ سورة الطلاق ]

هذا الحد الأدنى، ولا حدّ لأكثره، إذا قلنا: صدقة الفطرة مئة ليرة فلا حدَّ لأكثرها (لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ ۚ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا ۚ) .
أيُّها الإخوة:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ ۖ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267)﴾

[ سورة البقرة ]

أحياناً الإنسان يُقدِّم الصدقة من شيءٍ عافته نفسُه، نقول له: هذه هديةٌ إلى الله، فكيف تُقدِّمها إليه؟ وقد كان بعض الصالحين يُعطِّر المال قبل أن يدفعه للفقير، وكان يُقدِّم أجمل ما عنده، وأحد الصحابة قدَّم أجمل بُستانٍ في بيرُحاء في المدينة، قدَّمه لله عزَّ وجل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ) .

مَن هذا الذي يستحق صدقتك؟


الآن الشيء الدقيق الدقيق: ولعلَّه أهم ما في هذا الخِطاب: مَن هذا الذي يستحق صدقتك؟ هذا الذي يستحق صدقتك لا يسألك إطلاقاً، فتظنه غنياً من التعفُّف، ابحَث عن هذا، ابحَث عن إنسانٍ له عزة، وله كرامة، وله تجمُّل، وعنده حياء، ويخجَل أن يسأل، لذلك سُمّيَ هذا في القرآن محروماً.

﴿ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19)﴾

[  سورة الذاريات ]

من شدّة حيائه، ومن شدّة كرامته، ومن شدّة عزَّته، لا يسأل، هذا الذي يستحق، لذلك وجب علينا في ضوء هذه الآية:

﴿ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ۗ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273)﴾

[ سورة البقرة ]

هؤلاء الذين يستَّحقون صدقتك، هؤلاء لن يأتوك إلى البيت، لن يطرقوا بابك، لن يسألوك، بل تتوهم أنهم أغنياء، تجده نظيفاً، أنيقاً، مُتجمِّلاً، يقول: الحمد لله، لذلك:

((  من تضعضع لغنيٍّ ذهب ثلثا دِينِه ))

[ فتاوى ابن الصلاح ]

ابحَث عن هذا، هذا ينبغي أن تبحَث عنه أنت، ولن يأتيك إلى البيت، ولن يُلِحّ عليك، ولن يعترضك، ولن يقتحم عليك خلوتك، اعطِ هذا الإنسان.
أيُّها الإخوة: هناك مَن يتوهم أنَّ الإنفاق يكون في حالة الغنى، لكن الله يصف المؤمنين الصادقين فيقول:

﴿ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(134)﴾

[ سورة آل عمران ]

وهناك إنسانٌ إذا كان هناك مَحفلٌ كبير، وفيه أسماءٌ رنَّانة، وفيه لوحة شرف، وهناك رخامةٌ تكتب باسمه، يدفع، أمّا إذا كان له قريبٌ فقير، يموت من الجوع، لا يدفع له شيئاً، وهذه حالاتٌ موجودة.
والله سمعت عن بلدٍ إسلامي، أنه كان فيه أحد علماء دمشق، أبلغوه أنَّ رجُلاً غنياً دفع ثلاثمئة مليون دولار للفقراء، فهذا العالِم الشامي صُعِق، ما هذا المبلغ؟! قال لهم: أُريد أن ألتقي به، ففي اليوم الثاني دُعيَ إلى طعام الإفطار، وكان موجوداً، جاء هذا العالِم الدمشقي، وقال: أين هذا الغني؟ قالوا له: هو جالسٌ إلى جانبك، من شدّة تواضعه ما عرفه أنه المُنفِق، وغيرُه يتصدَّق بخمسة آلافٍ ويريد رخامةً خاصةً باسمه، وإذا لم تضَع رخامةً باسمه لا يُعطيك المبلغ، هذا الذي يُنفِق رئاء الناس:

﴿ وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ۗ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (38)﴾

[ سورة النساء ]

أمّا إنفاق الذين كفروا فهناك آيةٌ خاصةٌ بهم:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36)﴾

[ سورة الأنفال ]

أيُّها الإخوة: والإنسان من شأنه أنه مُقتِّر:

﴿ قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنفَاقِ ۚ وَكَانَ الْإِنسَانُ قَتُورًا (100)﴾

[ سورة الإسراء ]

إذا لم يعرف الإنسان الله عزَّ وجل يكون قتوراً.

رمضان شهرٌ مناسبٌ للإنفاق وصلة الأرحام والتقرُّب إلى الله:


أيُّها الإخوة: نحن في شهر رمضان، نحن في شهر الإنفاق، نحن في شهر القُرب من الله، نحن في شهر الصدقات، نحن في شهر زكاة الفطر، نحن في شهر زكاة المال، نحن في شهر العمل الصالح، نحن في شهر العِتق من النار، نحن في شهر التوبة والمغفرة.

((  صعِد النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المنبرَ، فقال: آمين، آمين، آمين، فلمَّا نزل سُئل عن ذلك، فقال: أتاني جبريلُ، فقال: رغِم أنفُ امرئٍ أدرك رمضانَ فلم يُغفرْ له، قُلْ: آمين، فقلتُ: آمين، ورغِم أنفُ امرئٍ ذُكِرتَ عنده فلم يُصلِّ عليك، قُلْ: آمين، فقلتُ: آمين، ورغِم أنفُ رجلٍ أدرك والدَيْه أو أحدَهما فلم يُغفرْ له، قُلْ: آمين، فقلتُ: آمين ))

[ أخرجه البزار والطبراني والشجري ]

هذا شهرٌ مناسبٌ للإنفاق، وصلة الأرحام، والتقرُّب إلى الله بكتابه الكريم، وبالعمل الصالح، أسال الله لي ولكم، أن ننتفع بهذه الآيات التي تلوتها عليكم، والحمد لله ربِّ العالمين. 

* * *

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين.
أيُّها الإخوة الكرام: الصدقة شيءٌ رائعٌ جداً، ماذا قال الله عنها؟

﴿ لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177)﴾

[ سورة البقرة ]

دققوا الآن: (وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ) هذه الآية فسَّرها العلماء تفسيرين:
إمّا أنه آتى المال محبةً لله عزَّ وجل.
أو أنه آتى المال على الرغم من أنه يُحب المال، والأجر كبير على شيءٍ تُحبه، إمّا لأنك تُحب المال، أو لأنك تُحب الله، وكِلا المَعنَيَين يستقيم.

الزكاة شيء والصدقة شيءٌ آخر:


(وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ) وبعد ذلك: (وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ) أي الزكاة شيء والصدقة شيءٌ آخر.
ما لي أرى معظم المسلمين لا يُفكر إطلاقاً أن يدفع قرشاً واحداً من الصدقة، كل نفقته من الزكاة، حتى إذا أرادت ابنته مُكيِّفاً يُعطيها ثمنه من مال الزكاة، والله تأتيني أسئلةٌ على الهاتف، والله لا أتصور ذلك السائل: هل يجوز أن أُعطي الزكاة لأولادي؟!
إخوانّا الكرام: أيُّ زكاةٍ تُنفقها، بمعنى أنك سحبت ألف ليرة من هذا الجَيب ووضعتها في الجَيب الآخر، فأنت لم تُنفِق الزكاة إطلاقاً، الأخت يجوز لها الزكاة، لكن إن كانت عندك في البيت، وأنت مُكلَّفٌ بالإنفاق عليها، فأيُّ شيءٍ تدفعه لها من الزكاة باطلٌ، لأنك مُكلَّفٌ بالإنفاق.
لذلك أيُّها الإخوة: تأتي أسئلةٌ تجد السائل حريص حرصاً لا حدود له ألّا يُعطي أحداً شيئاً، كله ضمن بيته، يجعل الزكاة ضمن البيت الذي يسكنه فقط، إمّا لابنه، أو لابنته، أو بنت ابنه.
الأخ والأخت يجوز لهم الزكاة، لكن ما عندك إمكانيةٌ أبداً أن تُعطي إنساناً فقيراً لا تعرفه؟ أبداً، مع أنَّ العطاء للأقرباء فيه ثوابٌ كبير.

ثلاثة عواملٍ مُرجَّحة عند إنفاق الزكاة أو الصدقة:


لا تُقبَل زكاة مال أحدنا وفي أقربائه محاويج، لكن لا يمكن أن يفكر في الفقير، يريد إنساناً مُكتفياً لكن تنقصه حاجةً ثانوية يغطيها من الزكاة، لذلك لا يجوز أبداً أن تُعطي إلا الأفقر، الأقرب إلى الفقر، والأقرب إلى النَسَب، والأقرب إلى الإيمان.
عندك ثلاثة عواملٍ مُرجَّحة، استوى إنسانان في الفقر، فتعطي الأقرب إلى الإيمان، استوى إنسانان في الإيمان، فتعطي الأقرب إلى الفقر، استوى إنسانان في الإيمان والفقر، فتعطي الأقرب نَسباً، رجِّح النَسَب، ورجِّح الفقر، ورجِّح الإيمان، وابحَث عن هذا العفيف الذي لا يسأل، والذي لا يطلب، بنَص هذه الآية هو الذي يستحق زكاتك، وزكاة فطرك، والأَولى أن تُدفَع الزكاة في وقتٍ مبكرٍ، حتى ينتفع الفقراء بها.

الدعاء:


اللهم اهدِنا فيمَن هديت، وعافِنا فيمَن عافيت، وتولنا فيمَن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقِنا واصرِف عنّا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي بالحقِّ ولا يُقضى عليك، وإنه لا يذل مَن واليت، ولا يعزُّ مَن عاديت، تباركت ربَّنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك.
اللهم هَبّ لنا عملاً صالحاً يُقربنا إليك.
اللهم يا واصل المُنقطعين صِلنا برحمتك إليك.
اللهم أصلِح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلِح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلِح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر، مولانا ربَّ العالمين.
 اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمَّن سواك.
اللهم لا تؤمِنّا مكرك، ولا تهتِك عنّا سترك، ولا تُنسِنا ذكرك يا ربَّ العالمين.
اللهم بفضلك ورحمتك أعلِّ كلمة الحقِّ والدين، وانصُر الإسلام وأعز المسلمين، وخُذ بيد ولاتهم إلى ما تُحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، أعنّا على الصيام والقيام وغضِّ البصر وحفظ اللسان، وأدخلنا الجنَّة بسلام، واجعلنا من عُتقاء رمضان يا حنَّان ويا منَّان.

الملف مدقق

والحمد لله ربِّ العالمين. 

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

إخفاء الصور