٠30ندوات مختلفة - قناة سوريا الفضائية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

ندوة : 03 - العيد1.

1997-02-08

الأستاذ راتب:
 في أبسط مفهومات العيد، العيد عودة إلى الله، عودة إلى الفطرة وعودة إلى العقل السليم صعد النبي صلى الله عليه وسلم منبره فقال آمين فلما صعد الدرجة الثانية قال آمين فلما " صعد الدرجة الثالثة قال آمين سأله أصحبه الكرام، على ما أمنت يا رسول الله قال، جاءني جبريل وقال لي رغم انف عبد ( أي خاب وخسر) أدرك رمضان فلم يُغفر له إن لم يغفر له فمتى "، فرمضان مناسبة كبرى لنيل مغفرة الله عز وجل وإذا رجع العبد إلى الله نادى مناد في السماوات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله، وأن الإنسان إذا عرف الله عرف كل شيء " ابن آدم اطلبني تجدني فإذا وجدتني وجدت كل شيء وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء "، إذا كان الله معك فمن عليك، وإذا كان الله عليك فمن معك يا رب ماذا وجد من فقدك وماذا فقد من وجدك، قال تعالى:

﴿ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185)﴾

[سورة البقرة]

 فالعيد هو الفرحة الكبرى حينما يعود الإنسان إلى أصل عقله وإلى أصل فطرته، ويصطلح مع ربه فقد ملك الدنيا والآخرة.
ـ المقدم:
 الفطرة يقال عيد الفطر والفطر ليس إنسان كان صائم وتناول الغداء إنما عملية الخلق، أرجو التوضيح لهذا الموضوع ؟
الأستاذ راتب:
 الإنسان هو المخلوق الأول رتبةً فطره فطرة ً عالية، فطره فطرة تكشف خطأه، ففي النفس فراغ لا يملؤه المال ولا تملؤه المباهج الدنيوية ولا يملؤه المركز العالي، لا يملؤه إلا الاتصال بالله عز وجل والسعادة بقربه، لأن الله سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28)﴾

 

[سورة الرعد 28]

 خالق هذا الإنسان مبدعه هو الخبير به يؤكد بآية دقيقة جداً، قال تعالى:

 

﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28)﴾

 لو أن الآية، تطمئن القلوب بذكر الله، لكان معنى الآية أنها تطمئن بذكر الله وبغير ذكر الله، أما حينما صيغت على هذا الشيء القسري إلا بذكر الله تطمئن القلوب أي أن قلب الإنسان لا يطمئن ولا يسعد إلا إذا اتصل بخالقه، واستمد منه قوته واستمد منه رؤيته واستمد منه طريقة سيره في حياته.
 فالعيد فرحة كبرى لأن الإنسان عاد إلى الله وعاد إلى فطرته وعاد إلى أصل عقله، الفطرة في الأصل سليمة، كل مولود يولد على الفطرة لكن الإنسان حينما يحيد عن منهج ربه يشوه فطرته، فإذا عاد إلى فطرته عاد إلى صحته النفسية عاد إلى سعادته عاد إلى ثقته بربه عاد إلى قوة عظمى يركن إليها يلوذ بحماها يستعين بها، هذا الذي تعنيه الفطرة، الفطرة سليمة، والدليل، النبي عليه الصلاة والسلام يقول " البر ما اطمأنت إليه النفس والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس "، الفطرة السليمة تكشف للإنسان خطأه من دون تعليم، من دون تعليم إطلاقاً، والذي يؤكد هذا قوله تعالى:

 

 

﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8)﴾

 

[سورة الشمس]

 قد يفهم الآخرين هذه الآية على غير ما أراده الله عز وجل، أن الله عز وجل حينما يستقيم الإنسان يشعر بفطرته أنه يستقيم، و حينما يفجر يشعر بفطرته أنه يفجر من دون أن يذكره أحد، هذه الفطرة السليمة تتوافق مع العقل السليم ومع الكون العظيم ومع الواقع الثابت، بل إن الحقيقة في الأصل دائرة يتقاطع فيها أربعة خطوط، خط العقل وخط النقل وخط الواقع، فإذا توافقت الفطرة مع العقل مع النقل مع الواقع فهذا هو الحق، الانسجام، من أحد أسباب السعادة الانسجام، أن ينسجم الإنسان، أحياناً يذهب إنسان إلى بلد غير بلده،ينزل في فندق يستيقظ صبيحة اليوم الأول، إلى أين يذهب، إن لم يعرف سر وجوده في هذا البلد لا تصح حركته لو أنه جاء هذا البلد سائحاً يذهب إلى المقاصف والمتنزهات، لو أنه جاء هذا البلد طالب علم يذهب إلى المعاهد والجامعات، لو أنه جاء تاجراً يذهب إلى المعامل والمؤسسات، إذا لو انسجم الإنسان مع هدفه ستسعد نفسه.
 شيء آخر لو أن طالباً على مشارف امتحاناً مصيري، وأخذه أصدقاؤه إلى مكان جميل وأطعموه أطيب الطعام وتمتع بأجمل المناظر يشعر بكآبة لأن هذه الحركة لا تتناسب مع هدفه الخطير والقريب، لو أنه قبع في غرفة مظلمة وقرأ الكتاب المقرر وتفهمه لشعر براحة كبيرة جداً، ما هذه الراحة ؟ الانسجام، الانسجام مع هدفه فوافق الإنسان مع هدفه هو الذي يريحه، معرفته بسر وجوده وغاية وجوده هذه المعرفة تعينه على سلامة حركته، الإنسان له عمل إن كان عمله متوافقاً مع سر وجوده ومع غاية وجوده، متوافقاً مع هدفه في الحياة يَسعد ويُسعد.
المذيع:
العيد له خصائص محددة أرجو التفضل والحديث عنها.
الأستاذ راتب:
 العيد يأتي عقب الصيام والصيام عبادة كبرى، هدفها تدريب الإنسان على طاعة ربه، أمره بترك المباحات فلئن يترك المحرمات من باب أولى، يدربه على تقوية إرادته يدربه على طاعة ربه على ضبط جوارحة على ضبط لسانه على ضبط عينه، على ضبط حركت في الحياة، هذا الضبط من أجل أن يرتقي إلى الله عز وجل لأن سر السعادة أن تتصل بالله، الله جل جلاله أصل كل شيء، منبع الجمال منبع الطمأنينة منبع السعادة، فإذا استقام الإنسان على أمر الله صار الطريق إلى الله سالكاً، أصل رمضان أن يتدرب الإنسان على طاعة الواحد الديان، فإذا أنجز هذه المَهمة بنجاح جاء العيد، لأن الله تعالى يقول:

 

﴿ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185)﴾

 

[سورة البقرة]

 إذاً العيد صلح مع الله، فلئن يكون صلحاً مع الأهل مع الأقرباء فمن باب أولى، إذا كنت مصطلحاً مع أصل الكون، هؤلاء الذين هم عباده ينبغي أن تصطلح معهد، لأن الخلق كلهم عيال الله، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله.
من لوازم العيد أن تلغى الخصومات، الله جل جلاله يقول:

 

﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (1)﴾

 

[سورة الأنفال]

 هذه الآية لها معان كثيرة، المعنى الأول إصلاح ذات البين أن تحملها على طاعة الله، وأن تسمو بها إلى الله، جعل الصوم أن تصلح العلاقة بينك وبين الآخرين، بالاعتذار، بتقديم هدية بالكلمة الطيبة، بالابتسامة ممكن أن تصلح العلاقة بينك وبين الآخرين بطرائق شتى، فإذا اصطلحت مع من حولك شعرت بمكانتك في المجتمع وسعدت بهذا الصلح
شيء آخر يقول عليه الصلاة والسلام:
" أمرني ربي بتسع، خشيةِ الله في السر والعلانية، كلمةِ العدل في الغضب والرضا، القصدِ في الفقر والغنى، وأن أصِلَ من قَطَعَني وأن أغفوَ عن من ظلمني وأن أُعطي من حَرَمَني وأن يكونَ صمتي فكراً ونطقي ذكراً ونظري عبرةً ".
 في موضوع الاصطلاح مع الآخرين وحل المشكلات فيما بين الإنسان وبين الآخرين هناك أحاديث كثيرة، يقول عليه الصلاة والسلام " اصنع المعروف مع أهله ومع غير أهله، فإن أصبت أهله وإن لم تصب أهله فأنت أهله ". الحركة نحو الآخرين مما ترضي الله عز وجل، بدليل أن الإنسان طبعه يقتضي الفردية، لكن التكليف يقتضي أن تلتقي بالآخرين وأن تعاونهم، هذه القضية دقيقة جداً الإنسان له طبع، ويبدو في الظاهر أنه متناقض مع التكليف، طبع الإنسان يدعوه إلى النوم والتكليف يدعوه إلى أن يستيقظ وأن يصلي، طبع الإنسان إلى أخذ المال، التكليف يدعون إلى إنفاق المال، طبع الإنسان يقتضي أن يطلق بصره التكليف يأمره أن يغض بصره، طبع الإنسان يقتضي أن يتحدث في قصص الآخرين وأن يخوض في مشكلاتهم الخاصة والتكليف يأمره أن يضبط لسانه، فيما يبدو أن الإنسان لا يرقى إلا إذا خالف طبعه، قال تعالى:

 

﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41)﴾

 

[سورة النازعات]

ـ المقدم:
 هنا عملية التكليف، أن الإنسان مكلف.
ـ الأستاذ راتب:
 الإنسان مكلف، الإنسان هو المخلوق الأول المكلف، قال ربنا جل جلاله:

 

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾

 

[سورة الذاريات]

 العبادة علة وجود الإنسان في الأرض.
ـ المقدم:
 ما المقصود بالعبارة علة وجود الإنسان في الأرض ؟
ـ الأستاذ راتب:
 الإنسان قد يذهب إلى بلد، ما علة وجوده في هذه البلد، أن يدرس وينال دكتوراه، قد يذهب إلى بلد آخر علة وجوده أن يتاجر، فالإنسان هنا في الأرض ما علة وجوده، يعني لماذا خلقه الله عز وجل، خلقه ليعبده، ما العبادة ؟، العبادة طاعة طوعية ممزوجة بمحبة قلبية، لو أن الإنسان أطاع الله ولم يحبه ما عبده، لو أنه أحبه ولم يطيعه، هذا لا يكون.

 

تعصي الإله وأنت تظهر حبه  ذاك لعمري في المقال شنيع
لو كان حبك صادقاً لأطعـــته  إن المحب لمن يحب يطيــع

 فالعبادة طاعة طوعية، تسبقها معرفة يقينية تفضي إلى سعادة أبدية العبادة لها كليات ثلاثة كلية معرفية وكلية سلوكية وكلية جمالية.
ـ المقدم:
لنتحدث بالسلوكيات وخاصة نحن في هذه الأيام الفضيلة.
ـ الأستاذ راتب:
 الإنسان أعقد آلة في الكون من دون استثناء، تفضلتم قبل قليل بأنه المخلوق الأول، ولهذا الإنسان خالق ولهذا الخالق تعليمات ، تعليمات هي بمثابة تعليمات الصانع للآلة، تعليمات التشغيل والصيانة وحسن الأداء، فالإنسان إذا رجع إلى منهج ربه، بمعنى افعل ولا تفعل، منهج الله عز وجل منهج تفصيلي، يبدأ مع علاقة الإنسان بنفسه وعلاقته بزوجته وبأولاده وبعمله وبجيرانه وبمن حوله وبمن فوقه وبمن دونه منهج كامل، و حينما فهم المسلمون الإسلام على أنه عبادات شعائرية ليس غير ضيعوا جوهر الإسلام، لأن الإسلام كما قال النبي الكريم بني على خمس، العبادات أعمدة والإسلام شيء آخر، الإسلام بناء أخلاقي ذكرت لكم من قبل أن سيدنا جعفر رضي الله عنه لما سأله النجاشي عن الإسلام، قال: " كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل والميتة ونأتي الفواحش ونسيء الجوار ونقطع الرحم، حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته وصدقه وعفافه ونسبه، فدعانا إلى الله لنعبده ونوحده ونخلع ما كان يعبد آباؤنا من الحجارة والأوثان وأمرنا، بصدق الحديث وأداء الأمانة وحسن الجوار وصلة الرحمن والكف عن المحارم والدماء " هذا هو الإسلام منهج أخلاقي.
 ذكرت قبل قليل العبادة طاعة طوعية تسبقها معرفة يقينية تفضي إلى سعادة أبدية، الطاعة الطوعية تطبيق منهج الله تطبيق تعليمات الصانع ما من شيء في حياة الإنسان إلا وله حكم شرعي، يبدأ من الفرضية إلى الاستحباب والندب ثم الإباحة ثم الكراهية ثم التحريم، فالمؤمن الصادق بعد أن عرف الله عز وجل لا يعنيه إلا شيء واحد أن يعرف أمره ونهيه كي يطبق منهجه، لأن الإنسان بالكون يعرف الله وبالشرع يعبده، إذا أراد الإنسان أن يتقرب إلى الله كيف ؟، يبحث عن أمره ثم يطبقه ليكون طائعاً، لأن الله عز وجل يقول:

 

 

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) ﴾

 

﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً (71) ﴾

﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (52)﴾

[سورة الذاريات ـ سورة الأحزاب ـ سورة ـ النور]

 الفوز العظيم، الفلاح كل الفلاح، النجاح كل النجاح، الفوز كل الفوز التفوق كل التفوق في طاعة الله عز وجل وبشكل علمي طاعة الله تطبيق تعليمات الصانع، ( وما ينبئك مثل خبير )
الحقيقة عليه الصلاة والسلام كان حريصاً حرصاً لا حدود له على أن تكون بيوت المسلمين بيوت متماسكة، يقول عليه الصلاة والسلام " خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي ".
يقول: " أكرموا النساء فإنهن المؤنسات الغاليات ".
" أكرموا النساء فوالله ما أكرمهن إلى كيم وما أهانهن إلا لئيم ".
( ولهذا الحديث زيادة ) يغلبن كل كريم ويغلبهن لئيم، وأنا أحب أن أكون كريماً مغلوباً من أن أكون لئيماً غالباً ".
يقول عليه الصلاة والسلام: " ليس مني من وسَّع الله عليه ثم قتَّر على عياله "
 كان عليه الصلاة والسلام وهو السيد العظيم يركب الحسن والحسين على ظهره ويمشي بهما في البيت ليدخل على قلبهما السرور، كان عليه الصلاة والسلام إذا دخل البيت كان واحداً من أهل البيت، كان يرفو ثوبه ويخصف نعله ويحلب شاته وهو في مهنة أهله، فالإنسان إذا دخل إلى بيته وكان باش الوجه مبتسماً وضاح المحيى، ألقى السلام على أهله أهانهم في مهمتهم تلطف معهم تماسك البيت، وأنا أرى أن البيت المتماسك أساس النجاح خارج البيت، والبيوت المتماسكة أساس نجاح الأمة.
 الإنسان حينما يسعى إلى دعم الأسرة والى تحصينها من كل فساد أو خلل هو في الحقيقة يسعى إلى ضبط المجتمع، وأي منهج نتبعه يقلل من قيمة الأسرة هو منهج يؤدي بنا إلى الخراب، لا بد من دعم الأسرة والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: " خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي "، " لاعب ولدك سبعا وأدبه سبعاً وراقبه سبعاً "، " من كان له صبي فليتصابى له "، إدخال السرور على قلب الأولاد جزء من منهج الله عز وجل.
المذيع :
 ـ والحالة أساسية جداً كمنهج تربوية في الأسرة ومع الأولاد وأنت تخرج بشر صالين للمساهمة الفعالة في المجتمع، أرجو إيضاح مرحلة التربية وكيف ننهج... ؟
الأستاذ راتب:
 أولُ ملاحظة أن الإنسان مهما ارتقى ومهما وصل إلى درجة عالية في أي مجال في الحياة وشقي أولاده يشقى بشقائهم، تربية الأولاد جزء أساسي من منهج الله عز وجل، لأن الولد يشقي أبويه ويسعد أبويه:

 

﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً (74)﴾

 

[سورة الفرقان]

 إن لم نؤدب أولادنا منذ الصغر أتعبونا في الكبر، فكل أب يحرص على سلامة أسرته عليه أن يسعى إلى تربية أولاده منذ نعومة أظفارهم والشيء الملاحظ أن الإنسان ينحرف حينما تكون تربيتهم المنزلية سيئة وقد نجد أشخاصاً قدموا للمجتمع عطاءً كبيراً بسبب تربيتهم المنزلية المتماسكة، فالأبوة مسؤولية، و ينبغي أن ينتبه الأب إلى ابنه إلى جسمه إلى عقله.
ـ المقدم:
لنركز قليلاً على عقله إذا سمحت.
ـ الأستاذ راتب:
 التعليم من الضروريات، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، الحقيقة العلم خطوة أولى لأي إصلاح، لا يمكن للإنسان أن يتحرك حركة عشوائية من دون إلا ويملك نفسه، أما إذا كان على بينة من أمره كان على بصيرة يعرف كل شيء، يعرف ما ينبغي ومالا ينبغي وما يجوز وما لا يجوز يضع الأشياء في مكانها، هذا هو التعليم، التعليم نقل خبرات الأجداد إلى الأجيال، التعليم إعطاء خبرات جاهزة، فالأب الذي يطعم أولاده ويسقيهم وينسى أن يعلمهم وينسى أن يؤدبهم ما فعل شيء، ورد في الحديث الشريف " كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت "، يضيعهم، هو يطعمهم ويسقيهم لكن ضيعهم ضيع أخلاقهم ضيع عقلهم، لم يعلمهم العلم الذي يرقى بهم، الحقيقة العلم، في القرآن الكريم أكثر من ألف آية تتحدث عن العلم، والإنسان في الأساس، يقولون الجماد شيء يشغل حيزاً وله وزن وأبعاد ثلاثة هذا الجماد، النبات شيء يشغل حيزاً وله أبعاد ثلاثة وينمو، الحيوان شيء يشعل حيزاً وله أبعاد ثلاثة وينمو ويتحرك، الإنسان شيء له يشغل حيزاً وله أبعاد ثلاثة وينمو ويتحرك ويفكر، فحينما نعطل فكر الإنسان ونبقيه في جهل كبير حطمنا إنسانيته العمر وجوده الإنساني، ليس الإنسان جسماً يأكل ويشر، الإنسان عقل بل إن الغذاء أنواع ثلاثة، هناك الغذاء للجسم وهناك غذاء للعقل وهناك الغذاء للروح، غذاء الجسم الطعام والشراب وغذاء العقل العلم وغذاء الروح القرب من الله عز وجل، فهذه الجوانب الثلاثة في شخصية الإنسان ما لم نلبي كل جانب بما يحتاجه تنشأ شخصية غير متوازنة شخصية مشوهة.
ـ المقدم:
 أستاذ راتب الشخصية المتوازنة.. للأسف هناك وجود لشخصيات غير متوازنة وأحد الأشياء التنكس على الذات ويشعر المرء بأنه قطب الرحى وعملية إلقاء الآخر، وأنا وما خلق أحد من بعدي إلى آخره هناك بعض الحالات المؤسفة التي لا تساهم على الإطلاق ببناء مجتمع لنتحدث بهذا الموضوع ووضع بعض النقاط على الحروف تجاه بناء فرد، أسرة مجتمع معافى.
ـ الأستاذ راتب:
 ذكرت قبل قليل أن الإنسان له طبع، الفردية من طبعه أما الجماعية تكليف من الله عز وجل فالإنسان حينما يتفلت من منهج ربه يعود إلى فرديته يتمركز حول ذاته يرى العالم كله من خلال رؤيته هو، يرى أنه وحده يعيش والآخرون ينبغي أن يكونوا في خدمته، النبي عليه الصلاة والسلام حينما كان في سفر مع أصحابه، أراد أصحابه أن يعالجوا شاة قال حدهم علي ذبحها وقال آخر علي سلخها وقال ثالث علي طبخها فقال عليه الصلاة والسلام وعلي جمع الحطب، قالوا نكفيك ذلك قال أعلم أنكم تكفونني ولكن الله يكره أن يرى عده متميزاً عن أقرانه، الفردية تتوافق مع الطبع قبل أن يعرف الله، قال تعالى:

 

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22)﴾

 

[سورة المعارج]

 المتصل بالله روحه جماعية، يتعامل مع الآخرين، يعمل ضمن فريق قرأت مرةً إعلاناً مترجماً.. هناك وظيفة في بلد غربي من شروط الموظف أن يصلح للعمل ضمن فريق، هذه النزعة الفردية مشكلة كبيرة جداً، لن نتقدم إلا إذا تعاونا، قال الله عز وجل:

 

﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2)﴾

 

[سورة المائدة]

 لكن النبي عليه الصلاة والسلام أمر أن يشاور أصحابه، قال تعالى:

 

﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)﴾

 

[سورة آل عمران]

 بل إن الله عز وجل وصف مجتمع المؤمنين بأنهم أمرهم شورى بينهم، هذا التعاون، الإنسان بفرديته لا يتعاون بطبعه قبل أن يتعرف إلى الله لا يتعاون أما حينما ينفذ أمر ربه وينفذ منهج ربه يتعاون مع إخوانه، ورد في الحديث القدسي " وجبت محبتي للمتحابين في والمتجالسين في والمتباذلين في والمتزاورين في، والمتحابون في جلالي على منابر من نور يغبطهم عليها النبيون يوم القيامة ".
 فالفردية من صفات الإنسان المنقطع عن الله المتفلت من منهج الله هو الأصل هو المحور كل التمركز على ذاته، يلغي وجود الآخرين يلغي آراءهم يعيش وحده وكأن الأرض كلها له، أما المؤمن يصدع بأمر ربه ينفذ تعليمات صانعه يتعاون مع إخوانه، يأخذ منهم ويعطيهم، يقول سيدنا عمر " أحب ما أهدي إلي أصحابي عيوبي "، النبي عليه الصلاة والسلام أصغى إلى النصيحة، من الحباب بن المنذر، قال هذا المكان وحي أوحاه الله إليك أم هو الرأي والمشورة قال بل هو الرأي والمشورة قال ليس بموقع، فأشار إلى موقع آخر فقال هذا هو الصواب، وقف النبي عليه الصلاة والسلام الموقف الكامل في الإصغاء إلى النصيحة فالإنسان حينما يبتعد عن منهج الله فسيكون فرديا وسيكون أنانياً وسيتمحور حول ذاته، لكن المؤمن إذا عرف الله خرج من ذاته إلى المجتمع صار في خدمة الآخرين.
ـ المقدم:
 أستاذ راتب في أي مؤسسة في أي بلد إن لم تتوفر هذه الروح الجماعية وهذه الروح الفريقية وهذه الروح الاستعدادية للتفاني في العمل ضمن فريق لن يكون هناك لا تقدم ولا إنجاز ولا صمود ولا وقفة مشرفة للاستمرار في الحياة.
ـ الأستاذ راتب:
 أتصور أن هناك إنساناً واحداً لا يخطئ هو الذي لا يعمل، الذي لا يعمل إنسان يعيش على أنقاض الآخرين يبني مجده على أنقاضهم يبني حياته على متاعبهم أما الذي يقدم شيء هذا يستحق كل تقدير، يقول سيدنا عمر إني أرى الرجل ليس له عملاً يسقط من عيني، سأل النبي رجلاً يصلي في المسجد في غير أوقات الصلاة من يطعمك قال أخي قال أخوك أعبد منك.
امسك النبي صلى الله عليه وسلم بيد سيدنا عبد الله بن مسعود ورفعها وقال هذه اليد يحبها الله
ورسوله، الحقيقة الروح الجماعية في الإسلام صارخة.