موضوعات علمية من الخطب
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الموضوع 384 : أهمية الألياف في الغذاء و مضار نزعها.

1999-11-05

 

 الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله صاحب الخُلُق العظيم. اللهمَّ صلي وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
 أيها الإخوة الكرام... هناك مُنْعَطَفاتٌ خطيرة في تاريخ العلوم الغذائية، من هذه المنعطفات ؛ اكتشاف الجراثيم، وأنها سببٌ لهذه الأمراض الفتَّاكة، ومن هذه المنعطفات منعطفٌ خطير اسمه: " مرض العصر " هو مرض نقص الألياف، طبيعة هذا العصر الحديث تقدِّم غذاءً مصفَّى، فالسكَّر أبيض ناعم، والدقيق أبيض ناصع ليس فيه شوائب، والفواكه نشرَب عصيرها وكل شيءٍ نُزِعَ منه لبُّه ـ إن صحَّ التعبير ـ نُزِعت أليافه، وقُدِّم شراباً سائغاً، هذا منع طفلٌ خطير في هذا العصر.
 ما كان أحدٌ يظن قبل عشر سنوات تقريباً أن لهذه الألياف التي هي قِوام الفواكه والخُضراوات، وأن هذه القشور التي تُحيط بحبَّة القمح، هذه الألياف التي هي في بعض المواد السكريَّة، ننزعها ونعدُّها من الأشياء التي لا قيمة لها، ولا جدوى منها، ونشربُ عصير الفاكهة صافياً، ونأكل الخبز أبيض ناصعاً، ونستعمل السكر النَقِيّ، إن هذا الغذاء المُصَفَّى الذي هو من بِدَع العصر الحديث ـ وراء كثيرٍ من الأمراض ـ الغذاء المصفَّى، الدقيق الأبيض، والسكر الأبيض، والعصير الرائِق.
 أيها الإخوة... العلماء كانوا يظنون أن هذه الألياف هي عنصرٌ زائدٌ عن الحاجة، وأن دورها في الهضم يتميَّز بالسَلْبِيَّة، لذلك عرَّفوها بقدر ما وسِعهم الإدراك، فقالوا: " إنها جزءٌ من الطعام يعبُر القناة الهضميَّة من دون أن يُهْضَم ". بل وجدوها عبئاً على جهاز الهضم، لذلك عمدوا إلى تنقية الطعام منها، فقدَّموا لنا ما يسمى بالأطعمة النقيَّة. أيْ أنَّ هذا الذي نأكله خلاف التصميم الإلهي. كل شيء ننزع أليافه، وننزع تفله، وننزع شوائبه، وننزع قشره، ونأكله صافياً نقياً.
 أيها الإخوة أرجوا أن تدققوا... إن أول أخطار هذا الغذاء النقي هو الإمِساك، لأن حجم هذه الألياف فقط يسهِّل عملية الأمعاء، إن حركة الامعاء ـ تتحرَّك كي تهضم الطعام ـ تحتاج إلى كتلةٍ من الألياف تثير جدران الأمعاء، فلو اختفت هذه الألياف، وبقي الطعام كله سائلاً وخالياً من هذه الألياف المُفيدة، فإن حالة الإمساك التي هي من أول أخطار هذا الطعام النَقي والإمساك وراء خمسين مرض.
شيءٌ آخر: إن هذه الألياف ـ المواد السللوزية ـ تعمل على امتصاص الماء والاحتفاظ به كي يصبح الهضم سهلاً ليناً، فكأنما هي مُلَيِّنات، لذلك يتم الهضم مع الألياف بيسرٍ وسهولة فإذا نُزِعَتْ أصبح الهظم صعباً.
 الشيء الثالث أيها الإخوة: إن هذه الألياف تعمل على امتصاص مادة الكولسترول وامتصاص الدهنيات، فإن هذه المواد الدهنيَّة لها متاعبٌ خطيرة في مستقبل الحياة، إنها تترسَّب على جُدُر الشرايين، وتضيق لمعتها، ويتعب القلب، ويصاب بالذبحة القلبيَّة، كل هذا من وراء ترسُّب الدهنيات على جُدُر الشرايين، وهذه المواد السللوزية تمتص الدهنيات والكولسترول.
 أيها الإخوة... هذه الحقيقة يجب أن تعيدنا إلى ما صمَّمه الله عزَّ وجل ؛ أن نأكل الفاكهة كما خلقها الله، أن نأكل الخضراوات كما أوجدها الله عزَّ وجل. فهذه صحةٌ ما بعدها صحة، التصميم الإلهي مطلقٌ في كماله، وأيُّ تعديلٍ فهذا التعديل نحو الأسوأ حَتْمَاً، فمن منَّا ينتبه إلى أن هذه الألياف لها دورٌ خطير مع أنها لا تُهْضَم ؟ إن قشر القمح فيه ما يزيد عن ست فيتامينات وثمانِ معادن، هذه نخسرها حينما نأكل الخبز أبيض ناصعاً.
أيها الإخوة الكرام... لابدَّ من أن ندرك أن بعض الأمراض العامة سببها خطأٌ في برمجة الغذاء في هذا العصر، يقول الله عزَّ وجل:

﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80)﴾

( سورة الشعراء )

أي أن المرض عُزي في هذه الآية إلى الإنسان من سوء تصرُّفه، ومن سوء اختياره، ومن عدم تقَّيده بأصل التصميم الإلهي.