٠17رمضان 1431 هـ - أمثال القرآن الكريم
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أمثال القرآن الكريم - الدرس : 32 - الحديث الشريف : ما رأيت مثل الجنة ، نام طالبها


2011-01-16

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

النذير :

أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في دروس الأمثال في الكتاب والسنة، والحديث الشريف الذي هو موضوع هذا الدرس قول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( مَا رَأَيْتُ مِثْلَ النَّارِ نَامَ هَارِبُهَا وَلَا مِثْلَ الْجَنَّةِ نَامَ طَالِبُهَا ))

[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

تقدمك بالعمر نذير على قرب الآخرة
أي لو استعرضت حياة الناس، مشغول بدخله، مشغول بطعامه بشرابه، برزقه، بأولاده، مشغول بالدنيا، مشغول بتجارته، وعمره يزداد، لذلك الآية الكريمة:

 

﴿ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ ﴾

[ سورة فاطر: 37 ]

جاءكم، الآية تقول :

﴿ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ ﴾

أين النذير؟ جاء وانتهى، قرآن كريم، كلام خالق الأرض والسماء، العلماء قالوا:

﴿ النَّذِيرُ ﴾

سن الأربعين، من دخل في الأربعين دخل في أسواق الآخرة، أنت حينما تسافر إلى مكان ما لعشرة أيام، عندك في اليوم الثامن والتاسع والعاشر حركة أخرى بالوقت الأخير من الرحلة، قطع بطاقة العودة، شراء الهدايا، وما شاكل ذلك، الإنسان إذا بلغ الأربعين، من دخل في الأربعين دخل في أسواق الآخرة، فلذلك كل إنسان بلغ الأربعين جاءه النذير، أربعون سنة، أربعون صيفاً، أربعون شتاء، أربعون ربيعاً، أربعون خريفاً، أكل، وشرب، وتزوج، وأنجب.

إلى متى وأنت باللذات مشغول وأنت عن كل ما قدمت مسؤول
* * *

من دخل في الأربعين دخل في أسواق الآخرة، وقالوا أيضاً سن الستين هو النذير، فإذا كان كلام النبي عليه الصلاة والسلام: معترك المنايا بين الستين والسبعين، فالذي وصل إلى الستين معنى ذلك أنه اقترب من الموت، أنت اسأل عن مات إنسان كم عمره؟ تسعة وخمسون، ثلاثة وستون، واحد وسبعون، اثنان وسبعون، تسعة وستون، هكذا أعمار الناس، معترك المنايا بين الستين والسبعين، فالذي دخل في الأربعين دخل في أسواق الآخرة:

((من بلغ أربعين سنة ولم يغلب خيره شره فليتجهز إلى النار))

[أبو الفتح الأزدي عن ابن عباس]

فالأربعون نذير، والستين نذير، ورد في بعض الآثار القدسية:

(( عبدي كبرت سنك، وانحنى ظهرك، وضعف بصرك، وشاب شعرك، فاستحِ مني فأنا أستحي منك ))

[ ورد في الأثر ]

التبدلات الصحية السلبية التي تصيب الإنسان دليل أن احذر يا عبدي :

شاءت حكمة الله أن يكون هناك مرض وفقر
الآن التبدلات الصحية السلبية، كل إنسان بعد الخمسين يقول لك: معي التهاب مفاصل، عندي انزلاق غضروفي، ما من إنسان إلا وعنده مشكلة في صحته، والله عز وجل واجب الوجود، وما سواه ممكن الوجود، واجب الوجود واضحة، هذا في علم العقيدة، أما ما سواه ممكن الوجود أي يمكن أن يوجد ويمكن ألا يوجد، يمكن أن يكون ويمكن ألا يكون، هناك معنى آخر: ممكن أن يكون على ما هو كائن أو على خلاف ما يكون، أليس الله قادراً أن يجعل الإنسان يعيش مئة عام بالتمام والكمال كأنه شاب؟ شاءت حكمة الله أن يكون هناك مرض، وغنى، وفقر، كان ممكن ألا يكون هناك مرض، أي هذه الطاولة معدة لورقة وكأس، لو وقف عليها إنسان تحمله، اثنان تحملهم، أربعة تحملهم ، ستة، ثمانية، لو وقف ثمانية رجال على هذه الطاولة تحملهم جميعاً، معنى هذا هي مستخدمة لورقة وكأس ماء وعندها احتياط مليون ضعف، لو وزنت الورقة وكأس الماء ووزنت ثمانية رجال، معنى هذا أن عندها احتياطاً مليون ضعف، لو كان بكل عضو من أعضاء الإنسان احتياط مليون ضعف لما كان هناك مرض أبداً، يلغى المرض، لكن شاءت حكمة الله أن يكون الإنسان سريع العطب، أحياناً خثرة بالدماغ تلغي حركته، خثرة بالدماغ أخرى تلغي ذاكرته.

الله عز وجل حرك الرزق والصحة رحمة بالإنسان :

الله تعالى  حرك قانون الرزق والصحة ليجعلهما أداة لتأديب عباده
الله عز وجل شاءت حكمته أن يكون هناك مرض، ورزق، الله عز وجل ثبت مليون قانون، هل يستطيع إنسان أن يتوقع أن غداً لا يوجد شمس؟ مستحيل، ممكن تعرف بعد ألف عام -عام ثلاثة آلاف وعشرة، ثلاثة آلاف وأحد عشر- أن يوم الخميس التاسع من شباط الشمس تشرق الساعة الخامسة والثلاثة والعشرين دقيقة، نظام ثابت، هناك مليون مليون قانون ثابت، الله ثبت كل القوانين، تبني بناء مؤلفاً من مئة طابق من الحديد، الحديد خصائصه ثابتة لو بدل خصائصه يقع البناء، تشتري كيلو من الذهب لو بدّل خصائصه صار معدناً خسيساً خسرت مئة ألف، خسرت مئة وثلاثين ألفاً، الذهب ذهب، الفضة فضة، الحديد حديد، الله ثبت خصائص الأشياء، خصائص المعادن، خصائص البذور، ثبت قوانين الدوران، القوانين الفيزيائية كلها ثابتة، فهناك مليون قانون كله ثابت، لكن حرك قانون الرزق والصحة، لأن الله عز وجل أراد أن يؤدب عباده بهاتين الحاجتين الأساسيتين، ما من إنسان إلا وهو حريص حرصاً لا حدود له على حياته، وعلى صحته، وعلى رزقه، الله عز وجل ثبت مليار قانون كي تنتظم الحياة انتظاماً رائعاً، وحرك قانون الصحة والرزق، لتكون الصحة والرزق أداتين لتأديب البشر، لذلك قال تعالى:

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

[ سورة السجدة: 21]

كل هذه الشدائد من أجل أن نرجع إلى الله عز وجل.

 

الإنسان خاسر لأن مضي الزمن يستهلكه :

لذلك من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظة فمصيبته في نفسه أكبر، النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث يعجب، قال:

(( مَا رَأَيْتُ مِثْلَ النَّارِ نَامَ هَارِبُهَا وَلَا مِثْلَ الْجَنَّةِ نَامَ طَالِبُهَا ))

[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

أنت بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منك
أي الإنسان بوعيه سيعيش أياماً محدودة، أنت بضعة أيام، كلما انقضى يوم انقضى بضع منك، بل إن الله عز وجل يقول:

 

﴿و العصر* إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾

[ سورة العصر: 1-2 ]

خاسر أيها الإنسان، هذا كلام الله، جواب القسم: أقسم الله بمطلق الزمن لهذا المخلوق الأول الذي هو في حقيقته زمن، قال تعالى:

﴿ والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا ﴾

خاسر لأن مضي الزمن يستهلكه، لذلك أنا أتمنى أن نعد أعمارنا عداً تنازلياً لا عداً تصاعدياً، كيف نعد أعمارنا عداً تنازلياً؟ اركب الآن سيارة واذهب إلى حمص، اقرأ اللوحات، حمص مئة وستون، بعد ذلك: حمص مئة وعشرون، بعد ذلك مئة، ثمانون، ستون، أربعون، عشرون، عشرة، خمسة، حمص ترحب بكم، ما اسم هذا العد؟ تنازلي، تصاعدي كم قطعت؟ عشرين، أربعين، ستين، ثمانين، مئة، مئة وعشرين، مئة وستين، الأولى أن نعد أعمارنا عداً تنازلي، لا تقل: كم بلغت من العمر؟ قل: كم بقي لي؟ بعد ذلك شيء واضح جداً، معترك المنايا بين الستين والسبعين، الذي وصل إلى الستين قرب، والذي بلغ السبعين، اقترب من الموت أكثر، هذه حقيقة، كل مخلوق يموت، و لا يبقى إلا ذو العزة و الجبروت:

و الليل مهما طال فلا بد من طلوع من الفجر
والعمر مهما طال فلا بد من نزول القبــر
***
و كل ابن أنثى و إن طالت سلامته يومـاً على آلة حدباء محمول
فإذا حملت إلى القبـور جنــازة فاعلم بأنك بعدهــا محمول
***

العاقل من أعدّ للساعة التي لابدّ منها :

أذكى الناس هو من يعدّ لساعة الموت
والله مرة لا أنسى أحد الأخوة توفاه الله شيعناه إلى القبر، فتح النعش، وحملت الجثة، ووضع في القبر، كشف عن وجهه، وضعت البلاطة، أهيل التراب عليه، أنا أعرف بيته عنده أذواق تفوق حدّ الخيال، أعرف بيته، عمله، دخله، الزينة في بيته مذهلة، قلت: سبحان الله! هذا المصير، والله جاءتني ومضة ما رأيت على وجه الأرض إنساناً أعقل ولا أذكى ممن يعد لهذه الساعة التي لابدّ منها.
هناك عالم جليل أنا أظنه من العلماء الصالحين الورعين، اشترى قبراً بالدحداح، يقول لي أحد تلاميذه الكرام، كان تلميذه الأول: كل خميس كان الشيخ يزور قبره، مكتوب على الشاهدة اسمه، لكن مكان التاريخ فارغ، تقريباً سنوات طويلة كل خميس يزور قبره، هنا المصير.
والله يا أخوان أنا العبد الفقير تبعت جنائز لا أعرفها، لا أعرف من هو المتوفي، لكن حينما يفتح النعش، ويحمل الميت، ويوضع في القبر، نحن جميعاً سوف يفعل بنا هكذا، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت.

الموت لا ينكره أحد لكن لا نعيشه أبداً :

الموت لا ينكره أحد لكن لا نعيشه أبداً
سأقول لكم كلاماً فيه شيء من الواقعية، الموت لا ينكره أحد، لكن لا نعيشه أبداً، متى الإنسان يعيش الموت؟ لا سمح الله ولا قدر إذا جاءته أزمة قلبية، قال لي إنسان: أنا أعيش مثل الناس، جاءته أزمة قلبية أخذوه إلى المستشفى، يقول لي: أنا لست مستقيماً، لا أصلي، أثناء الأزمة قلت: يا رب سوف أقابلك بلا ثياب، اسمح لي بأسبوع فقط لأتوب، والله مدّ بحياته وتاب، لكن الموت لا نعيشه، أنا لي تجربة لا أنساها، كنت مسافراً إلى أستراليا، فتحت الانترنيت على الحرارة كلكم يعلم أن أستراليا في القسم الجنوبي للأرض، الفصول هناك عكس الشمال، أنا كنت في الصيف، الحرارة خمسة وأربعون، وكدنا نخرج من جلودنا من الحر، بالانترنيت مكتوب أن الحرارة اثنان في الليل وستة في النهار، أنا أعيش في درجة حرارة تقدر بخمسة وأربعين، وكأن الحر أثر عليّ فأخذت ثياباً خفيفة جداً، جميع ملابسي كانت صيفية، وصلت إلى سيدني عندي درس في الجامع صباح أول يوم وصولي، يمكن لم أشعر بالبرد بحياتي كهذا اليوم، ألبس عباءة خفيفة والناس يلبسون فروة، هذه قصة لا أنساها، بين أن يكون البرد كفكرة و بين أن تعيش الحر كواقع، كل الناس الموت فكرة عندهم، سوف نموت، الله يرحمنا، الله يتوب علينا، هكذا كل الناس، لكن عندما يصاب بمرض قريب من الموت، ينسى حليب أمه.

الدنيا دار عمل وابتلاء والآخرة دار جزاء وإكرام :

إنسان اشترى بيتاً في الشام لكنه تعب به تعباً غير معقول، زينه تزييناً مذهلاً، وكلفه ملايين، بعد أن انتهى البيت جاءته أزمة قلبية، فزاره صديق لي، قال له بالضبط: ابنة الحرام غداً عندما أموت تتزوج، يأتي إنسان آخر إلى البيت، هل هذه قليلة؟ تتعب بلا جدوى، والله هناك قصص أعرفها صعب أن تصدق، بعدما كسا البيت لمدة سنتين ونصف، و البيت في الطابق الثاني عشر، بشارع ركن الدين، مطل على الشام، بعدما اعتنى به عناية تفوق حدّ الخيال، كل شيء بأعلى درجة، حتى أحضر رخاماً اسمه أونكس، تحته وضع إضاءة و كأن الأرض مشتعلة، هذا رخام شفاف و هو غالي الثمن، بعدما انتهى بأيام وافته المنية.
الدنيا دار عمل والآخرة دار جزاء
أحد أخواننا عمّر بيتاً في المصيف، أراني إياه المتعهد و هو أحد أصدقائي، بيت غير معقول، صاحبه يملك ذوقاً بشكل غير معقول إطلاقاً، فكان الخميس سيسكنه، لم يأت الخميس أخبرهم المتعهد السبت أن البيت انتهى، فقالوا له: إنه قد مات، يوم انتهى البيت وافته المنية، أنا أقول لك: اعمل، وادرس، وتزوج، واشتري بيتاً، لا يوجد مانع، لكن أدخل الآخرة بحساباتك، أدخل الإله العظيم بحساباتك، أدخل الموت بحساباتك، هذا الذكاء يا أخوان، تعلمنا في الجامعة أن الذكاء هو التكييف، الذكاء تعريف جامع مانع، فما هو الذكاء؟ أن تتكيف مع حدث الموت، التكيف معه بطلب العلم، التكيف معه بالاستقامة، التكيف معه بالتوبة، التكيف معه بإنفاق المال، قال: من أنفق ماله أمامه سره اللحاق به، أعرف رجلاً صالحاً جداً إذا جاءه إنسان يطلب منه مبلغاً كمساعدة - لكن لا أحد يفعلها- يعطيه مفتاح الصندوق ويقول له: خذ ما شئت ولا تعلمني، إنفاقه كبير، بلغوه أن الموت بعد يومين، معه مشكلة، جاءته المكالمة بالخطأ، أول يوم استقبل أهله وأصهاره وأولاده وودعهم، في اليوم الثاني حلّ مشكلاته التجارية كلها، في اليوم الثالث انتظر وفاته وكان مرتاحاً جداً.
الآن أخواننا البطولة أن تستعد لهذا الحديث الخطير، حدث الموت، الموت عرس المؤمن، الموت تحفة المؤمن، أجمل درس إنسان درس ووصل إلى مرحلة السفر، والسهر، والعمل بالمطاعم، والحراسة، حتى نال الدكتوراه، الآن مرحلة التكريم، الدنيا دار عمل، دار ابتلاء، والآخرة دار جزاء، دار إكرام.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018