بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

المحاضرة 055: فتنة مسايرة الواقع .

2004-12-19

الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

فتنة مسايرة الواقع :

أيها الأخوة الكرام: موضوع وجدته مهماً ذلك لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم ))

[ أحمد عن أبي مويهبة]

هناك من يساير الواقع على حساب دينه
نحن في عصر فتن، ومن أبرز هذه الفتن فتنة مسايرة الواقع، هناك واقع نساير هذا الواقع على حساب ديننا، ما الذي يحصل؟ حينما يستقر في أعماقنا أننا لسنا على منهج الله عز وجل تضعف همتنا في الاتصال بالله عز وجل، طبعاً قد يقول أحدكم: نحن لا نقترب من الكبائر طبعاً هذه نعمة كبرى، لكن هذه الصغائر إذا أصررنا عليها انقلبت إلى كبائر، فحينما يكون همّ المسلم أن يساير الواقع، وأن يقبله، وأن يرضى به، وأن يأتي بالحجج الواهية، وأنها بلوى عامة، ولا نستطيع أن نغير، والمجتمع ضاغط، والظروف صعبة، وهذا عصر من أخذ من الدين عشره نجا، هناك كلام كثير يقال تغطية لمسايرة الواقع.
أيها الأخوة الكرام: لا بد من توضيح دقيق، يوجد بالدين شيء حدي و شيء نسبي، الإيجابيات نسبية أما السلبيات فحدية، المعنى الدقيق أنك في ترك المحرمات لا بد من أن تكون حدياً، المحرمات تترك جملة وتفصيلاً وإلا زلت قدمك ومشيت في طريق المعصية والهاوية.

ثمار الدين لا تقطف إلا بطاعة الله عز وجل :

بالمناسبة الإنسان طبيعته حركية، فمعصية صغيرة تقوده إلى معصية أكبر، وزلة قدم تقوده إلى زلة أكبر، وهكذا المسلم لا يبقى في حال واحد فإما أن يتابع الرقي أو أن يتابع التدني.
المعصية الصغيرة تقود للغرق بمعاص أكبر
الفتنة الأولى التي هي ظاهرة جداً في آخر الزمان فتنة مسايرة الواقع، الإنسان حينما يساير الواقع يشعر شاء أم أبى، رضي أم لم يرض، بأنه ليس وفق منهج الله عز وجل، هذا الشعور العميق يجعله في بعد عن الله عز وجل، فإذا بعد عن الله كل ثمار الدين تعطلت، السكينة تعطلت، الرضا تعطل، الحكمة تعطلت، الرحمة تعطلت، لأن كل هذه الكمالات تشتق من الله عز وجل من خلال الصلاة، فلما جاءت ذنوب هذا الإنسان حتى في الصغائر أو تقصيراته حجاباً بينه وبين الله صار في وضع لا يحسد عليه أبداً، لا هو مؤمن فينتفع من إيمانه، ولا هو كافر فيرضى بكفره، لم يأخذ خيارات الكفر الواسعة، الكافر يوجد عنده خيارات واسعة، لا يوجد عنده شيء حرام، مناورته القوية سببها لا يوجد عنده قيد، يلتقي مع من يشاء، يأكل ما يشاء، أي علاقة مالية مقبولة عنده، أي لقاء مقبول، أي صفقة مقبولة، أي بضاعة مقبولة، أي مشروع مقبول، قوته أتت من اتساع مناورته، واتساع مناورته أتت من أن هناك طلاقة من كل قيد، لا يوجد قيد، أما المؤمن فعنده حدود لا يستطيع أن يتعداها، فالمؤمن الذي يقع في الصغائر، ويساير الواقع، ويرضى بالواقع، ولا يحاول إصلاح الواقع، و يشعر بأعماقه أنه بعيد عن الله عز وجل، فلا هو مؤمن فينتفع من إيمانه ويقطف ثمار إيمانه، ولا هو كافر - إن صحّ التعبير- يتمتع بما يتمتع به الكفار من مناورة واسعة، وبعد عن كل حد أو قيد، لا هو من هؤلاء ولا هو من هؤلاء، وقد ورد هذا المعنى في القرآن الكريم:

﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾

[ سورة النساء: 143]

المساير يتأرجح بين مناورته للواقع وعدم قطف ثمار إيمانه
إذاً القضية أنك لا تستطيع أن تقطف ثمار الدين إلا بطاعتك لله عز وجل، فالطاعة في موضوعين، في موضوع الترك وفي موضوع العطاء، في موضوع الترك الترك يجب أن يكون حدياً، وأوضح مثل مستودع الوقود يمكن أن تملأ نصفه، أن تملأه إلى النصف، أن تملأه إلى ثمانين بالمئة، أن تملأه عشرة بالمئة، أنت حر في كمية الوقود التي سوف تضعها فيه، لكن إحكامه يجب أن يكون حدياً، الإحكام حدي أما الإملاء فنسبي، أما المستودع إما أن يكون محكماً أو غير محكم، وليس هناك حل ثالث، محكم لا يمكن أن يتسرب منه شيء لأطول زمن، وغير محكم عدم الإحكام نسبي، قد يكون هناك ثقب صغير يفرغه في شهر، وقد يكون الثقب أكبر يفرغه بأسبوعين، وقد يكون أكبر بيومين، وقد يكون أكبر بساعة، عدم إحكامه نسبي وإحكامه حدي، باللغة العربية هناك أفعال يسميها علماء النحو ليست قابلة للتفاوت، فلان مات، ليس عندنا في اللغة أموت، أن فلاناً أموت من فلان، الموت حدي مات مات، أما فلان أموت من فلان فلا يوجد أقل موتاً، الموت حالة واحدة مفارقة الروح.
لذلك في السلبيات ينبغي أن تكون حدياً، أما في الإيجابيات فيمكن أن تكون نسبياً، الآن السلبيات إن لم تحقق فعدم تحققها نسبي.

قضية العبادات بالأديان الوضعية سهلة جداً :

أيها الأخوة الكرام: العمر قصير، والوقت ثمين، والحياة معقدة جداً، فمن أجل ألا تضيع أعمارنا سدى فلا نحن نتمتع بثمار الإيمان اليانعة، ولا نحن - إن صح التعبير- نتمتع بحرية الكافر وبحركته اللامحدودة لأنه ليس عنده قيد إطلاقاً يقيده.
الفتنة التي يمكن أن نتعرض لها في آخر الزمان فتنة مسايرة الواقع، طبعاً مع الآيات الكريمة:

﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا﴾

[ سورة الأعراف: 70]

﴿قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا﴾

[سورة هود: 62]

﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا

[ سورة يونس: 78]

أتباع الديانات الأرضية بالملايين لأنه لا يوجد تشريع
أكثر الشعوب التي عارضت أنبياءها كانت حجتهم أنهم يتبعون ما ألفوه، أي يسايروا الواقع، وهذه الآيات كلها تبين حقيقة فتنة مسايرة الواقع، بشكل آخر هذا الإنسان الذي يدعو إلى الله إما أن يسعى للنهوض بالناس إلى مستوى شرع الله، أو أن تراه ينزل هو إليهم يفتي بهذه وبتلك، وهذه بلوى عامة، وهذه ضرورة، وهذا شيء فرض علينا، فكلما تخلى عن حديته، وكلما تخلى عن قناعاته وساير الواقع، أي لعله يصبح مشهوراً كثيراً، السبب أن الدين عنده أصبح سهلاً جداً، فحينما تخفف التكاليف القضية تصبح سهلة، هذه الديانات الأرضية أتباعها بمئات الملايين لماذا؟ ليس فيها شرع إطلاقاً، ولاء فقط، طقوس و ولاء، حركات و سكنات و إيماءات و تمتمات و قراءات لا تعني شيئاً، هذه العبادات والمعاملات كما تعرفونها، قال تعالى:

﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾

[ سورة الأنفال: 35]

فلذلك قضية العبادات بالأديان الوضعية سهلة جداً أما الإنسان المخلص فلا يسعى إلى الهبوط إلى الناس، لا يسعى إلى إرضائهم، لا يسعى إلى كسب رضاهم، لا يعنيه أن يرضوا أو أن يسخطوا، يعنيه أن يقيم منهج الله عز وجل، فأنا أرى أن الدعاة ينبغي أن يرتفعوا بالناس إلى منهج الله.

صفات الفرق الضالة عبر التاريخ الإسلامي :

أول صفات الضلال تخفيف التكاليف
لذلك لو سألتني عن تعريفات الفرق الضالة عبر التاريخ الإسلامي أقول لك صفات أربع: أولاً: تخفيف التكاليف، ترى عند إنسان كل شيء مباح، كل شيء مشروع، كل شيء مقبول، لا تدقق الدين يسر، ليس هناك من حرج، نحن بآخر الزمان وآخر الزمان صعب، هناك ضغوط كثيرة وشيء فوق طاقتنا، والعمل عبادة، والنبي كان يتساهل افعل ولا حرج، وإذا أفتى إنسان بالشدة هناك من يفتي باليسر، فلذلك أول صفة من صفات الضلال تخفيف التكاليف.
تأليه الأشخاص، إرضاء الشخص هين جداً لأنه لا يراك تقبل عليه، تسلم عليه بأدب جم، تحترمه، تثني عليه، تمدحه، فيرضى عنك، هو بشر لكن لا يعلم ماذا تفعل في البيت، ولا في العمل، ولا في السوق، فإرضاء الشخص أهون ألف مرة من إرضاء الله عز وجل، لأن الله معك في حركاتك و سكناتك ويشاهدك، فحينما تبتعد الأمة عن دينها تخفف التكاليف وتؤله الأشخاص.
وتعتمد على نصوص موضوعة، اليوم كنت في جنازة الذي يتولى قراءة القرآن ذكر اسم المتوفى إلى آخره ثم قال: من حمل نعشاً عشر خطوات غفر الله له أربعين كبيرة، ما الكبائر؟ الزنا كبيرة، القتل كبيرة، شهادة الزور كبيرة، شرب الخمر كبيرة، حسب هذا الكلام يمكن أن تعمل أربعين كبيرة وفي اليوم الواحد و الأربعين تأتي إلى مقبرة باب صغير ترى جنازة تعطيها كتفك عشر خطوات وانتهى الأمر، هذا دين؟ هذا الدين يحتاج إلى بحث، يحتاج إلى تثبت، أما كل إنسان تكلم، كل إنسان نعق يعد هذا من الدين؟؟ هذه مشكلة المسلمين.
تأليه الأشخاص، تعظيم الشخص، تعظيم الشخص سهل جداً، مديح تمدحه، وأحياناً يصدقك، و أحياناً إذا لم تمدحه يتضايق، أحياناً يصبح المدح عنده غذاءً، فإذا إنسان ما مدحه يتضايق، اليوم لم يقل لي أحد كلاماً طيباً، تأليه الأشخاص، وتخفيف التكاليف، واعتماد النصوص الموضوعة وما أكثرها، ثم النزعة العدوانية، إذا عارضت، أو انتقدت، أو بينت، أو نصحت، أو أمرت بالمعروف، أو نهيت عن المنكر، تقوم الدنيا ولا تقعد لأنك زلزلت كيانهم.

الانسياق مع الواقع و عدم الاهتمام بشريعة الله عز وجل :

أيها الأخوة الكرام: أنا أرى أن هذه الفتنة كبيرة جداً، وأن هذه الفتنة منتشرة جداً، وأن العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه واقع بهذه الفتنة، البيوت لا تقام فيها شريعة الله عز وجل أصبح افتتاح المشاريع يرافقه فتح زجاجة خمر
الأسواق لا تقام فيها شريعة الله، المحال التجارية لا تقام فيها شريعة الله، ألفنا أنك إذا أردت أن تفتح مشروعاً لا بد من أن تفتح معه زجاجة خمر ونحن بلاد إسلامية، هناك مؤسسة خاصة لا علاقة لها بالدولة إطلاقاً افتتاح هذا البنك يقتضي أن تأتي بقارورات من الخمر وتفتحها مع قص الشريط هكذا ألفنا أن نقلد الأجانب.
فيا أيها الأخوة الكرام: أنا لا أتمكن أن أدرج في هذا الدرس قائمة طويلة جداً متعلقة بمسايرة الواقع، أحياناً أن تحمل حاجتك بيدك يعد هذا تخلفاً، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( وبرئ من الكبر من حمل حاجته بيده ))

[رواه القضاعي والديلمي عن جابر مرفوعاً وهو عند ابن لال عن أبي أمامة. وفي لفظ بضاعته بدل سلعته]

أنا أتمنى أن نعتقد جميعاً أنه لا بد من أن نتميز، أما مسلم بمقهى وزوجته محجبة بمكان عام، بمطعم عام، الموسيقا والنساء كاسيات عاريات، وكل إنسان يبحلق بزوجة الثاني، فهذا المكان ليس للمسلم، ألِف الناس أن يأكلوا في المطعم من حين لآخر، من قال إن الأكل في المطعم فرض أو سنة؟ لابد من أن نتناول وجبة في الأسبوع في المطعم فالكل في المطاعم، أحياناً هناك منكرات كثيرة، قد نذهب إلى الملعب والفخذ كما قال عليه الصلاة والسلام عورة، ممكن إنسان ينساق مع الواقع ولا يهتم بالتدقيق، بما ينبغي أن يفعله.

الدعاة هم أكبر فئة معرضة لفتنة مسايرة الواقع :

أيها الأخوة الكرام: الحقيقة أن أكبر فئة معرضة لهذه الفتنة هم الدعاة، هناك ضغط فتاوى ماذا أفعل؟ أين أضع المال يا أستاذ؟ قد يكون الأخ غالياً عليك وطلب بإلحاح، فمن شدة الضغط والتكرار والإلحاح دون أن تشعر تعطيه فتوى، أحد شيوخ الأزهر أفتى بالربا، ثلاثة وثمانون مليار جنيه وضعت في البنوك في اليوم التالي.
الفتاوى الخاطئة تحول الإسلام إلى دين هلامي
فيا أيها الأخوة الكرام: أقول لكم: من كان مظنة صلاح، من كان مظنة دعوة إلى الله، من كان على شيء من الحق، هذا الإنسان معرض لهذه الفتنة قبل غيره، لأن حولك أناساً تحبهم، وواقعهم يحتاج إلى إصلاح، والإصلاح يبنى على معصية، فيأتون يسألون و يسألون، في معظم الأحيان الإنسان يرضخ ويعطي الفتوى لكن بعد حين كان الإسلام مكعباً حديدياً واضحاً نزع نتوءاته فصار كرة، بعد ذلك أصبح كرة لزجة مطاطية في مرونة، المشكلة الكلمات التي تعد معاصي في الدين لها أسماء أخرى، المعصية تعني مرونة، البنت المتفلتة تعني سبور، والإنسان الذي يؤمن بغير القرآن حضاري، والإنسان اللبق جداً منافق، والمنافق إنسان لبق، ليس له عدو، يساير كل الناس، هذه المشكلة، هناك مصطلحات جديدة والله أيها الأخوة الكرام: هي خطيرة جداً، هذه المصطلحات تريد أن تفرغ الدين من مضمونه ويبقى الدين شكلاً بلا مضمون، ووعاء بلا محتوى، طبعاً التوجيه النبوي في هذا:

(( مَنْ الْتَمَسَ رِضَا اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللَّهُ مُؤْنَةَ النَّاسِ، وَمَنْ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى النَّاسِ ))

[ الترمذي عَن عَائِشَة أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا]

أي إذا لم تساير الواقع وأصررت على إرضاء الله عز وجل رضي الله عنك وأرضى عنك الناس، كيف؟ لا نعلم، الله عز وجل يلقي في قلبهم إكبارك، يلقي في قلبهم تأييدك مع أنك لم تستجب لهم، مرة رجل في عهد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أقطعه والد سيدنا عمر أرضاً، سيدنا عمر نزعها منه ورعاً، فجاء لابنه وقال: لقد أقطعني جدك أرضاً فجاء أبوك رحمه الله فانتزعها مني قال: عجبت لك ترضيت وترحمت على من نزعها منك، ولم تترض وتترحم على من أعطاك إياها، هذه بالعقل الباطن دون أن يشعر، فجاء أبوك رحمه الله فانتزعها مني، أيعقل أن تترحم على من نزعها منك ولا تترحم على من أعطاك إياها؟؟ أنت حينما ترضي الله بسخط الناس يرضى الله عنك ويرضى عنك الناس، هذه حقيقة كبيرة، تعد هذه الحقيقة من خلال هذا الحديث أكبر مقولة في هذا الدرس، قال تعالى:

﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ﴾

[ سورة الأنعام: 91]

(( من أرضى الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس))

[الترمذي والإمام أحمد عن عائشة أم المؤمنين ]

يكاد يكون هذا الحديث هو محور هذا اللقاء الطيب، ابحث عن رضا الله ولا تعبأ بأحد:

فليـتــك تحلو والحيـاة مـريــــــــــرة وليتك ترضى والأنام غضاب
وليـــــت الذي بيني وبينك عامــر وبينـي وبين العالميــن خراب
إذا صح منك الوصل فالكل هين وكل الذي فوق التراب تراب
***

نهي النبي عن فتنة مسايرة الواقع :

النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الموضوع بالذات في موضوع فتنة مسايرة الواقع له نهي رائع يقول عليه الصلاة والسلام:

(( لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً تَقُولُونَ: إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا، وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا، وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا، وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَا تَظْلِمُوا ))

[ الترمذي عَنْ حُذَيْفَةَ]

أنت وحدك قد تكون على صواب والكثرة تسير في الطريق الخطأ
دائماً هناك حجة تروى لو أردت أن تقيم منهج الله عز وجل يقول لك: معظم الناس يفعلون هذا الشيء لم تخاف أن تفعله؟ أيعقل أن يكون هؤلاء على خطأ؟ نعم، لأن الله عز وجل يقول:

﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾

[ سورة الأنعام: 116]

طبعاً ولا سيما في آخر الزمان الأكثرية على خطأ لأنهم يتبعون شهواتهم، ويؤثرون مصالحهم على مبادئهم، ودنياهم على آخرتهم.

(( لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً تَقُولُونَ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَا تَظْلِمُوا ))

[ الترمذي عَنْ حُذَيْفَةَ]

من هو الإمعة؟ هو الذي يقول: إن أحسن الناس أحسنت وإن ظلموا ظلمت، لكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساؤوا فلا تظلموا، المؤمن متميز.
بالمناسبة لا يوجد بالإسلام شيء اسمه المعاملة بالمثل إلى حد ما، فلان غشك ترد على غشه بأن تغشه، هو أساء أنت مؤمن، لك جار بالغ بالإساءة إليك لا يرد على هذه الإساءة بالإساءة، يرد عليه بشكوى، أنت مؤمن، لأنك لو أردت أن ترد على إساءته بإساءة ينسى الناس إساءته، لأنه ساقط بالأساس ويتحدث الناس عن إساءتك، لتر ماء صاف ولتر ماء آسن لو خلط هذا بهذا من الذي يتضرر؟ الصافي فقط، الآسن آسن، فأنت حينما ترد على الإساءة بإساءة، المسيء الأول هو مظنة إساءة، أما أنت فمؤمن مظنة صلاح، من هنا يقول عليه الصلاة والسلام:

(( يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ ))

[ الترمذي عَنْ أنس َ]

يقول الأخ لك: ضغط داخلي من البيت، زوجته تضغط، أولاده يضغطون، أمه، أبوه، جيرانه، من حوله يضغطون، بعمله هناك ضغط، نحن في زمن صعب، نحن في زمن الفتن، و أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، يمسي الرجل مؤمناً ويصبح كافراً، ويصبح مؤمناً ويمسي كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل.

فتن أخرى قد تتسبب بانحرافات خطيرة :

أيها الأخوة: من هذه المسايرات للواقع الاختلاط، والاختلاط فيه تجاهل لطبيعة النفس، فالمرأة محببة إلى الرجل، أية امرأة، فإذا كان هناك اختلاط طبعاً الشيء المعروف الذي ينطق الناس به كلام طيب، لكن ماذا يجري في نفوسهم من شهوات، من تطلعات، من فتن، من إثارة الاختلاط من المسايرة للواقع وهو فتنة كبيرة
هذا كله يحصل في نطاق اجتماعي سليم، وهذا الشيء الذي يحصل قد يتفاقم إلى انحراف إما ذاتي أو غير ذاتي، إذاً الاختلاط هذا واقع سيئ جداً يمكن أن يسبب متاعب للأسر، ومتاعب للمجتمع، وحينما ينهى الله عز وجل عنه، وحينما يؤكد هذا النهي نبيه صلى الله عليه وسلم فمعنى ذلك أن الاختلاط فتنة كبيرة جداً، يمكن أن تتسبب في انحرافات خطيرة وأقل هذه الانحرافات الشقاء الزوجي التبرج يجمل المرأة لكنه يفتن من حولها
أي قد تكون إنسانة متفوقة بشيء فإذا كان هناك اختلاط، والزوجة دون هذا المستوى بكثير فهناك ضجر وندم وسخط، أيضاً حينما لا تكفينا السنة تستهوينا البدعة، فقد نجلب أجهزة تسهم في إفساد أخلاقنا هذا أيضاً من الفتن التي نسايرها، ودائماً الإنسان حينما يقول: إن هناك إيجابيات الخمر فيها إيجابيات الله عز وجل قال:

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ﴾

[ سورة البقرة: 219]

فالإيجابيات موجودة في كل معصية، الآن التبرج في المرأة، طبعاً يرفع من مستوى جمالها لكنه يفسد من حولها، هذا واقع معظم الناس يسايرون، أحياناً البذخ قد يربط الإنسان مكانته ببذخه، وأناس يموتون من الجوع، وهناك سلوك بذخي في المجتمعات الإنسانية، الحمد لله الآن صار هناك وعي أو ازداد هذا الوعي فصار هناك حفظ للنعمة، أما هذه النعم التي أكرمنا الله بها فينبغي أن نحافظ عليها.

الفتوى و التقوى :

بالمناسبة أيها الأخوة أنت حينما تسأل وتريد أن تأخذ فتوى من شيخ كائناً من كان قد تتوهم أن هذه الفتوى تنجيك من الله عز وجل معظم الناس يريديون أن يتكئوا على فتاوى تبرر أعمالهم
ولكن سوف أضعك أمام نص خطير هو أنك لو استطعت بذكاء وبطلاقة لسان وبحجة أن تنتزع من فم النبي الشريف حكماً لصالحك ولم تكن محقاً لا تنجو من عذاب الله، والحديث الصحيح:

(( إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ وَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ ))

[ متفق عليه عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ]

تجد معظم الناس يريد أن يتكئ على فتوى، مع أن التقوى غير الفتوى، والتقوى أقوى، بل إنني أحياناً أتكلم كلاماً غريباً أقول للسائل: اطمئن لكل معصية فتوى، إن كنت تبحث عن الفتوى فالفتوى ميسرة، لكل معصية فتوى، أما إذا كنت تبحث عن التقوى فهذا لا يرضي الله عز وجل.

قبول الإسلام كشكل و عدم قبوله كمنهج حياتي :

شيء آخر أيها الأخوة: لعل بعض الأخوة الكرام يغيب عن أذهانهم أن الطرف الآخر أي أعداء الدين لهم همّ واحد من عهد النبي إلى يوم الدين ما هو هذا الهم؟ هو قوله تعالى:

﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾

[سورة الإسراء: 73]

يقبل الغرب أي مظهر إسلامي لكن الشرع يزعجهم جدا
أي هناك منهج واضح و الطرف الآخر يريد أن نفتن عن منهجنا، أي يقبلون المساجد المزخرفة، يقبلون الفولكلور الإسلامي، يقبلون البناء الإسلامي، يقبلون التراث الإسلامي، يقبلون العادات الإسلامية، يقبلون التقاليد الإسلامية، لكن لا يقبلون الشرع الإسلامي، هذا الشرع يزعجهم جداً، فلذلك تكاد هذه الآية تغطي نشاط أعداء الدين من عهد النبي عليه الصلاة والسلام إلى يوم القيامة.

﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً ﴾

[سورة الإسراء: 73]

هناك تعبيرات كثيرة الآن حلها برمة، ما هذا التشبث؟ ما هذا التزمت؟ أو فلان متعصب، يكون متمسكاً يقولون: هو متعصب، فلان أفقه ضيق يكون مطيعاً لله عز وجل وصفوا طاعته لله بالأفق الضيق، وصفوا تمسكه بالدين بالتعصب، وصفوا انضباطه بالتقوقع، وصفوا جرأته بالوقاحة أحياناً فلذلك قال تعالى:

﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً ﴾

[سورة الإسراء: 73]

تحل كل المشكلات، إن خففت من تعصبك هم يمدحونك ما شاء الله فهيم، شيخ عصره، منفتح، حضاري، أفقه واسع جداً، هذه الدعوة أما لو أنه ضيق عليهم لضيقوا عليه، ممكن امرأة بأعلى درجة من التبذل أن تدير حواراً مع رجل علم، وأن يملأ عينيه من محاسنها، هذا مشكلته مشكلة، أين دينه؟ أين ورعه؟ أين غض بصره؟ الأوراق تختلط، تسأل إنسانة تعمل في الفن وتعمل في الرقص ما هو الكتاب الأول في حياتك؟ تقول: القرآن الكريم.
الدين مقبول عند معظم الناس كفلكلور وليس كتطبيق
تحتار أنت القرآن الكريم أول كتاب في حياتها وتعرض جسمها يومياً شبه عار في الصالات وفي المسارح؟!! أي الدين مقبول كفولكلور، مقبول كفن، مقبول كبناء إسلامي، مقبول كتراث، مقبول كعادات، كتقاليد، مقبول كأكلات معينة، لكن ليس مقبولاً كضبط دخل، ليس مقبولاً كضبط إنفاق، ليس مقبولاً كعدم اختلاط، ليس مقبولاً كصدق تام، ليس مقبولاً كجرأة، ليس مقبولاً كنصيحة، ليس مقبولاً كورع، لا، لا.
فلذلك هذه مشكلة العالم الإسلامي، ترى المسلمين في شتى أقطارهم يواجهون عداء شديداً، قطران يواجهون الذبح كل يوم، والقتل كل يوم، في العراق وفلسطين، وهم الناس أن يختاروا أحد مغنيتين، جاء ستة وثمانون مليون اتصال وكل اتصال بمئات الليرات هؤلاء المسلمون.
أنا أقول هذا الدرس لا من فراغ لكن من معاناة، الإسلام مقبول كشكل، كإطار، كفن، كنشيد، كاحتفال، أما غير مقبول كمنهج حياتي يومي تطبقه في حياتك اليومية، أحياناً نستحي بديننا فنقول: هناك حدود، هذه مسايرة الواقع، نستحي بتعدد الزوجات نراها سلوكاً غير حضاري، مع أنها مشرعة، قد تجد امرأة تقول له: اتخذ كل يوم خليلة ولكن إياك أن تتزوج ثانيةً، تقبل أن يكون له خليلات، ولا تقبل أن يكون له زوجة ثانية من أجل كبريائها، موضوع إيداع الأموال ببنوك ربوية شيء طبيعي جداً، هذه مسايرة الواقع، الاهتمام بالحجاب أيضاً مرفوض، الآن الاختلاط، وإظهار المرأة مفاتنها بالعمل وفي الطريق شيء طبيعي، ولهذه المرأة المتفلتة أب يرتاد المساجد، وأم محجبة، والبيت يغلب عليه الطابع الإسلامي، إلا أن هذه الفتاة خرجت عن منهج الله عز وجل.

الطريق إلى الله غير سالك ما لم نُحكم الشرع في حياتنا :

أيها الأخوة: أريد أن أبين لكم أنه ما لم نرجع إلى الله، وما لم نحكم هذا الشرع في حياتنا مالم نحكم الشرع في حياتنا فالطريق إلى الله غير سالك
فالطريق إلى الله غير سالك، وقد لفت نظري قوله تعالى:

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾

[ سورة الشعراء:88-89]

والقلب السليم هو القلب الذي لا يشتهي شهوة لا ترضي الله، ولا يصدق خبراً يتناقض مع وحي الله، ولا يحكم غير شرع الله، ولا يعبد غير الله، وكلما تمسكنا أكثر اقتربنا من الله أكثر، وقطفنا ثمار الإيمان أكثر، وسعدنا بالدين أكثر، فأنا أحذر وهذه مسؤولية الدعاة أن نساير الواقع وننسجم معه على علاته، وعلى تفلته، وعلى تقصيره، من أجل أن ترتاح نفوسنا من النقد، ومن الضغط، ومما ذلك، الدنيا ساعة اجعلها طاعة، ونحن في دار عمل لا في دار أمل، والحياة تحتاج إلى جهد كبير، قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾

[ سورة العنكبوت: 69]

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018