بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات إسلامية - متفرقة : 051 - أضرار الربا


2003-08-01

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.

المال قوام الحياة :

أيها الأخوة الكرام ، أردت في هذا الدرس أن أتحدث عن موضوع لا يبدو ضرره صارخاً، مثلاً لو أن إنساناً شرب الخمر وثمل كل من حوله يرى أثر هذه المعصية، فقد عقله، وتكلم كلاماً، وخرج منه أشياء، وصار بهيئة قبيحة بين الناس، هؤلاء السكارى يتكلمون كلاماً يفضحهم، ويفعلون أفعالاً تفضحهم، فالخمر معصية نتائجها صارخة الخمر معصية نتائجها صارخة
لكن شارب الخمر يؤذي نفسه فقط، إلا أن الذي يزني يؤذي نفسه ويفسد معه فتاةً كان من الممكن أن تكون أماً محترمةً، ولها أولاد، ولها زوج، وأن تسعد بحياتها أيما سعادة، لكن هذا الإنسان الوحش أفسدها وأخرجها عن طهرها وعفافها، وجعلها مضغة في الأفواه أولاً، وملقاة في الطريق حينما يزوي جمالها، كان من الممكن أن تكون أماً مقدسة، ولها أولاد أبرار، إذاً الزنى ضرره ليس غداً ولكن بعد حين.
إلا أن الربا قد لا يجد الإنسان آثاراً سريعة سيئة الربا يهلك الأمة
لكنه يهلك أمة، ذلك أن الله سبحانه وتعالى ما توعد عاصياً في القرآن بالحرب إلا معصية الربا، لأن أصل التصميم حينما خلق الله الإنسان، وأودع فيه حب المال، وجعل حاجاته تشترى بالمال، المال قوام الحياة، وقد أكد الله هذا المعنى بأن الله جعل لكم فيه قياماً، تقوم حياتك بالمال، الدليل:
الآن شاب لمجرد أن يبحث عن عمل وأن يجد عملاً ما الذي يحدث ؟ أولاً يتزوج فتاة تنتظره، حينما تخطب الفتاة تحل كل مشكلاتها، لأن الزواج عند الفتاة كل فصول حياتها، فإذا خطبها شاب مؤمن مستقيم يعرف قيمتها، ويعرف كرامتها، فقد حققت النجاح كله في حياتها، إذاً الشاب حينما يجد مالاً يخطب فتاةً، يسكن في بيت ولو كان صغيراً، لكنه يحقق ذاته أيضاً، شكل أسرة، إذاً المال قوام الحياة.
المال قوام الحياة
الأب حينما يكون له دخل يغطي حاجات أولاده، يدفعهم إلى العلم، يؤمن لهم طعامهم وشرابهم وكسوتهم وتدفئتهم، وبعضاً من لهوهم البريء، وبعض النزهات، الأب يحقق هدفاً كبيراً، الله عز وجل شاءت حكمته جعل المال قوام الحياة، هذه أول حقيقة.
أي إنسان له دخل ولو كان قليلاً لكن كما قال عليه الصلاة والسلام:

(( إذا أحرزت النفس قوتها اطمأنت ))

[الجامع في العلل ومعرفة الرجال لأحمد بن حنبل عن يَحْيَى بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ أبيه ]

ما الذي يحدث بالعراق؟ حوالي أربعمئة ألف بمئتي ألف بخمسين وكل واحد تحت يده خمسة أشخاص، ثلاثة ملايين إنسان فقدوا دخلهم كلياً حينما حلوا الجيش، فهناك قلق شديد لم يبقَ لهم معاش، لا يوجد أول الشهر محاسب يعطيك المعاش، كيف يأكل؟ فهذا حمق ما بعده حمق، على كلّ. بالمال تعالج نفسك من الأمراض

(( إذا أحرزت النفس قوتها اطمأنت ))

[الجامع في العلل ومعرفة الرجال لأحمد بن حنبل عن يَحْيَى بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ أبيه ]

أول حقيقة أن المال قوام الحياة، وقد جعل الله لكم قياماً به، تعالج نفسك عند طبيب، تشتري دواء، تشتري طعاماً، تشتري شراباً، تشتري فواكه، ترتدي ألبسة، تعالج أولادك، تقدم لهم هدايا أحياناً ولو كان شيئاً متواضعاً لا يهم الحجم، يهم أن هناك مالاً، هذا المال قد تشتري به طعاماً بسيطاً جداً لكنك تنام وقد شبعت، تسكن في بيت ولو كان أجرة، ولو كان في طرف المدينة لكنه مأوى، فالله عز وجل جعل المال قوام الحياة، هذه أول حقيقة.

تداول المال بين الناس :

الآن أراد الله أن يكون هذا المال متداولاً بين جميع الناس، هذا رقم اثنين أراد الله للمال أن يكون متداولا بين جميع الناس
أراد الله أن يكون هذا المال متداولاً بين جميع الناس، وبأكثر البلاد لو أن هذه الثروة، لو أن هذا الدخل القومي، لو أن هذا المال وزع بحسب الجهد لمن يبذله لكان الناس في بحبوحة كبيرة، ولكن لأن أناساً يغتصبونه بغير حق، وأناساً يحرمون منه بغير حق تنشأ مشكلات لا تنتهي، هل تصدق أن تداول المال بين أيدي جميع الناس علامة تقدم كبير جداً، عشر سكان الأرض يملكون تسعين بالمئة من ثروات الأرض، وتسعون بالمئة من سكان الأرض لا يملكون عشرة بالمئة من ثروة الأرض، لذلك قالوا: دول الشمال ودول الجنوب، تذهب إلى بلاد ينامون في كهوف.
والله ذكر لي أخ ذهب إلى الهند، قال لي: بيت عبارة عن قطع خيش مع أكياس نايلون، مع كرتون مخيط بخيطان، أربعة جدران وسقف هذا البيت على التراب، في أماكن أخرى ينامون على الأرصفة، الرصيف بيت، أي يتزوج على الرصيف، وينجب أولاداً على الرصيف، لا يوجد غير الرصيف، وفي بلاد أخرى العيش يكون بالقوارب، فإذا ذهبت إلى الشرق تجد فقراً لا يصدقه العقل، يأكلون الصراصير في بعض البلاد، الكلاب، أي كائن متحرك يؤكل، الجرذان تؤكل.
في بعض البلاد يأكلون الصراصير من شدة الفقر
كنت مرة في بلد بعيد واطلعت على بحث علمي، يأكلون الجرذان من شدة الفقر، فأمة تأكل كلابها من اللحم ما لا يأكله شعب تعداده تسعمئة مليون، حينما نسمح بهذه المعصية الكبيرة ما الذي يحصل؟ الأموال عن طريق الربا تتجمع في أيد قليلة، وتحرم منها الكثرة الكثيرة، أصل منهج الله أن يكون المال متداولاً بين كل أفراد الأمة، كلّ بحسب جهده، أما حينما يتدخل البنك الربوي ما الذي يحصل؟ تتجمع الأموال بأيدٍ قليلة وتحرم منها الكثرة الكثيرة، وصدقوني أن كل ثروات العالم، وأن كل أعمال العنف في العالم، وأن كل التفلت في العالم، وأن كل الانحطاط في العالم، وأن كل الجرائم في العالم، وراءها هذا الفرق الطبقي الكبير، ودائماً وأبداً الإنسان حينما ينقطع عن الله عز وجل يعالج الأمر من آخره، فالآن هناك حملة ضخمة جداً ضد الإرهاب، لكن أتمنى على هؤلاء الذين يسوقون الناس لمحاربة الإرهاب أن يسألوا أنفسهم مرةً لماذا كان هذا الذي يسمونه إرهاباً فقراً كافراً؟ كاد الفقر أن يكون كفراً.
فهذه المعصية لا ترى بعينك آثارها المدمرة، ترى مؤسسة فيها مكاتب، فيها صندوق حديد، فيها أموال، فيها قيود، تأخذ مئة ألف توضع الفائدة عليك سلفاً فيعطونك سبعين، يجب أن تؤدي المئة. الأصل أن الأعمال تلد المال وليس المال يلد المال
فحينما نتعامل بالربا، أو حينما يلد المالُ المال، الأصل أن الأعمال تلد المال، وكل أخ عنده مؤسسة تجارية يعرف هذا الشيء، تقريباً المصروف يصل إلى ثلاثين بالمئة من المبيعات، أي لا يوجد مؤسسة تجارية، أو صناعية، أو زراعية، إلا وتحتاج إلى يد عاملة.
أضرب لكم مثلاً: عندك محل أنت بحاجة لدفتر فواتير، أي هناك مطبعة جاءها زبون يحتاج إلى دفتر فواتير، والمطبعة تحتاج إلى حبر، وتحتاج إلى عمال، وتحتاج إلى مستودع، وتحتاج إلى محاسب، أنت بحاجة لمطبعة، والمطبعة بحاجة إلى خمسين موظفاً، لمجرد أن المال تلده الأعمال، الربح يتوزع بين شريحة كبيرة، هذه حقائق علمية، لمجرد أن المال تلده الأعمال، الكتلة النقدية النتيجة تتوزع بين أوسع شريحة في المجتمع، ولمجرد أن يلد المالُ المال تضيق هذه الثروة وتكون بين أيد قليلة وتحرم منها الكثرة الكثيرة.

أضرار الربا :

طبعاً المؤمن بإيمان عال جداً يرى أن علة أي أمر أنه أمر، يكفيني أن يقول الله:

﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 279]

البنك ليس لديه مشاريع تجارية وإنما قروض ربوية فقط
لكن حينما يلد المالُ المال، أي أنا حينما أضع مبلغاً في بنك البنك ليس عنده مشاريع تجارية، عنده خزانة يوضع المال فيها، وهو يقرض قروضاً ربوية، فكسب المال يأتي من أين؟ من الفوائد المترتبة على القروض، ما الذي يحصل؟ كل الربح جاء إليك، والبنك ما استخدم أحداً، أما لمجرد أن أؤسس عملاً تجارياً أنا مضطر أن أهيئ فرص عمل لعدد كبير علاقتي معهم ليست أساسية، ولعدد محدود علاقتي معهم أساسية.
فالقاعدة الأولى: أن المال إذا ولد المال تجمعت الأموال في أيدٍ قليلة وحرمت منها الكثرة الكثيرة، وهذا التفاوت الطبقي في العالم بين دول الشمال ودول الجنوب، أي الآن أخواننا في بلاد حولنا إسلامية في الغرب والشمال 80 % - هذا كلام علمي - من الدخل القومي من عشرين سنة يذهب لتأدية الفوائد على القروض الكبيرة، ثمانون بالمئة من الدخل القومي يذهب لخدمة القروض الربوية، أي لا يوجد أمل ولا بمئة سنة أن يقف هذا القطر على رجليه، كل الجهد فوائد ولا يزال أصل القرض ثابتاً.
فأنت حينما ترى خالق الأكوان يقول:

﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾

[ سورة البقرة: 276 ]

يجب أن تصدقه، حينما يقول:

﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾

[ سورة البقرة: 279 ]

إذا دخلنا بالتفاصيل قليلاً، لو تصورنا بلداً لا يوجد فيه مؤسسة ربوية إطلاقاً، ى يوجد طريق لكسب المال إلا الأعمال، ولا يوجد مؤسسة ربوية تعطي ربحاً ثابتاً محدوداً من دون جهد، فاضطر هذا الإنسان أن يفتح مؤسسة، مشروعاً، محلاً تجارياً، معملاً صغيراً فيقنعه ربح بسيط، إذا كان العمل التجاري أو الصناعي أتى بربح عشرة بالمئة أو سبعة أو ستة لابأس، يعيش حياة كريمة، أما لمجرد أن هناك مؤسسة تعطي ثمانية بالمئة من دون جهد، ومن دون خسارة، ومن دون مغامرة، ومن دون ضرائب، ومن دون تصريح، فلو أن في بلد هناك مؤسسات ربوية تعطي فوائد ثابتة بلا مسؤولية، ولا جهد، ولا مغامرة، بالتجارة يوجد مغامرة، لذلك تتجه هذه الأموال للاستثمار في البنوك، هذا الذي حصل.
البنوك الربوية تضع رؤوس الأموال بأيد قليلة
إذاً هذه الكتلة النقدية بدل أن تكون موزعة بين أوسع شريحة في المجتمع ضاق استعمالها بين أيدٍ قليلة، وقد تلاحظ أن البضاعة الآن رائعة جداً، الأسواق ممتلئة بالبضاعة لكن الناس لا يملكون ثمن هذه البضاعة، إلا فئة قليلة تنعم بدخل فلكي، أي ممكن إنسان يعمل عرساً أو عقد قران بالشيراتون، يكلفه خمسة و ثمانين مليوناً، هذا المبلغ كم شاب يزوج؟ كم مئة ألف شاب لا يوجد عندهم غرفة وعرس بخمسة و ثمانين مليوناً!! هذه أيضاً ظاهرة مرضية أن فئة قليلة جداً معها أموال طائلة، وشريحة كبيرة جداً لا تملك هذا المال، حصل خلل بالبنية الاجتماعية، لذلك تفشت الجرائم، يقول بعض المحققين: فتش عن المرأة، بأي جريمة هناك مشكلة وراءها امرأة، وفي رواية ثانية: فتش عن الفقر، قد يكون الفقر وراء معظم الجرائم، فأنت حينما تقر بأحقية أو بمشروعية الربا ماذا تفعل أنت؟ أنت تقر بدمار المجتمع، لذلك دائماً يأتي العقاب على قدر المعصية، أو على قدر أثر المعصية.

 

آثار الربا لا تظهر إلا بعد حين من الزمن :

بدأت الدرس المسلم أو الإنسان حينما يشرب الخمر يؤذي نفسه، لكن أثر الخمر حينما يثمل ويسكر واضح جداً نقول: هذه معصية عافانا الله منها، لكن بالزنا لا تجد الفرق مباشرة، هي شابة وهو شاب والأمر بقي سراً، لكن بعد حين هي فسدت، هي تبحث عن عشيق، وهو يبحث عن فتاة أخرى، فبدأ بالزنا وبدأت بالزنا والله عز وجل يتوعد هؤلاء بالفقر ولو بعد حين، والمشكلة أن المرأة لها بكل سن ميزات مرغوبة المرأة تلفت نظر زوجها بإخلاصها ورعايتها لأولادها
فإذا امرأة تزوجت وفق منهج الله في البداية تلفت نظر زوجها بجمالها، لكن بعد حين تلفت نظر زوجها بإخلاصها له، وبرعايتها لأولادها، أما إذا صار عمرها ثمانين سنة فمها مغارة، ومنظرها مخيف، لكنها محبوبة محبة، ملكة، الآن كل واحد منا إذا كان له أم أو جدة ومحسنة جداً هي مركز العائلة ولكنها جمالياً صفر لكن أخلاقياً وإنسانياً كل السعادة تأتي من بركات هذه الجدة، فالله مصمم المرأة أن يكون لها بكل فترة شيء يلفت النظر، مرة بجمالها، مرة بإخلاصها، مرة برعايتها لأولادها، مرة بإشرافها على ثلاثين أو أربعين حفيداً من أحفادها هكذا التصميم، أما الزنا فما دام فيها مسحة جمال مرغوبة، عندما ينتهي الجمال تجدها في الطريق لا ابن ولا أب ولا أحد، فتصبح متسولة، طريق الزنا تظهر آثاره بعد حين إلا أن طريق الربا لا تبدو آثاره، بنك فخم، ومكاتب، وموظفون، وصناديق حديد، وتأخذ قرضاً وتقبض مالاً، لكن ما الذي حصل؟ ما دام ممكن أن تربح من دون جهد، ممكن أن تربح من دون مسؤولية، ممكن أن تربح من دون مغامرة، ممكن أن تربح من دون ضرائب، ممكن أن تربح ولا تؤجر أحداً، ممكن أن تربح والربح كله لك، فالذي يحصل أن هذه الأموال تنضم إلى بعضها بعضاً وتصبح كتلة نقدية كبيرة جداً بأيد قليلة والأكثرية حرموا منها، وهذه مشكلة الأرض الآن، أكثر الدول النامية عليها قروض للبنوك الدولية ولا بخمسين أو مئة سنة تؤدى هذه القروض، أما الآن فمعظم الدخل القومي لهذه البلاد لخدمة القرض.
كنت ببلد إسلامي قبل شهر تقريباً هكذا أنبئوني أن ثمانين بالمئة من الدخل القومي لشعب نشيط جداً يعمل ليلاً نهاراً يؤدى هذا المال خدمة لقرض ربوي، وأصل القرض ثابت من عشرين سنة.

﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾

[ سورة البقرة: 276 ]

لو دخلنا بالتفاصيل عندما أنت تؤسس مشروعاً تجارياً أو صناعياً أو زراعياً تحتاج إلى فريق عمل كبير، تحتاج أن تؤجر مئات بل عشرات المئات من الأشخاص بشكل غير مباشر، مرة قرأت مقالة عن معمل سيارات بفرنسا متعاقد مع مئتي معمل تجميع، فهذه دورة تجارية، فإذا كان هناك استثمار ربوي لا يحتاج إلى معمل، ولا إلى موظف، فقط يلزمك أن تضع المال وتوقع ويعطونك شيكاً وانتهى، فهذا الذي لا يقدم عملاً عالة على الأمة ولو معه مليارات، ما قدم شيئاً.
الصناعات والعمل الحقيقي هو الذي يبني الأمم
الآن مثلاً نجار صنع باباً، الحذّاء قدم حذاء، والحلاق حلق لك، والطبيب عالجك، والأستاذ علمك، علم لك ابنك، فكل إنسان يقدم خدمة يأخذ مقابلها، فأصبح هناك بناء للأمة، أما الذي يقدم مالاً ويأخذ الفوائد ويصرفها على كيفه، فما قدم شيئاً أصبح هو عبئاً على الأمة، ما قدم شيئاً لها.
فلذلك لوجود مؤسسات ربوية في مجتمع ما تمنح ربحاً بلا جهد، وبلا مسؤولية، وبلا مغامرة، وبلا ضرائب، وبلا تشغيل أناس، وبلا إنفاق، وبلا مصروف، معنى ذلك الأموال نمت بسرعة بأيد قليلة وحرمت منها الكثرة الكثيرة، هذه مشكلة أهل الأرض، الآن لو تعمقت بفهم الصراعات في الأرض، لو تعمقت بالعوامل الخفية وراء الثروات بالعالم لوجدت أن ذلك بسبب الفقر، فالفقر هو الفرق الطبقي. قال بعضهم: مليون لا يملكون واحداً وواحد يملك مليوناً، هذا بسبب الربا.

علاقة السعر بفئة المشترين :

لذلك لما إله خبير، حكيم، عليم، يقول لك:

﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾

[ سورة البقرة: 276 ]

كلما غلت البضائع قل من يستطيع شراؤها
طبعاً المرابي قد يمد الحبل إلى حين ثم يدمر ماله كله. الآن سندخل بمثل ثان: تصور مخروطاً له عمود بالنصف، والمخروط عبارة عن حلقات متناقصة إلى أن تكون في النهاية صفر، هذا المخروط يشبه السعر وعلاقته بشريحة المشترين، فكلما ارتفع السعر ضاقت الشريحة، الآن أوسع دائرة بالأسفل كلما صعدت درجة تقل الدائرة، بالقمة لا يوجد دائرة هناك نقطة، هذا السعر كلما ارتفع تضيق الشريحة.
سآتي لك بمثل: نزل الكرز مثلاً الكيلو بمئة ليرة، دمشق فيها خمسة ملايين كم إنسان يشتري كيلو من الكرز؟ عدد محدود، إذا كان بخمس ليرات؟ يمكن أن يشتري من أهل الشام أربعة ملايين، خفيفة.
فهذه قاعدة كلما ارتفع السعر تضيق الشريحة، وكلما نزل تتسع هذه الشريحة، الآن أي شيء يرفع السعر معنى ذلك أن الشريحة صغرت، الشريحة صغرت لم يعد يكفي ربح البضاعة أن يعيش منه التاجر، يرفع السعر، هذه حلقة مفرغة، يرفع فتجد إفلاسات دائماً المحلات برسم التسليم لأنه يرفع السعر حتى يبيع، عندما ارتفع السعر أصبح عبئاً على دخل الإنسان الذي هو من أصحاب الدخل المحدود. إذاً أي شيء يرفع السعر يخلق مشكلة، مشكلة أن السلعة موجودة لكن لا يملك الناس ثمن هذه السلعة، ينشأ حرمان، ينشأ مشكلات كبيرة.
فإذا كان هناك مؤسسة ربوية تعطي ربحاً ثابتاً من دون جهد، الآن إنسان قيل له: أنت تفتح مشروعاً تعلق مع المالية، ومع الجمارك، ومع التموين، ومع التأمينات، ومع خمسين أو ستين جهة، ومع ضرائب كبيرة جداً، ومع مغامرة أنه يأتي إنسان منافس يفلسك، أما أن تضع مالك بالبنك بمنطق مصلحي فقط، أما أن تضع مالك ببنك تأخذ ربحاً ثابتاً أفضل لك، طبعاً لمجرد وجود مؤسسة ربوية في مجتمع تعطي ربحاً ثابتاً معنى هذا لا أحد يغامر برأس مال ضخم يطرح في السوق إلا بربح عال كبير، هذه أهم نقطة بالدرس، إذا كان هناك مؤسسات ربوية تعطي أرباحاً محدودة بلا جهد، وبلا تعب، وبلا مسؤولية، لا أحد يغامر بمشروع تجاري أو صناعي أو زراعي إلا بربح عال جداً حتى يكون هناك شيء مغر مقابل قرار المغامرة ومقابل الضرائب ومقابل أشياء كثيرة.
الآن بالعالم الغربي كيف يروجون التجارة؟ بتخفيض الفائدة، كيف يحدون من النمو الاقتصادي السريع جداً؟ برفع الفائدة، فالفائدة رفعها وتخفيضها متعلق بالنشاط التجاري، فالتجارة تتنشط بتخفيض الفائدة، وتتراجع برفع الفائدة، هذه قاعدة.

دمار مجتمعات بأكملها عن طريق الربا :

إذاً أي مؤسسة ربوية تعطي ربحاً ثابتاً ولا يوجد مغامرة ولا مخاطرة ولا ضرائب ولا أي شيء معنى هذا لا يمكن أن يربح مشروع إلا بربح عال جداً، المؤسسة الربوية لأنها موجودة ساهمت برفع أسعار الأعمال الحرة، عندما ارتفعت الأسعار صغرت الشريحة ضاعف التاجر ربحه إلى أن ينشأ مشكلة اجتماعية، أي مجتمع بأكمله قد يهلك عن طريق الربا، لكن على العين المجردة أنت لا ترى شيئاً، أين الحرمة؟ مرة قال لي إنسان بأمريكا: هذا البنك أقرضنا قرضاً يعدنا به، أخذنا بيتاً بدل أن ندفع أجرته دفعنا أقساطه، شيء منطقي، فهو ممنون جداً، ربح منه فائدة ضخمة، ونحن ممنونون جداً ربحنا منه بيتاً وندفع بالتقسيط، قال لي أين الحرمة؟ قلت له: أنت بالنسبة لك وللبنك لا يوجد مشكلة بحسب عقلك، لكن أنت لو نظرت لمؤدى شيوع العلاقات الربوية تجد الربا يهدم أمة، هذه مشكلة.
إذاً إذا أنت قرأت حكماً شرعياً و لم تستوعب الأهداف، و لم تستوعب الحكم منه يجب أن تعتقد اعتقاداً جازماً أن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يكشف لك حكمة أمره، لكن ما الذي يحصل؟ المؤمن القوي الإيمان مستسلم لله عز وجل، يعلم علم اليقين أن كل شيء حرمه الله لحكمة بالغة، وأن كل شيء أباحه الله أيضاً لحكمة بالغة. إذاً الآن لعلك بعد الشرح المبسط تشعر أن الله حينما قال:

﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 279 ]

فهذا صحيح مئة بالمئة .

المضاربة :

البديل أيها الأخوة المضاربة، والمضاربة من أحلّ العلاقات المالية في المجتمع، والنبي عليه الصلاة والسلام كان أول مضارب بالإسلام، ضارب بمال خديجة، المضاربة تحل محل الاستثمار الربوي، إنسان معه مال كبير بالسن، امرأة ورثت مبلغاً ضخماً من والدها، إنسان متقاعد يقول لك: معي تحويشة العمر، إنسان فجأة ورث مبلغاً ضخماً من أقربائه، إنسان معه مال لكن هذا الإنسان كان كبيراً أو صغيراً أو امرأة أو طفلاً لا يحسن استثمار المال، نأتي لإنسان كتلة نشاط، وكتلة حيوية، ومعه شهادة زراعية، ومعه خبرة لكن لم يوجد معه رأس مال، فيأتي صاحب المال يتفق الاثنان على أن الربح بينهما، فما عاد هذا القرض عبئاً على الإنسان، هذا ليس قرضاً هذا استثمار مضاربة، إن ربحنا مناصفة، لم نربح لا ندفع شيئاً، لم يعد قرضاً، لكن ما الذي حصل؟ الإستثمار حاجة أساسية لدى الناس
الناس حينما لم يحسنوا التعامل مع هذه القناة النظيفة الإسلامية الرائعة، وقد أكلت أموال الناس بالباطل، هؤلاء من دون أن يشعروا قووا مركز البنك، أي الذين جمعوا الأموال ولا أقول جميعهم بل بعضهم- الذي جمع الأموال ولم يؤدها لأصحابها، ونمت معه ثروة ضخمة جداً- الآن يحاسبون حساباً شديداً، هؤلاء أساؤوا إلى الإسلام إساءة لا حدود لها، السبب أنهم ضعضعوا ثقة الناس بالشرع، وقووا ثقة الناس بالمؤسسات الربوية، هذه مشكلة كبيرة جداً ودائماً وأبداً لا يمكن أن يحرم الله عز وجل شيئاً إلا و له بديل، هذه قاعدة، لأن الله عز وجل إله خبرته مطلقة، علمه مطلق، ليس معقولاً أن تكون هناك حاجة ماسة إلى مؤسسة ربوية والله يحرمها، الناس بحاجة إلى مؤسسة استثمارية.
الحقيقة الاستثمار حاجة أساسية، ثلاثة أرباع الناس بحاجة إلى تشغيل أموالهم، فالطريق الوحيد النظيف هو المضاربة، لا يوجد عبء على المضارب والربح بينهما، و ليس هناك تأدية فوائد، شيء مريح جداً، إن ربحوا سواء وإن خسروا سواء، أما بالربا فإنسان مضمون ربحه والثاني مسحوق.

المعاملات المالية المباحة والمسموح بها أساسها منفعة متبادلة :

هذا ينقلنا إلى قاعدة ثالثة أن كل المعاملات المالية المباحة والمسموح بها والمشروعة هي أساسها منفعة متبادلة، وكل المعاملات المحرمة أساسها بناء منفعة على مضرة، أوضح شيء مثلاً اليانصيب ربح اليانصيب هو نفع بني على ضرر الآخرين
إنسان دفع ثمن بطاقة لم يأخذ شيئاً، و آخر أخذ ألف ضعف عن ثمن البطاقة، بلا جهد، أصل التعامل الإسلامي المالي هو المعاوضة، أي منفعة بين شخصين، المضارب انتفع لا يوجد معه رأس مال هو يملك خبرة لكن لا يملك رأس مال، وصاحب المال يملك مالاً ولا يملك خبرة، فتعاونوا و ربحوا مناصفة، لماذا المضاربة مشروعة؟ لأنها تحقق مصالح متبادلة بين الأشخاص أو مصالح متعددة، بينما الربا، بينما التأمين، بينما اليانصيب، بينما القمار يحقق مصلحة لجهة.
هناك إنسان من بلد مجاور دخل إلى دار قمار، ومعه مليونان ونصف دولار خسرهم بليلة واحدة، جاء إلى البيت أطلق النار على زوجته وأولاده الخمس ثم انتحر وقال: ليغفر الله لي.
تعريف الحرام منفعة تبنى على مضرة، دخل في اليانصيب، دخل في الربا، دخل في التأمين، دخل في القمار، منفعة تبنى على مضرة، الحلال منفعة متبادلة.
أيها الأخوة ، أردت بهذا الدرس أن أبين موضوع الربا، الربا معصية كبيرة جداً، والعلة ليست في الإسلام بل في المسلمين، ممكن أن يكون هناك بنك إسلامي حقيقي؟ ممكن لكن هذا منوط بإرادة المسلمين أن يطالبوا بهذا، فلعل الله عز وجل يقيهم شر التلوث بغبار الربا.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018