خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0299 - الحِفاظُ على مكتسبات رمضان - أيام العيد أيّام بشْر وفرَح وصِلَة الأرحام .

1990-04-27

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا لرُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله سيّد الخلق والبشر ما اتَّصَلَت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بِخَبر . اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين، اللَّهمّ ارْحمنا فإنّك بنا راحِم ، ولا تعذّبنا فإنّك علينا قادر ، والْطُف بنا فيما جرَتْ به المقادير ، إنَّك على كلّ شيءٍ قدير ، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا ، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه ، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أعظم سعادة أن يشعر المؤمن أن الله راض عنه :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ نحن في ثاني أيّام عيد الفطر ، نحن في عيد ، ومن معاني العيد أنّهُ عَوْدةٌ إلى الله عز وجل ، فالعيدُ عيدُ الفِطر وعيد الأضحى يأتيان - كما قلتُ من قبل - عَقِبَ عِبادَتَين كبيرتين ، عقِبَ عبادة الصّيام ، وعقِبَ عبادة الحجّ ، وطبيعة الفرْحة في العيد ليْسَت نابعةً من انتهاء العبادة ، ولكنّها نابعةٌ من الفوْز بالعبادة ، فالطالب لا يفرحُ بانتِهاء الامتحان ، ولكن يفرحُ بالفوْز فيه .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ قبل أيّامٍ ودَّعنا شهْر الصّيام ، شهْر التوبة والغفران ، شهر الإحسان والقرآن ، شهر القرْب والرحمة ، هذا الشّهر إنَّما فرضهُ الله عز وجل توبةً للمُذنبين ، وتقْوِيَةً لإيمان المؤمنين ، ورفْعًا لدرجات المحسنين ، هذا الشهر الفضيل الذي أكرمنا الله بصِيامِهِ لو حقَّق فيه الإنسان الهدف الذي أراده من الصّيام لكنّ في حالٍ من السّعادة لو وُزِّعَتْ على أهل بلدٍ لكفتْهم ، وما السعادةُ ، وهل من سعادةٍ أعظمُ من أن تشعر أنّ خالق السموات والأرض قد رضي عنك ؟ وهل من مرتبةٍ في الأرض تفوقُ أن تشعرَ أنّ الذي خلقك ولمْ تكن من قبلُ شيئًا قد رضيَ عنك ؟
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ أن يشعرَ المؤمن أنَّه في عين الله ، وفي حِفظِهِ ، وفي طاعته ، وفي رِضوانه ، هذا شُعورٌ لا يعلمهُ إلا من ذاقه ، لذلك قال بعض العارفين : لو يعلمُ المُلوك ما نحن عليه لقاتلونا عليها بالسّيوف .

فلو شاهَدَت عيناك مِن حُسننـــا  الذي رأوْهُ لما ولَّيْــــتَ عنَّا لِغَيرنا
ولو سَمِعَت أُذناك حُسن خِطابنا خلعْت عنك ثِياب العجب وجئتنا
ولو ذُقْتَ من طعمِ المحبّــــة ذرَّةً  عذَرْتَ الذي أضحى قتيلاً بحُبِّنا
ولو نسمَتْ لك مِن قُربنا نسْمةٌ  لَمُــــــتَّ غريبًا واشْتِياقًا لقُربــنــــا
فما حُبُّنا سهلٌ وكلّ من ادَّعـى سهولته قلنا له قد جهلتنــــــــــــا
***

 أنت أيّها الأخ الكريم ماذا فعلت في رمضان ؟ أردْت أن ترتفع عن مستوى الحاجات الماديّة إلى مستوى الحاجات الروحيّة ؟ أردْت أن تكون في المستوى الذي يرضي الله عز وجل ؟

 

الدين نظام كامل :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ شيءٌ دقيق أتمنَّى عليكم أن نكون في مُستواه جميعًا ، ليْسَت البُطولة أن ننْتصِرَ على أنفسنا في رمضان ثمّ ننْخَذِلَ أمامها بقيَّة العام ، ليْسَت هذه بُطولة ، وليْسَت البُطولة أن تنتصر على نفسِكَ ، ولكنّ البُطولة أن تحافظ على هذا النَّصْر ، المكتسبات التي حقَّقْتها في رمضان يجبُ أن تحافظ عليها ، صلاةُ الفجر في جماعة ، هذا كسْبٌ كبير في رمضان ، يجبُ أن تحافظ عليه ، غضّ البصَر عن محارم الله ، هذا كسبٌ كبير في رمضان عليك أن تحافظ عليه ، تحرير الدَّخل كسبٌ كبير عليك أن تحافظ عليه ، ضبْطُ اللِّسان كسبٌ كبير عليك أن تحافظ عليه ، لا يستقيم إيمانُ عبدٍ حتى يستقيم قلبهُ ، ولا يستقيمُ قلبهُ حتى يستقيم لسانه ، فليسَت البُطولة أن ننتصِرَ على أنفسنا في رمضان ، وأن ننْخذل أمامها بقيّة العام ، ولكنّ البُطولة كلّ البُطولة أن نحافظ على هذا النَّصْر طوال الدَّوَران وتقلّبات الزمان والمكان ، هذا شيءٌ من معاني العيد ، لقد انتصَرْت على نفسِكَ في رمضان ، ويجبُ أن تحافظ على هذا النّصْر ، يجبُ أن يكون خطّك البياني صُعوداً واستِمراراً ، أما هذا الذي يصوم وينضبط ، ثم يفطِر فَيَنْخَذِلُ ، فهذا لا يرقى إطلاقًا ، ما دام في صُعودٍ وهبوط ، الهبوط استهلك الصّعود ، فأكثرُ الناس صار الصوم عندهم عادةً من عاداتهم ، يأتي رمضان ويصومون ، ويتصدّقون ، ويقرؤون القرآن ، فإذا ولّى رمضان عادوا إلى ما هم عليه ، رمضان ولّى ، هذا هو عَيْنُ الذي لا يريده الله عز وجل ، يريدكَ أن ترقى من مرتبةٍ إلى مرتبة ، يريدك الله عز وجل أن تُتابِعَ الترقّي ، لا أن تُدافع التدنّي .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ ليْسَت البطولة أن نضبطَ ألسنتنا في رمضان فَنُنَزِّهَها عن الغيبة ، كلّ أمرٍ في كتاب الله الكريم يقتضي الوُجوب ، توهَّمَ الناس أنّ الإسلام صلاة وصيامٌ وحجّ وزكاة ، هذه هي الفرائض ، وما سوى ذلك هم أحرار ، هذا المفهوم مفهومٌ ساذج ، الدِّينُ نظامٌ كامل ، الدِّين افْعَل ولا تفعَل في كلّ مناحي الحياة ، الدِّين يدخُل معك في بيتك ، وفي علاقتك بِزَوجتك ، وفي علاقتك بأولادك ، وفي كَسْب مالك ، وفي تحرُّكك في كلّ مجالٍ من مجالات الحياة ، فلذلك كلّ أمْرٍ في القرآن يقتضي الوُجوب وكلُّ نَهْيٍ يقتضي التَّرْك ، الإمام الجُنَيد سُئِل ، قال : من ولِيُّ الله ؟ فأجابَ : ليس الوليّ الذي يمشي على وَجه الماء ، ولا الذي يطيرُ في الهواء ، ولكنّ الوليّ كلّ الوليّ ، الذي تجدُه عند الحلال والحرام ، قال تعالى :

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾

[سورة فصلت : 30]

ارتباط ثمار الإسلام باستقامة العمل :

 إذا آمنت بالله ماذا فعلت ؟ إذا قلتَ : الشّمسُ ساطعة ، ماذا أضَفْت ؟ ماذا أضفْت إذا قلت : الشمس ساطعة ؟! ولكنّ الإيمان بالله لا تستطيع أن تُفيد منه إلا إذا طبَّقْتهُ ، لذلك قالوا : العِلْم ما عُمِلَ به ، قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾

[سورة الصف : 2-3]

 النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال :

(( بُنِيَ الإسلام على خمسٍ ))

[متفق عليه عن عبد الله بن عمر ]

 وكأنّ هذه العبادات جعلها من دعائِمِ الإسلام ، وليْسَت هي الإسلام ، الإسلام صِدقٌ ، والإسلام أمانة ، والإسلام ورعٌ ، ركعتان من ورِع خيرٌ من ألف ركعةٍ من مخلّط ، من لمْ يكن له ورعٌ يصُدُّه عن معصية الله إذا خلا لمْ يعبأ الله بِشَيءٍ من عمله ، لا تستطيعُ أن تقطف ثِمار الإسلام إلا إذا استقامَ عملُكَ ، ما دُمْت مستقيمًا فالطريق إلى الله سالك ، فإذا انْحرف الإنسان ، فإذا خالف ، فإذا وقع في المعاصي والشبهات فقد صدّ عن السبيل إلى الله عز وجل ، عندئذٍ تصبحُ الطريق إلى الله ليْسَت سالكة ، المعاصي حُجُب ، كلّ معصيَة حجابٌ بينك وبين الله ، وكلّما كثُرَت المعاصي ازدادَت الحجب ، لذلك هؤلاء الذين يعْصون الله عز وجل ويقومون للصلاة وصفهم الله عز وجل :

﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً ﴾

[سورة النساء : 142]

 من علامة بُعدك عن النّفاق كَثْرة ذِكْر الله عز وجل ، قال عليه الصلاة والسلام :

(( من أكثر ذكر الله فقد برئ من النفاق ))

[ أخرجه الطبراني في الصغير عن أبي هريرة ]

(( برئ من الشح من أدى زكاة ماله ))

[أخرجه الطبراني عن جابر بن عبد الله ]

(( وبرئ من الكبر من حمل حاجته بيده ))

[رواه القضاعي والديلمي عن جابر مرفوعا وهو عند ابن لال عن أبي أمامة. وفي لفظ بضاعته بدل سلعته، والشرك بدل الكبر، قال ابن الغرس ضعيف]

 فليْسَت البُطولة أن نضبط ألسنتنا في رمضان لقول الله عز وجل :

﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾

[سورة الحجرات : 12]

 الله عز وجل حرَّم الغيبة والنميمة والبذاءة ، وحرّم الفحشَ ، وحرّم الإيقاع بين المؤمنين ، وحرّم السُّخْريَة ، وبِحَسْب امرئٍ من الشرّ أنْ يحْقر أخاه المسلم ، هذا شرّ كبير ، فإذا انْضبطْت في رمضان فما بالُكَ بعد رمضان حينما تتحلّى من هذه الأوامر ، وتلك النواهي ؟ أين موْقعك من الدِّين ؟ ما جدوى الصّيام ؟ لماذا ارْتَقَيْت في رمضان وهبطْتَ بعد رمضان ؟ ما قيمة الصّعود إذا تلاه السّقوط ؟

 

الحفاظ على مكتسبات رمضان :

 فيا أيها الأخوة الأكارم ؛ المعنى الأوّل في هذه الخطبة التي جاءَت في العيد هو الحِفاظُ على مكتسبات رمضان .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ ليْسَت البُطولة أن نغضّ أبصارنا عن محارم الله في رمضان ، أو أن نضبطَ شهواتنا في رمضان ، وأن نعود إلى ما كُنّا عليه بعد رمضان ، إنّنا إذًا كالتي نقضَت غزلها من بعد قوّة أنكاثًا ، هذا المستودعُ من الماء متى يمتلئ ؟ يمتلئ إذا كان محكمًا ، فإذا كان هناك ثقبٌ في قعره متى يمتلئ ؟ المعصيَةُ كأنّها ثقبٌ في قعْر الإناء ، مهما صببْتَ فيه السائل لا يمتلئ ، وأنت لا تمتلئ أيّها الأخ الكريم إلا إذا تراكَمَتْ عندك الطاعات ، تراكمَت المعرفة ، من معرفةٍ إلى معرفة ، ومن فهمٍ إلى فهم ، ومن بذلٍ إلى بذل ، ومن إنفاقٍ إلى إنفاق ، ومن حضور مجلسٍ إلى حضور مجلس ، حتى تنْمُو المعرفة ، وينموَ العمل ، وعندئذٍ تقطفُ الثّمار .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ يقول عليه الصلاة والسلام :

((لا بورك لي في يوم لم أزدد فيه من الله علماً ، ولا بورك لي في يوم لم أزدد فيه من الله قربًا ))

[ورد في الأثر]

سعادة المؤمن نابعة من أن حركته اليومية مطابقة لهدفه :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ الحقيقة كما قالَت السيّدة رابعة العدويّة التي كانَتْ عارفةً وعاشقة ، والتي ناجَت ربّها فقالت :

فليْتَكَ تحلو والحياة مريـــــــــــــــرة  وليتَك ترضى والأنام غِضــابُ
وليت الذي بيني وبينك عامــــــر  وبيني وبين العالمين خـــــــرابُ
وليت شرابي من ودادك سائـــــغ  وشُربيَ من ماء الفرات سراب
إذا صحّ منك الوَصْل فالكلّ هيّن  وكلّ الذي فوق التراب تــــــراب
***

 هذه العاشقة ، وهذه العابدة ، سُئلَت ما الإنسان ؟ فقالَت : هو بضْعة أيّام ، كلّما انقضى منه يومٌ انقضى بضْعٌ منه ، أنت أيّام أيها الأخ الكريم وأنا أيّام ، فهذه الوقت إما أن نستهلكهُ ، وإما أن نستثمرهُ ، فأيُّ عملٍ تفعلهُ إذا انتهى أثرُه عند الموت فهو خسارة ، وأيُّ عملٍ تفعلهُ إذا امْتدَّ أثرهُ بعد الموت فهو رِبْحٌ كبير ، لذلك هذا الإنسان المؤمن الوقت رأسُ ماله ما دام الإنسانُ وقتًا ، أو بشَكلٍ أو بآخر الوقتُ رأسُ ماله ، لأنّه وِعاءُ عمله ، ومحلّ أمله ، ورأْسُ ماله الحقيقيّ ، كيف ينفقهُ ؟ لابدّ من أن يعرفَ الإنسانُ سِرّ وُجوده في الأرض ، لماذا خلق الإنسان؟ إذا عرفْت الهدف جاءَتْ حركتك مطابقةً للهدف ، ما السعادة ؟ حينما تأتي الحركة اليوميّة مطابقة لهدفك ، الإنسان كائنٌ متحرّك ، يتحرّك نحو كَسْب رزقه ، وقضاء لذَّته ، نحو الاسْتِجمام ، ونحو علاقات اجتماعيّة ، نحو تحصيلِ علمٍ ، فلابدّ من حركة فإذا جاءت هذه الحركة مطابقة للهدف الذي خُلقْت من أجله فأنت في سعادة ، أضربُ على هذا مثلاً كنتُ قد ضربْتُه من قبل ، لو أنّ الإنسان على مشارف امتحانٍ خطير ، ويعلّق آمالاً عريضة على الفوز في هذا الامتحان ، وأخذهُ أصدقاؤه قُبَيْل الامتحان إلى مكانٍ جميل حيثُ يتناولون أطْيَب الطعام، ويستمتعون بأجْمل المناظر ، لماذا يشعرُ هذا الطالب بانْقباضٍ شديد ؟ لأنّ هذه الحركة جاءَت مناقضةً للهدف الذي نصبَهُ أمام عينه ، وهذا الذي يقبعُ في غرفة قميئةٍ ، ويقرأُ كتابًا مقرَّرًا ويفهمهُ ، لماذا يشعرُ بارتِياحٍ شديد ؟ لأنّ هذه الحركة جاءَت موافقةً لهذا الهدف ؟ فمادام الوقتُ محدودًا ، مثلاً لو أنَّك أُمِرت أن تغادر بيتك ، أُعطيت سيارةً صغيرة لِتُعَبئ من أثاث بيتك ما تشاء بهذا الحجْم المحدود ، تختار أثْمَن الحاجات مع أقلّ الحجوم ، الشيء خفيف الوزن ، قليل الحجم ، وما دام العمر محدودًا ، فلا بدّ من الاختيار ، لا بدّ أنْ تصطفي من الأعمال ما يُرضي الله تعالى ، لا بدّ من أن تصطفي من قراءة الكتب ما يُفيدك في آخرتك ، فلذلك أنْ تشْعر أنّ الوقت محدود ، وأنّ العمْر محدود ، وأنّ كلّ ثانيَةٍ تمضي تقرِّبُ الإنسان من أجله ، ماذا قال سيّدنا عمر بن عبد العزيز ؟ قال : الليل والنهار يَعْملان فيك ، ما معنى يَعملان فيك ؟ أيْ يقرِّبانِكَ من أجلك ، فاعْمَل فيهما العمل الصالح ، ومن علامات المقت إضاعة الوقت ، المؤمن يشعر أنّ العام كلّه رمضان ، ويشعر أنّ مهمَّتهُ في الحياة مهمّة ثابتةٌ ومستمرّة ، فلذلك إذا جاء رمضان دفعًا للإنسان نحو الواحد الديّان فلا ينبغي أن يعود إلى ما كان عليه قبل رمضان ، ينبغي أن يُتابِعَ السّيْر .

 

قيمة الوقت :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ وقْفةٌ متأمِّلةٌ ، الإنسان أحيانًا تستهلكُه الحياة ، تستهلكهُ من عملٍ إلى عمل ، ومن لِقاء إلى لقاء ، ومن احتفال إلى احتفال ، إذا هو كرِيشةٍ في مهبّ الرِّيح ، إذا هو كَقَطْرة ماءٍ في منحدر ليس لها اختيار ، إذا نسيَ الإنسان ربّه ، ونسِيَ ساعة الموت ، ونَسِيَ ساعة اللِّقاء يصبحُ مستهلكًا اسْتِهلاكًا رخيصًا تبتلِعُهُ الحوادث ، تُفنيه الأيام ، فجْأةً يرى نفسه على مشارف الموت ، وعندئذٍ ماذا يقول ؟ يقول : يا ليتني قدَّمتُ لحياتي ، لذلك الله عز وجل يقول :

﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾

[سورة المنافقون : 10]

 الله عز وجل قال :

﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾

[سورة المنافقون : 11]

 فلذلك الإنسان لا ينبغي أن يصل مع الله إلى طريقٍ مسدود ، اِعْرف الله في الوقت المناسب ، وإيّاك أن تعرفهُ كما عرفهُ فرعون ، متى عرفهُ ؟ بعد فوات الأوان ، وهو يغرق، قال : آمنتُ بالذي آمنتْ به بنو إسرائيل .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ القضيّة قضيّة وقت ، كلّ مخلوقٍ على وَجه الأرض لا بدّ من أن يعرف الله عند الموت ، قال تعالى :

﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴾

[سورة ق : 22]

 ولكنّ هذه المعرفة تأتي متأخّرة ، كما يعرفُ الطالب الذي رسب في الامتحان جوابَ سؤال الامتحان ، ولكن بعد الامتحان ، ما قيمة هذه المعرفة ؟ جاءتْ بعد فوات الأوان، لو عرف الإجابة قبل الامتحان ، وكتبها على ورقة الامتحان لنَجَحَ ، فالقضيّة قضيّة وقت ، إما أن تعرفهُ في الوقت المناسب أو لا ، لذلك :

(( اِغْتَنِمْ خَمْساً قَبْلَ خَمْسٍ : شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغِكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ ))

[الحاكم والبيهقي عن ابن عباس وأحمد عن عمرو بن ميمون ]

 وفي القرآن الكريم أيّها الأخوة الأكارم إشارات كثيرة إلى قيمة الوقت ، قال تعالى:

﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾

[سورة آل عمران : 133]

 ما معنى سارعوا ؟ أي المهمّة كبيرة والوقت محدود ، فإن لمْ تسْتغلّ هذا الوقت اسْتِغلالاً اسْتِثماريًا ، وليس استغلالاً استهلاكيًا أنت في خسارةٍ كبيرة ماذا تخْسرُ ؟ تخسرُ نفسكَ ، وأكبرُ خسارةٍ أن يخسرَ الإنسان في الدنيا حياتهُ ، وأن يخسر الإنسان في الآخرة نفسهُ ، لذلك يقول الله عز وجل :

﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ﴾

[سورة الكهف : 103-104]

الحريّة في الكسْب حرية مؤقتة تُسْتردّ من الإنسان عند الموت :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ آيةٌ كنتُ قد شرحتها من قبل ، ربّنا سبحانه وتعالى يقول:

﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾

[سورة البقرة : 148]

 أي هذه المواقف المُشرِّفةُ من كسْبك ، وهذه المواقف غير المشرّفة من كسبِكَ، وهذه الأعمال البُطوليّة من كسْبِكَ ، وهذه الأعمال القذرة من كسبِكَ ، وهذه الطاعة من كسبك ، وهذه المعصيَة من كسبِكَ ، وهذا البذْلُ من كسبك ، وهذا المنْعُ من كسبك ، قال تعالى :

﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾

[سورة البقرة : 148]

 لو ألغينا الاختيار لألْغَينا الثواب والعقاب ، وألغينا الجنّة والنار ، وألغينا التكليف ، وألْغينا حمْل الأمانة ، وألغينا المسؤوليّة ، ولكان إرسال الأنبياء لعِبًا ، ولكان إنزال القرآن هزوًا ، قال له : وَيْحَكَ لعلّك ظَنَنت قضاءً لازمًا - القول لِسَيّدنا عليّ - أو قدرًا حاتمًا ، إذًا لبَطَلَ الثواب والعقاب ، ولبطَلَ الوعْدُ والوعيد ، إنّ الله أمَرَ عبادهُ تَخْييرًا ، ونهاهُم تحذيرًا ، وكلَّف يسيرًا ، ولمْ يكلِّف عسيرًا ، وأعطى على القليل كثيرًا ، ولمْ يُعص مَغلوبًا ، ولمْ يُطَع مكرهًا، جاء رجلٌ إلى سيّدنا عمر رضي الله عنه ، وقد جاؤوا به إليه لأنّه ضُبِطَ متلبِّسًا بِشُرْب الخمرة ، فقال لسيّدنا عمر : يا أمير المؤمنين إنّ الله قدَّر عليّ ذلك ! فقال عمر رضي الله عن عمر : أقيموا عليه الحدَّ مرَّتَين ؛ مرّة لأنّه شرِبَ الخمر ، ومرَّة ًلأنّه افْتَرى على الله تعالى ، قال : وَيْحَكَ ، إنّ قضاء الله عز وجل لمْ يُخرِجْك من الاختيار إلى الاضطِرار قال تعالى :

﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾

[سورة الأنعام : 148]

﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾

[سورة البقرة : 148]

 هنا الآية ، قال تعالى :

﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾

[سورة البقرة : 148]

 أي أنتم تنعمون بِحُريّة الكسْب ، إما أن تؤمن أو لا تؤمن ، إما أن تصلّي أو لا تصلّي ، إما أن تدفعَ زكاة مالك وإما ألا تدفع ، إما أن تحسِن وإما أن تُسيء ، إما أن تجمعَ وإما أن تفرِّق ، إما أن تستهزئ بالدِّين وإما أن تعظّمهُ ، إما أن تكون ورِعًا وإما أن تكون متفلِّتًا ، قال تعالى :

﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾

[سورة البقرة : 148]

 هذا النّعيم ، أو هذه الحريّة في الكسْب ، إنّما هي مؤقّتة ، لا بدّ من أن تُسْتردَّ منك عند الموت ، لذلك يقول الله عز وجل :

﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً ﴾

[سورة البقرة : 148]

الصُّلْحُ مع الله أعظم عمل يفعله الإنسان في حياته :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ لازلْتُ على المِحوَر الأساسي ، أنّ المكاسبَ التي حقّقها المؤمن في رمضان ينبغي أن تستمرّ ، فإن لم تستمرّ فقد خَسِرَ وضيَّع عمله ، فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام وصف هذا المتفلّت ، وهذا الغافل الذي يصوم مع الناس ويفطر معهم وهو هو على ما هو عليه كالناقة حبسَها أهلها ثمّ أطلقوها ، فلا تدري لا لِمَ عُقِلَتْ ولا لِمَ أُطلِقَت ؟
 أيها الأخوة الأكارم ؛ لو تصوَّرْنا إنسانًا فرَّطَ في رمضان ، الله عز وجل يقول :

﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾

[سورة الأعراف : 156]

 إنِّي والإنس والجنّ في نبأ عظيم ، أخلقُ ويعبدُ غيري ، وأرزق ويُشكر سِواي ، خيري إلى العباد نازل ، وشرُّهم إليّ صاعِد ، أتحبّبُ إليهم بِنِعَمي وأن الغنيّ عنهم ، ويتبغَّضون إليّ بالمعاصي وهم أفْقرُ شيءٍ إليّ ، مَنْ أقْبَلَ عليّ منهم تلقَّيْتُهُ من بعيد ، ومن أعرضَ عنّي منهم نادَيْتُهُ من قريب ، أهلُ ذِكري أهلُ مودَّتي ، أهلُ شُكري أهلُ زِيادتي ، أهلُ معصيَتي لا أُقنِّطهم من رحمتي ، إن تابوا فأنا حبيبهم ، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ، أبتليهم بالمصائب لأُطهِّرهم من الذّنوب والمعايِب ، الحسنة عندي بِعَشرة أمثالها وأزيدُ ، والسيّئة بِمِثلها وأعفو ، وأنا أرأفُ بِعَبدي من الأمّ بِوَلدها ، باب التوبة مفتوحٌ إلى يوم القيامة ، بعد رمضان مفتوح باب التوبة، إذا رجَعَ العبد إلى الله نادى مناد في السموات والأرض أن هنِّؤوا فلانًا فقد اصْطلحَ مع الله ، إنّ الله أفرحُ بِتَوبة عبده من الضالّ الواجد ، والعقيم الوالد ، والظمْآن الوارد ، فمَنْ قصّرَ في رمضان فبَعْدَ رمضان كأنّه رمضان للتائب ، فأن تعْقِدَ مع الله صُلحًا هو أعظمُ عملٍ تفعلُه في حياتِكَ ، الصُّلْحُ مع الله ، أن تعقِدَ معه صُلحًا ، أن تعاهِدَهُ على الطاعة ، أن تُعاهِدَه على أن تكون عبدًا له كما أراد ، قال تعالى :

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[سورة الذاريات : 56]

 والعبادة طاعةٌ طَوْعِيّة ، غايةُ الخضوع لله عز وجل ، غايَة الحبّ ، غايَة الشَّوْق، غاية الاستِسلام ، غايةُ الانْصِياع ، هذه العبادة بِمَعناها العملي لنْ تكون إلا إذا عرفْتَهُ ، تسْبقها معرفةٌ يقينية تفضي إلى سعادةٍ أبديّة .

 

أصْلُ الدِّين معرفة الله عز وجل :

 لذلك المعرفة هي حَجَرُ الزاوية في الدِّين ، أصْلُ الدِّين معرفة الله عز وجل ، ابن آدَم اُطلبني تَجِدني ، فإذا وجدتني وجَدْتَ كلّ شيء ، وإن فتُّكَ فاتَكَ كلّ شيء ، وأنا أحبُّ إليك من كلّ شيء ، أيّة حركة قبل العلم حركةٌ عَشْوائيّة ، أيّ عِلْمٍ قبل العلم بالله عملٌ طائش ، لكنْ اِعْرِف الله أولاً ، واسْتَقِم على أمره ثانيًا ، عندئذٍ تشعر أنّك على الطريق الصحيح ، وأنّك في الهدف الصحيح ، قال تعالى :

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[سورة الذاريات : 56]

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ معرفة الله عز وجل لها أبواب كثيرة ، بل إنّ معرفة الخالق لها طرائقُ بِعَدد أنفاس الخلائق ، فَعَقْلُكَ إذا أعْمَلْتَهُ بِدِقّة وإحكام في ضوء البيان الإلهي وسيلةٌ لِمَعرفة الله ، أفلا يعقلون ؟ أفلا ينظرون ؟ الله عز وجل دعانا إلى التأمُّل في ملكوت السموات والأرض ، قال تعالى :

﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ﴾

[سورة عبس : 24]

 قال تعالى :

﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ ﴾

[سورة الطارق : 5]

 قال تعالى :

﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

[سورة يونس : 101]

 قال تعالى :

﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ* وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾

[سورة الغاشية : 17-20]

 لو تأمَّلنا إلى الماء الذي نشربُه ، لو أصبحَ ماؤُنا غَوْرًا من يأتينا بِمَاءٍ معين ؟ الله سبحانه وتعالى ، قال تعالى :

﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ﴾

[سورة الواقعة : 63-64]

العقل و الكون و الفطرة أبواب معرفة الله عز وجل :

 لو قرأْتَ القرآن الكريم لوَجَدْت فيه عشرات بل مئات الآيات التي تحثُّنا على التأمُّل في خلقهِ ، هذا بابٌ للمعرفة ، فالعقل والكون باب ، وقد أوْدَعَ الله فيك فِطرةً كامِلَة ، فِطْرةً نقيّة صافيَة ، إذا انْحَرفْت عن مبادئ الخير تتألّم ، قال تعالى :

﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾

[سورة الشمس : 7-10]

 ما معنى ألْهَمَها فُجورها ؟ أي هذه النَّفْسُ إذا فجَرَتْ تشْعُر أنّها فجَرَتْ من دون تعليم ، ومن دون تدريس ، ومن دون أن يقرأ كتابًا ، من دون أن يقفَ على معرفةٍ ، هكذا فِطرةُ الإنسان ، يُعبِّرُ عن هذه الحالة علماء النّفْس بأنّها الشُّعور بالكآبة الذي يعتري المنحرفين ، لو أنّ إنسانًا ما تلقّى عِلْمًا في حياته ، ولا قرأ قرآنًا ، ولا عرفَ حكمًا ، ولا ولا، وفعَلَ فاحشةً يشعرُ بالكآبة ، كيف شعَرَ بالكآبة ؟ هذه فِطرتُه الكريمة .

﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾

[سورة الشمس : 7-10]

 لذلك النبي الكريم قال :

((اسْتَفْتِ قَلْبَكَ ....وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ))

[ سنن الدارمي عَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ الأَسَدِيِّ ]

 أنت معَكَ مُفْتي صغير وهو القلب ، اسْتَفْتِ قلبك ، البرّ ما اطْمأنَّتْ إليه النّفْس ، والإثْم ما حاكَ في صَدْرك ، وكَرِهْتَ أنْ يطَّلِعَ عليه الناس ، هذا هو الإثم ، فربُّنا عز وجل زوَّدَكَ بهذا العقل الذي هو أثْمَنُ ما في الكون ، بل هو أعْقَدُ ما في الكون ، ولا يليقُ بالإنسان أن يستخدِمَهُ لِدُنياهُ فقط ، هذا الذي يشتري حاسباً إلكترونياً بِثَلاثين مليونًا ، ويستخدِمُهُ في البيت مكان قِطعة أثاث ألا يحْتَقِرُ هذا الجِهاز ؟ اسْتِخدامُهُ أن تجْعَلَهُ كَقِطْعة أثاث ؟! وهذا الذي يستخدمُ عقلهُ فقط للمال ، ولكَسْب رِزْقِهِ ، وللإيقاع بين الناس ، ولِتَمكين مرْكَزِهِ في الأرض ، دون أن يستخدمهُ لمعرفة الله عز وجل .

 

الحكمة من تقديم تعليم القرآن على خلْق الإنسان :

 ماذا قال الله عز وجل :

﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ ﴾

[سورة الرحمن : 1-3]

 عجيبٌ في هذه الآية أنَّ الله سبحانه وتعالى قدَّم تعليم القرآن على خلْق الإنسان، معقول الإنسان يتعلّم القرآن ثمّ يُخلق ! العلماء أجابوا عن هذا السؤال ؛ بأنّ هذا الترتيب ليس ترتيبًا زمنيًّا بل هو ترتيبٌ رُتَبِيّ ، بِمَعنى أنّ المنْهَجَ مُقدَّمٌ على وُجوده ، لا معنى لِوُجودك من دون منهج ، وُجودك من دون منهج حركةٌ طائشة ، قوّةٌ مندفعة بلا توجيه ، سيارةٌ مندفعةٌ بلا مِقْوَد ، لابدّ من أن تتحطَّم ، فالإنسان حينما أوْدَعَ الله فيه الشَّهوات جعلَتْهُ هذه الشهوات متحرِّكًا ومندفعًا ، فَمِنْ دون تَوْجيه الهلاك مُحقَّق ، الإنسان أوْدَعَ الله فيه العَقل لِيَكون مِقْودًا له ، وأوْدَعَ فيه الشّهوات لِتَكون هذه الشّهوات مُحرِّكًا له ، وما الشّهوات في حقيقتها إلا كوَقُودٍ سائل إذا وُضِعَ في مستودعاته المحكمة ، وسار في أنابيبه الصحيحة ، حتى بلغَ غرفة الاحتراق ، وانْفجَرَ في المكان المناسب ، وفي الوقت المناسب ، عندئذٍ ولَّدَ هذا الوقود حركةً نافعة ، نقلتْكَ هذه السيارة من مكان إلى مكان ، فإذا خرجَ الوقود عن مساراته ، وأصابتْهُ شرارة أحْرقت المركبة ومن فيها ! وكذلك الشّهوَة إما أن تكون قوّة دافعة ، وإما أن تكون قوّة مدَمِّرة ، الله سبحانه وتعالى حينما أوْدَعَ فينا الشّهوات أوْدَعَها فينا لِنَرْقى بها إلى ربّ الأرض والسموات ، نرْقى بها صابرين بتَرْكِ ما حرَّم ، ونرقى بها شاكرين بالإقبال على ما أحلّ ، لذلك النبي الكريم حينما بلغهُ أنّ بعض أصحابهِ ، هذا اعْتَزَلَ العمل ، وهذا اعْتَزَل الطعام ، وهذا اعتزلَ النِّساء ، جمَعَهم وقام فيهم خطيبًا وقال :

((أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر ، وأصلي وأرقد ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني ))

[ البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 أي أنتَ بالشَّهْوَة تستطيعُ أن ترقى إلى ربّ الأرض والسموات ولكِن إذا وظَّفْتها فيما أراد الله ، وإذا وضَعتها في القناة الصحيحة ، أوْدَعَ الله فيك حبّ النّساء تزَوَّج ، فإنّ الزواج عند المؤمن قطعةٌ من الجنّة ، أوْدعَ فيك حبّ المال ، اِكْسبْهُ من الطريق المشروع ، فإذا أنْفقْتهُ ارْتَقيْت إلى الله عز وجل ، لذلك أيّها الأخوة ، هذا الذي يخالطُ الناس ويعملُ ، ويصبرُ على أذاهم ، ويتَّقي الشَّهوات ، والشبهات لهُ مقامٌ عند الله أعلى بألف مرّة من الذي انْسحَبَ من المجتمع ، واعْتَزَلَ المجتمع ، هذا ليس هناك ما يُزْعِجُهُ ، وليس هناك ما يؤرِّقُه ، وليس هناك ما يُقلقهُ .

 

الحوادث باب من أبواب معرفة الله عز وجل :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ الفِطرةُ أيضًا بابٌ من أبواب معرفة الله عز وجل ، قال تعالى :

﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾

[سورة الشمس : 7-10]

 والحوادِثُ أيّها الأخوة بابٌ آخر من أبواب معرفة الله عز وجل ، قال تعالى :

﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾

[سورة الأنعام: 11]

 تتبَّع أخلاق المؤمن ، قال تعالى :

﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ ﴾

[سورة السجدة : 18]

 قال تعالى :

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾

[سورة الجاثية : 21]

 دَعْ عنك العقائد ، دَعْ عنك النظريات ، دَعْ عنك الأشياء النظريّة ، الآن خُضْ غِمار الحياة ، المستقيم له معاملة ، قال تعالى :

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾

[سورة فصلت : 30]

 المنحرف له معاملة ، مَنْ كَسِبَ مالاً حلالاً له معاملة ، من كسب المال الحرام له معاملة ، النبي الكريم يقول :

(( من أخذ أَموال الناس يُريدُ أَداءها أدَّى الله عنه ، ومن أخذ أَموال الناس يُرِيدُ إِتْلافها أتلفه الله ))

[ أخرجه البخاري عن أبي هريرة ]

 لمْ يقل أتلفها ، وإنّما أتْلَفَهُ هو ، لو تركت العقائد جانبًا ، ولو نظرْت إلى الناس، قال تعالى :

﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾

[سورة القصص : 61]

 المستقيم له معاملة ، زواجُ المؤمن لهُ طَعْمٌ خاصّ ، عملهُ لهُ طَعْمٌ خاصّ ، بِعَمَلِهِ منضبِط ، انضِباطُه الشرعي يجعلُ له مكانة بين التُّجار ، الموظّف يخدُم الناس وخِدْمتهُ الصداقة يرفعُه الله بهذه الخِدمة ، فهذا بابٌ ثالث من أبواب معرفة الله ، فالكون باب ، والعقل باب ، والفِطرة باب ، والحوادثُ باب ، والله سبحانه وتعالى يقول :

﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾

[سورة البقرة : 282]

 لِمَ لا تتَّقون مع أنّ الله يعلِّمُكم ؟ يعلّمكم في كتابه ، يعلّمكم في خَلقه ، يعلّمكم من خلال أنبيائِه ، يعلّمه من خلال عقولكم ، يعلّمكم من خلال فطرتكم ، يعلّمكم من خلال الحوادث التي تروْنها .

 

باب التوبة و الغفران مفتوحٌ إلى يوم القيامة :

 فيا أيها الأخوة المؤمنون ؛ الذي أتمنَّاهُ على نفسي وعليكم أنّ الذي قصَّر في رمضان ، باب التوبة و الغفران مفتوحٌ إلى يوم القيامة ، مادام القلب ينبض فمعَكَ فرصة ، ولكنْ لا تدري متى يقف ؟ إذا توقّف أُغلقَ باب التوبة ، لذلك سارعوا ، وسابقوا ، قال تعالى :

﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

[سورة الحديد : 21]

 كلمة سارعوا ، وسابقوا ، واغتَنِمْ خمسًا قبل خمس ، هذه كلُّها تؤكِّد هذا المعنى، والنبي عليه الصلاة والسلام في حديث أخير يقول : هؤلاء الذين أرادوا الدنيا ، جعلوها محطَّ رِحالهم ، ومنتهى آمالهم ، جعلوها مبْلَغَ عِلْمهم ، هؤلاء الذين أرادوا الدنيا فقط ، أرادوا زينتها، أرادوا مالها ، ماذا ينتظرهم في الدنيا ؟ كلامٌ مزعِج ولكنّه واقعي ، يقول عليه الصلاة والسلام عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ :

((بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ سِتّاً : طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَ ، وَالدُّخَانَ ، وَدَابَّةَ الأَرْضِ، وَالدَّجَالَ ، وَخوَيْضَّةَ أَحَدِكُمْ ، وَأَمْرَ الْعَامَّة ))

[ابن ماجه عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ ]

 أي إذا أردْتموها ، وأصْررْتم عليها ، وجعلتموها كلّ شيء ، ماذا ينتظرُ أحدكم من الدنيا ؟ قد يأتي المال بسُرعة أسرعَ من الرقيّ في الإيمان ، إذا جاء المال بِأسْرع من الإيمان يخْتلّ التوازن ، المال يحملُك على المعصيَة ، قد يبثّ فيك الكِبْر ، قد يراك فوق الناس ، لذلك النبي الكريم قال :

(( يُحشرُ الأغنياء أربع فرَقٍ يوم القيامة ))

[ ورد في الأثر ]

 فريقٌ جمع المال من حرام وأنفقه في حرام ، حسابه سريعٌ جدًّا يُقال : خُذوه إلى النار ، وفريقٌ جمَعَ المال من حلال وأنفقهُ في حرام ، التّجارة مشروعة ، أما الإنفاق ففي التبذير والمعاصي ، فيُقال : خُذوه إلى النار ، هذا أيضًا سريعٌ حِسابهُ ، لأنّ هناك فقرة حراماً ، وفريقٌ جمَعَ المال من حرام ؛ تِجارة مَشبوهة ، تعامل رَبَوي ، بِضاعة محرّمة ، وأنفقهُ في حلال ؛ اشْترى بيتًا وتزوّج وأنفقَ على عِيالهِ ، فيُقال : خُذوه إلى النار ، وفريقٌ جمَعَ المال من حلال وأنفقهُ في حلال ، هذا يُحاسَب ، هذا قِفُوه فاسْألوه ؛ هل تاهَ بِمَالِهِ على عباد الله ؟ هل ضيَّع حقّ المِسْكين ؟ هل قال جيرانه : يا ربّ لقد أغْنَيْتَهُ بين أظهرنا فقصَّر في حقّنا ؟
 فيا أيّها الأخوة المؤمنون ؛ حدَّثتكم في الأسبوع الماضي عن ثعلبة ، ثعلبةُ كان حمامة المسجد ، ما فاتتْهُ تَكبيرة الإحرام خلْفَ سيّد الأنام ، رآهُ النبي بِثِيابٍ رثَّة ، قال له : كيفَ حالُكَ يا ثعلبة ؟ قال له : حالي كما تراني لمْ يقل الحمد ، أصَرّ على طلب الغِنَى ، قال له : يا ثعلبة قليلٌ تؤدِّي شُكرهُ خيرٌ من كثيرٍ لا تؤدِّي شُكرهُ ، ما قلّ وكفى خيرٌ مما كثر ولها ، يا ثعلبة يا ثعلبة . . .قال : اُدْعُ الله أن يُغْنِيَني ، فدعا له النبي عليه الصلاة والسلام ربّه ، ودَعوَةُ النبي كما تعرفون ليس بينها وبين الله حِجاب ، فأغناهُ الله حتى ضاقَتْ شِعابُ المدينة بأنعامِهِ ، أرْسَلَ له النبي من يُطالبُه بِزَكاة ماله قال له : قلْ لِصَاحِبِكَ ، ولم يقل له : قل لرسول الله صلى الله عليه وسلّم ، قال له : قلْ لصاحِبِكَ ليس في الإسلام زكاة !! فقال هذا المندوب : أو ما تراه صاحبًا لك ؟ لقد جَمَعْتَ إلى منْع الزكاة نقضَ العهْد ، نزل فيه قرآن يتلى إلى يوم القيامة ، قال تعالى :

﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴾

[سورة التوبة : 75-77]

 هذا هو الغِنَى المُطغي ، قال : هل تنتظرون إلا غِنًى مطغيًا ، أو فقرًا منسيًا - كما قال سيّدنا عليّ رضي الله عنه : كاد أن يكون الفقر كفرًا - أو مرضاً مفسِداً - ضيّع على الإنسان كلّ سعادته - أو هرمًا مفنِّدًا - ثمّ يردُّ إلى أرذل العمُر ، أصبحَ هامشيًا في مكانته ، تثاقل الناس منه ، ضاقوا من حديثِهِ ذرعًا ، أهْملوه ، هربوا منه ، تمنَّوا موتهُ ، هذا هو أرذلُ العمر - لذلك النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( من جمع القرآن متعه الله بعقله حتى يموت ))

[ الجامع الصغير عن أنس]

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ ضمانةٌ من رسول الله ، المؤمن لا يخرفُ ، من تعلّم القرآن متَّعَهُ الله بِعَقله حتى يموت ، أما هذا الذي يرد إلى أرذل العمر لئلا يعلم من بعد علمٍ شيئًا فمشكلته كبيرة ، هذا البنْد الثاني .

(( بادروا بالأعمال سبعاً : فهل تنتظرون إلا فقراً منسياً ، أو غنى مطغياً ، أو مرضاً مفسداً ، أو هرماً مفنداً ، أو موتاً مجهزاً ، أو الدجال ، فإنه شر منتظر ، أو الساعة، والساعة أدهى وأمر ))

[ الترمذي عن أبي هريرة ]

الصوم عن المعاصي و الآثام في كل أيام السنة :

 أردتُ من هذه الخطبة التي جاءَت في أيّام العيد أن تكون أملاً للمُذنبين لأنّ باب التوبة مفتوح ، عبدي لو جئتني بملء السموات والأرض خطايا عفرتها لك ولا أُبالي ، إذا قال العبدُ : يا ربّ وهو راكع ، قال الله : لبّيْك يا عبدي ، وإذا قال : يا ربّ وهو ساجد ، قال الله : لبّيْك يا عبدي ، وإذا قال : يا ربّ وهو عاصٍ ، قال الله له : لبّيْك ثمّ لبّيك ثمّ لبّيْك ، لأنّ الله سبحانه وتعالى خلقنا لِيَرحمنا ، فإذا قبِلنا رحمتهُ فقد حقّقْنا مُرادهُ ، قال تعالى :

﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾

[سورة هود : 118-119]

 أنت إذا تُبْتَ إلى الله أصْبحت حبيب الله عز وجل ، فَلِمَن قصَّر في رمضان بابُ التوبة مفتوحٌ إلى يوم القيامة ، ولِمَن كسِبَ في رمضان بطولتهُ أن يحافظ على هذا الكسب ، شيءٌ يلفتُ النّظر ، ففي صلاة الصّبح في رمضان عشرة صفوف ، وعشرون صفاً أحيانًا ، وبعد العيد صفّ واحد ، ما هذا الانكماش المفاجئ ؟ معنى هذا أن المكتسبات ضاعَتْ ، صلَّيْت الفجر في جماعة في رمضان فاحْرَصْ على أن تُتابِعَ هذا بعد رمضان ، وكذا غضّ البصَر ، وتحرير الكسْب ، وضبْط اللّسان ، الغيبة في رمضان محرّمة ، وفي بقيّة العام ، الغيبة غيبة في كلّ أوقات السنة ، فهذا الذي صامَت جوارحُه عن المعاصي يجبُ ألا يفطر، والذي صام عن الطّعام والشراب له أن يفطر في العيد ، أما الذي صام عن المعاصي والآثام فهذا لا ينبغي أن يفطِر حتى يلقى الواحد الديّان .
 حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أنّ ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطّى غيرنا إلينا فلْنَتَّخِذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتْبعَ نفسه هواها ، وتمنّى على الله الأماني ، والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

أيام العيد أيّام بشْر وفرَح وصِلَة أرحام :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ أيام العيد أيّام بشْر ، أيّام فرَح ، أيّام صِلَة الأرحام ، أيّام العيد أيّام الأعمال الصالحة ، وأيّام الصدقات ، وأيّام المعونات ، ولكن في هذه اللّقاءات الكثيرة العيدُ كلّه لقاءات ، وكلّه زيارات ، إما أن تزور ، وإما أن تُزار ، اِحْرَصوا في هذه اللِّقاءات على أن تذكروا الله عز وجل ، لأنّه ما اجْتمعَ قوم ، ولم يذكروا الله في مجلسهم إلا قاموا على أنْتن من جيفة ، أي حديثُ الدنيا قد يُسْعِدُ البعض ، وقد يُحزنُ الآخرين ، وقد يبثّ اليأس أحيانًا ، والرضا أحيانًا ، وقد يفرِّق ولا يجمع ، ولكنّك إذا ذكرْت الله عز وجل في هذه اللّقاءات ، ذَكِّرْ إخوانك بآيةٍ سمِعتها ، بِحَديثٍ سمِعْت تفسيرهُ ، بِحُكمٍ فقهي ، ذكِّرْهم بالدار الآخرة ، ذكِّرْهم بِمَحبّة الله عز وجل ، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول :

((أمرني ربّي بتِسْع ؛ خشيَة الله في السرّ والعلانية ، كلمة العدل في الغضب والرضا ، القصْد في الفقر والغنى ، وأن أصل من قطعني ، وأُعْطِيَ من حرمني ، وأعْفُو عمَّن ظلمني ))

[ زيادات رزين عن أبي هريرة ]

 بيتُ القصيد ليس في هذا .

(( وأن يكون صمتي فِكرًا ، ونُطقي ذِكْرًا ، ونظري عِبرةً ))

[زيادات رزين عن أبي هريرة]

 وأنا ساكت أُفكِّرُ في ملكوت السموات والأرض ، وأنا متكلّم أذكرُ الله عز وجل ، وأنا أنظر أعْتبرُ ، فلذلك كما قال عليه الصلاة والسلام :

((الذنب شؤم على غير فاعله ؛ إن عيره ابتلي به ، وإن اغتابه أثم ، وإن رضي به شاركه))

[ كنز العمال عن أنس ]

 على صاحبه ثابتٌ الشّؤم والعقاب ، لكن على غير صاحبِهِ .

(( الذنب شؤم على غير فاعله ؛ إن عيره ابتلي به ، وإن اغتابه أثم ، وإن رضي به شاركه))

[ كنز العمال عن أنس ]

 إذا كان لك أخٌ وقعَ في ذنْب إذا عيَّرْتَهُ ، لم فعل هذا أنا لا أفعلهُ ؟ فلا بدّ من أن تُبتلى بهذا الذّنْب ، لأنّك اعْتَمَدْت على نفسِكَ ، ولمْ تعتمِد على الله عز وجل ، ولأنّك اعْتَدَدْت بنفسك ولم تقل : إيّاك نعبدُ وإياك نستعين ، سيّدنا يوسف قال كما في قوله تعالى :

﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾

[سورة يوسف : 33]

((إن عيره ابتلي به ، وإن اغتابه أثم ، وإن رضي به شاركه))

[ كنز العمال عن أنس ]

 إذا الإنسان كسب الحرام ، وقلت أنت : دبَّر حالهُ ! شاطر ! شاركْتهُ بهذا بالإثم لأنّك أثْنَيْت على عمله ، أو رأيْتَهُ عملاً مشروعًا ، فمن ذكرهُ فقد اغتابَهُ ، ومن رضي به فقد شاركهُ في الإثْم ، ومن عيّره ابتُلي به .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَنا فيمن تولَيت ، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، ولا تهلكنا بالسنين ، ولا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين ، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .