خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0036 - النظافة من الإيمان .

1975-05-23

الخطبة الأولى :

الحمد لله نحمده ، و نستعين به و نسترشده و نعوذ به من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، و من يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لك ، إقراراً بربوبيته و إرغاماً لمن جحد به و كفر ، و أشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق و البشر ، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلي وسلم و بارك على سيدنا محمد و على آله و أصحابه و ذريته و من تبعه ذي إحسان إلى يوم الدين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

صحة الإنسان تكمن بأتباع سنن القرآن الكريم

أيها الإخوة المؤمنون ؛ إن الحديث عن النظافة الذي كان موضوع الخطبة السابقة يسوقنا إلى الحديث عن العناية بصحة الجسم ووقايته من الأمراض في ضوء ما جاء به القرآن الكريم وسنة النبي عليه الصلاة والسلام .
عن سَلَمَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ الْخَطْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا))

[أخرجه الترمذي]

إن الناس لم يعطوا في الدنيا خيرا من اليقين والمعافاة فسَلُوهُمَا الله عز وجل
وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :

 

(( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ لَمْ يُعْطَوْا فِي الدُّنْيَا خَيْرًا مِنَ الْيَقِينِ وَالْمُعَافَاةِ فَسَلُوهُمَا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ))

اللهم ارزقنا العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة .
كل إنسان يتمنى أن يتمتع بصحة وعافية ولكن ما قيمة المال اذا ضاعت الصحة
وفي محنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطائف توجه إلى ربه وقال :

(( اللهم إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ولك العتبى حتى ترضى لكن عافيتك هي أوسع لي ))

فمن منا أيها الإخوة من لا تهمه صحته ، ومن منا من لا يقلقه شبح مرض وبيل ، ومن منا لا يتمنى أن يصبح معافى في جسمه ، يتمتع بقوته وسمعه وبصره ، ومن منا لا يرجو من ربه العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة ...
ثم ما قيمة المال إذا ضاعت الصحة ، وما قيمة الصحة إذا ضاع الإيمان ؟
أيها الإخوة ؛ إن معظم الناس يدركون هذه الحقائق ، أو هذه المسلمات ، ولكنهم لا يسلكون السبيل التي رسمها القرآن الكريم الذي ضمن سعادة الإنسان وصحة جسده .
لقد أشار القرآن الكريم إلى مبادئ أساسية في الطب الوقائي ولا يخفى أن درهم وقاية خير من قنطار علاج .

1 ـ الاستقامة

أولى هذه المبادئ " الاستقامة " فالاستقامة فضلاً عن أنها طاعة لله عز وجل وقربة إليه وكرامة عنده هي صحة وطمأنينة وسعادة فلابتعاد عن الخمور والمسكرات مهما اختلفت أسماؤها والمخدرات صحة وأية صحة فكم من معدة مقروحة ، وكم من كبد أصابها تشمع ، فأودت بصاحبها بسبب الإدمان ، وما أسكر كثيره فقليله حرام ، وما أسكر كثيره فملء الكف منه حرام ، وقد جُمع الشر كلُّه في بيت وأرتج عليه فكان مفتاحه السكر ، كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيروس الزهري سمي أفعى الزنا لأنه يدخل الجسم عن طريق الزنا فقط
وغض البصر والابتعاد عن الملهيات والمثيرات هو ابتعاد عن الزنا والابتعاد عن الزنا صحة وأية صحة ، إن وحدة المرض في الزهري تستطيع أن تدخل الجسم عن طريق الزنا فقط واسمها اللولبية الشاحبة كُبِّرت الكتروني 36 ألف مرة فبدت كالأفعى فسميت أفعى الزنا تستطيع أن تدخل جسم الإنسان عن طريق الزنا وتبقى فيه مدة قد تصل إلى خمس عشرة سنة ، وبعدها تظهر في الدماغ أو اختلال في العقل بسبب إصابة مراكز المحاكمة ، أو عمى في العين ، أو قرحاتٌ مرعبة تظهر في الوجه ، وداخل الفم ، وفي أي مكان .
أيها الإخوة ؛ هذه ليست مبالغات ولكنها حقائق ، أخذتها من كتاب طبي ويعرفها الأطباء منكم ، قال تعالى :

﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾

[الآية:32 سورة الإسراء]

2 ـ التطهر

علينا أن نتطهر من كل درن وخبث فالنظافة صحة قبل أن تكون طاعة وجمال
وثاني المبادئ الوقائية التي جاء بها القرآن التطهر من كل درن وخبث والعناية بنظافة الجسم والملبس والمطعم والمشرب ، وقد فصلت في الحديث عن النظافة في الخطبة السابقة وقد رأيتم كيف أن النظافة صحة وأية صحة قبل أن تكون طاعة وجمالاً .

3 ـ الاعتدال

الأمراض الخطيرة قد تسببها انفعالات شديدة لذلك علينا الإعتدال في كل شيء
وثالث هذه المبادئ الوقائية التي جاء بها القران الاعتدال في كل شيء في الطعام والشراب واللذة والنوم واليقظة والعمل والراحة والغضب والرضا والانفعال والتأثر ، فالأمراض الخطيرة قد تسببها انفعالات شديدة ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال :

(( أحْبِبْ حبِيبَك هَوْنا مَّا ، عسى أن يكونَ بَغِيضَكَ يوماً مَّا ، وأبْغِضْ بغيضَك هَوْنا مَا عسى أن يكونَ حبيبَك يوماً ما ))

[أخرجه الترمذي]

وقال تعالى :

﴿يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾

[سورة الأعراف الآية"31]

 

4 ـ المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء

 

ورابع هذه المبادئ الوقائية التي جاء بها الإسلام أن المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء وما ملأ ابن آدم وعاءً شراً من بطنه ، و البطنة تذهب الفطنة ، وإن عشر ما نأكله يكفي لبقائنا أحياء ، وتسعة الأعشار الباقية تكفي لبقاء الأطباء أحياء .
إن المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء
لذلك رد عليه الصلاة والسلام الطبيب الذي أرسله إليه المقوقس قائلاً :

(( اذهب لا حاجة لنا بك ، نحن قوم لا نأكل حتى نجوع ، وإذا أكلنا لا نشبع ))

وحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه ، فإن كلان لابد فاعل ، فثلث لطعامه وثلث لشرابه ، وثلث لنفسه ، فإذا استطاع المرء أن يترك الطعام قبل أن تمتلئ المعدة بقليل فنعما يفعل ، وعندها يحس بنشاط لا يوصف وحيوية يعرفها من ذاقها .
إن قصور القلب وارتفاع الضغط ليست أمراض بل أعراض لمرض واحد هو البدانة
أيها الإخوة ؛ إن معظم الأمراض التي يشكو منها الناس كاضطراب الكبد ، وارتفاع الضغط ، وقصور القلب ، وتصلب الشرايين ، والأسيد أوريك ، هي في رأي الطب أعراض ، وليست أمراضاً ، هي أعراض لمرض واحد هو البدانة التي تتأتى من الإسلاف في تناول الطعام ، والشراب ، قال تعالى :

﴿يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾

[سورة الأعراف الآية : 31]

وقد روت السيدة عائشة رضي الله عنها :
أن أول بدعة ابتدعها المسلمون بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم الشبع ، والشبع فضلاً عن أنه يسبب متاعب لصاحبه ، يورث تكاسلاً وتقاعساً عن تأدية الصلوات ، وسائر العبادات .
ومن السنة شرب الماء مصاً ، وقعوداً وعلى ثلاث دفعات ، قال عليه الصلاة والسلام :

(( مصوا الماء مصاً ولا تعبوه عباً فإن الكباد من العب ))

من السنة شرب الماء مصاً ، وقعوداً وعلى ثلاث دفعات
وسوف أفصل في هذا الحديث في خطبة أخرى إن شاء الله .
ومن السنة أن ينام المرء باكراً ، ويستيقظ باكراً ، فالأطباء يؤكدون أن ساعة نوم في أول الليل لا تعدلها ثلاث ساعات في آخره ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
"عَنْ صَخْرٍ الْغَامِدِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((اللَّهُمَّ بَارِكْ لأمَّتِي فِي بُكُورِهَا قَالَ وَكَانَ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً أَوْ جَيْشًا بَعَثَهُمْ أَوَّلَ النَّهَارِ وَكَانَ صَخْرٌ رَجُلاً تَاجِرًا وَكَانَ إِذَا بَعَثَ تِجَارَةً بَعَثَهُمْ أَوَّلَ النَّهَارِ فَأَثْرَى وَكَثُرَ مَالُهُ))

[أخرجه أبو داود والترمذي]

لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا
" عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا))

[أخرجه البخاري ومسلم ]

أو كما قال .
أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وصلوا ما بينكم وبين ربكم تسعدوا ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .

والحمد لله رب العالمين
***

الخطبة الثانية :

 

الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم .

الدعاء :

اللهم بارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت
اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم صن وجوهنا باليسار ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شر خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء .
اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت ، واصرف عنا شر الأعمال لا يصرفها عنا إلا أنت .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018