خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0053 - الإسلام لكل العصور .

1975-11-14

الخطبة الأولى :

 الحمد لله نحمده ، و نستعين به و نسترشده و نعوذ به من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، و من يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لك ، إقراراً بربوبيته و إرغاماً لمن جحد به و كفر ، و أشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق و البشر ، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلي وسلم و بارك على سيدنا محمد و على آله و أصحابه و ذريته و من تبعه ذي إحسان إلى يوم الدين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

دين الإسلام صالح لكل زمان ومكان

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ يحسب بعض الناس أن للإسلام عصراً ذهبياً واحداً هو عصر صدر الإسلام أو عصر الخلفاء الراشدين ، وبعدها نُقضت عراه عروة عروة وانتهكت حرماته حرمةً حرمةً ، وعاد الناس إلى سابق جاهليتهم .
 وبعضهم يرى أن الدين لبَّى حاجات المجتمع الإنساني في طور من أطوار تطوره ، حتى إذا بلغ هذا المجتمع البشري درجة عالية من التعقيد أصبح قاصراً عن تلبية حاجاته ، وعلى المجتمع الإنساني أن يبحث عن نظام وضعي يلبي حاجاته المتجددة .
 كلا أيها الإخوة ؛ إذا صدق هذا على تشريع يضعه البشر فإنه لا يصدق على التشريع السماوي ، وإذا صدق هذا على أديان أخرى فإنه لا يصدق على الدين الإسلامي .
 أيها الإخوة ؛ من خصائص الدين الحق أن يكون صالحاً لكل زمان ومكان ، وكل قطر وعصر ، وكل مجتمع بسيط أو معقد ، متقدم أو متخلف ، ومن معجزات الإسلام أن أي إنسان إذا طبقه كما طبقه الصحابة الكرام قطف من ثماره مثلما قطفوا ، وسعد فيه مثلما سعدوا ، ونال من القرب مثلما نالوا ، واطمأن إلى تأييد الله مثلما اطمأنوا .
 ورحم الله سيدنا الصديق حيث بلغه نبأ وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان في ظاهر المدينة ، فقفل راجعاً ، فلما وصل إلى حيث سجيَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكشف الغطاء عن وجهه الشريف ، وقبله وقال : فداك أبي وأمي ما أطيبك حياً وما أطيبك ميتاً ثم خرج إلى الناس ، وقال قولته الشهيرة : " من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ، ومن كان يعبد الله ، فإن الله حيٌّ لا يموت ثم تلا قوله تعالى :

﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾

[الآية:144 سورة آل عمران]

 يا أخوة الإيمان ؛ لا تكن طموحاً في الدنيا قنوعاً في الآخرة ، لا تكن ألعوبة بيد الكفار والشياطين حيث يقدمون لك برامج ترفيهية يفسدون بها دينك ودنياك ويجعلونك تلهث وراء صرعاتهم ، ومبتكراتهم ، لا تغفل عن يوم لا بد آت وقد يكون قريباً ، تترك زوجتك التي تحبها ، وأولادك الذين تصنع كل آمالك بهم ، وتجارتك التي لم تقطف بعد ثمارها ، وستلقى الله وليس معك إلا عملك ، فإن كان كريماً أكرمك ، وإن كان لئيماً أسلمك .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ سيدنا عمر بن عبد العزيز معجزة الإسلام يحسب بعض الناس أن البطولة مقصورة على عصر الوحي والفتوحات ، والحقيقة أن المعجزة في الإسلام لكل من طبقه قطف ثماره ، فسيدنا عمر بن عبد العزيز إنه لا ينتمي إلى عصر الوحي فحسب بل إنه الرجل الذي حاول نقل عصر الوحي بمثله وفضائله إلى دنيا مفتونة مضطربة ، لقد استطاع أن يجعل الملك الذي شاده الأمويون خلافة عادلة بارة ، تمثل كل الفضائل والشمائل التي تميز بها عصر النبوة والوحي ، تروي زوجته فاطمة بنت عبد الملك هذه الواقعة ، قالت : دخلت عليه يوماً وهو جالس في مصلاه واضعاً خده على يده ودموعه تسيل فقلت له ما بالك ، وفيمَ بكاؤك ؟ قال : ويحك يا فاطمة إني قد وليت من أمر هذه الأمة ما وليت ، ففكرت في الفقير الجائع والمريض الضائع والعاري المجهود ، واليتيم المكسور والمظلوم المقهور والغريب والأسير والشيخ الكبير والأرملة الوحيدة ، وذي العيال الكثير والرزق القليل وأشباههم في أقطار الأرض وأطراف البلاد ، فعلمت أن ربي سيسألني عنهم يوم القيامة ، وأن خصمي دونهم يومئذ محمد صلى الله عليه وسلم فخشيت ألا تثبت لي حجة ، فلذلك أبكي.
 وقد أضحى الناس في عهده يقولون : هذا أول خليفة أموي لا نجد حاجة في قرع أبوابه ، فإنه ما يكون لنا من حق يأتينا ، ونحن في دورنا ، وما ليس لنا بحق فدون بلوغه قطع الرقاب .
 كتب إليه واليه على خراسان يستأذنه في أن يرخص له باستخدام بعض القوة والعنف مع أهلها قائلاً إنهم لا يصلحهم إلا السيف والسوط ، فكان رده : ( كذبت .. بل يصلحهم العدل والحق ، فابسط ذلك فيهم واعلم أن الله لا يصلح عمل المفسدين ) .
 وهذا هو عمر يرى أن للدولة أركاناً أربع ، فيقول : ( إن للسلطان أركاناً لا يثبت إلا بها ، فالوالي ركن والقاضي ركن ، وصاحب بيت المال ركن ، والركن الرابع أنا )
 وكان يقول : ( لست إلا كأحدكم غير أني أثقلكم حملاً ... ) .
 وناداه رجل من المسلمين ؛ يا خليفة الله في الأرض ، فأخذته رعدة وصاح في الرجل : ( مَهْ إني لما ولدت أسماني أهلي عمر ، فلو ناديتني يا عمر أجبتك ولما كبرت اخترت لنفسي كنية فكنيت أبا حفص ، فلو ناديتني يا أبا حفص أجبتك ، ولما وليتموني أموركم سميتموني أمير المؤمنين ، فلو ناديتني بأمير المؤمنين أجبتك ، وأما خليفة الله في الأرض فلست كذلك ، إنما خلفاء الله في الأرض رسله وأنبياؤه ) .
 وقد أوصى ولاته هذه الوصاية : ( كونوا في العدل والإصلاح والإحسان بقدر من كان قبلكم في الظلم والفجور والعدوان ، ثم أرسل منشوراً موجزاً إلى جميع الأقطار يقول فيه : ( من ظلمة إمامه مظلمة فلا إذن له علي ؛ أي ليدخل داري غير منتظر إذناً ) .
 ومن أجل أن يحيط نفسه بحاشية ناصحة تقية خطب في الناس فقال :
 ) من أراد أن يصحبنا فليصحبنا بخمس ، أو فليفارقنا ؛ يرفع إلي حاجة ، ويعيننا على الخير بجهده ، ويدلنا على ما لا نهتدي إليه من الخير ، ولا يغتاب عندنا أحداً ، ولا يعرض لما لا يعني(
 ونعقب على ذلك كتب التاريخ والسير فانفض عنه الشعراء ، وثبت معه الزهاد والفقهاء ، وكان له موقف رائع من فتنة الخوارج وخروجهم على إجماع المسلمين ، فلا تكاد إحدى فرق الخوارج تتحرك في الأيام الأولى لخلافته حتى كتب إلى زعيمها : ( أما بعد ؛ فقد بلغني أنك خرجت غضباً لله ولرسوله ، ولست أولى بذلك مني ، فهلم أناظرك فإن يكن الحق معنا تدخل فيه ، وإن يكن الحق معك نراجع أنفسنا وننظر في أمرنا ) .
 ويروي التاريخ ؛ أن هذا الزعيم الثائر يرسل مبعوثين إلى عاصمة الخلافة يجريان مع الخليفة حواراً تتضح من خلاله الحقيقة ناصعة وتكون عاقبة هذا الموقف العظيم أن تلقي تلك الفئة المتمردة سلاحها ، وكان يحرص على أموال المسلمين التي هي أمانة في عنقه من أن تنفق في غير موضعها ، أو أن يأخذها من لا يستحقها ، وله في ذلك كلمة فاصلة: ( أنا حجيج المسلمين في مالهم ) .
 جاءته يوماً هدية ، فاعتذر عنها ، فقيل له إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقبل الهدية ، فأجاب قائلاً : ( لقد كانت لرسول الله هدية ولكنها لنا رشوة ) .
 وكان يأمر ولاته أن يقتصدوا في النفقات ، كتب إلى أحد ولاته يقول :
 (إذا جاءك كتابي هذا فأرق القلم ، واجمع الخط ، واجعل الحوائج الكثيرة في الصفحة الواحدة ، فإنه لا حاجة للمسلمين في فضل قول أضر ببيت مالهم ) .
 وقد كتب إليه واليه على العراق يقول : إن الناس قد دخلوا في الإسلام أفواجاً ، حتى خشيت أن يقل الخراج ، فيجيبه الخليفة المقسط : ( إن الله بعث محمداً هادياً ، ولم يبعثه جابياً، والله لوددت أن الناس كلهم يسلمون حتى نكون أنا وأنت حرَّاثَين نأكل من كسب أيدينا ) .
 وقد طلب إليه أحد المقربين إليه ـ عنبسة بن سعيد ـ حاجة لنفسه فأجابه سيدنا عمر : ( يا عنبسة إن يكن مالك الذي عندك حلالاً فهو كافيك ، وإن يكن حراماً فلا تضيفن إليه حراماً جديداً ، أخبرني يا عنبسة أمحتاج أنت؟ ـ لا ـ أفعليك دين ؟ ـ لا ـ إذن فكيف تطمع في أن أعمد إلى مال الله فأعطيكه في غير حاجة ، وأدع فقراء المسلمين .. لو كنت غراماً لأديت عنك غرمك أو محتاجاً لأمرت لك بما يصلح شأنك ، فليكن لك في مالك غناء ، واتق الله وانظر من أين جمعته ، وحاسب نفسك قبل أن يحاسبك أسرع الحاسبين.

 

 أيها الإخوة المؤمنين ؛ سيدنا عمر بن عبد العزيز يؤكد لنا عظمة الإسلام ، وأنه صالح لكل زمان ومكان ، وأن كل من طبقه في أول الزمان أو في آخره قطف أينع ثماره وسعد به ، واطمأن قلبه ، وصلحت سريرته .
 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وصلوا ما بينكم وبين ربكم تسعدوا ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .

والحمد لله رب العالمين
***

الخطبة الثانية :

 

 الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم صن وجوهنا باليسار ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شر خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء .
 اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت ، واصرف عنا شر الأعمال لا يصرفها عنا إلا أنت .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018