خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

خطبه الجمعة - الخطبة 0030 : المولد النبوي4 - النبي الأسوة الحسنة .

1975-04-11

الخطبة الأولى :

 الحمد اللَّهِ الذي سبحت الكائنات بحمده ، وعنت الوجوه لعظمته ومجده ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه واعترته الطيبين الطاهرين .
صلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله ، يا من كانت الرحمة مهجتك والعدل شريعتك ، والحب فطرتك ، والسمو حرفتك ، ومشكلات الناس عبادتك .

وجوب التخلق بأخلاق النبي الكريم :

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ حياة نبينا الكريم عليه أتم الصلاة والتسليم سمو في سمو ، سمو في القول والعمل ، سمو في النفس والسلوك ، سمو في المشاعر والأحاسيس .
 يروى عنه صلى الله عليه وسلم وهو طفل صغير أن بعض رفاقه وأترابه جدوا في البحث عنه طويلاً حتى وجدوه بعد طول عناء جالساً في ظل حائط عند أطراف مكة ، وهموا به ليأخذوه معهم إلى مجالس اللهو فيه زمر وطبل ولهو ، فهزَّ الطفل الصغير رأسه معتذراً وقال :
 " أنا لم أخلق لهذا "
 نعم إنه لم يخلق للسمر واللهو ، ولكنه خُلق لما هو أسمى من ذلك , وإن الله قد أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ، ونحن لم نخلق للهو والاستمتاع ، ولكنا خلقنا لما هو أسمى من ذلك ، خلقنا لنتعرف على ربنا في حياتنا الدنيا ، ونعمل من الصالحات ما يهيئ لنا سعادة أبدية في الدار الآخرة .

﴿ وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ﴾

[ سورة الضحى]

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾

[ سورة التوبة ]

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر ﴾

[ سورة العصر ]

﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً * ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَرُسُلِي هُزُواً ﴾

[ سورة الكهف ]

 بعض الأمثلة :
 الآن إذا اشترى الواحد بيت بـ 40 وصار حقه 100 بقلك كسبها .
 وإذا استورد بضاعة ، وارتفع ثمنها للضعف ، بقلك فلان في منزله بالجنة .
 وإذا تيسرت له رحلة إلى أوروبا بقلك إذا حب عبده أرجا على ملكه ، والله يا إخوان الحياة لا تدوم عش ما شئت فإنك ميت ، وأحبب ما شئت فإنك مفارق ، واعمل ما شئت فإنك مجزي به .
 المؤمن المستقيم هو يلي كسبانها ، لأن ربنا ينجيه من كل شر ويسعده ، وبالآخرة له مقام كبير .
 وكان يقول عليه الصلاة والسلام :
 عن حسين بن علي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفسافها ))

[ أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ]

 أي يحب من الأمور أسماها ، ويكره منها صغائرها ، ولقد أحب محمد صلى الله عليه وسلم معالي الأمور ، تأسياً بربه ، واستجابة لفطرته ويظهر ذلك جلياً في أدعيته صلى الله عليه وسلم ، كان يقول :
 عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال :

(( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَالْهَرَمِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لا يَنْفَعُ وَمِنْ قَلْبٍ لا يَخْشَعُ وَمِنْ نَفْسٍ لا تَشْبَعُ وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا ))

[أخرجه مسلم وأحمد ]

 عن قطبة بن مالك صاحبُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنه قال :

(( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ مُنْكَرَاتِ الْأَخْلَاقِ وَالْأَعْمَالِ وَالْأَهْوَاءِ ))

[ أخرجه الترمذي]

 عن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( اللَّهُمَّ أَلْهِمْنِي رُشْدِي وَأَعِذْنِي مِنْ شَرِّ نَفْسِي قَالَ ))

[ أخرجه الترمذي]

 عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ ))

[ أخرجه الترمذي وأحمد ]

 عن أبو الدرداء رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( اللَّهمَّ اجعل حُبَّك أَحَبَّ إِليَّ من نفسي ، وأَهْلي ، ومن الماءِ البارِد ))

[ أخرجه الترمذي]

 عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول :

(( اللَّهمَّ إني أسألك الهُدى ، والتُّقى ، والعَفَافَ ، والغِنى ))

[ أخرجه مسلم والترمذي وابن ماجة وأحمد ]

 عن أم الدرداء رحمه الله قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( اللهم إني أسألك لذة النظر إلى وجهك , والشوق إلى لقائك ))

[ أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ]

 عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم :

(( اللَّهُمَّ اهدِني لأحسَنِ الأعمالِ ، وأَحْسَنِ الأخلاقِ ، لا يَهْدي لأَحسَنِها إِلا أَنتَ ، وقِني سيء الأعمال ، وسيء الأخلاقِ ، لا يَقي سَيِّئَها إِلا أنتَ ))

[ أخرجه النسائي ]

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ هذه نموذجات من الأدعية التي كان نبينا صلى الله عليه وسلم يدعو بها ربه صباح مساء ، كلها تدور حول السمو النفسي والسلوكي الذي محمد صلى الله عليه وسلم يعشقه ، لم يسأل الله جاهاً ، ولا منصباً ، ولا ملكاً إنما سأله الانتصار على ضعفه ، والتفوق على نفسه ، وسأله أحسن الأعمال وأحسن الأخلاق .
 وأنتم أيها الإخوة المؤمنون ؛ اقتدوا بنبيكم ، وأحبوا معالي الأمور واتركوا سفافها ، وادعوا الله أن يصلح لكم دينكم ، الذي هو عصمة أمركم ، وأن يطهر نفوسكم ، ويزكيها ، لأنه :

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾

[ سورة الشعراء الآية : 88 . 89 ]

 إذا واحد دخل شيء بعينه يذهب إلى الطبيب ، بقلك العين ما معها لعبة .
 يا إخوان ؛ النفس ما معها لعبة ، أمراضها خطيرة ، مهلكة ، فالحسد ، الحقد ، والغيبة ، الغش ، هي كلها أمراض خطيرة لازم الواحد يطهر نفسه منها .
 والسمو عند سيدنا محمد يعني حسن الخلق , والمعاملة الطيبة لذلك يقول عليه الصلاة والسلام :
 عن أبو الدرداء رضي الله عنه قال : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :

(( مَا مِنْ شَيْءٍ أَثْقَلُ فِي مِيزانِ المؤمِنِ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ ، وَإِنَّ اللَّهَ يَبْغُضُ الفَاحِشَ البَذيءَ ))

[أخرجه الترمذي ]

 عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( إن العبد ليبلغ بحسن الخلق عظيم درجات الآخرة ، وشرف المنازل ))

[ أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ]

 عن أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق ))

[ أخرجه الحاكم في مستدركه ]

 عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة ))

[ أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ]

 عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي ))

[ أخرجه أبو يعلى والإمام أحمد في مسنده ]

جمال الوجه مع قبح النفوس  كقنديل على قبر المجوسي

من أخلاق النبي , مراعاته لمشاعر الإنسان :

 أيها الإخوة ؛ يتجلى سمو محمد صلى الله عليه وسلم في حفاظه الشديد على كرامة الإنسان ، ومراعاته لمشاعره ، ذات يوم جيء إليه بسارق ، وأقبل الشاهد الذي رآه يسرق فقال نعم رأيته يسرق ، فقال محمد صلى الله عليه وسلم هلا قلت ، رأيته يأخذ , إنه عليه السلام طالما تحدث عن السرقة كجريمة وعن السارقين كجناة ، وقد أسمى السرقة سرقة ، وأسمى السارقين سارقين , ولكن حينما يصير الأمر أمر فرد بذاته ، والتهمة تلقى في وجهه ، فهناك يجب أن تراعى مشاعره ، لأنه قبل أن نعرف الحقيقة كلها ، لا ينبغي أن نلقي بالكلمة القاسية .
 وذات يوم وهو جالس مع أصحابه بالمسجد ينتظرون الصلاة ، وكانوا حديثي العهد بوليمة ، أكلوا فيها لحم جذور ( جمل ) انبعثت في المجلس ريح غير طيبة ، أدرك الرسول أنها من غازات الجوف ، وتنفس الأمعاء وأدرك أن صاحب هذه الريح قد وقع في حرج شديد ، فالمفروض أنهم جميعاً متوضئون ، وبعد لحظات سيقومون إلى الصلاة ، فإذا أراد ذلك الرجل المجهول أنه يقوم ليتوضأ بان للآخرين أنه مصدر الريح الكريهة , وفي هذا حرج له وإخجال ، وهنا أدار محمد صلى الله عليه وسلم بصره على وجوه الجالسين جميعاً فقال : من أكل لحم جذور فليتوضأ ، قال أصحابه كلنا أكل لحم جذور يا رسول الله ، قال : إذن كلكم يتوضأ .
 بهذه الطريقة أنقذ صاحب الريح الكريهة من أن يفتضح أمره ويخجل .
 صلى الله عليه يا سيدي يا رسول الله ، و يا من قلت أدبني ربي فأحسن تأديبي .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ اهتدوا بهدي نبيكم ، واقتفوا أثره ، وطبقوا سنته تسعدوا في دنياكم وأخراكم .
 أو كما قال .
 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وصلوا ما بينكم وبين ربكم تسعدوا ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .

والحمد لله رب العالمين
***

الخطبة الثانية :

 الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم صن وجوهنا باليسار ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شر خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء .
 اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت ، واصرف عنا شر الأعمال لا يصرفها عنا إلا أنت .