بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

المحاضرة 32 : محاضرة بيروت في مؤسسة الدكتور محمد خالد - كيف نحيي فقه الإمام الأوزاعي

2003-07-05

 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد.......
 فإنني أشكركم من أعماق قلبي على هذه الدعوة الكريمة وهي إن دلت على شيء فنما تدل على حسن ظنكم بي، وأسأل الله جل جلاله أن أكون عند حسن ظنكم.
 أيها الأخوة الكرام: موضوع هذه المحاضرة الإمام الأوزاعي وكيف نجدد فقهه الذي جاء به، فلنبدأ بومضات من حياة الإمام الأوزاعي، فالإمام الجليل أبو عمر الأوزاعي فقيه أهل الشام وإيمامهم، وقد بقي أهل الشام على مذهبه نحواً من مائتين وعشرين سنة، فلم يكن في أبناء الملوك والخلفاء والوزراء والتجار وغيرهم أعقل منه ولا أورع ولا أعلم ولا أفصح ولا أوقر ولا احلم ولا أكثر صمتاً منه، ما تكلم بكلمة إلا كان من جلسائه من يكتبها عنه من حسنها، قال محمد بن عجلان لم أرى للمسلمين أنصح من الأوزاعي، وقال غيره: ما رُئي الأوزاعي ضاحكاً مقهقهاً قط، ولقد يعظ الناس فلا يبق أحد في مجلسه إلا بكى بعينه أو بقلبه وما رأيناه يبكي في مجلسه قط، وكان إذا خلا بكى حتى يرحم، وقال يحيى بن معين العلماء أربعة الثوري وأبو حنيفة ومالك والأوزاعي.
 قال أبو حاتم: كان ثقة متبعاً لما سمع، قالوا: وكان الوزاعي لا يلحن في كلامه، وكانت كتبه ترد على المنصور فينظر فيها ويتأملها ويتعجب من فصاحتها وحلاوة عبارتها.
 وقال الوليد بن مسلم: كان الأوزاعي إذا صلى الصبح جلس يذكر الله سبحانه وتعالى حتى تطلع الشمس، وكان الأوزاعي رحمه الله تعالى كثير العبادة حسن الصلاة ورعاً ناسكاً طويل الصمت، وكان يقول: من أطال الصلاة في قيام الليل هوّن الله عليه طول القيام يوم القيامة، أخذاً من قوله تعالى:

﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً (26) إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً (27) ﴾

(سورة الإنسان)

 وقال الوليد بن مسلم: ما رأيت أحداً أشد اجتهاداً من الأوزاعي في العبادة، قال الوزاعي: عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإياك وأقوال الرجال وإن زخرفوه وحسنوه، ويقول أيضاً اصبر على السنة وقف حيث يقف القوم وقل ما قالوا، وكف عن ما كفوا، وليسعك ما وسعهم، وقال أيضاً: اعلم ما جاء عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وما لم يجئ عنهم فليس بعلم، وكان يقول: لا يجتمع حب علي وعثمان إلا في قلب مؤمن، وإذا أراد الله بقوم شراً فتح عليهم باب الجدل، وسد عنهم باب العلم والعمل، وكان الأوزاعي من أكرم الناس وأسخاهم، وقد وص إليه من خلفاء بني أمية ومن أقاربهم ومن بني العباس نحو من سبعين ألف دينار فلم يقتني منها شيئاً، وما اقتنى من عقار ولا من غيره، ولا ترك يوم مات سوى سبعة دنانير كانت جهازه، بل كان ينفق ذلك كله في سبيل الله وفي الفقراء والمساكين.
 أيها الأخوة الكرام: لهذا الإمام الكبير موقف رائع مع عبد الله بن علي، فلما دخل عبد الله بن علي دمشق وسلب الملك من بني أمية طلب الأوزاعي فتغيب عنه ثلاثة أيام ثم حضر بين يديه، قال الأوزاعي: دخلت عليه وهو على سرير وفي يده خيزران، ورجاله عن يمينه وشماله معهم السيوف، فسلمت عليه فلم يرد، ونكث بتلك الخيزران التي في يده ثم قال: يا أوزاعي ما ترى فيما صنعنا من إزالة أيدي أولئك الظلمة عن العباد أجهاداً ورباطاً هو ؟ قال: فقلت: أيها الأمير:

(( سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ ))

(سنن أبي داوود)

 قال: فنكث بالخيزران أشد مما كان ينكث، وجعل من حوله يقبضون أيديهم على قبضات سيوفهم، ثم قال: يا أوزاعي ما تقول في بناء بني أمية ؟ فقلت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ الثَّيِّبُ الزَّانِي وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا أَبِي ح و حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ح و حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ قَالَا أَخْبَرَنَا عِيسَى ابْنُ يُونُسَ كُلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ ))

(صحيح مسلم)

 فنكث بها أشد من ذلك ثم قال: ما تقول في أموالهم ؟ فقال: إن كانت في أيديهم حراماً فهي حرام عليك أيضاً، فإن كانت لهم حلالاً فلا تحل لك إلا بطريق شرعي، قال: ثم رحل الأوزاعي من دمشق فنزل بيروت مرابطاً بأهله وأولاده، قال الأوزاعي: وأعجبني في بيروت أنني مررت بقبورها فإذا امرأة في القبور فقلت لها: أين العمارة يا أختاه ؟ فقالت: إن أردت العمارة فهي هذه وأشارت إلى القبور، وإن كنت تريد الخراب فأمامك وأشارت إلى البلد، فعزمت على الإقامة في بيروت، وقد كان الأوزاعي في الشام معظماً مكرماً أمره أعز عند أهل الشام من أمر السلطان وقد همّ به بعض الولاة مرة فقال له أصحابه دعه عنك، والله لو أمر أهل الشام أن يقتلوك لقتلوك، ولما مات الأوزاعي جلس على قبره بعض الولاة فقال: رحمك الله فوالله لقد كنت أخاف منك أكثر مما أخاف من الذي ولاني وهو المنصور، ما خلف الأوزاعي ذهباً ولا فضة ولا عقاراً ولا متاعاً إلى ستة وثمانين درهماً فضلت من عطاءه، قلت لا خلاف أنه مات في بيروت مرابطاً، لكنهم اختلفوا في سنه ووفاته، ولقد رآه بعضهم في المنام فقال له: دلني على عمل يقربني إلى الله، فقال: ما رأيت في الجنة درجة أعلى من درجة العلماء العاملين.
 أيها الأخوة الكرام: هذه مقدمة – ننتقل الآن إلى موضوع المحاضرة – فمن أجل أن نحيي فقه الإمام الأوزاعي ينبغي أن نحيي في الفقه الوسطية التي جاء بها الإسلام – والتي هي من أبرز سماته، فلا إفراط ولا تفريط لأن الشريعة عدل كلها مصلحة كلها رحمة كلها حكمة كلها، فأية قضية خرجت من العدل إلى الجوف ومن المصلحة على المفسدة ومن الرحمة إلى القسوة ومن الحكمة إلى خلافها، فليست من الشريعة ولو أدخلت عليها بألف تأويل وتأويل.
 أيها الأخوة الأحباب: حينما نعرض التطرف في التشدد والتطرف في التساهل يتبين الفقه المتوازن والعمل المتوازن والإخلاص والورع اللذان اتصف بهم الأوزاعي، لعل منهج الأوزاعي رحمه الله تعالى لا يبتعد عن مضمون هذا الحديث الشريف يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغاليين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين.
 أيها الأخوة الكرام: من المقرر شرعاً أن هذا الدين بني على اليسر ورفع الحجر وأدلة ذلك غير منحصرة فاستقرأ أدلة الشريعة قاضية بأن الله عز وجل جعل هذا الدين رحمة للناس ويسراً، فاستقراء أدلة الشريعة قاض بأنه الله عز وجل جعل هذا الدين رحمة للناس ويسراً، والرسول صلى الله عليه وسلم أصل بعثته الرأفة والرحمة بالناس، ورفع الآصال والأغلال التي كانت واقعة على من قبلنا من الأمم، يقول الله تعالى:

﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ(128)﴾

(سورة التوبة)

((عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ....رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ......إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنِّتًا وَلَا مُتَعَنِّتًا وَلَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا ))

(صحيح مسلم)

 أيها الأخوة: من أبرز أوصافه عليه الصلاة والسلام ما قاله ربه عز وجل:

﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾

(سورة الأعراف)

 ولذلك كان عليه الصلاة والسلام يترك بعض الأفعال والأوامر خشية أن يشق على أمته.

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهم أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي أَوْ عَلَى النَّاسِ لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ ))

(صحيح البخاري)

 ونظائر هذا من السنة كثير، ولذلك كان عليه الصلاة والسلام يأمر أصحابه بالتيسير على الناس، وبعدم حملهم على الشدة والضيق، فقد قال:

((عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مُعَاذًا وَأَبَا مُوسَى إِلَى الْيَمَنِ قَالَ يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا وَتَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا ))

(صحيح البخاري)

 أيها الأخوة: إن منهج التضييق والتشدد من الغلو المذموم انتهاجه في أمر الناس سواء كان إفتاء أو تعليم أو تربية أو غير ذلك، وقد يهون الأمر إذا كان في خاصة نفسه دون إلزام الناس به، ولكن الأمر يختلف عندما يتجاوز ذلك إلى الأمر به والإلزام به، ويمكن إبراز بعض ملامح هذا المنهج في أمر الفقه بما يلي:
 أولاً – التعصب للمذهب أو للرأي أو لعالم من العلماء، تقوم حقيقة التعصب على اعتقاب المتعصب أنه قبض على الحق النهائي في الأمور الاجتهادية فيؤدي إلى انغلاق في النظر وحسن ظن بالنفس، وتشنيع على المخالف والمنافق، مما يولد منهجاً متشدداً يتبعه الفقيه أو المفتي بإلزام الناس بمذهبه في النظر وتحريم غيره من الآراء والمذاهب، مما يوقعه وإياهم في الضيق والعنت بالانغلاق على هذا القول أو ذاك المذهب دون غيره من الآراء والمذاهب الراجحة.
 أيها الأخوة: يقول الإمام أحمد رحمه الله من أفتى الناس ليس ينبغي أن يحملهم على مذهبه ويشدد عليهم، مع العلم بأن مذهب جمهور العلماء عدم إيجاب الالتزام بمذهب معين في كل ما يذهب إليه من قول.
 أيها الأخوة: يقول ابن تيمية رحمه الله: وإذا نزلت بالمسلم نازلة يستفتي من اعتقد أنه يفتيه بشرع الله ورسوله من أي مذهب كان، ولا يجب على أحد من المسلمين تقليد شخص بعينه من العلماء في كل ما يقول، ولا يجب على أحد من المسلمين تقليد شخص بعينه من العلماء في كل ما يقول، ولا يجب على أحد من المسلمين التزام مذهب شخص معين غير الرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما يوجبه ويخبر به، بل كل أحد من الناس يؤخذ منه ويرد عليه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والناظر في أحوال الناس المعاصرة وما أصابها من تغير وتطور لم يسبق له مجتمع من قبل مع ما فيه من تشابك وتعقيد يتأكد لديه أهمية معاودة النظر في كثير من المسائل الفقهية التي بنيت على التعليل بالمناسبة أو قامت على دليل المصلحة أو العرف السائد كالمعاملات المعاصرة من أنواع البيوع والثاني والضمانات والحوالات وغيرها، أو كفتاوى الأزمات والحروب كالتي تمر بالأمة في هذه الأوقات، وقد يكون التمسك بنصوص بعض الفقهاء وشروطهم التي ليس فيها دليل من نص صريح أو إجماع من التضييق والتشدد الذي ينافي يسر الإسلام وسماحته، وخصوصاً إن احتاج الناس لمثل هذه القضايا أو المعاملات التي تدخل في كثير من الأحيان في باب الضرورة أو الحاجة الملحة، من ذلك مثلاً:
 ما نراه في مجتمعنا المعاصر من شدة الحاجة لمعرفة بعض الأحكام أحكام المعاملات المعاصرة التي تنزل بحياة الناس ولهم فيها حاجة ماسة أو مرتبطة بمعاشهم الخاص من غير انفكاك والأصل الشرعي فيها الحل، وقد يطرأ على تلك المعاملات ما يخل بعقودها مما قد يقربها نحو المنع والتحريم فقد يعمد الفقيه بتغليب جهة الحرمة والمنع في أمثال تلك العقود التي تشعبت في حياة الناس مع أن الأصل في العقود الجواز والصحة والأصل في المنافع الإباحة.
 أيها الأخوة: عندئذ يصبح حال أولئك الناس إما بحثاً عن الأقوال الشاذة والمرجوحة فيقلدونها وليعدموها، وإما ينبذون التقيد بالأحكام الشرعية في معاملاتهم وهي الطامة الكبرى ولو وسع الفقهاء على الناس في أمثال تلك العقود وضبطوا لهم صور الجواز واستثنوا منها صور المنع، ووضعوا لهم البدائل الشرعية خيرا لهم من أن يحملوا الناس على هذا المركب الخشن من المنع العام والتحريم التام لكل تلك العقود النازلة، ومن الأمثلة في هذا المجال أيضاً ما يقع في الآونة الأخيرة أيام الحج من تزايد مطرد من أعداد الحجاج وما ينجم عنه من تزاحم عنيف ومضايقة شديدة أدت على تغير اجتهاد كثير من العلماء والمفتين في كثير من المسائل ومخالفة المشهور من المذاهب تخفيفاً على الناس من الضيق والحرج، وكم سيحصل للناس من شدة وكرب لو تمسك أولئك العلماء بأقوال أئمتهم أو أفتوا بها دون اعتبار بتغير الأحوال والظروف واختلاف الأزمنة والمجتمعات، فرمي الجمار في أيام التشريق يبدأ من زوال الشمس حتى الغروب وعلى رأي الجمهور لا يجزئ الرمي بعد الغروب، ومع ذلك اختار كثير من المحققين وجهات الإفتاء جواز الرمي ليلاً مراعاة للسعة والتيسير على الحجاج من الشدة والزحام، ولعل الداعي يتأكد لمعاودة النظر في حكم الرمي قبل الزوال وخصوصاً للمتعجل في اليوم الثاني من أيام التشريق لما ترتب على الرمي بعد الزوال في السنوات الماضية من ضيق وحرج شديد ولا يخفى أن القاعدة في أعمال الحج كما أنها قائمة على اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم هي قائمة أيضاً على رفع الحجر والتيسير وقد أفتى بالجواز بعض الأئمة من التابعين وهو مذهب الأحناف.
 أيها الأخوة: ظاهرة أخرى من ظواهر منهج التشدد إنها التمسك بظاهر النص فقط، إن تعظيم النصوص وتقديمها أصل ديني ومطلب شرعي، ولا يصح للمجتهد نظر إذا لم يأخذ بالنصوص ويعمل بها، ولكن الانحراف يحصل بالتمسك بظواهر النصوص فقط دون فقهها ومعرفة مقصد الشرع منها، ومما يدل على وجود هذا الاتجاه ما ذكره بعضهم بقوله وقد ظهر في عصرنا من يقول: يكفي الشخص لكي يجتهد في أمور الشرع أن يقتني مصحفاً مع سنن أبي داوود وقاموس لغوي.
 أيها الأخوة: هذا النوع من المتطفلين لم يشموا رائحة الفقه فضلاً أن يجتهدوا فيه وقد سموا بالظاهرية الجدد ‍، أو المدرسة النصية الحرفية، وجلهم ممن اشتغلوا بالحديث، ولم يتمرسوا بالفقه وأصوله ولم يطلعوا على اختلاف الفقهاء ومداركهم في الاستنباط، ولا يكادون يهتمون بمقاصد الشريعة وتعليل الأحكام بتغير الزمان والمكان والحال،وهؤلاء أقرب شيء إلى ألسنتهم وأقلامهم إطلاق كلمة التحريم دون مراعاة لخطورة هذه الكلمة، ودون تقديم للأدلة الشافية من نصوص الشرع وقواعده سنداً للتحريم، لقد حملوا الناس على أشد مجال التكليف والله عز وجل قد حذر من ذلك حيث قال سبحانه:

﴿ وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ(116)﴾

(سورة النحل)

 فكم من المعاملات المباحة حرمت، وكم من أبواب العلم والمعرفة أوصدت وكم من أقوام أخرجوا من الملة زاعمين في ذلك كله مخالفة القطعي من النصوص والثابت من ظاهر الأدلة وليس الأمر كذلك عند العلماء الراسخين.
 يقول الإمام القيم رحمه الله تعالى: لا يجوز للمفتي أن يشهد على الله ورسوله بأنه حل كذا أو حرم كذا أو أوجب كذا أو كره كذا إلا لما يعلم أن الأمر فيه كذلك مما نص الله ورسوله على إباحته أو تحريمه أو إيجاده أو كراهيته.
 أيها الأخوة: قال غير واحد من السلف ليحذر أحدكم أن يقول: حل الله كذا أو حرم كذا فيقول الله له: كذبت لم أحل كذا ولم أحرم كذا، وهذا التحذير من إصدار أحكام الله تعالى من دون علم راسخ لا شك أنه يفضي على إعنات الناس والتشديد عليهم بما ينافي سماحة الشريعة ورحمتها بالخلق وقد وقع في العصور الأخيرة من كفر المجتمعات والحكومات حتى جعلوا فعل المعاصي سبب للخروج عن الإسلام.
 أيها الأخوة: إن هذا المنهج القائم على النظر الظاهر بالنصوص دون معرفة دلالاتها أعنت الأمة وأوقع المسلمين في الشدة والحرج ولعله امتداد للخوارج في تشديدهم وتضييقهم على أنفسهم وعلى الناس، أو لعلهم الظاهرية في شذوذهم نحو بعض الأفهام الغريبة والآراء العجيبة.
 أيها الأخوة: من ظواهر هذا المنهج المتشدد الغلو في سد الذرائع والمبالغة في أخذ الاحتياط عند كل خلاف، دلت النصوص الكثيرة على اعتبار سد الذرائع والأخذ به حماية لمقاصد الشريعة وتوثيقاً للأصل العام الذي قامت عليه الشريعة من جلب المصالح ودرأ المفاسد، ولله در ابن القيم رحمه الله تعالى إذا يقول: فإذا حرم الرب تعالى شيء وله طرق ووسائل تفضي إليه فإنه يحرمها ويمنع منها تحقيقاً لتحريمه وتثبيتاً له ومنعاً من أن يقرب حماه، ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه لكان ذلك نقصاً للتحريم وإغراء للنفوس به، ويحدث الإشكال في اعتبار قاعدة سد الذرائع عندما تئول المبالغة للأخذ بها إلى تعطيل مصالح راجحة مقابل مصلحة أو مفسدة متوهمة يظنها الفقيه، فيغلق الباب إساءة للشرع من حيث لا يشعر كمن ذهب إلى منع زراعة العنب خشية اتخاذه خمراً،والمنع من المجاورة في البيوت خشية الزنى فهذه الأمثلة وغيرها اتفقت الأمة على عدم الأخذ بها، لأن مصلحة راجحة لا تترك لمفسدة مرجوحة أو متوهمة وقد يحصل لبعض متفقهة العصر الحاضر المبالغة في رفض الاقتباس من الأمم الأخرى فيما توصلت إليه من أنظمة وعلوم ومعارف ومخترعات معتبرين ذلك من الإحداث في الدين والمخالفة لهدي سيد المرسلين.
 أيها الأخوة: والناظر في مجال الاقتصاد والطب يرى أنها في غالبها قادمة من دول كافرة، وأما تعليم الحكم بالرفض بناء على مصدره ومنشأه تحجر وتضييق ولا تزال ترد على الناس من المستجدات والوقائع بحكم اتصالهم بالأمم الأخرى من العادات والنظم ما لو أغلق المفتي فيه على الناس الحكم وشدد من غير دليل وحجة لانفض الناس من حول الدين وغرقوا قي المعاصي والآثام من غير حاجة للسؤال.
 أيها الأخوة الكرام: ومن ملامح منهج التضييق والتشدد الأخذ بالاحتياط عند كل مسألة خلافية ينهج فيها المفتي نحو التحريم أو الوجوب سداً لذريعة التساهل في العمل بالأحكام أو منعاً من الوقوع في أمر فيه نوع من الشبهة يخشى أن يقع المكلف فيه، ويجري هذا الحكم عاماً شاملاًُ لكل أنواع الناس والأحوال والظروف، فمن ذلك منع عمل المرأة ولو بضوابطه الشرعية ووجود الحاذق إليه، ومن ذلك تحريم كافة أنواع التصوير مع شدة الحاجة إليه في أوقاتنا المعاصرة إلى غيرها من المسائل التي أثبت جمهور العلماء جوازها بالضوابط والشروط الصالحة لذلك.
 أيها الأخوة: يجب التنبيه في هذا المقام على أن العمل بالاحتياط سائغ في حق الإنسان في نفسه لما فيه من الورع واطمئنان القلب أما إلزام العامة به واعتباره منهجاً في الفتوى فإن ذلك مما يفضي على وضع الحرج عليهم.
 أيها الأخوة: قاعدة استحباب الخروج من الخلاف ليست على إطلاقها بل اشترط العلماء في استحباب العمل بها شروطاً هي كالتالي أن لا يؤدي الخروج من الخلاف على الوقوع في محظور شرعي من ترك سنة ثابتة أو اقتحام مكروه أو ترك العمل بقاعدة مقررة، ألا يكون دليل المخالف معلوم الضعف فهذا الخلاف لا يلتفت إليه، ألا يؤدي الخروج من الخلاف على الوقوع في خلاف آخر، ألا يكون العامل بالقاعدة مجتهداً، فإن كان مجتهداً فلم يجوز له الاحتياط في المسائل التي يستطيع الاجتهاد فيها بل ينبغي عليه أن يفتي الناس بما رجح عنده من الأدلة والبراهين.
 أيها الأخوة: يقول أحد الباحثين في بيان بعض آثار العمل بالاحتياط في كل خلاف حصل ووجه الشبه في معارضة هذه القاعدة لرفع الحرج هو أنه إذا كان وجوب الاحتياط يعني وجوب الإتيان بجميع محتملات التكليف أو اجتنابها عند الشك بها فإن في ذلك تكسيراً للأفعال التي سيأتي بها المكلف أو سيجتنبها، وفي هذه الزيادة في الأفعال ما لا يتلاءم مع إرادة التخفيف والتيسير ورفع الحرج.
 أيها الأخوة الكرام: ننتقل لمنهج آخر فيه غلو ألا وهو منهج المبالغة في التساهل والتيسير، ظهر ضمن مناهج الفقه منهج المبالغة والغلو في التساهل والتيسير وتعد هذه المدرسة في النظر والفتوى ذات انتشار واسع على المستوى الفردي والمؤسسي خصوصاً أن طبيعة عصرنا الحاضر قد طغت فيه المادية على الروحية، والأنانية على الغيرية والنفعية على الأخلاق وكثرت فيه المغريات بالشر والعوائق عن الخير وأصبح القابض على دينه كالقابض على الجمر حيث تواجهه التيارات الجاهلة عن يمين وشمال تحاول إبعاده عن دينه وعقيدته ولا يجد من يعينه بل ربما يجد من يعوقه، وأمام هذا الواقع دع الكثير من الفقهاء إلى التيسير ما استطاعوا في الفتوى والأخذ بالرخص في إجابة المستفتين ترغيباً لهم وتثبيتاً على الطريق القويم، ولا شك أن هذه دعوة مباركة قائمة على مقصد شرعي عظيم من مقاصد الشريعة العليا وهو رفع الحرج وجلب النفع للمسلم ودرء الضرر عنه في الدارين ولكن الوقع المعاصر لأصحاب هذا التوجه يشهد أن هناك بعض التجاوزات في اعتبار التيسير والأخذ بالرخص وربما وقع أحدهم في رد بعض النصوص وتأويلها بما لا تحتمل وجهاً في اللغة أو في الشرع، وضغط الواقع ونفور الناس عن الدين لا يسوغ التضحية بالثوابت والمسلمات أو التنازل عن الأصول والقطعيات مهما بلغت المجتمعات من تغير وتطور فإن نصوص الشرع جاءت صالحة للناس في كل زمان ومكان.
 أيها الأخوة: يقول الشيخ محمد طاهر رحمه الله تعالى في ذلك: فعلوم الشريعة لسائر البشر في سائر العصور مما أجمع عليه المسلمون وقد أجمعوا على أنها مع عمومها صالحة للناس في كل زمان ومكان ولم يبينوا كيفية هذه الصروحية وهي تحتمل كيفيتين الكيفية الأولى أن هذه الشريعة قابلة بأصولها وكلياتها للانطباق على مختلف الأحوال بحيث تساير أحكامها مختلف الأحوال دون حرج ولا مشقة ولا عسر، والكيفية الثانية أتن يكون مختلف أحوال العصور والأمم قابلاً للتشكيل على نحو أحكام الإسلام من دون حرج ولا مشقة ولا عسر كما أمكن تغير الإسلام لبعض أحوال العرب والفرس والقبط والبربر والروم والتتار والهنود من غير أن يجدوا حرجاً ولا عسراً في الإقلاع عما نزعوه من قديم أحوالهم الباطلة، فمن الخطأ والخطر تبرير الواقع والمبالغة في الفقه والتيسير بالأخذ بأي قول والعمل بأي اجتهاد دون اعتبار الحجة والدليل مقصداً مهماً للنظر والاجتهاد، ولعل من الدوافع لهذا الاتجاه الاجتهادي أن أصحاب هذه المدرسة يريدون إطفاء الشرعية على هذا الواقع بالتماس تخريجات وتأويلات شرعية تعطيه سنداً للبقاء وقد تكون مهمتهم تبرير أو تمرير ما يراد إخراجه للناس من قوانين أو قرارات أو إجراءات تريدها السلطة، ومن هؤلاء من يفعل ذلك مخلصاً مقتنعاً لا يبتغي زلفى لحد ولا مكافأة من ذي سلطان ولكنه واقع تحت تأثير الهزيمة النفسية أمام حضارة الغرب وفلسفاته ومسلماته، ومنهم من يفعل ذلك رغبة في دنيا يملكها أصحاب السلطة أو من ورائهم من الذين يحركون الأجرام من وراء الستار، أو حباً للظهور والشهرة على طريقة خالف تعرف إلى غير ذلك من عوامل الرغب والرهف أو الخوف والطمع التي تحرك كثيراً من البشر وإن حملوا ألقاب أهل العلم وألبسوا لبوس أهل الدين.
 أيها الأخوة: لا يخفى على أحد ما لهذا التيار الاجتهادي من آثار سيئة على الدين وحتى على تلك المجتمعات التي هم فيها فهم قد أزالوا من خلال بعض الفتاوى الفوارق بين المجتمعات المسلمة وغير المسلمة بحجة مراعاة التغير في الأحوال والظروف عما كانت عليه في القرون الأولى.
 أيها الأخوة الكرام: يمكن أن نبرز أهم ملامح هذا الاتجاه فيما يلي:
 أولاً الإفراط في العمل بالمصلحة ولو عارضت النصوص، إن المصلحة المعتبرة شرعاً ليست بذاتها دليلاً مستقلاً بل هي مجموع جزئيات الأدلة التفصيلية من القرآن والسنة التي تقوم على حفظ الكليات الخمس فيستحيل عقلاً أن تخالف المصلحة مدلولها أو تعارضه، وقد أثبتت حجية المصلحة عن طريق النصوص الجزئية فيكون ذلك من قبيل معارضة المذلول لذليله إذا جاء بما يخالفه وهذا باطل.
 فالمصلحة عند العلماء ما كانت ملائمة لمقاصد الشريعة لا تعارض نصاً أو إجماعاً مع تحققها يقيناً أو غالباً، أما لو خالفت ذلك فلا اعتبار بها عند عامة الفقهاء والأصوليين، وواقع الإفتاء المعاصر جنح فيه بعض الفقهاء والمفتيين إلى المبالغة في العمل بالمصلحة، ولو خالفت الدليل المعتبر ومن ذلك ما أفتى به المفتي السابق لجمهورية مصر العربية من جواز الفوائد المصرفية مع معلومية الربا فيها، ومخالفته للنصوص والإجماع المحرم للربا قليله وكثيره، وظهر في الآونة الأخيرة بعض الفتاوى التي أباحت بيع الخمر من أجل مصلحة البلاد لاستقطاب السياحة وأباحت الإفطار في رمضان من أجل ألا تعطل مصلحة الأعمال في البلاد، وأباحت التعامل بالربا من أجل تنشيط الحركة التجارية والنهوض بها، وأباحت الجمع بين الجنسين في مرافق المجتمع بما فيه من تهريب للأخلاق وتخفيف للميل الجنسي بينهم، وبعضها جوزت التسوية بين الأبناء والبنات في الميراث، بل وبعضها جوزت أن تمثل المرأة وتظهر في الإعلان بحجة التكيف مع تطورات العصر بفقه جديد وفهم جديد وكل هذه وغيرها خرجت بدعوة العمل بمصلحة ومواكبة الشريعة لمستجدات الحياة.
 أيها الأخوة: ومن مظاهر هذا المذهب المغالي في التيسير والتسهيل تتبع الرخص والتلفيق بين المذاهب، الرخص الشرعية الثابتة بالقرآن والسنة لا بأس في العمل بها، لقول النبي عليه الصلاة والسلام:

((إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه.))

(ورد في الأثر)

 أما تتبع رخص المذاهب الاجتهادية والجري ورائها دون حاجة يضطر إليها المفتي والتنقل من مذهب إلى آخر والأخذ بأقوال عدد من الأئمة في مسألة واحدة بغية الترخص فهذا المنهج قد كرهه العلماء وحذروا منه، وإمامهم في ذلك النبي عليه الصلاة والسلام لما قال:

(( إني أخاف عليكم ثلاثاً وهي كائنات ذلة عالم وجدال منافق بالقرآن ودنيا تفتح عليكم، فذلة العالم محفوفة بالخطر لترتب ذلة العالم عليها.))

(ورد في الأثر)

 فمن تتبع ذلة العلماء اجتمع فيه الشر كله، ومن ملامح مدرسة التساهل والغلو في التيسير التحايل الفقهي على أوامر الشرع، وقد جاء النهي في السنة عن هذا الفعل حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم:

((لا ترتكبوا ما ارتكب اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى حيلة.))

(ورد في الأثر)

 وعلى ذلك اتفق أكثر أهل العلم على عدم تجويزه وفي ذلك يقول بعض الأئمة لا ينبغي للمفتي إذا كان في المسألة قولان أحدهما فيه تشديد والآخر فيه تخفيف أن يخفي للعامة بالتشديد وللخواص من ولاة الأمور بالتخفيف وذلك قريب من الفسوق والخيانة في الدين والتلاعب بالمسلمين ودليل على فراغ القلب من تعظيم الله تعالى وإجلاله وتقواه وعمارته باللعب وحب الرياسة والتقرب إلى الخلق دون الخالق نعوذ بالله من صفات الغافلين، وقد حكى أبو الوليد رحمه الله عن أحد أهل زمانه أخبره أنه وقعت له واقعة فأفتاه جماعة من المفتين بما يضره وكان غائباً، فلما حضروا قالوا لم نعلم أنها لك وأفتوه بالرواية الأخرى قال: وهذا مما لا خلاف بين المسلمين المعتد بهم في الإجماع أنه لا يجوز، وقد وقع كثير من الفقهاء المعاصرين بالإفتاء في جواز كثير من المعاملات المحرمة، تحايلاً على أوامر الشرع كصور بيع العينة المعاصرة ومعاملات الربا المصرفية أو التحايل على إسقاط الزكاة أو الإبراء من الديون الواجبة أو ما يحصل في بعض البلدان من تجويز الأنكحة العرفية تحايلاً على الزنى أو تحويل المرأة لزوجها بعد مباينته لها بالطلاق وكل ذلك وغيره من التحايل المذموم في الشرع.
 وختاماً لهذا الموضوع وتلخيصاً له نقرر: أن الشريعة الإسلامية شريعة تتميز بالوسطية واليسر ولذا ينبغي للناظر في أحكام النوازل من أهل الفتية والاجتهاد أن يكونوا على الوسط المعتدل بين طرفي التشدد والانحلال، كما قال الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى: المفتي البالغ ذروة الدرجة هو الذي يحمل الناس على المعهود الوسط فيما يليق بالجمهور فلا يذهب بهم مذهب الشدة ولا يلين بهم إلى طرف الانحلال، فإنه قد مر أن مقصد الشارع من المكلف الحمل على التوسط من غير إفراط ولا تفريط، فإذا خرج عن ذلك في المستفتين خرج عن قصد الشارع و لذلك كان من خرج عن المذهب الوسط مذموماً عند العلماء الراسخين، فإن الخروج إلى الأطراف خارج عن العدل ولا تقوم به مصلحة الخلق، أما طرف التشديد فإنه مهلكة، وأما طرف الانحلال فكذلك أيضاً، لأن المستفتي إذا ذهب به مذهب العنت والحرج بغض إليه الدين وأدى إلى الانقطاع عن طريق سلوك الآخرة، وهو مشاهد، وأما إذا ذهب به مذهب الانحلال كان مظنة للمشي على الهوى والشهوة، والشرع إنما جاء بالنهي عن الهوى، والأدلة كثيرة.
 أيها الأخوة الكرام: لعل ما ذكرناه من ملامح للمناهج الأخرى المتشددة والمتساهلة كان من أجل أن يتبين لنا من خلالها المنهج المعتدل وذلك أن الأشياء قد تعرف بضدها وتتمايز بنقائضها، وقد أجاز بعض العلماء للمفتي أن يتشدد في الفتوى على سبيل السياسة لما هو مقبل على المعاصي متساهل فيها، وأن يبحث عن التيسير والتسهيل على ما تقتضيه الأدلة لمن هو مشدد على نفسه أو غيره ليكون مآل الفتوى أن يعود المستفتي إلى الطريق الوسط ولذلك ينبغي للمفتي أن يراعي حالة المستفتي أو واقع النازل فيسير في نظره نحو الوسط المطلوب باعتدال لا إفراط فيه نحو التشدد ولا تفريط فيه نحو التساهل وفق مقتضى الأدلة الشرعية وأصول الفتية، وما أحسن ما قاله الإمام سفيان الثوري رحمه الله تعالى: إنما العلم عندنا الرخصة من ثقة فأما التشدد فيحسنه كل أحد والظاهر أنه يعني تتبع مقصد الشارع بالأصل الميسور المستند إلى الدليل الشرعي، ولا شك أن هذا الاتجاه هو اتجاه أهل العلم والورع والاعتدال وهي الصفات اللازمة لمن يتعرض للفتوى ولمن يتعرض للتحدث باسم الشرع وخصوصاً في هذا العصر، فالعلم هو العاصم من الحكم بالجهل والورع هو العاصم من الحكم بالهوى، والاعتدال هو العاصم من الغلو والتفريط وهذا الاتجاه هو الذي يجب أن يسود وهو الاجتهاد الشرعي الصحيح، وهو الذي يدعو إليه أئمة العلم المصلحون.
 أيها الأخوة الكرام: أشكر حضوركم وإصغائكم لهذا الموضوع، وأسأل الله جل جلاله أن ينفعنا به جميعاً وإلى لقاء آخر، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018