بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

مختلفة - سوريا - الدرس : 32 - جامع عبد الغني - المنهج الإسلامي وأساسيات الدين أمام ضيوف من اليابان1.


2003-08-02

 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، اسمي الدكتور محمد راتب النابلسي، أستاذ محاضر في كلية التربية في جامعة دمشق، تتميز دعوتي بأنها تأخذ طابعاً علمياً وطابعاً موضوعياً ومتوازناً، وأنطلق من دعوتي من أن الإنسان أكرم مخلوق في الدنيا، الإنسان أي إنسان وأن له صانعاً عظيماً، وأن لهذا الصانع تعليمات كأية آلة أمامنا معها تعليمات التشغيل والصيانة، والإنسان حينما يقتني آلة غالية الثمن عظيمة النفع دقيقة الصنع يحرص على سلامتها ومردودها، إذا يتبع تعليمات الصانع، لأن الجهة الصانعة هي وحدها ينبغي أن تتبع تعليماتها، الصانع لأنه خبير ينبغي أن تتبع تعليماته، على سطح الأرض في القارات الخمس ستة آلاف مليون إنسان كلهم من دون استثناء يحرصون على سلامتهم وسعادتهم، والإنسان يشقى حينما لا يعرف سر وجوده وغاية وجوده، لأن الإنسان يحب وجوده وسلامة وجوده ويحب كمال وجوده ويحب استمرار وجوده، فمن أجل كل هذا ينبغي أن يعلم الحقيقة المطلقة في الكون، لو أن واحداً سافر لبلد ونزل في إحدى فنادقه واستيقظ في صبيحة اليوم الأول وسأل إلى أين أذهب ؟ نسأله نحن: لماذا جئت إلى هنا ؟ إذا كنت جئت طالب علم اذهب إلى المعاهد والجامعات، وإذا جئت طالب تاجراً اذهب إلى المعامل والمؤسسات، وإن جئت سائحاً اذهب إلى المتاحف والمتنزهات، ماذا نستنبط من هذا ؟ لا تصح حركة الإنسان في الحياة إلا إذا عرف سر وجوده وغاية وجوده، كما أن الإنسان لا يسعد إلا إذا جاءت حركته في الحياة مطابقة لهدفه، الإنسان ما من صفة من صفاته إلا وفي الحيوان ما يفوقه بها إلا العقل ! الإنسان إذا فكر في هذا الكون في المجرات في الشمس والقمر في الليل والنهار في الأطيار في الأسماك في المياه في الجبال في الصحارى في خلقه في خلق الحيوان في خلق الكائنات عقله يوصله إلى أن لهذا الكون إلهاً، هذا الخالق الذي خلق هذا الكون لماذا خلق الإنسان ؟ إذا كان خلقه للدنيا فالدنيا قصيرة، وفي الدنيا قوي وضعيف غني وفقير صحيح ومريض جميل وذميم ذكي وغبي، هذا التفاوت في صفات الإنسان لا يقبل ولا يفهم إذا كانت الدنيا هي كل شيء وليس شيء بعدها، لابد من حياة بعد هذه الحياة تسوى فيها الحسابات، إنك إن فكرت في هذا الكون تجد خالقاً عظيماً كاملاً في كل شيء، فلماذا جعل حياة الإنسان قصيرة ؟ فضلاً عن أنها قصيرة يوجد قوي وضعيف، ما ذنب الضعيف ؟ يوجد غني وفقير ما ذنب الفقير ؟ يوجد صحيح ومريض ما ذنب المريض ؟ هذه المفارقة في الحظوظ تقتضي حياة فانية تسوى فيها الحسابات، البشر جميعاً من أب واحد وأم واحدة ولهم إله واحد ولهم منهج واحد وفطرة واحدة، لكن البشر لجهلهم وتنافسهم على الدنيا افترقوا وتحاربوا وظلم بعضهم بعضاً، الله جل جلاله خالق الأكوان منح كل البشر نعمة الوجود، ومع نعمة الإيجاد وهبهم نعمة الإمداد، أمدهم بأرض فيها كل حاجاتهم، وصنع لهم طعاماً وشراباً، وجعلهم ذكوراً وإناثاً وجعلهم شعوباً ليتعارفوا ويتعاونوا، وإن أكرم الناس عند الله أحسنهم للناس، ومن أجل أن يعرف الإنسان الحقيقة منحه نعمة العقل، ويمكن للإنسان أن يعرف الحقيقة المطلقة أو حقيقة وجود الله بعقله، فالصنعة تدل على الصانع، والخلق يدل على الخالق، والنظام يدل على المنظم، والحكمة تدل على الحكيم، والإنسان مسؤول عن أعماله لأن الله وهبه العقل، لكن الناس بعضهم يستخدمون العقل لمعرفة الحقيقة ومعرفة سر وجودهم، وبعضهم يستخدم العقل لجمع المال فقط، فينبغي أن نستخدم العقل لما خلق له، وخلقه بفطرة أو جبلة راقية جداً، نفس الإنسان مبرمجة، كل البشر ستة آلاف مليون يحبون العدل والرحمة والإتقان والعفو والتواضع والإحسان هذه جبلة وفطرة في الإنسان، إذا كان العقل يدلك على خالق الأكوان فالفطرة تدلك على خطأك، لو أن إنسان وجد في جزيرة لم يبلغ أي رسالة ولا أي توجيه ولا أي دين يعرف أن لهذا الكون خالقاً بعقله ويعرف خطأه بفطرته.
 هذا الكون بسماوات وأرضه بمجراته وجباله وأنهاره وأطياره وأسماكه كل شيء في الكون يدل على الله، إذاً: الكون والعقل والفطرة من مقومات التكليف بمعرفة الله وطاعته، الإنسان أودعت فيه الشهوات، يشتهي أن يأكل، يشتهي زوجة يشتهي أن يكون علي المقام، هذه الشهوات حيادية ليست خيرة ولا شريرة كيف نستخدمها ؟ نحن نحب المال، هذا المال إما أن ننفقه في أعمال الخير فنرقى، وإما أن ننفقه في أعمال الشر فنسقط ن فحب المال حيادي، لا خير ولا شرير، الإنسان يشتهي المال والمرأة وبيت ومركبة هذه شهوات يشتهي أن يكون عظيماً هذه الشهوات حيادية إما أن نرقى بها وإما أن نسقط بها، كالبنزين في السيارة إذا وضع في مستودعات محكمة وسال في أنابيب محكمة وانفجر في المكان والوقت المناسب ولّد حركة نافعة نقلتنا لمكان جميل، أما إذا صبّ على السيارة أعطي عود ثقاب فأحرقها ‍‍‍!!! فالشهوة قوة محركة أو قوة مدمرة، الشهوة ممكن أن تتحرك فيها مائة وثمانين درجة لكن المنهج الإلهي أعطاك سبعين درجة فقط، وما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا جعل لها قناة نظيفة تسري خلالها، ليس في الدين حرمان لكن يوجد نظام، إن كنت تمشي في حقل ورأيت لوحة كتب عليها حقل ألغام انفجار ممنوع الاقتراب هل تحقد على واضع هذه اللوحة أم تشكره ؟ هل تعد هذه اللوحة حداً لحريتك أم ضماناً لسلامتك ؟ هكذا الدين، تعليماته ليست حداً لحرية الإنسان ولكنها ضمان لسلامته.
بقي شيء: الإنسان هو المخلوق الأول رتبة خلق الله المخلوقات وجعل الإنسان أعلى هذه المخلوقات لكنه أعطاه حرية، حرية الاختيار، لا يثمّن عمله ولا قيمة لعمله إلا إذا كان حراً، وسوف يدفع ثمن اختياره، إذا اختار الحق يأخذ النتيجة، إن اختار الباطل يدفع الثمن، إن اختار أن يكون محسناً يأخذ النتيجة من الله، وإن كان مسيئاً يدفع الثمن، الدنيا محدودة جداً أمام الآخرة، لو وضعنا واحد في الأرض أصفار للشمس بين الشمس والأرض مائة وخمسين مليون كيلو متر ! كل ميلي صفر كم هذا الرقم ؟ هذا الرقم ضعه صورة لكسر المخرج لا نهاية قيمته صفر !!! لذلك الدنيا قصيرة جداً ومحدودة، لكن الإنسان خلق للآخرة التي لا تنتهي، الإنسان إذا آمن بالله يؤمن أنه مخلوق للآخرة.
 أذكر أن الميكادو - ميكادو اليابان في بداية النهضة أرسل طلاب لأوروبا ليدرسوا فلم يدرسوا فأعدمهم جميعاً حينما ذهبوا إلى هناك نسوا الغاية من وجودهم في أوروبا فكان تأديبهم لكل الطلاب ! قال الشاعر:

هكذا الميكادو قد علمنا  أن نرى للأوطان أماً وأباً
ملـك يكفيك منه أنـه  أيقظ الشرق فهز المغرب
***

 هذا شعر عربي عن الميكادو ! أهل الأرض على اختلاف مللهم وأديانهم وأعراقهم وأجناسهم و ألوانهم نموذجان رجلان ! واحد عرف الله فانضبط بمنهجه وتعليماته فأحسن لخلقه فسعد في الدنيا والآخرة، والثاني ما عرف الله تفلت من منهجه أساء لخلقه فشقي في الدنيا والآخرة هكذا الحقيقة، في النهاية الإنسان مخلوق للجنة، والثمن يدفعه في الدنيا، أن يعرف الله ويطبق تعليماته ويحسن للخلق، هذا هو الدين.
 انتهت المحاضرة – أنا مستعد لأي سؤال – وأنا أرحب بالأخوة الكرام الضيوف نشكر حضورهم واهتمامهم – ونسأل الله من أن يمكننا من أثمن ما عندنا إن شاء الله.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018