٠29برنامج الإيمان هو الخلق - قناة سوريا الفضائية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الإيمان هو الخلق - الندوة : 93 - تربية الأولاد في الإسلام : الدرس (3) الفرق بين التعليم والتعنيف ـ الضرب هو أسهل الحلول ، لكنه أسوأ النتائج ـ


2007-12-30

تقديم وترحيب :

الأستاذ علاء :
  أيها السادة المشاهدون ، أهلاً ومرحباً بكم في حلقة جديدة من برنامجكم الإيمان هو الخلق ، وهي الأخيرة في الدورة البرامجية من عام 2007 ، كل عام وأنتم بخير بمناسبة أعيادنا عيد الأضحى المبارك ، وكذلك عيد الميلاد المجيد ، ونستقبل العام الميلادي الجديد ، وبعد ذلك نستقبل العام الهجري الجديد ، مرة ثانية كل عام وأنتم جميعاً بألف خير .
 يسعدنا أن نكون بمعية الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة المطهرة .
 أهلاً وسهلاً سيدي الأستاذ .
 بكم أستاذ علاء جزاك الله خيراً .
 تسمح لنا بأن ننهي ما كنا قد بدأناه في موضوع تربية الأولاد ، في آخر محطة في هذا البرنامج ، حول ما كنا قد سلطنا الضوء عليه في تربية الأولاد ، ولزوم أن يكون الأبوان على رأس التربية ؛ مراقبة ، تغذية ، صحة ، وسلوكاً ، بكل معنى الكلمة ، وأن الأبوين عندما يكونان قد نجحا في تربية الأبناء فقد حصلا على وسام الشرف بكل معنى الكلمة ، يقول عليه الصلاة والسلام :

(( أَكْرِمُوا أَوْلَادَكُمْ وَأَحْسِنُوا أَدَبَهُمْ ))

[ أخرجه ابن ماجه عن أنس بن مالك ]

 كيف تكون طريقة التأديب سيدي الأستاذ ؟

 

هل يكون الضربُ طريقة للتأديب ؟

الدكتور راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

1 – أهمية الوالدين في تربية الأولاد :

 أستاذ علاء ، جزاك الله خيراً ، قلنا في لقاءات سابقة : إن النبي عليه الصلاة والسلام بيّن أن الأب أحياناً يهتم بطعام ابنه وشرابه ، ولكن لا يهتم بآدابه ، وخلقه ، وعقيدته وإيمانه ، فقال عليه الصلاة والسلام :

(( كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت ))

[ أخرجه الحاكم ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]

 وكأن الله سبحانه وتعالى جعل نظام الأبوة نظاماً متكاملاً ، فهذا الابن يحتاج إلى ابن واعٍ يربيه على مبادئ ، وعلى قيم ، وعلى أخلاق ، وعلى عادات ، وتقاليد ، تسهم في مجموعها في بناء الأمة .

 

2 – العنف ليس وسيلة للتربية :

 هذا اللقاء مخصص للوسائل ، هناك تعليم ، وهناك تعنيف هناك قسوة وضرب ، وهناك إقناع ولين ، على كلٍ النبي عليه الصلاة والسلام بيّن في قوله الشريف :

(( علموا ولا تعنفوا ، فإن المعلم خير من المعنف ))

[ أخرجه الحارث عن أبو هريرة ]

 وسأستعرض في هذا اللقاء الطيب بعض الآثار السلبية للتعنيف ،

(( علموا ولا تعنفوا ، فإن المعلم خير من المعنف ))

 ومرة أرسل خادماً فأطال الغياب ، فغضب النبي عليه الصلاة والسلام لأنه بشر بيده سواك ، فقال له :

(( لولا القصاص لضربتك بهذا السواك ))

[ أخرجه أبو يعلى والطبراني عن أم سلمة رضي الله عنها ]

 يبدو أن الضرب ليس وارداً إطلاقاً في سنة النبي عليه الصلاة والسلام ، والنبي عليه الصلاة والسلام ما ضرب بيده شيئا قط ، إلا أن يجاهد في سبيل الله ، ولا ضرب خادماً ولا امرأة ، هذا من شمائله صلى الله عليه وسلم .

 

3 – العنف أسهل الحلول لأسوأ النتائج :

 لكن أستاذ علاء هناك حقيقة مهمة جداً ، هي أن الضرب هو أسهل الحلول للآباء لكنه أسوأ النتائج ، بينما التربية المثالية ، الإقناع ، الإرشاد ، التوجيه ، التعليم ، يحتاج إلى جهد كبير ، لكن معه أفضل النتائج ، الضرب أسهل الإجراءات مع أسوأ النتائج ، والإقناع والتربية والإرشاد أصعب الإجراءات مع أفضل النتائج .

4 – الضرب يقلِّل فرصة الندم عند الطفل :

 الحقيقة : أن ثمة دراسات نفسية تؤكد أن الأطفال الذين يُضربون يظهرون ندماً أقلّ تجاه سلوكهم الخاطئ من الذين لا يُضربون ، والأطفال الذين يُضربون أقلّ مقاومة للإغراء ، بينما الذي لا يُضرب له مقاومة إغراء المعاصي والآثام ، كأن الضرب يعطي عكس المفعول .

5 – الضرب يقلِّل الرغبة في تحمّل المسؤولية لدى الطفل :

 شيء آخر : هم أقلُّ رغبة في تحمل المسؤولية من الأطفال الذين لا يُضربون تصرفاتهم ، وأحكامهم مرتبطة بالخوف فقط من الكشف أو العقوبة ، أكثر مما هي مرتبطة بالأخلاق والمثل العليا ، هذه دراسة دقيقة جداً .
 فالأب الذي يتوهم أنه بالضرب يحقق هدفاً فهو واهم ، من دون الضرب تحقق الأهداف .
الأستاذ علاء :
 سيدي الكريم ، من يُربَّى على السلوك ، وعلى استنهاض شخصيته ، وعلى الخلال الحميدة ، هو مقاوم لكل الإغراءات والمكاسب ، ويظهر ندماً كبيراً على ما أخطأ ، بينما الذي يُضرب مقاومته ضعيفة ، وندمه أكبر .
الدكتور راتب :

6 – الضرب يحمل آثارا عكسية :

 شيء آخر ، يُظن أن الضرب يعطي مثبطا سريعاً تجاه السلوك الخاطئ ، لكن الدراسة تؤكد أنه على المدى الطويل فإنه يحمل آثاراً عكسية مؤلمة جداً ، فالتثبيط لا يدوم طويلاً ، كالحبوب المسكنة ، هذه أيضاً دراسة أخرى .

7 – الضرب يمنع الطفل من فهم علة التأديب :

 وقال بعض العلماء : الضرب يعلم فقط ما هو غير مرغوب فيه ، أما المرغوب فيه لا يعلمه ، أخطأ فضُرب فقط ، الضرب يورث شعورًا بالغضب والإيذاء الشديدين عند الطفل ، هذا الشعور يُشحن بشحنه سلبية تمنعه أن يفهم لماذا ضُرب ، هو ضُرب فقط ، فهذا يمنع أيضاً من أن يستفيد من درس لو كان بالإقناع والتوجيه والأدلة والبراهين .

 

8 – الضرب وسيلة لتجنب العقوبة ولا تجنب الخطأ :

 شيء آخر : الضرب يعين الطفل على تعلم تجنب العقوبة فقط ، لا على تجنب الخطأ ، فقد كان الذي يعاقب غائب يرتكب الخطأ بكل راحة نفسية .
 شيء آخر : أنه أكثر الآباء حينما يضربون لا يرغبون أن يؤذوا أولادهم ، لكن الذي يحصل أن هناك أذى جسمي قد يكون طوال حياتهم ، بسبب غضب طارئ من قِبل الأب ، فالأب الذي يضرب ليس أباً بالمعنى الذي ينبغي أن يكون .
 الحقيقة أن الأب أحيانا يستخدم الضرب فلا يجدي كثيراً ، بعد حين عاد الطفل إلى ما كان عليه ، فيرفع الأب وتيرة الضرب ، وكلما رفعها ازداد الأمر خطراً ، إما بالإيذاء الجسدي ، أو بالرضّ النفسي ، هذا أيضاً مما يجب أن يتجنبه الإنسان .
الأستاذ علاء :
 عتبة الألم : نوسِّع مجال عتبة الألم بين ذروتها وقاعدتها في مسألة الضرب .
الدكتور راتب :

9 – الضرب يزيد السلوكَ المضادَّ للمجتمع :

 شيء آخر ، أن الضرب يزيد السلوك المضاد للمجتمع ، مجتمع فيه ضرب فيه سلوك مضاد للمجتمع ، هذا صار سلوكا ثابتا يألَفُه الابن .

10 – الضرب تعليم غير مباشر للعنف لدى الطفل :

 شيء آخر ، الأطفال حينما يُضربون يتعلمون بالإيحاء ، وبشكل غير مباشر أن الضرب مسموح ، ما دام أبوه يضربه إذاً : هو يضرب أخاه الأصغر ، ما دام هو الأكبر ، أو هو الأقوى ، وحينما يكبر ما دام في موقع السلطة فقد يستخدم الإيذاء المادي كوسيلة ، لأنه تعلمها منذ الصغر ، وإذا تزوج قد يضرب زوجته ، فالطفل الذي يؤدَّب بالضرب ، هذا يكتسب خبرة يتوهّمها صحيحة ، فما دام هو الأضعف يتلقى الضرب ، فإذا صار القويَّ يَضرب ، أو إذا كان أكبر في السن ، أو إذا كان في موقع قيادي معين ، أو إذا كان زوجًا ، أو يضرب أبناءه عندما يكبر ، هنا مشكلة كبيرة جداً ، العنف يعلِّم العنف .
الأستاذ علاء :
 سيدي ، هل هذا العنف يولِّد تمرداً لدى الأبناء ؟ كما تفضلت أن الطفلَ يصبح عدواً لمجتمعه ، هل يولّد تمرداً على أبويه والانتقام فيما بعد ؟
الدكتور راتب :

11 – عنف الآباء يولِّد تمرداً لدى الأبناء :

 في بعض حالات ضرب الآباء سببُها أن الابن تلقى ضرباً مبرحاً من أبيه حينما كان صغيراً .
 النقطة دقيقة ، يلاحظ علماء النفس أن هناك انخفاضًا في التطور الذهني والمعرفي لدى الأطفال الذين يُضربون ، ويلاحظ أيضاً أن الطفل بحاجة ماسة إلى أبيه ، هو مرجعه ، هو الموجه ، هو المرشد ، هو المعلم ، هو المربي ، فإذا استخدم الأب الضرب قطع هذه الصلة ، وكأن الطفل انقطع عن التربية ، والتوجيه ، والإرشاد ، الأب هو المرجع الوحيد في توجيه ابنه ، وفي تربيته ، وفي تعليمه ، وفي ، وفي ، فإذا استخدم الأب العنفَ ضد الابن انقطعت الصلة النفسية والروحية بينهما ، فإذا تولَّد في نفس الابن البغضاء من أبٍ يضرب باستمرار ، ويشتم ، ويسبّ فهو الناتج الوحيد الذي يمكن أن يتلقاه الأب من ابنه .
الأستاذ علاء :
 سيدي ، قد يخطر في بال أحد الإخوة المشاهدين الآن أن بالي مع الابن كان طويلا ، وأقنعته مرة ، واثنين ، وثلاثًا ، لكن هذا الابن يكرر الخطأ ، ويعود إلى نفس القضية ، هل تعني التربية أن نلقي بهذه المهمة مرة ، أو مرتين ، أو ثلاث مرات ، أم هي متواصلة طول العمر ؟
الدكتور راتب :

التربية تحتاج إلى نفَسٍ طويل من المربِّي :

 التربية درب طويل ، ما دام الأب قد تزوج ، ما دام الرجل قد تزوج ، يجب أن يكون في علمه الأكيد أنه بدأت مرحلة مسؤولية كبيرة ، بين يديه طفل سيكون رجلاً ، وبحسب تصرفاته معه ستبدو نفسية هذا الطفل ، إما أن يكون عضواً صالحاً في المجتمع ، أو عضواً سيئاً .
 إن الأبناء حينما يُضربون يكتسبون العنف مِن صغرهم ، وسوف يرافقهم في مستقبل حياتهم .
 شيء آخر ، أن الطفل بحاجة ماسة إلى التربية ، المربي هو الأب ، فإذا ضربه أبعده عنه ، فلذلك كأنّ الأب ألغى دوره .
الأستاذ علاء :
 حصل بينه وبين المربي حجاب .
الدكتور راتب :
 الشيء الدقيق أن هذه الأسرة التي فيها ضرب ، وتجد الأب يضرب ابنه ، الابن الأكبر إذا تلقى الضرب يضرب الأصغر ، وهكذا ، فيظهر جوٌّ من العنف في الأسرة ما دام فيها ضرب ، ودائماً الضرب لا يحل المشكلة ، بل تبدأ به المشكلة ، وعندنا قاعدة مهمة في الحياة : لا تحل المشكلة بمشكلة ، هناك مشكلة لا يكون الضربُ حلاً لها ، بل الضربُ مشكلة أخرى تضاف إلى المشكلة ، النبي عليه يقول :

(( علموا ولا تعنفوا ، فإن المعلم خير من المعنف ))

[ الجامع الصغير عن أبي هريرة بسند ضعيف ]

 مرة ثانية ، الضرب سهل ، وفيه راحة للأب ، وغيظ ، وغضب شديد ، هذا الغضب يفرغ بالضرب ، أما الضرب فيحدِث رضًّا نفسيًّا قويًّا في الطفل ، هذا الرضّ يمنعه أن يستقي من أبيه المبادئ والقيم .
الأستاذ علاء :
 سيدي الأستاذ هنالك من يشاهدنا الآن ، وربما حفظ من بعض الأحاديث ما جاء فيها الضرب وسيلة للتربية ، خاصة في مسألة الصلاة .

(( واضربوهم عليها وهم أبناءُ عشْر ))

[ أخرجه أبو داوود عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]

 هل لنا أن نشرح هذه المسألة ، كي لا يكون لَبْس ، الآن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن التعنيف ، ومن التعنيف الضرب ، لكن جاء الضرب فيما ورد في الأثر ، هل لنا أن نشرح هذه المسألة ، وهل هو الضرب المبرح ، أو هو أداة تنبيه ؟
الدكتور راتب :

 

كيف نفهم النصوص التي ورد فيها الضرب للتأديب ؟

 حينما أقول : الضرب ، أستاذ علاء ، أقصد الضرب الذي فيه إرواء للغليل ، الضرب المبرح ، الضرب مع التشفي ، لكن أحياناً يربط الأب على كتف ابنه ليشعره أنه قد أخطأ ، هذا موضوع مستثنى من هذا اللقاء ، حينما يربط الأب على كتف ابنه ، كأنه يضيف إلى كلامه إشارة ، أو إشعارا أنني غاضب عليك ، لأنك تركت الصلاة ، هذا الضرب الذي جاء في السنة النبوية المطهرة ، ضرب غير مبرح ، ضرب يتقى به الوجه ، ضرب يشير إلى رحمة في قلب الأب لا تجعله ينتقم من ابنه انتقاماً شديداً ، أنا أتحدث عن أب غاضب ، عن أب جاهل يستخدم الضرب المبرح ليروي غليله من ابنه بعد غضب شديد إثر عمل سيئ فعله الابن ، وهو جاهل في هذا .
الأستاذ علاء :
 لذلك سيدي ، انتقلت هذه المعارف الشرعية ، ثم جاءت بها العلوم الوضعية إلى المدارس ، وقد قيل : لا تكون المعرفة أن نحمل الناس على المعرفة بأسلوب غير معرفي .
الدكتور راتب :
 أحيانا يربي الإنسانُ ابنَه بأسلوب غير تربوي ، يتوهم أنه يربي ابنه ، وهو لا يربيه بهذه الطريقة .
الأستاذ علاء :
 الأستاذ في الصف أحياناً يستخدم العصا أو المسطرة ، أنا أعتقد أنها ممنوعة ، لكن هنالك بعض التجاوزات ، لكن هذه تؤدي إلى نتيجة .
الدكتور راتب :
 أنا أعتقد أنها يجب أن تمنع ، النتيجة السلبية أن الابن المضروب ، أو أن الطفل المضروب من قِبَل المعلّمين يشعر برغبة بالانتقام شديدة ، هذه واحدة ، بعدها تنخفض قيمة ذاته ، والإنسان يعيش بقيمته الذاتية ، تنخفض قيمة ذاته ، وتنخفض ثقته بنفسه نتيجة هذه الإهانات وهذا الضرب ، ولاسيما إذا كان أمام جمع غفير من الطلاب ، إذا كان معلماً ، أو أمام إخوة إذا كان الضارب أباً .

12 – الضرب هو أحدُ أسباب العزلة والأمراض النفسية :

 الآن أحد أسباب العزلة النفسية هو الضرب ، تجد هذا المضروب ينطوي على نفسه ، يخجل لأنه ألبسه أبوه ما لا يحتمل ، فلذلك من آثار الضرب النفسية الرغبة بالانتقام من الضارب ، ثم انخفاض قيمة الذات ، وعدم الثقة بالنفس ، ثم العزلة الاجتماعية .
 والضرب يؤدي إلى الاكتئاب ، والقلق ، واضطراب ما بعد الأزمة ، والضرب يرفع مستوى الكذب ، والتحايل للدفاع عن نفسه ، والضرب يرفع نسبة استخدام المؤثرات المريحة ، مثل الدخان ، قد يدخن الابن بعد الضرب ، والضرب يضعف التركيز ، فيصبح الطفل معرضًا للحوادث حتى في الطريق ، فترتفع نسبة التعرض للحوادث ، وقد ترتفع رغبته في استخدام المثبطات كالدخان مثلاً ، وترتفع نسبة الكذب عنده والحيلة ، وترتفع الكآبة عنده والقلق ، ويرغب في الانتقام ، وتضعف ثقته بنفسه ، ويصاب بالعزلة الاجتماعية ، هذه كلها من نتائج الضرب .
الأستاذ علاء :
 كثير من الناس لا يدرك أن الضرب يورث ويخلف هذه المسائل .
الدكتور راتب :
 أنا لا أشك في نياتِ الأب ، لكن الأب جاهل ، أنا أشك أنه ما تعلم ، ما درس بدهيات العلوم ، أو اتبع قول النبي عليه الصلاة والسلام ، والحقيقة إما أن تأتي من وحي السماء ، أو أن تأتي من علوم الأرض ، فبعض الدراسات النفسية الدقيقة تلتقي مع التوجيه النبوي .

(( علموا ولا تعنفوا ، فإن المعلم خير من المعنف ))

الأستاذ علاء :
 سيدي الأستاذ ، هذا الموضوع هام جدًّا ، وهذا الموضوع إن لم ينتبه له المربي إن كان الأب أو الأم ، فقد تستخدم الأم العنف ، ليس الأب فقط ، الأم تستخدم العنف مع بناتها ، مع أبنائها ، هذا الأمر يجب أن تنبه إليه بشكل واضح ، لأنه يخلف الكثير من هذه المشاكل ، و أهمها المثبطات ، والتي كما تفضلت أولها الدخان ، وآخرها لا ندري أين ، فيجب أن نوقف هذه القضية ، وأن نأخذ البدائل ، نأتي إلى البدائل .
الدكتور راتب :

 

البدائل المتاحة للتربية الصحيحة :

1 – افهمْ وجهة نظر الطفل :

 من هذه البدائل : تفهم وجهة نظر الطفل ، لماذا فعلت كذا يا بني ؟ لماذا فعلت كذا ، قد يكون له وجهة نظر أنت غائب عنها ، تصححها ، تفهم وجهة نظر الطفل الذي ارتكب هذا الخطأ ، قد يكون جاهلا .
 ذكرت قصة قبل بعضة أسابيع أن أبًا يضرب ابنه ضرباً مبرحاً لأنه لا يستجيب له ، ثم اكتشف بعد عشر سنوات أن سمعه ضعيف ، شيء مؤلم جداً ، أستاذ علاء ، افهم من ابنك لماذا فعل كذا ، هذه أول واحدة .

2 – لكل مرحلة تربوية أساليب إقناع :

 الشيء الثاني : كل مرحلة لها أساليب في الإقناع ، أحيانا بالتلقين ، وأخرى بالدليل ، و بالتوجيه ، وبالملاحظة ، ففي مرحلة من مراحل الطفولة يهوى الطفل وسائل الإقناع .
 أولاً : افهم وجهة نظره في سبب فعل هذا العمل .
 ثانياً : حاول أن تقنعه بوسائل متاحة لك ، ويفهمها تتناسب مع عمره العقلي .

3 – تعزيز السلوك الإيجابي :

 شيء آخر : تعزيز السلوك الإيجابي ، فبدل أن أضرب إن فعل كذا ، أنا أكافئه إن لم يفعل ، وهذا تعزيز السلوك الإيجابي ، أنا عوض أن أقول له : إن فعلته سأضربك ، أقول : إن لم تفعله سأكافئك ، وانتهى الأمر .

4 – التفاهم بين الزوجين :

 شيء آخر : أكثر أنواع الضرب ناتجة من خلاف زوجي ، يجب أن يكون في تفاهم بين الزوجين ، أكبر ثمرة يقطفها الأولاد أن يكون الولد مرتاحًا نفسياً ، ولما يكون الخصام الزوجي فقد يكون الابن مع أمه ، و الابن الثاني مع أبيه ، فتنشأ خلافات ، وأحياناً تمرد على الأب تأييداً للأم ، فالأب يضرب ، فلو أن الأب كان متفاهما مع زوجته ما وصل إلى هذه الحالة .
الأستاذ علاء :
 كما قلنا : الخلاف الزوجي يجب ألا يخرج خارج مخدع النوم ، وألا يسمع به الأبناء ، لأنه عندما يخرج خارج هذه الغرفة الضيقة إلى خارجها يبدأ الأولاد بالاضطراب .
الدكتور راتب :

5 – حرمان الطفل من شيء محبَّب عند التمادي في الخطأ :

 هناك شيء دقيق أستاذ علاء ، أحيانا الأب يضرب ، وما بيّن للابن أن هذا الشيء يجب ألا يفعله ، و عندنا قاعدة أصولية : لا معصية من دون تكليف ، أنت ما كلفته ، اجلس مع الابن ، وبلّغه ؛ أن يا بني هذا الشيء يزعجني ، والشيء يسيء إلى سمعتك ، يسيء إلى سمعة أسرتنا ، هذا الشيء خطأ ، هذا الشيء له مضاعفات سيئة ، بيّن ، ولما يغلط أول غلطة اعتبرها أول غلطة سهواً ، والثانية سهواً ، نبهه ، يا بني خالفت توجيهاتي ، والثانية خالفت ، الثالثة عقاب غير الضرب ، تحرمه من مبلغ من المال ، تحرمه من نزهة مثلاً ، تحرمه من شيء محبب له ، أنا أستخدم أول شيء التنبيه والوعظ والإرشاد ، وما إلى ذلك ، ثم أسجل عليه الأخطاء غير المتعمدة التي ارتكبها ، إلى أن تصبح المرة الثالثة أو الرابعة ، ساعتها اتخذ موقفًا ، لكن ما أهينه ، ما أجرحه ، ما أحطمه أمام إخوته ، بل أحرمه من شيء يحبه .
الأستاذ علاء :
 أحياناً الأولاد يحبون التحدث مع الأبوين ، وخاصة الأب ، وأن يمازحوا الأب أحياناً بحرمانه من هذه الحالة هي مؤشر .
الدكتور راتب :

6 – الحبُّ والمهابة ، لأنّ مَن أطاع عصاك فقد عصاك :

 الإعراض ، حتى قالوا : مَن أطاع عصاك فقد عصاك ، الذي يخاف مِن عصاك فهو أكبر عاصٍ لك ، البطولة أن الأب إذا أعرض عن ابنه فقط يجب أن لا يقرّ له قرار ، بطولة الأب أن يكون إعراضه فقط هو أكبر عقاب .
 دائماً الموقف العنيف سهل ، والموقف التسيبي سهل ، البطولة أن يحتار الابن في أبيه ، يحبه حباً جما ، ويهابه ، لا يكفي أن يحبه ، ينبغي أن يحبه ، وأن يهابه في الوقت نفسه .
 الشرح للطفل ، الطفل ولو كان صغيرًا ، هذا غلط يا بني ، هذا شيء حرمه الله ، هذا الكذب يزعزع مكانتك الاجتماعية ، هذا العمل يسبب لك متاعب نفسية ، هذا العمل يسبب لك أخطاء في صحتك ، الطفل يتوهمه الأب أنه صغير ، لا يفهم عليك ، تحتاج إلى متابعة ، الأب قد يوجه وانتهى الأمر ، فيرتكب الابن مخالفة بغياب أبيه ، فالتوجيه ما له قيمة ، أهم شيء المتابعة ، هي القيادة ، الآن قيادة الأسرة ، المدرسة ، المستشفى ، الجامعة ، الذي يعطي أمرًا إذا لم يتابعه إطلاقاً لا ينجح ، ولما يعطي الأب توجيها لابد أن يتابع ابنه ، يا بني أنت لمَ لم تفعل هذا . انتبه أن الأب يراقبه ، الأب يحصي علي أخطاءه ، أما إذا أعطى توجيهًا ، وما تابعه إطلاقاً فهنا المشكلة .
الأستاذ علاء :
 ألا يمكن من هذه الزاوية أن يكون هنالك متابعة بين الأم والأب ، الأب في عمله لا يعرف ماذا فعل الطفل ، بينه وبينها ، مساءً تجلس معه ، وتقول له : فعل تلك وتلك ـ هو يقدمها بالأسلوب الحسن ، ويشعره بأنه مراقب .
الدكتور راتب :

7 – تعاون الوالدين في متابعة الابناء :

 أنا أكاد أقول : الشطر الأول لنجاح تربية الأولاد تفاهم الزوج مع الزوجة ، وتبادل الأدوار بينهما ، وأحيانا هي تخفي عن الأب بموافقته هذا العمل ، وتحض ابنها على أن يدعه لئلا يعلم الأب ، فهذه الزوجة الحكيمة تعطي للأب قيمة ، وأكثر الأزواج يعطي الأب أمرًا ، تقول له : لا ، لا يزال صغيرا عليه ، تعترض الأم على الأب إذا أعطى أمرا لابنه ، الابن يضيع ، يجد أمرين متناقضين ، لذلك يتفلت منهما جميعاً .
 الحقيقة أن قضية البدائل قضية مهمة جداً ، ولكن لابد من جهد ، ونفَس طويل ، ودراسة ، وعلم ، فإذا بلغ الإنسان أعلى منصب في الأرض ، وجمع أكبر ثروة في الأرض ، وبلغ أعلى مرتبة اجتماعية ، ولم يكن ابنه كما يتمنى فهو أشقى الناس .
الأستاذ علاء :

خاتمة وتوديع :

 كنا نود أن نكمل في هذا الموضوع الشيق والهام والدقيق ، لكن الوقت أدركنا ، شكراً لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة ، شكراً على كل ما بسطت خلال ثلاث سنوات من هذا البرنامج ، وفي الموضوعات التربوية ، كنا قد بدأنا بموضوعات أخرى عقدية ، لكن في الموضوعات التربوية مر علينا سنة كاملة ، شكراً لكل ما بسطت ، وشكراً لإصغاء السادة المشاهدين ، ونتمنى أن نلتقي إن شاء الله في محطات وبرامج قادمة أخرى .
 شكراً سيدي الأستاذ .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018