٠1موضوعات علمية من الخطب
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات علمية من الخطب - الموضوع : 416 - الذباب.


2002-11-08

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

إليكم هذه المقدمة عن الصيام:

أيها الأخوة المؤمنون, إن الله جل جلاله قد امتن على عباده بموسم الخيرات, فيها تضاعف الحسنات, وتمحى السيئات, وترفع الدرجات, تتوجه فيها نفوس المؤمنين إلى مولاها, قال تعالى:

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾

[سورة الشمس الآية: 9-10]


وإنما خلق الله الخلق لعبادته, فقال تعالى:

 

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾

 

[سورة الذاريات الآية: 56]

ومن أعظم العبادات الصيام الذي فرضه على العباد, فقال:

﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾

[سورة البقرة الآية: 183]

ورغَّبهم فيه, فقال:

﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾

[سورة البقرة الآية: 184]

وأرشدهم إلى شكره على فرضه, فقال:

﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾

[سورة البقرة الآية: 185]

 

وحببه إليهم وخففه عليهم لئلا تستثقل النفوس ترك العادات وهجر المألوفات, فقال عز وجل:

﴿أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ﴾

[سورة البقرة الآية: 184]

 

ورحمهم ونأى بهم عن الحرج والضرر, فقال سبحانه وتعالى:

﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾

[سورة البقرة الآية: 184]

 

فلا عجب أن تقبل قلوب المؤمنين في هذا الشهر على ربهم الرحيم, يخافونه من فوقهم, ويرجون ثوابه, ويخشون عقابه.

إليكم هذه الأحاديث التي تشير فيها على فضيلة الصيام:

أيها الأخوة الكرام, الصوم عبادة من أجلّ العبادات, وقربة من أشرف القربات, وطاعة مباركة لها آثارها العظيمة والكثيرة, والعاجلة والآجلة؛ من تزكية النفوس, وإصلاح القلوب, وحفظ الجوارح من الفتن والشرور, وتهذيب الأخلاق, وفيها من الإعانة على تحصيل الأجور العظيمة, وتكفير السيئات المهلكة, والفوز بأعلى الدرجات.
أيها الأخوة الكرام, الصوم عمل اختصه الله من بين سائر الأعمال, فقال في الحديث القدسي الصحيح: عن أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهم, يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ اللَّهُ:

((كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ))

[أخرجه البخاري في الصحيح]

فكفى بذلك تنبيهاً على شرفه وعظم موقعه عند الله, مما يؤذن بعظم الأجر عليه، فبإضافة الله تعالى الجزاء على الصيام إلى ذاته العليا, تنبيه على عظم أجر الصيام, وأنه يضاعف عليه الثواب أعظم من سائر الأعمال، فمن صحيح مسلم: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهم عَنْه, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ, قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِلا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ, يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي, لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ, وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ, وَلَخُلُوفُ فِيهِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ))

 

[أخرجه مسلم في الصحيح]

 

 

فما ظنك أيها الأخ الكريم بثواب عمل يجزي عليه الكريم الجواد بلا حساب, قال تعالى:

﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾

[سورة يونس الآية: 58]

 

أيها الأخوة الأحباب, الإخلاص أظهر في الصيام من غيره بين العبادات، فإنه سر بين العبد وبين ربه لا يطلع عليه غيره, إذ بإمكان الصائم أن يأكل ويشرب متخفياً عن الناس, فإذا حفظ صيامه عن المفطرات ومنقصات الأجر, دل ذلك على كمال إخلاصه لربه وإحسانه العمل ابتغاء وجهه، ولذا يقول الله عز وجل في الحديث القدسي: يدع شهوته وطعامه وشرابه من أجلي، فنبه سبحانه على وجهة اختصاصه وبالجزاء عليه؛ وهو الإخلاص، والصيام جنة يقي الصائم ما يضره من الشهوات، ويجنبه من الآثام التي تجعل صاحبها عرضة لعذاب النار, وتورثه الشقاء في الدنيا والأخرى, كما قال سيد الأنام: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ, قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ عَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَبَابًا لَا نَجِدُ شَيْئًا, فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ, مَنِ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ, فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ, وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ, وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ, فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ))

[أخرجه البخاري في الصحيح]

 

ومعنى ذلك, أن الصوم قامع للشهوة, فيقي صاحبه عنة العذوبة ومخاطرها، وقال صلى الله عليه وسلم: عَنْ أَبِي صَالِحٍ الزَّيَّاتِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهم, يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ اللَّهُ:

((كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ, وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ, وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلا يَرْفُثْ وَلا يَصْخَبْ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ, فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ, وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ, لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا, إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ, وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ))

[أخرجه البخاري في الصحيح]

وفي المسند عن جابر رضي الله عنه: عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ:

((إِنَّمَا الصِّيَامُ جُنَّةٌ يَسْتَجِنُّ بِهَا الْعَبْدُ مِنَ النَّارِ هُوَ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ))

[أخرجه الإمام أحمد في مسنده]

من فضائل الصيام:

1- إجابة الدعاء:

من فضائل الصوم: أنه من أسباب استجابة الدعاء, ولعل في قوله تعالى:

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾

[سورة البقرة الآية: 186]

 

مما تنبه هذه الآية على الصلة الوثيقة بين الصيام وإجابة الدعاء.

2- مكفر للذنوب:

 

ومن فضائل الصوم: أنه من أسباب تكفير الذنوب, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ:

((الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ, وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ, وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ, مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ, إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ))

[أخرجه مسلم في الصحيح]

3- إنه يشفع لصاحبه يوم القيامة:

 

ومن فضائل الصوم: أنه يشفع لصاحبه يوم القيامة, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ:

((الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ, يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ, وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ, قَالَ: فَيُشَفَّعَانِ))

[أخرجه الإمام أحمد في مسنده]

4- تبشير الصائم بالفرحة عاجلاً وآجلاً:

ومن فضائل الصوم: فرح الصائم بما يسَّره الله له من الصوم في العاجل والآجل كما في الصحيحين, عَنْ أَبِي صَالِحٍ الزَّيَّاتِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا إِذَا أَفْطَرَ, فَرِحَ بِفِطْرِهِ, وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ))

[أخرجه مسلم في الصحيح]

وهذا من الفرح المحمود, لأنه فرح بفضل الله ورحمته، ولعل فرحه بفطره, لأن الله منَّ عليه بالهداية إلى الصيام, وبالإعانة عليه حتى أكمله, وبما أحله الله له من الطيبات التي يكسبها الصائمون لذة وحلاوة لا توجد في غيره، ويفرح عند لقاء ربه حين يلقى الله راضياً عنه, ويجد جزاءه عنده كاملاً موفوراً، ومما يدل على فضل الصيام وطيب عاقبته في الآخرة قوله صلى الله عليه وسلم: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهم, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ:

((كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ, وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ))

[أخرجه البخاري في الصحيح]

وإنما كانت هذه الريح طيبة عند الله تعالى مع أنها كريهة في الدنيا, لأنها ناشئة عن طاعة فهي محبوبة لديه, ولعل في الحديث الشريف ما يشير إلى أن هذا الخلوف يفوح يوم القيامة من فم صاحبه أطيب من ريح المسك، حين يقف بين يدي ربه مثله مثل الشهيد حين يأتي يوم القيامة, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((مَا مِنْ مَكْلُومٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَكَلْمُهُ, يَدْمَى اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ, وَالرِّيحُ رِيحُ مِسْكٍ))

[أخرجه البخاري في الصحيح]

5- من فضائل الصيام: هذه الخصوصية:

 

ومن فضائل الصيام: أن الله اختص أهله باباً من أبواب الجنة لا يدخل منه سواهم, فينادون منه يوم القيامة إكراماً لهم وإظهاراً لشرفهم كما في الصحيحين, عَنْ سَهْلٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ:

((إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ: الرَّيَّانُ, يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ, لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ, يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ, فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ, فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ))

 

[أخرجه البخاري في الصحيح]

 

 

الصيام مدرسة من حيث:

 

1- الصبر, وبناء النفس:

أيها الأخوة الكرام, شهر رمضان شهر الصبر، فالبناء الأخلاقي أساسه الصبر الذي هو قرين الصوم, حتى سمي الصوم صبراً, كما قال بعض المفسرين في قوله تعالى:

﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾

[سورة البقرة الآية: 153]

قالوا: الصوم والصلاة, وسمي رمضان شهر الصبر، والصبر جزاءه الجنة, وهو سيد أخلاق الإسلام، وبغيره لا يثبت المسلم أمام التحديات في دينه ودعوته, ولا يتحمل مشكلات الحياة وتبعتها ومصائبها التي لا ينفك عنها بحال، فالفوز في الآخرة والسعادة في الدنيا, ثمرتان من ثمار الصبر.
الصبر هو إكسير الحياة الذي يحِّول بإذن ربه الصعاب إلى رغائب, والهموم إلى أفراح, الصبر هو علاج كل داء, وحل كل مشكلة, وتذليل كل عقبة.
يتجلى البناء الأخلاقي في الرقي بالنفس إلى مدارج العبودية, والتخفف من أوزار الطين, وثقل الأرض, لتستشرف النفس آفاق الإيمان، وتستشعر شيئاً من الأنس بالقرب من فاطرها وبارئها، وتسبح في ملكوتها.
فالإنسان إنسان بروحه وشفافيته, قبل أن يكون إنساناً بجسده، أقبل على النفس فاستكمل فضائلها, فأنت بالروح لا بالجسم إنسان.

2- الصيام مدرسة في مجامع الأخلاق وتزكية النفس من أوزارها, وفي توحيد الأمة:

يتجلى في الإيثار والإحسان, ومعايشة آلام الآخرين, ومقاسمتهم السراء والضراء, وذوق شيء مما يجدون، ولأن ذاقه الصائم تعبداً واختياراً, فلقد ذاقه الفقراء عجزاً واضطراراً, ولأن عاناه الصائم وقتاً محدوداً, فهو عندهم عناء ممدود, ولهذا كان رمضان شهر الزكاة كما سماه سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه, ونهايته زكاة الفطر التي يشارك المسلمون فيها الإحساس بفرحة العيد، فلا يدعون أحداً منه إلا وواسوه، حتى فقرائهم يخرجون زكاة الفطر إن قدروا, ليذيقوا طعم الإنفاق, ولو مرة في العام.
أيها الأخوة الكرام, ويتجلى في الإمساك بذمام النفس عن اندفاعاتها, وحماقاتها عن صاحبها ومع الخلق, فالصائم مقيد بشعور دائم يحمله على الكف عن ما يجمله, وربما أدرك كثير من الصوام هذا المعنى قبل أن يهل رمضان, كما يحقق الصوم معنى الانتساب الأممي وتبعاته ومظاهره, فهو عبادة يشترك فيها المسلمون في كل مكان, مما يعمق معنى الإخاء الديني والولاء الشرعي, ويذكر بوجوب الانعتاق من الروابط المنافية, لذلك وينهى عن أن توضع الروابط العادية البشرية في مكان غير صحيح, فلا تتحول إلى علاقة تساوي العلاقة الربانية بين أهل الإسلام، وكم يتمنى المرء أن يستطيع المسلمون توحيد صيامهم وفطرهم ليتعمق معنى الأمة الواحدة, ولتذوب الفواصل والعوائق التي تتراكم بمرور الزمان، فيكون الجسد الواحد رقعاً متناثرة, يهدم كل طرف منها ما بناه الآخر.
أيها الأخوة الكرام, إن تجاوز هذه التناقضات يتطلب صدقاً وارتفاعاً عن المصالح الخاصة, والانتماءات الأرضية, وإيثاراً لروح الجماعة على أنانية الذات, فهل نحن فاعلون؟.

3- الصيام مدرسة في الجهاد:

أيها الأخوة, الصوم يذكر المسلم بالجهاد الذي هو حراسة هذا الدين, وذروة سنامه, وسطوته على مناوئيه, فلقد كان تاريخه الشهري ملتبساً بالمواقع الفاصلة من بدر, تاج معارك الإسلام إلى فتح مكة, التي كانت إذاناً ببسط سلطانه على جزيرة العرب, إلى حطين, إلى عين جالوت، والكتاب الذي آذن المسلمون بأنه كتب عليهم الصيام, هو الذي آذنهم بأنه كتب عليهم القتال، لكنه ليس قتالاً بنصرة عنصر ماجن, ولا لتسلط ظالم طاغ, ولا لجباية أموال حرام, ولا لاحتلال منابع الثروات, لكنه لتكون كلمة الله هي العليا، وحتى لا تكون فتنة, ويكون الدين كله لله.
الجهاد أيها الأخوة, إذانا لنا, ليس كل الناس يؤمنون بالدعوة, بل هناك الرؤوس المتغطرسة مما لا يلين إلا بالقوة والحديد, بالحديد يفلح، ولهذا بعث الله رسوله بالكتاب وبالحديد, فقال سبحانه:

﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾

[سورة الحديد الآية: 25]

أيها الأخوة الكرام: فالكتاب والبينات أصل الرسالة ولبها, والحديد سورها وحمايتها, والذين يقارعون البغي والظلم في فلسطين وغيرها من بلاد المسلمين التي احتلها الأعداء, واستباحوا خيراتها هم النواب عن الأمة في الحفاظ على هذه الشريعة العظيمة, فحق على الأمة أن تكون من ورائهم بالنصرة الصادقة, وليس بالعاطفة وحدها.
يقول السيد الرئيس في أحد مؤتمرات القمة: نشهد المزيد من إزهاق الأرواح في منطقتنا, ونرى الأمة العربية والإسلامية تضيف إلى رصيدها المزيد من الفقر والجوع, والكثير من الظلم والاضطهاد كما رأيناها, تبتعد أكثر فأكثر عن هويتها, حتى تكاد تذوب في هويات الآخرين, وفي المقابل كانت دول أخرى تزداد طغياناً واستغلالاً, مما أدى إلى تزايد شدة التناقضات والمفارقات في مناطق مختلفة من العالم، يدمر العراق من أجل قرارات الأمم المتحدة, وتدمر قرارات الأمم المتحدة من أجل إسرائيل, ومن الأمور المؤسفة والمضحكة في نفس الوقت, أن بعض قرارات مجلس الأمن تفسر بحسب خطوط الطول والعرض, وبحسب الدول التي تطبق عليها.
انتهى النص المقتبس، هل يعود رمضان الذي عرفه المسلمون ينبض بالروح والحياة والعطاء, وليس بالنوم وضياع الأوقات والتسابق إلى الملذات والسهر في الخيام التي ترتكب فيها المعاصي والآثام؟.

4- الصيام مدرسة في التقوى:

قال تعالى:

﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾

[سورة البقرة الآية: 63]

 

جاء في تفسير في قوله تعالى: هذا تعليل لفرضية الصيام ببيان فائدته الكبرى وحكمته العليا، وهو أنه يعد نفس الصائم لتقوى الله عز وجل بترك شهواته الطبيعية المباحة الميسورة امتثالاً لأمره واحتساباً للأجر عنده, فتتربى بذلك إرادته على ملكة ترك الشهوات المحرمة والصبر عنها, فيكون اجتنابها أيسر عليه, وتقوى نفسه على النهوض بالطاعات والاصطبار عليها, فيكون الثبات عليها أهون عليه، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: الصيام نصف الصبر.
أيها الأخوة الأحباب, والصيام من أجل التقوى كما ورد في الآية, ومن عظيم إكرام الله عز وجل أنه جعل التقوى مخرجاً للإنسان من كل ضيق، قال تعالى:

﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾

[سورة الطلاق الآية: 2]

إعجاز هذه الآية في إنجازها، وبلاغها في إطلاقها, عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((إِنِّي لَأَعْلَمُ آيَةً لَوْ أَخَذَ بِهَا النَّاسُ لَكَفَتْهُمْ (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا))

[أخرجه الدارمي في سننه]

 

فحينما تضيق الأمور كما هي الآن, وتستحكم الحلقات, وتسد المنافذ, وتنتصب العقبات, ويقنط الإنسان, تأتي التقوى فتتسع بها المضائق, وتحل بها العقد, وتفتح بها المسالك, وتذلل بها العقبات.
فمن يتق الله ولا يسمح للأفكار الزائفة أن تأخذ طريقها إلى عقله, يجعل الله له مخرجاً من الضياع والحيرة والضلال وخيبة الأمل، ومن يتق الله فيبرأ ممن حوله, ويبراً من حوله وقوته وعلمه, يجعل الله له مخرجاً مما كلفه به بالمعونة عليه، ومن يتق الله فيقف عند حدود الله فلا يقربها ولا يتعداها, يجعل الله له مخرجاً مما كلفه به من الحرام إلى الحلال، ومن الضيق إلى السعة، ومن النار إلى الجنة، ومن يتق الله في كسب رزقه فيتحرى الحلال الذي يرضي الله عز وجل, يجعل الله له مخرجاً من تقطير الرزق بالكفاية، ومن إتلاف المال بحفظه ونمائه، ومن يتق الله في إتباع السنة, يجعل الله له مخرجاً من ضلال أهل البدع ونتائج ابتداعهم، ومن يتق الله في اختيار زوجته وفي التعامل معها, يجعل الله له مخرجاً من الشقاء الزوجي، ومن يتق الله في تربية أولاده, يجعل الله له مخرجاً من عقوقهم وشقائه بشقائهم، ومن يتق الله في اختيار عمله وحسن أدائه, يجعل الله له مخرجاً من إخفاقه فيه.

إليكم محور هذه النقطة:

أيها الأخوة الكرام, لما كانت النفس البشرية تتوق إلى تناول ما تشتهيه, وتنفر عن البعد عنه, فإن من أعظم ما يزكيها ويطوعها لطاعة الله عز وجل؛ أن تدرب على الصبر عن تناول الطيبات التي أباحها الله تعالى إذا أمرها بتركها، ومن أعظم شهوات النفس الطعام والشراب وغيرهم, وقد حرم الله على المؤمن هذه الأمور التي لا يستغني عنها في حياته كلها في نهار شهر رمضان بأكمله، فإذا تركها مخلصاً لله في تلك المدة من الزمن, فإنه بذلك يكون جديراً بأن يكون من المجاهدين لأعدائه الملازمين وهم: نفسه الأمارة بالسوء, والهوى المردي, والشيطان المغوي, والذي ينجح في هذا الجهاد الأكبر يسهل عليه الجهاد الأصغر, وهو قتال عدوه الخارجي, ومن لم ينجح في جهاد عدوه الملازم له يصعب عليه جهاد عدوه الطارئ, لأن الذي لم يروض نفسه على طاعة الله بامتثال أمره واجتناب نهيه فيما هو أخف عليه كالصيام مثلاً, فمن الصعب عليه أن يقف في الصف لمقارعة الأعداء.

مرض المسلمين في هذا العصر:

 

أيها الأخوة, حينما يكون المسلمون استثناء سلبياً داخل مجتمعات أكثر تقدماً وتطوراً, فهذا أمر في غاية الخطورة, لأنه يعطي الآخرين انطباعاً مباشرا, لأن سبب هذا التخلف يعود إلى تعاليم الدين ذاته، وهذا معنى قوله تعالى:

﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾

[سورة الممتحنة الآية: 5]

 

أيها الأخوة الكرام, المشكلة تعود إلى اغترار بعض المسلمين بانتسابهم إلى هذا الدين, ظانين أنه بمجرد الحصول على لقب مسلم, يعفيهم من الالتزام والتقيد بمنهج الله، أو أن الحصول على جانب من الصلاح, يعفيهم من استكمال النقص أو قبول النصيحة, قال تعالى:

﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾

[سورة المائدة الآية: 18]

 

وذكر الله لنا قصص الأقوام السابقة للاعتبار, ولهذا قال سبحانه بعدما ذكر قصة بني النضير:

﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾

[سورة الحشر الآية: 2]

والاعتبار هو القياس والنظر وربط الشيء بمثله، فإذا كان الله سبحانه وتعالى يعيب على الأقوام السابقة من قبلنا ألواناً من الانحرافات والمخالفات, فما ذلك إلا لنتجنبها, ولهذا كان من ما يقرأه المسلم في كل صلاة بل في كل ركعة, قال تعالى:

﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾

[سورة الفاتحة الآية: 6-7]

 

يقول العلماء: المغضوب عليهم هم الذين عرفوا وانحرفوا، والضالون هم الذين ما عرفوا وانحرفوا، أي من كان عنده علم وصدق في تصوراته, ولكن لم يكن عنده عمل فهذا من المغضوب عليهم، ومن لم يكن عنده تصور صحيح وإنما عنده عمل على غير هدى الله وبصيرة فإنه من الضالين, قال تعالى:
 

﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾

[سورة الفاتحة الآية: 6-7]

أيها الأخوة الكرام, إن من الحواجز التي تحول بين الناس وبين قبول النصيحة, هو أن التصحيح هو ادعاء العصمة وعدم رؤية العيوب، لقد ورد في القرآن الكريم فضل هذه الأمة والثناء عليها, ولكن هذا الفضل ليس فضلاً يتوارثونه, لأنهم عرب وعاشوا في الأمصار, وفي البلاد العربية فالأرض لا تقدس أحداً, والقبيلة لا تقدس أحداً, إنما يقدس الإنسان بعمله ليس غير.
أيها الأخوة الكرام, إن مئات الملايين من المسلمين اليوم يرون؛ أن مجرد انتسابهم لهذا الدين يكفي لنجاتهم في الآخرة, ولصلاحهم في الدنيا, حتى لو لم يفهموا حقيقته, ولم يطبقوا تعاليمه, ولم يتمثلوا قيمه, وربما تجد عند أحدهم من الثقة بالفوز والنجاة في الدار الآخرة أعظم من ثقة العشرة المبشرين بالجنة! وأما ما يتعلق بالدنيا فربما تجد الواحد منهم يكدح فيها ليل نهار, ويضني بدنه وجوارحه, ولكن من دون جدوى, لأنه لم يأخذ بالأسباب المعتبرة, قال تعالى:

﴿وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً * فَأَتْبَعَ سَبَباً﴾

[سورة الكهف الآية: 85]

أيها الأخوة, الكثيرون يطلبون قضاء حوائجهم, وتفريج كروبهم, وسداد ديونهم, وتزويج عوانسهم, وإزالة مشكلاتهم, ورد غيابهم ونصرتهم على أعدائهم بدعاء من دون عمل، أو يتوقعون الفرج هدية رخيصة تأتي من دون ثمن, ولم لا أو ليسوا بالمسلمين؟! هنا موطن الخلل, قال تعالى:

﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾

[سورة التوبة الآية: 105]

 

أيها الأخوة الكرام, إن السنن والنواميس لا تحابي ولا تجامل أحداً, والله سبحانه وتعالى يقول:

﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً * وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيراً﴾

[سورة النساء الآية: 123-124]

 

إن كوني من الصالحين لا يسمح لي صلاحي؛ أن أجعل هذا الصلاح ترساً أرفعه في وجه كل من يريد نصحي, أو الاستدراك عليه, أو تصحيح خطأ مظنون, أو مقطوع, وهل الصلاح إلا قبول النصيحة من الآخرين؟.

الإسلام دين عمل:

 

أيها الأخوة الكرام, الإسلام نفسه دين عمل، العمل للدنيا والعمل للآخرة, والعمل للنفس والعمل للغير، وإلى هذا المعنى أشار السيد الرئيس في خطابه في مؤتمر القمة الإسلامي الذي عقد في الدوحة, فقال: ليست المشكلة إثبات حسن النية فقط, فديننا هو دين النيات الطيبات, والأعمال الصالحات, أما الطاعة فهي لله وحده مع الالتزام بالإسلام, وكما قال الرسول الأعظم في حديثه الشريف: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ, وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ))

[أخرجه مسلم في الصحيح]

أيها الأخوة الكرام, وأن المرء يثاب على عمله حتى على عمله الدنيوي, ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم, فيما رواه البيهقي عن عائشة رضي الله عنها وسنده جيد: ((إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه)) وهذا يشمل كل عمل يقوم به المرء مما هو داخل في دائرة المباح, فضلاً عن المستحب أو الواجب, سواء كان وجوبه بأصل شرعي, أو كان لتحمله المسؤولية, وتبعات المسؤولية بموجب العقد والاتفاق, وهكذا يرفع الإسلام من قيمة العمل.
أيها الأخوة الكرام, حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم, واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا, وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه, وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.

ماذا عن هذه الحشرة ووظائفها ؟

أيها الأخوة الكرام, إلى الموضوع العلمي, يقول الله تعالى في كتابه العزيز:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾

[سورة الحج الآية: 73]

قال بعض العلماء: تعد هذه الحشرة أعجوبة في الخلق الإلهي، لقد ضرب الله سبحانه وتعالى الذبابة للناس مثلاً, هذا المخلوق الضعيف الذي يتكاثر بسرعة جنونية، هذا الذي يبدو لك ضعيفاً, لو أنك رششت مكاناً موبوءا بالذباب, وقضيت على كل الذباب إلا ذبابة واحدة, فهذه الذبابة ستنتج جيلاً من الذباب, يقاوم هذه المادة التي رششتها في هذا المكان، فتصنيع المضادات الحيوية عند الذباب, شيء لا يصدق, أي شيء يقضي على الذباب تصنع الذبابة في أجهزتها الدقيقة مضاداً حيوياً, يكسبها مناعة ضد هذه المادة الفعالة، حتى إن الذباب إذا مات في البرد, ينجب جيلاً يقاوم البرد, قال تعالى:

﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾

[سورة الحج الآية: 73]

فهل يتعلم الإنسان من هذه الحشرة التي يتقزز منها درساً بليغاً؟.
كُبّرت عين الذبابة مئات المرات, فكان من هذا التكبير العجب العجاب آلاف العدسات المرصوفة إلى جانب بعضها بعضاً تحقق للذبابة رؤية كاملة، فهذا المخلوق الضعيف الذي يشمئز الناس منه, يستطيع أن يناور مناورة لا تستطيعها أعظم الطائرات الحربية العالمين وأحدثها، إنها تسير بسرعة فائقة بالنسبة لحجمها، وتستطيع أن تتنقل فجأة لزاوية قائمة، وتستطيع أن تسقط إلى السقف, وهذا شيء لا تستطيعه طائرة في الأرض أن تفعله, قال تعالى:

﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾

[سورة الحج الآية: 73]

أما الذي يلفت النظر, فحديث سيد البشر حين يلفت النظر إلا أن في إحدى جناحي هذه الحشرة داء, وفي الأخرى شفاء, فقد أكد العلم الحديث صحة هذا الحديث، فقد كشف أن في بعض جناحي الذبابة مادة ترياقية مضادة للجراثيم, ولأنواع الميكروبات، فإذا علق برجل الذبابة بعض أنواع الجراثيم, أو الميكروبات, أو البكتريات الضارة, وقع هذا الذباب في سائل, فعليك أن تغمس الجناح الثاني فإن في بعض الأجنحة الداء, وفي بعض الأجنحة الدواء والترياق، هذا الذي كشفه العلم الحديث في مقالة مفصلة تعتمد على أدق البحوث نشرت أخيراً في مجلة عربية, كانت قد ترجمت عن مقالة أجنبية تؤكد هذه الحقيقة.
قال بعض العلماء: من وظائف هذه الحشرة؛ أنها تنقي الهواء بقضائها على النباتات والعضويات المتفسخة, وسريعة التنقل بينما هي في بيتك إذا هي في يوم ثان في مكان تزيد مسافته عن عشر كيلو مترات، وتنجب جيلاً كاملاً كل عشرة أيام توالدها عجيب، أما الشيء الذي لا يصدق أن جملتها العصبية تشبه الجملة العصبية عند الإنسان, وعلم الذبابة غاية في القوة وقوة الإبصار, ولها إدراك عالي المستوى, وقد تتصرف بغضب شديد إذا ما لاح لها خطر, فهي تغضب وتتألم وتحس بالألم, ووزن دماغها واحد من مليون جزء من الغرام, وهو يعمل بأعلى كفاية, وفي الذبابة جملة من الغدد, ولها ذاكرة تستمر دقيقتين.
أيها الأخوة الأحباب, لأن الله سبحانه وتعالى ذكر هذه الآية في القرآن نذكرها نحن, والذباب أنواع منوعة تزيد عن مئات الألوف, منه ذباب مفترس, ونوع كالنحلة تمتص الرحيق, ونوع يخمر الفاكهة, ونوع ينافس الطائرات في مناورتها, وفي سرعتها، إن مناورة الذبابة لا يمكن أن يصل إلى مستواها طائرة صنعها الإنسان، تستطيع فجأة أن تعكس اتجاهها، وفجأة تسير في اتجاه يشكل مع خيط سيرها زاوية قائمة, وتضلل مطاردها, وستخر منه.

ما سر هذه الآية ؟

 

أيها الأخوة, فإذا كان الخلق مجتمعين في أرق عصورهم مع تقدم العلم عاجزين أن يخلقوا ذباباً, فقد قال تعالى:

﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾

[سورة الحج الآية: 73]

وقف المفسرون عند هذه الفقرة الأخيرة وقفة متحيرة, ثم كشف العلم الحديث أسرار هذه الآية, قال: إن الطالب لا يمكنه استنقاذ ما سلبته الذبابة لا بسبب العجز في الآلات المستخدمة, ولكن لأن الطعام الذي دخل في جوف الذبابة لم يعد نفسه هو الذي أكلته، والعجز يأتي من أن الطعام وحتى قبل دخوله إلى ماصة فم الذبابة طرأ عليه التغير، فلهذا السبب لا يمكن أن نستنقذه، فإذا قام العلماء باستخراج ما في بطن الذبابة فإنه لن يكون هو نفسه الطعام الذي سلبته الذبابة, إنما يحتاج لتجميع مركباته التي قد تفتت, ولاحظ لو أراد العلماء أخذ الطعام من فم الذبابة, ولو من بداية دخوله خرطومها, فإن ذلك لن يجدي شيئاً, لأن الطعام قد تحول إلى مركبات مختلفة تماماً حتى قبل امتصاصه, لذلك لا يستنقذوه منه, آية في القرآن الكريم لحشرة نشمئز منها.
أيها الأخوة الكرام, وفي الأرض آيات للموقنين, قال تعالى:

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾

[سورة آل عمران الآية: 190-191]

دعاء الختام:

اللهمَّ اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولَّنا فيمن توليت، وبارِك اللهمَّ لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت ولا يعزُّ من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك.
اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا, اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر, مولانا رب العالمين.
اللهمَّ اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمَّن سواك.
اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين.
اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، ولا تهلكنا بالسنين، ولا تؤاخذنا بفعل المسيئين يا رب العالمين, اسق عبادك العطشى يا رب العالمين، اسقنا سُقيا رحمة ولا تجعلها سقيا عذاب يا أكرم الأكرمين.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018