بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس (07-32) : الوفاء

2003-11-06

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

أنواع الوفاء:

الوفاء بالعقد وهو ما اتفق عليه عند الشرط
أيها الأخوة, الخلق اليوم: خُلق الوفاء، فالوفاء قيمة إنسانية وأخلاقية عظمى، بها تدعم الثقة بين الأفراد، وبها تؤكد أواصر التعاون في المجتمع، فالوفاء أصل الصدق، والعقل والغدر أخو الكذب والجور، الوفاء صدق اللسان والفعل معاً، والغدر كذب بهما، الوفاء يختص بالإنسان، فمن فقد عنده الوفاء فقد انسلخ من إنسانيته، وقد جعل الله الوفاء قواماً لصلاح أمور الناس، وقد قال الله عز وجل:

﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾

[سورة البقرة الآية: 40]

أيها الأخوة, الوفاء أنواع، فالوفاء بالعهد إتمامه، وعدم نقض حفظه، والوفاء بالعقد إما أن يكون العقد كالعهد، فهو الأول، أو العقد ما اتفق عليه المسلمون، المسلمون عند شروطهم، وهناك الوفاء بالوعد والعهد والعقد، الوفاء بالوعد إتمامه، وبذله من تلقاء النفس ولو كلف النفس ثمناً باهظاً.

أمثلة قرآنية على أنواع الوفاء:

الآيات التي تتحدث عن الوفاء تزيد عن عشرين آية:

﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾

[سورة البقرة الآية: 40]

هذا الوفاء بالعهد على أنه أمر، وكل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب:

﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾

[سورة الأنعام الآية: 152]

الوفاء بالعهد من سمات الإيمان، قال تعالى:

﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾

[سورة البقرة الآية: 177]

أولاً: أمر, ثانياً: صفة، المسلم المؤمن من خصائصه أنه يفي بعهده، والوفاء من صفة الله عز وجل، والوفاء من صفة الأنبياء:

﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾

[سورة النجم الآية: 37]

والوفاء سبيل الوصول إلى أعلى درجات القرب من الله عز وجل:

﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾

[سورة الفتح الآية: 10]

والوفاء بالعقود:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾

[سورة المائدة الآية: 1]

والوفاء بالوعود:

﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾

[سورة مريم الآية: 54]

هذه بعض الآيات التي وردت في الوفاء بالعهد وبالعقد وبالوعد.

شروط الوفاء:

عَنْ عُقْبَةَ, عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:

((أَحَقُّ مَا أَوْفَيْتُمْ مِنَ الشُّرُوطِ: أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ))

أكبر عهد وميثاق بين إنسانين هو ميثاق الزواج:

﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً﴾

[سورة النساء الآية: 21]

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ الْمُتَوَفَّى عَلَيْهِ دَيْنٌ فَيَسْأَلُ:

((هَلْ تَرَكَ لِذَلِكَ مِنْ قَضَاءٍ؟ فَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ, إِنَّهُ تَرَكَ وَفَاءً صَلَّى عَلَيْهِ, وَإِلَّا قَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ, فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْفُتُوحَ, قَامَ فَقَالَ: أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ, فَمَنْ تُوُفِّيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَتَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ, وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَهُوَ لِوَرَثَتِه))

الإنسان أحياناً يقترض، لكن عنده ما يغطي هذا القرض، لعله يقترض مالاً سائلاً، لكنه يملك مالاً مجمداً يغطي هذا الدين، فالذي يموت وعليه قرض أو دين، وقد ترك ما يغطيه كان يصلي عليه، أما الذي يقترض، وليس عنده ما يغطي هذا الدين, كان عليه الصلاة والسلام يقول: صلوا على صاحبكم.

الإسلام مع مكارم الأخلاق:

عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ جَدِّهِ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ فِي خُطْبَتِهِ:

((أَوْفُوا بِحـِلْفِ الْجَاهِلِيَّةِ, فَإِنَّهُ لَا يَزِيـدُهُ -يَعْنِي الْإِسْلَامَ- إِلَّا شِدَّةً, وَلَا تُحْدِثُوا حِلْفًا فِي الْإِسْلَام))

[أخرجه الترمذي في سننه]

لأن الإسلام كله حلف، لكن ما كان من أحلاف الجاهلية يجب أن توفى الإسلام مع مكارم الأخلاق، فإذا كان في الجاهلية مكارم أخلاق هذه يجب أن تؤدى، الإسلام مع مكارم الأخلاق، فما كان في الجاهلية من مكارم الأخلاق أيّدها القرآن، وما كان منها يحتاج لتعديل عدلها، وما كان منها بعيداً عن منهج الله فقد ألغاها.
عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -رَضِي اللَّه عَنْه- أَنَّهُ قَالَ:

((يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنِّي نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ, فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أَوْفِ نَذْرَكَ فَاعْتَكَفَ لَيْلَةً))


النبي يناشد ربه الوفاء بالعهد:
النبي -عليه الصلاة والسلام- يطالب ربه أن يفي بوعده.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِي اللَّه عَنْهمَا- قَالَ:

((قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ فِي قُبَّةٍ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ, اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ لَمْ تُعْبَدْ بَعْدَ الْيَوْمِ, فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ بِيَدِهِ, فَقَالَ: حَسْبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ, فَقَدْ أَلْحَحْتَ عَلَى رَبِّكَ, وَهُوَ فِي الدِّرْعِ فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ, بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ))

المسلمون على شروطهم:

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ أَنَّهُ قَالَ:

((دَعَتْنِي أُمِّي يَوْمًا, وَرَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَاعِدٌ فِي بَيْتِنَا, فَقَالَتْ: هَا تَعَالَ أُعْطِيكَ, فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: وَمَا أَرَدْتِ أَنْ تُعْطِيهِ؟ قَالَتْ: أُعْطِيهِ تَمْرًا, فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أَمَا إِنَّكِ لَوْ لَمْ تُعْطِهِ شَيْئًا كُتِبَتْ عَلَيْكِ كِذْبَةٌ))

[أخرجه أبو داود في سننه]

عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ جَدِّهِ قَالَ: المؤمنون كتلة واحدة

((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ, يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ, وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ, وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ, يَرُدُّ مُشِدُّهُمْ عَلَى مُضْعِفِهِمْ, وَمُتَسَرِّيهِمْ عَلَى قَاعِدِهِمْ, لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ, وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ, وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ إِسْحَقَ الْقَوَدَ وَالتَّكَافُؤَ))

[أخرجه أبو داود في سننه]

المؤمنون كتلة واحدة:

((أَدْنَاهُمْ, وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُم, هم يد على من سواهم))

وعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قَالَ:

((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ, فَلَا تُخْفِرُوا اللَّهَ فِي عَهْدِهِ, فَمَنْ قَتَلَهُ طَلَبَهُ اللَّهُ, حَتَّى يَكُبَّهُ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ))

[أخرجه ابن ماجة في سننه]

أنت حينما تصلي الفجر في جماعة أنت في ذمة الله، ولك حق على الله.

نفذ ميثاق الله الذي واثقك به:

أيها الأخوة, من أوفى بعهد الله من توحيده وإخلاص العبادة له, أوفى الله بعهده من توفيقه إلى الطاعات، وأسباب العبادة له.
أول وفاء: أن تكون وفياً مع الله، أن تنفذ ميثاق الله الذي واثقك به؛ ميثاق الفطرة والعقل، وميثاق الشرع، عندك عقل يأمرك وينهاك، وعندك فطرة تكشف لك خطأك، ومعك شرع فيه افعل ولا تفعل، فأول وفاء يقتضي أن تكون وفياً مع الله, مع ميثاقه الذي واثقك به.
الذين يوفون بعهد الله هم الألباب، والذين باعوا أنفسهم وأموالهم لله فوعدهم أن لهم الجنة، ومن أوفى بعهده من الله، قال تعالى:

﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾

[سورة النجم الآية: 37]

وازنه مع قوله تعالى:

﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾

[سورة الأعراف الآية: 102]

أوف بما عاهدت به الله لما كنت أمام الكعبة
كم من إنسان في بيت الله الحرام، وأمام الحجر الأسود يعاهد الله على الطاعة؟ فإذا عادوا إلى بلادهم, كم من هؤلاء يكون وفياً لوعده الذي وعد الله به؟:

﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾

[سورة الأعراف الآية: 102]

أما نبيه إبراهيم:

﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾

[سورة النجم الآية: 37]

أكبر عهد: العهد الذي بينك وبين الله، ومن لم يكن فيما بينه وبين الله عهد, لا يوجد عهد بينه وبين الناس، إياك أن تعلق أملاً على أن يفي إنسان بعهده معك، إن كان هو في عهده مع الله خائن، فليس فيه خير.

بشكل أقرب: إنسان عاق لوالديه لا ترجو منه خيراً، لو كان فيه خير لكان لوالديه، الإنسان عاق في عبوديته لله، فأي إنسان لم يفِ بعهد الله عز وجل, لا تنتظر منه وفاء لك‍! لذلك:
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ, أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ:

((لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا, وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ))

[أخرجه الترمذي في سننه]

من لوازم المؤمن الوفاء بالعهد:

الوفاء صفة أساسية في بنية المجتمع الإسلامي. أضرب مثلاً:
أزمة الإسكان الطاحنة كان لها اسم: أزمة السكن، ثم اكتشف أن في دمشق ما يزيد عن سبعمئة ألف بيت مغلق لا يؤجر قبل القانون الأخير طبعاً، لماذا؟ لأن أي مستأجر يقول: أخرج من البيت بعد عامين، ثم لا يخرج منه حتى يموت، لأن القانون معه، ألغي الوفاء بالعهد، لما نقض العهد, نشأت أزمة يسميها بعضهم: أزمة سكن، لا، السكن موجود، وهي في الحقيقة: أزمة إنسان.
أعرف صديقين على مقعد الدراسة, حينما كبرا كان الأول تاجرًا كبيرًا، وهو ليس مسلماً، والثاني متكسب بسيط، فحينما أراد المسلم الزواج, لجأ إلى صديقه تاجر البناء الكبير فاعتذر قال: والله أنا ليس عندي بيت للإيجار، بل عندي للبيع، ألح عليه مرة ثانية ومرة ثالثة، ففي المرة الثالثة قال هذا المسلم لغير المسلم: عهد الله علي إن أجرتني أحد البيوت المعدة للبيع ثم جاء من يشتريها, سأخلي البيت في ثلاثة أيام، يبدو أن هذا الصديق قد رق قلبه، ولم يأته زبون يرغب في شراء هذا البيت، أجّره هذا البيت، وبعد عدة سنوات ارتفعت الأسعار من عشرين ألفًا إلى مئتي ألف وإلى ثمانمئة ألف، فجاء من يشتري هذا البيت، فجاء صاحب هذا البيت إلى المستأجر، وطرق بابه، وقال له: وعدتني أنه إذا جاء من يشتري هذا البيت تسلمه لي في أيام ثلاثة، أنا أعطيك ستة أشهر, فقال له: سمعاً وطاعة، وبعد أيام ثلاثة طرق باب صاحب البيت، وقدم له المفتاح، هذا لم يصدق، فانطلق للبيت, وجده فارغًا ونظيفًا، ومعدًّا للسكن مباشرة، فلما أغلق الباب, سأله أحد الجيران سؤالا فضوليا: كم أعطيته مبلغاً حتى ترك البيت؟ قال: لم أعطه شيئاً، لكنه عاهدني على إخلاء البيت، قال: عجيب! باع أثاثه بأبخس الأثمان، وسكن في فندق!.
-فهذا الإنسان غير المؤمن تحركت فطرته، ما هذا الإسلام؟ إنسان يبيع أثاث بيته, باعه بلا ثمن، وانتقل إلى فندق من أصغر الفنادق، هو وأهله، وسلم البيت-، ويبدو أن هذا الإنسان تاجر كبير, فذهب إلى صديقه وقال: بالله عليك ارجع للبيت، وهو لك، وسأبيعك إياه بالسعر الذي كان فيه يوم سكنت! وأي شيء دفعت من أجرته هو ثمن البيت، ولك علي أن أعيد تأثيث هذا البيت على نفقتي!.
لا يوجد عهد بين المسلمين أكبر شاهد على ذلك؛ أزمة الإسكان، لا يخرج، يكون في أشد الحاجة ليسكن شهر .....
حدثني أخ، طالب جارٌ من جار أن يعيره البيت ليطلي بيته، وذهب ثمان وعشرين سنة، قال: هذا الحاضر، القانون معي، والمحاكم أمامك، حينما ينقض بعضنا بعضاً عهده, نسقط من عين الله.
بالجاهلية: امرؤ القيس أخذ ابنه رهينة, معه أسلحة أودعت عنده أمانة، فلما حوصر وطولب أن يسلم الأسلحة فرفض, فقتل ابنه, فأصبح امرؤ القيس مثلاً في الوفاء.
نحن حينما نوفي نرتقي لله عز وجل، وحينما نخون الأمانة نسقط من عين الله، وما من صفة في الإنسان أرقى من أن يكون وفياً لعهده، وقبل أن تعاهد انتبه, القضية ليست كلامًا بكلام، القضية فعل، حتى في عقود الزواج يقولون: اكتب كما تريد، كله حبر على ورق، لا، هذا مال يجب أن يؤدى، ودين ممتاز، فالإنسان ما دام الوفاء جزءًا من دين الإنسان, قبل أن يَعِد فلينظر بماذا يعد؟.

أوف بعهدك قبل أن يطولك الحساب:

قصة طريفة: لي قريبة جاء ابنها من أميركا، ومعه ابن صغير بالخمس سنوات، يبدو أن الابن كثير الحركة, قالت له جدته: اهدأ, سآخذك مساء إلى مكان جميل، فلم تأخذه في المساء، هو صغير، عمره خمس سنوات، قال لها: أنت كاذبة.
من دون مبالغة: تسعة أعشار كلامنا لا معنى له، تجد شخصًا، هذه دعها لي، ثم لا ينفذها أبداً، قالها وقتها، ثم نسيها، أما المؤمن فكل كلمة تصدر عنه, أنت لست مكلفًا أن تحمل نفسك ما لا تطيق، أما إذا تكلمت كلمة فيجب أن تنفذها، حتى من المختارين يعد ويعد ويعد، وينسى أن ينفذ ما وعد, لذلك:

﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾

[سورة الأعراف الآية: 102]

الوفاء بالعهد والعقد والوعد من صفات المؤمن.
والله عز وجل قال:

﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾

[سورة التوبة الآية: 111]

فأنت قبل أن تعد, فكر أن هذا الوعد لا بد من أن يحقق، حتى في أخص خصوصياتك، ومع من حولك، ومع أولادك، وأخوتك, الوفاء بالعهد، والوفاء بالعقد، والوفاء بالوعد، هذه كلها من صفات المؤمن.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018