بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 51 - تفسير الآيتان 114-115، الكلمة الطيبة ومشاققة النبي

2003-03-07

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا بما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

من دلائل تكريم الله للإنسان أنه علمه البيان أي اللغة :

أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الواحد والخمسين من دروس سورة النساء ومع الآية الرابعة عشر بعد المئة وهي قوله تعالى:

﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ ﴾

اللغة عنصر أساسي للتفاهم والتواصل
الحوار، الكلام، والإنسان مخلوق مكرم، ومن دلائل تكريمه أنه علمه البيان.

﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾

[ سورة الرحمن: 1-3 ]

تصور مجتمع بلا لغة كيف نعيش؟ أوضح مثل الطفل يبكي ساعة لا تعلم مما يشكو، تطعمه يبقى باكياً، تسقيه الماء يبقى باكياً، تنظفه يبقى باكياً، ما في لغة يحكي معك، أما الكبير يقول لك: أنا جائع، أنا متألم، أشعر بدوار، أشعر بألم في الرأس، فهذه اللغة من تكريم الله لنا:

﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾

الإنسان مكرم على سائر المخلوقات بلغته
اللغة أداة اتصال بين أفراد النوع، اتصال راقي جداً، لو أننا مثلاً أردنا أن نمنع التجول في بلد وما في لغة، إذا فيها خمسة ملايين إنسان بالمدينة نحتاج إلى خمسة ملايين شرطي، يمسك كل شرطي إنسان يدفعه إلى البيت، ما في طريقة ثانية، أما في اللغة بلاغ من خمس كلمات بالإذاعة انتهى كل شيء، لا تجد إنساناً في الطريق، أرقى أداة اتصال بين أفراد النوع اللغة أداة تعبيرية تعبر بمقتضاها عن الفكر، وعن المشاعر، فأنت باللغة تعبر عن مشاعرك، وباللغة تعبر عن أفكارك، وباللغة تفهم أفكار الآخرين، وباللغة تفهم مشاعرهم، وباللغة تتصل مع من حولك، هذه اللغة.
اللغة أيها الأخوة من مظاهر تكريم الله لهذا الإنسان، وهي كشأن أي حظ من حظوظه، قد تكون أداة خير، قد تكون سلماً يرقى به الإنسان، وقد تكون دركات يهوي بها، ولحكمة أرادها الله لأن الإنسان مخير كل حظوظه حيادية، وكل قدراته حيادية، وكل إمكاناته حيادية، وكل شهواته حيادية، أية شهوة أودعها الله بالإنسان، وأي حظ آتاه الله للإنسان، وأية قدرة منحها الله للإنسان، يمكن أن تكون سلماً يرقى به إلى الجنة، أو دركات يهوي بها إلى النار، المال حظ الطريق للجنة بإنفاقه في سبيل الله، وطريق إلى النار بإنفاقه في سبيل الشهوات، والمرأة حظ طريق إلى الجنة بأن تتزوجها وأن تحسن إليها، وطريق إلى النار بأن تزني بها.

 

الكلام يمكن أن يرقى بالإنسان أو يهلكه :

الآن اللغة حظ، القدرة على الإقناع، الحوار، التكلم، فإما بهذا اللسان تعرف الناس بخالق الأكوان فترقى عند الله، وإما أنه بهذا اللسان تعرف الناس بمسالك المعصية والفسوق والفجور فيهوي بها إلى أسفل السافلين، اللغة حيادية، فيقول الله عز وجل:

﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ ﴾

الكلام هو أوسع نشاط بشري
أي اللغة نشاط، من أوسع نشاطات الإنسان، لا يوجد إنسان لا يتكلم، ليلاً نهاراً، في بيته، وفي الطريق، ومع من حوله، ومع من فوقه، ومع من دونه، ومع أصدقائه، ومع أعدائه، أوسع نشاط بشري هو الكلام، والذي يجب أن نلتفت إليه أن هذا النشاط البشري الواسع جداً وهو الكلام يمكن أن يرقى بالإنسان أو يهلك الإنسان.

((إن الرجل ليتكلم الكلمة لا يرى بها بأساً يهوي بها سبعين خريفاً في النار))

[ أخرجه الترمذي وابن ماجة والحاكم في المستدرك عن أبي هريرة ]

ورد في الأثر أن قذف محصنة تهدم عمل مئة سنة، قذف محصنة إنسانة مؤمنة شريفة طاهرة أنت اتهمتها ظلماً ولو إشارة، التعبير أنواع، في تعبير لفظاً، في تعبير إيماء، في تعبير إشارة:

((إن الرجل ليتكلم الكلمة لا يرى بها بأساً يهوي بها سبعين خريفاً في النار))

[ أخرجه الترمذي وابن ماجة والحاكم في المستدرك عن أبي هريرة ]

(( إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالاً يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ...))

[ رَوَاهُ البُخَارِيُّ وأحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

﴿ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾

[ سورة إبراهيم: 24-25]

أفضل صدقة عند الله كلمة طيبة :

الكلمة الطيبة صدقة ودعوة ونصح
كلمة طيبة طارت في الآفاق، كلمة طيبة عمّ خيرها في العالمين، الأنبياء بماذا جاءوا أيها الأخوة؟ الآن في صواريخ، حاملات طائرات، كمبيوتر، في منجزات، في أقمار صناعية، في مركبات فضائية، ومع ذلك البشرية شقية من أقصاها إلى أقصاها، الأنبياء بماذا جاءوا؟ بالكلام، بكلمة طيبة، وأفضل صدقة عند الله كلمة طيبة، فالكلمة الطيبة صدقة، والكلمة الطيبة دعوة، والكلمة الطيبة نصح، والكلمة الطيبة تعريف بالله، والكلمة الطيبة إصلاح بين إنسانين، والكلمة الطيبة عمل لا ينتهي:

((إن الرجل ليتكلم الكلمة لا يرى بها بأساً يهوي بها سبعين خريفاً في النار))

[ أخرجه الترمذي وابن ماجة والحاكم في المستدرك عن أبي هريرة ]

الإمام الغزالي رحمه الله تعالى عدّ في إحيائه سبع عشرة معصية أساسها الكلام، فالغيبة من معاصي اللسان، والنميمة، والبهتان، والسخرية، والمحاكاة، والكبر، معاصي اللسان لا تعد ولا تحصى، بل نقطة هنا أن أحد أصحاب النبي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ، أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِم ))

[ أخرجه الترمذي وصححه وابن ماجه والحاكم عن معاذ ]

المؤمن يجب أن يضبط كلامه
لذلك المؤمن يعد كلامه جزءاً من عمله، يضبط لسانه، فبكلمة قد ترقى عند الله:

((لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ، وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ))

[ أحمد عن أنس بن مالك]

وعلامة المؤمن منضبط، لا غيبة، ولا نميمة، ولا محاكاة، ولا تقليد، ولا سخرية، ولا فحش، ولا تفحش، هذا المؤمن، بل إن الفرق الصارخ بين مؤمن وغير مؤمن، أن المؤمن منضبط في كلامه، قد تعاشره أربعين عاماً فلا تسمع منه كلمة نابية، ولا تجريحاً، والمنافق لربع ساعة تلتقي به مزاح منحط، وطعن، وكلمة بذيئة، وسباب فاحش هذه من صفات أهل الدنيا، فالله عز وجل في هذه الآية يقول:

﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ ﴾

الآن جلسات الناس، سهرات الناس، لقاءات الناس، لقاءهم مع بعضهم بعضاً ماذا يقولون؟ إما أن يكون حديثهم في سفاسف الأمور، أو في المعاصي والآثام، لو لم يكن هناك معصية حديثهم في سفاسف الأمور، أما النبي عليه الصلاة والسلام وصفه الله عز وجل بأنه في الأفق الأعلى، وكلما ارتقيت إلى الله عز وجل كنت في أفق أعلى.

 

العمل الصالح هو علة وجودنا في الدنيا :

أيها الأخوة، مرة ثانية: كما أن البيان من مظاهر تكريم الله للإنسان كذلك البيان مزلق خطير إلى جهنم عن طريق اللسان فقط، وقد تجد ما يسمى بزنى اللسان الآن، وهو شائع، أي قد يصل الإنسان في حديثه إلى مستويات منحطة جداً، على كلٍ يقول الله عز وجل:

﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ ﴾

يستنبط من هذا الكلام أن قلة من الناس وهم المؤمنون كلامهم طيب، وكلامهم عمل صالح، وكلامهم رقي إلى الله عز وجل:

﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ ﴾

أحياناً تجلس مع أناس جلسة لا ترى فيها حديثاً قيماً، شيء سخيف، وشيء تافه، وكلام فارغ، وكلام لا معنى له، ومضيعة للوقت، وتبديد للعمر، أما كلما ارتقى مقامك عند الله تحاسب نفسك على الكلمة، تحاسب نفسك على الحرف، (إلا) استثنى الله عز وجل من هذه النجوى، وقد نفهم من معاني النجوى الكلام السري، أي في لقاء سوف نفعل غداً كذا، نفعل بفلانة كذا، وسوف نفعل المطب الفلاني بفلان، النجوى يغلب عليه السرية والتكتم.

﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ﴾

أي أمر بعمل صالح لأن علة وجودك في الدنيا هو العمل الصالح، علة وجودك، والدليل: أنه حينما يأتي ملك الموت يقول الإنسان:

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ* لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ ﴾

[ سورة المؤمنون: 99-100]

إذاً علة وجودك هو العمل الصالح.

 

الدعوة لله عز وجل من أجلِّ الأعمال الصالحة بل هي من صنعة الأنبياء :

السعي لإيجاد عمل لشخص هو من العمل الصالح
الصدقة مطلق العمل الصالح، تتكلم بزواج امرأة برجل، تسعى بزواج شابة مؤمنة بشاب مؤمن هذا عمل صالح، تسعى بتأمين عملٍ لإنسان عاطل هذا عمل صالح، تسعى بدلالة إنسان على منبع للحق هذا عمل صالح، تدعو إنساناً لطاعة الله هذا عمل صالح، تعرفه بعظمة الله هذا عمل صالح، تبين له منهج الله في شأن معين هذا عمل صالح، تبين له شيئاً من سيرة النبي هذا عمل صالح، شيئاً من أخلاقه العلية هذا عمل صالح، أي حينما تدعوه إلى عمل صالح، حينما تدعوه إلى طاعة، حينما تدعوه إلى تضحية، حينما تدعوه إلى إيمان، حينما تدعوه إلى الالتزام، هذا كله عمل صالح، لذلك الدعوة لله عز وجل من أجلِّ الأعمال الصالحة، بل هي من صنعة الأنبياء:

﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ ﴾

أي تعاون بين الناس هو باب خير مفتوح على مصراعيه
أي بعمل يؤكد صدقك مع الله، أمرت إنساناً بعيداً أو قريباً أو صديقاً أو جاراً أمرته بعمل يؤكد صدقه في طلب الحقيقة، يجب أن توسع هذه الكلمة، صدقة، بمعناها الضيق بإنفاق المال، بمعناها الواسع بشيء يؤكد صدق الإنسان، لأن الصدقة برهان على أنك مؤمن.

﴿أَوْ مَعْرُوفٍ ﴾

تعارف الناس بفطرتهم السوية السليمة على أن هذا العمل طيب، والله أخبرني إنسان في محافظة في أقصى شمال شرق سوريا، توفيت زوجته عندهم تقليد رائع أن كل معزٍ يعزي طبعاً الوفاة مصيبة، وقد يكون المعزَّى رقيق الحال، فالمعزون يدفعون شيئاً من أموالهم معاونة لهذا الذي أصيب بفاجعة، شيء لطيف، شيء تقره الفطر السليمة، أنبأني أخ بإفريقيا أن هذا مطبق عندهم المعزون يبذلون شيئاً من أموالهم لمن فجعوا بهذا المصاب، فالذي فجع بموت والده أو موت أمه أو موت شقيقه يتلقى بعض المساعدات من أخوانه المؤمنين وهذا يعينه على حل مشكلاته، فأي عمل تقره الفطر السليمة، أحياناً يكون في تعاون بين الناس على شيء ما، وهذا باب مفتوح مَفتوح على مصراعيه، أي عمل فيه نفع للمسلمين هو عمل صالح، والفطر السليمة تقره، وينبغي أن نقف قليلاً عند قول الله عز وجل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ما المعروف؟ ما تعارفت عليه الفطر السليمة، ما المنكر؟ ما أنكرته الفطر السليمة.

 

العرف دائماً تقره الفطر السليمة :

إذاً: إما أن تدفع الناس بكلامك إلى عمل يؤكد صدق إيمانهم، أو يؤكد صدق إخلاصهم لله، أو بالمعنى الضيق إلى إنفاق أموالهم في سبيل الله، أو معروف أي شيء لم يرد في الدين لكن الأعراف تصدقه وتؤكده.
أن تصلح بين إنسان وربه
مرة حدثني أخ أنه في بعض البلاد الإسلامية أحد أنواع الوقف وقف الإصلاح بين الزوجين، أي مؤسسة فيها علماء، وفيها خبراء اجتماعيين، ومرصود مبالغ لها، فأي مشكلة بين زوجين يأتي المشرف، يأتي الشيخ يقنع الزوج، يقنع الزوجة، يعيد هذه الأسرة إلى وئامها، هذا عمل صالح، وقف للإصلاح بين الزوجين، فأي شيء يرقى بالمؤمنين يرقى بالمسلمين، يحل مشكلاتهم هذا أيضاً مما يرد بالمعروف. أي شيء لا نص فيه المرجع هو العرف، والعرف دائماً تقره الفطر السليمة.

﴿أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ﴾

أن تصلح بين أخوين، بين شريكين، بين زوجين، أن تصلح بين إنسان وربه، أن تصلح بين أخوين مؤمنين، فهذا كلام يحتاج إلى لقاء، وإلى حديث، وإلى بيان، وإلى أدلة، وإلى قصص، وإلى تخويف، وإلى ترغيب، وإلى تحذير، هذا كله كلام، فحينما ينطلق لسانك بالإصلاح بين الناس، أو ينطلق لسانك لحل مشكلات المسلمين من خلال معروف تفعله، أو حينما ينطلق لسانك بدفع الناس إلى عمل صالح يقربهم من ربهم، هذه النجوى إن كانت علانية أو سرية محمودة عند الله عز وجل:

﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ﴾

أول صفات المؤمن أنه منضبط بلسانه :

قال تعالى:

﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ ﴾

أي هو حينما يوفق إنسانين، يصلح بين إنسانين، يدفع إنساناً إلى طاعة الله، يحمله على العمل الصالح، يحمله على فعل الخيرات وترك المنكرات، قال:

﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾

العقل والنقل يتكاملان
إذاً يجب أن تعد أن كلامك من عملك، نحن متوهمون أن العمل فعل، أما هذا كلام بكلام، كلامك فعل أيضاً، بدليل أنك لو تكلمت كلمة بسخط الله تهوي بهذه الكلمة سبعين خريفاً في النار، أي هذا رئيس المنافقين ماذا قال؟ قال كلاماً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا الكلام جعله يهوي في جهنم سبعين خريفاً، كلمة قالها، فينبغي أن تعد ـ دقق ـ كلامك من عملك، بكلامك ترقى وبكلامك تسقط عند الله، وأول صفات المؤمن أنه منضبط، منضبط بلسانه، ثم يقول الله عز وجل:

﴿وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾

شاقق الرسول؛ أي خرج عن منهج النبي، منهج النبي عليه الصلاة والسلام من عند الله، النبي عليه الصلاة والسلام جاء بمنهج، عقلك إذا أعملته في الكون دلك على أن هذا الكون لا بد له من خالق، لكن هذا الخالق ماذا يريد منا؟ جاء الإيمان برسول الله الذي يبلغ عن الله، أي عقلك أوصلك إلى الله، ورسول الله أوصل إليك مراد الله منك، فالعقل والنقل يتكاملان، أنت بالكون تؤمن وبالشرع تعبد.

 

مشاققة الرسول :

كلمة التوحيد والرسالة لا إله إلا الله محمد رسول الله، لا إله إلا الله آمنت أن لهذا الكون إلهاً، رباً، خالقاً، مسيراً، واحداً في ذاته، وفي صفاته، وفي أفعاله، حسناً ماذا يريد مني؟ لماذا خلقني؟ ماذا بعد الموت؟ ماذا ينبغي أن أفعل؟ مليون سؤال، جاء رسول الله وأبلغك عن الله، مراد الله منك، لذلك الإسلام كله مضغوط بكلمتين؛ لا إله إلا الله محمد رسول الله، فهذا المنهج الذي جاء به النبي منهج الإنسان الذي ينبغي أن يسلم ويسعد، فلو أن الإنسان شذ عنه يكون قد شاقق رسول الله: نحن في عصر الأبيض والأسود ولا مكان للرمادي

﴿وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ ﴾

الرسول لو عصيت أمره أنت المتضرر الوحيد، هو في أعلى عليين، مشاققة الرسول هو أن تخرج عن منهجه، ومنهجه منهج كل إنسان يريد السلامة والسعادة، فالمشاققة أن تخرج عن منهجه، ألا تعتد بسنته، ألا تقيم وزناً لأمره، هذه مشاققة للرسول، لأن الرسول ما جاء بشيء من عنده إطلاقاً:

﴿وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى ﴾

الأمر واضح، الآن أخواننا الكرام، الأمور واضحة جداً بقي أن نعمل، أي ولاسيما بعد الأحداث الأخيرة، كان في أبيض وأسود ومئة ألف لون رمادي بينهما، الآن في أبيض وأسود أبداً، إما أن تخاف من الله أو من وحيد القرن، ما في إما أن تطلب الآخرة أو أن تطلب الدنيا، إما أن تحكم مصالحك وإما أن تحكم مبادئك، إما أن تكون مطيعاً وإما أن تكون عاصياً، إما أن تلهث وراء الشهوة وإما أن تلهث وراء رضوان الله عز وجل، الأمر واضح جداً.

 

الآية التالية آية تهديد :

لذلك:

﴿وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى ﴾

الأمر واضح وكل شيء أصبح واضح إلى درجة غير معقولة، ومع ذلك يتبع غير سبيل المؤمنين، هذا هو الإجماع، يتبع غير سبيل المؤمنين، المؤمنون لا يكذبون، المؤمنون لا يعينون كافراً على بعضهم، مستحيل! المؤمنون لا يسهلون العدوان على أخوانهم المؤمنين، مستحيل! المؤمن له سبيل، المؤمن يتحرج أن تموت هرة بسببه فكيف بما فوق الهرة؟ أي في تقديرات أولية أن أول يوم فيه مليون قتيل وأربعة ملايين شريد، فهذا الذي يعين هذه القوة الغاشمة، يسهل لها، يقدم لها الدعم، يقدم لها الأرض، يقدم لها كل ما تحتاج أين هو من الدين؟

﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

((المُسْلِمُ أخُو المُسْلِمِ لا يَخونُهُ وَلا يَكْذِبُهُ وَلا يَخْذُلُهُ، كُلّ المُسْلِمِ على المُسْلِمِ حَرَامٌ عرْضُهُ ومَالُهُ وَدَمُهُ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه ]

أي الحد الأدنى الذي يؤكد أنك مؤمن أنه لا يمكن أن تساعد الآخر على أخيك المؤمن، ولو لم يكن طائعاً لله، الحد الأدنى الذي يؤكد أنك مؤمن ألا تساعد عدواً على أخيك المؤمن، هذا الحق، فلذلك:

﴿وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

شق عنهم، شذ عنهم، خرق منهجهم، لم يعبأ بهدى رسول الله:

﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى ﴾

أنت مخير، نعطيك ما تريد، لكن:

﴿وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً ﴾

هذه آية تهديد، هكذا تريد؟! ليكن ما تريد، لكن انتظر العقاب.

 

الإنسان مخير في أن يكون في خدمة الخلق أو أن يكون في إيذائهم :

أنت مخير في أن تخدم الخلق أو تؤذيهم
قال تعالى:

﴿وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾

هذا الإنسان مخير.

﴿ كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ﴾

[ سورة الإسراء: 20]

ماذا تريد؟ تريد أن تكون في خدمة الخلق، لك ذلك، تريد أن تكون في إيذاء الخلق، لك ذلك، لا تؤذي من تريد، إنك تؤذي من يعد الأذى في حقه حكمة بالضبط، أدق كلام أن إنسان نوى أن يسرق، أنت مخير، لك ذلك، لكن الله يسوقه إلى من إذا سرق ماله اتعظ من هذه السرقة، يسوقه إلى من تعد سرقة ماله معالجة له، بالضبط، الله ينسق.

﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾

[ سورة الأنعام: 129]

الله ينسق.

 

الله تعالى يوظف الشر لمعالجة الآخرين :

الظالمون هم غضب الرب على العصاة
أنت تريد الشر، لكن الله يوظف لك الشر بمعالجة الآخرين، أوضح مثل:

﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ﴾

[ سورة القصص: 4-6]

هذا ترتيب الله عز وجل، إذا عصاه من يعرفه سلط عليه من لا يعرفه، إلى أن يعود الذي يعرفه وقد عصاه، فإذا عاد إليه قواه ومكنه من الذي ظلمه إلى أن يعود الظالم إلى الحق، يسوق هؤلاء لهؤلاء، وهؤلاء لهؤلاء، لذلك سألوا مرة تيمورلنك: من أنت؟ أجاب إجابة رائعة، قال: أنا غضب الرب، يعني الإنسان يغضب يعلو صوته، قد يكسر آنية بيده، وإذا غضب الله يرسل تيمورلنك، يرسل هولاكو، يرسل وحيد القرن، أبداً، أنا غضب الرب، أنا ملك الملوك ومالك الملوك.
في الأثر القدسي: "قلوب الملوك بيدي، فإن العباد أطاعوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة، وإن هم عصوني حولتها عليهم بالسخط والنقمة، فلا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك، وادعوا لهم بالصلاح، فإن صلاحهم بصلاحكم".

 

أساليب المؤمن في الحياة :

قال تعالى:

﴿وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ ﴾

لمجرد أن تخرج عن منهج النبي شاققته، انسلخت عنه، خرقت منهجه، لم تستقم على منهجه:

﴿وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

المؤمنين لهم سبيل، لهم نظم، لهم قيم، لهم مبادئ، لهم أساليب في الحياة أساسها الصدق والأمانة والعفة والانضباط والإحسان والإنصاف والعدل، هذا سبيل المؤمنين:

 

﴿ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

لأنه مخير:

﴿ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى ﴾

لك ذلك، لكن لك ذلك لا على من تشاء أنت على من نشاء نحن، حينما يريد الإنسان أن يظلم إنساناً هو أراد أن يظلم لكن الله يسوقه إلى من يعد هذا العمل في حقه حكمة:

﴿ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى ﴾

كما تريد:

﴿ أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ ﴾

[ سورة الزخرف: 79 ]

لك ذلك وادفع الثمن.

 

هان أمر الله علينا فهنّا على الله :

لما هان أمر الله علينا هنا على الله)
قال له: عظني ولا تطل، قال: قل آمنت بالله ثم استقم، قال: أريد أخف من ذلك، قال: إذاً فاستعد للبلاء، تحمل، يا ربي كم عصيتك ولم تعاقبني، قال: عبدي كم عاقبتك ولم تدرِ.

﴿ وَقَالَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾

[سورة المائدة: 18 ]

الذي يقوله المسلمون اليوم نحن من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، قل: فلم يعذبنا بذنوبنا، لأننا لم نتبع منهج النبي، نحن بشر ممن خلق، من دهماء الأمم، هان أمر الله علينا فهنا على الله، والله ما من أمة في هذه المرحلة أشد هوناً من المسلمين أبداً، لا قيمة لقتلاهم أبداً، قتلاهم بلا ثمن، أما أي إنسان آخر إذا قتل تقوم الدنيا ولا تقعد، أما مئات وألوف الأشخاص بلا ثمن، لأن أمر الله هان عليهم فهانوا على الله:

﴿ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

أنت اتخذ قراراً:

﴿ أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ ﴾

[ سورة الزخرف: 79 ]

أردت أن تفعل هذا افعل وادفع الثمن، اعملوا ما شئتم:

﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ* ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴾

[سورة الغاشية: 25ـ 26]

لا بدّ للإنسان من أن يدفع ثمن اختياره :

قال تعالى:

﴿ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى ﴾

لك ذلك، لكن المصيبة في دفع الثمن، إنسان يرتكب جريمة يحقق ربح كبير، يتمتع يومين أو ثلاثة، ثم يلقى القبض عليه، يحاكم بالإعدام، يساق للمشنقة، وصل إلى طريق مسدود، يحب أن يضحك؟ يضحك، لا بد من أن يعدم، يحب يبكي؟ يبكي، لا بد من أن يعدم، يحب أن يتوسل؟ يتوسل، لا بد من أن تعدم، فأنت تختار لكن بعد الاختيار دفع الثمن، اعملوا ما شئتم:

﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ* ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴾

[سورة الغاشية:25ـ 26]

أيها الأخوة الكرام، هذه آية خطيرة وهي مناسبة:

﴿وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾