بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الفقه الإسلامي : أحكام الصلاة


1985-09-29

 الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة المؤمنون:
 في موضوع الصلاة، وفي موضوع النوافل بالذات، جاء في مراقي الفلاح أنه قد سنَّ سنَّة مؤكدة، ركعتان قبل الفجر، بل إن هاتين الركعتين قبل الفجر آكد السنن، وليس من سنة أشد توكيداً منها، حتى إن الفقهاء يرون أنك إذا دخلت المسجد والإمام يصلي الفرض وتظنه يطيل في القراءة، يجب عليك أن تصلي ركعتين خفيفتين إتماماً للفائدة التي نوه بها النبي صلى الله عليه وسلم، ركعتان قبل الفجر وهي أقوى السنن، حتى روى الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى: لو صلاها قاعداً من غير عذر لا يجوز، والمقصود ركعتا الفجر.

((عَـنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا تَدَعُوهُمَا وَإِنْ طَرَدَتْكُمُ الْخَيْلُ ))

(سنن أبي داوود)

  يعني في كل الأوقات، في كل الأحوال، وفي كل الظروف، وفي الشدائد لا تدعوهما، وإن طردتكم الخيل، وقال عليه الصلاة والسلام:

((عَنْ عَائِشَةَ: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: رَكْعَتَا الْفَجْرِخَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا))

(صحيح مسلم )

  هناك أخٌ قال لي: سبحان الله، صلاة الفجر في المسجد لها طعم لا أتذوقه في صلاة أخرى. قلت له: إن الله سبحانه وتعالى هكذا يقول:

﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً (6)﴾

(سورة المزمل )

  ما ينشأ من صلة بين العبد وربه في الليل من نوع خاص، أشد وطأً، أي أشد تأثيراً، وأقوم قيلاً، أي أصح علماً، أي قد يفتح الله سبحانه وتعالى على قلب المصلي معاني في كتاب الله لم تخطر بباله، بل إنك إن أردت أن تتعمق في الأمر فالصلاة مدرسة، وإذا تلوت قوله تعالى في صلاتك فربما فهمت من قوله تعالى معاني لا تجدها في أي كتاب:

﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282)﴾


﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (11)﴾

(سورة التغابن )

  إذاً رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، إذاً سنَّ سنَّةً مؤكدة، ركعتان قبل الفجر، وركعتان بعد الظهر، وركعتان بعد المغرب وركعتان بعد العشاء، هذه من السنن المؤكدة، ومعنى المؤكدة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلاها في كل الأحوال، وأربع قبل الظهر أيضاً من السنن المؤكدة، وأربع قبل الجمعة، وأربع بعد الجمعة.
 والآن النفل نوعان: صلاة مؤكدة وصلاة مندوبة، ومعنى مندوبة أن النبي عليه الصلاة والسلام رؤي يصليها وفي أوقات لم يصلها، أما المؤكدة فكان يصليها دائماً.
 والسنن المؤكدة:ركعتان قبل الفجر، وركعتان بعد الظهر، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وأربع قبل الظهر، وأربع قبل الجمعة وأربع بعد الجمعة، فهذه السنن المؤكدة.
 أما أربع ركعات قبل العصر من السنن المندوبة، إي إذا كان الإنسان معه بحبوحة من الوقت، ومستريح جداً، ففي مثل هذه الأحوال يصلي أربع ركعات قبل العصر سنّة مندوبة، وأربع قبل العشاء أيضاً سنّة مندوبة وليست مؤكدة، وأربع بعده عوضاً عن ركعتين، ركعتان مؤكدة، وأربع ركعات مندوبة، وست بعد المغرب، وقالوا: هذه صلاة الأوّابين، وهذه الركعات المؤكدة، والمندوبة، لكن آكد هذه السنن ركعتا الفجر، لأنها مؤكدة جداً لا ينبغي أن تصلى قاعداً إلا بعرف، وإذا تيقّنت أو ظننت أنك تصلي ركعتين، والإمام لا يزال في الركعة الأولى فصلِّ الركعتين والإمام يصلي، لشدة حرص النبي عليه الصلاة والسلام، ولأنه لا ينطق عن الهوى.

((وعَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا، وَمَا فِيهَا ))

(صحيح مسلم)

  وإذا كان لدى إنسان فندق، ودخله اليومي مائة ألف صافٍ،
 فالنبي يقول اللهم صلِّ عليه:

((عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا، وَمَا فِيهَا))

  وأحياناً تجد سوقاً بأكمله هذا لفلان، وإذا كان كل محل بمليون، فركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها، لأن الدنيا تنقطع، والآخرة متصلة و هذا هو السبب، فالدنيا تنتهي بالموت، ولكن الصلة بالله عز وجل، واكتساب الرحمات هذا زادك إلى قيام الساعة !
 وبالمناسبة لو صليت أربع ركعات نفل أي سنّة مؤكدة، أو غير مؤكدة فيجب أن تقرأ في الركعات الأربع بعد الفاتحة، ولا ينبغي أن تقرأ دعاء الاستفتاح في الثالثة، في درس آخر إن شاء الله تعالى ننتقل إلى فصل في تحية المسجد، وصلاة الضحى، وإحياء الليالي.

* * *

 والآن إلى فصل آخر مختار من إحياء علوم الدين: في الدرس الماضي تحدثنا عن فضل التهليل أي قول لا إله إلا الله، وكيف أن لا إله إلا الله الكلمة الأولى في الإسلام، واليوم فضل التسبيح والتحميد، وبالمناسبة بعضهم يقول: التسبيح هو التنزيه، والله سبحانه وتعالى تنزّهه عن كل نقص، وهذا جانب من معاني التسبيح، إنه جانب صغير، وجانب سلبي، لكن المعنى الإيجابي التمجيد، والتنزيه، فالتمجيد أي ذكر أسماء الله الحسنى، وذكر دقة صنعه، ذكر جليل حكمته، ذكر عظم خلقه و ذكر عدالته، فهذا هو التسبيح، أن تجول في أسماء الله الحسنى، وأن تمضي وقتاً في التعرف إلى الله عز وجل، رأيت جبلاً شامخاً.
 سبحان الله خطر في بالي بموسم الحر يشترون مكيّفاً بعشرة آلاف ليرة، ويستهلك كهرباء بمبلغ كبير في الشهر من أجل تبريد غرفة ثلاثة بأربعة بثلاثة ونصف، وهذه النسمات اللطيفة التي تهب على الأرض كلها، أو على منطقة بكاملها، لو أردنا أن نكَعِّب الأراضي والبلاد ونحسب كم تكلف هذه النسمات، سبحان الله نسمات من الله لطيفات، خير من مكيفات الأرض كلها، وسبحان الله من خلق هذا الجو اللطيف ؟ وقد كان حارّاً، من خلق المطر ؟ قال لي رجل: المطرة ثمنها أكثر من ألف مليون ليرة، بآخر الصيف أمطار ثمنها، أي تتحول إلى محصول و إلى إنتاج زراعي أكثر من ألف مليون ! فالمطر سبحان الله، فالجبال والبحار الشاسعة، والحيوانات الجميلة، تسمع بأسماك زينة، ولا تؤكل، لكنها كما سميت للزينة فقط، من أعطاها هذه الألوان ؟ وبعضها شفاف، وبعضها أسود فاحم، وبعضها له أرجل صغيرة، وبعضها له زعانف، وأشكال مخروطية ومغزلية ومفلطحة وعريضة، وأشكال تأخذ بالألباب، ومن هذا كله تقول: سبحان الله.
 وقد ترى طفلاً ينيخ جملاً فتقول: سبحان الله من ذلَّلَه ؟ هناك حيوانات تحب أن تقترب منها، خروف أحياناً الإنسان يشعر برغبة في وضع يده على صوفه، إنه وديع، وهناك حيوانات تتقزز منها، من جعله محبباً ؟ الله سبحانه وتعالى، سبحان الله معناها، إنسان نظر لابنه يعرفه معرفة يقينية انه كان نقطة ماء من شكَّل صورته ؟ كنت أسير في الشارع ابتدائية خرجت لتوّها، مئات الطلاب خرجوا إلى الشارع، لا يوجد طفل له صورة وجه يشبه طفلاً آخر، من صوّر هذه الوجوه بأرحام الأمهات ؟ سبحان الله، سبحان الله تأخذ معنى التمجيد.
 و كلما وقعت على آية دالة على عظمة الله، وهذه الآية على لطف الله، وهذه الآية على حكمة الله وقدرته، وعلى عطاء الله وعدالته، وعلى حلم الله، ومن يشتم الدين وقوته كقوة الحصان، فالله عز وجل قادر أن يصيبه بفالج، يشله فوراً، سبحان الله ما أحلمه، فكلمة سبحان الله تأخذ معنى أن تجول في أسماء الله الحسنى.
 طبعاً التنزيه أولاً، والتمجيد ثانياً، أما هذه الكلمات التي جاء بها النبي الكريم، الآن كأنني أتصور أنها قد فقدت مدلولها، فكلمة سبحان الله يقولها كل إنسان، ولو عرف ما يقول لا ستقام على أمره، فهذه الكلمات سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله كلمات لها وزن ثقيل جداً، ولكن لشدة غفلة الناس أصبحت كلمات تتلى وتقرأ وكأنها أوراد وتسابيح، والناس بعيدون عن فحواها ومضمونها.
 إذاً معنى التسبيح التمجيد، وهناك معنى إيجابي، ومعنى سلبي، والتنزيه هو السلبي، وأما التمجيد فهو الإيجابي، ومعنى ذلك أن الإنسان طوال النهار لا يخطر له من حياته في كأس ماء شربه، من صديق التقى معه، التقيت بهذا الصديق القديم، قال لك: هل عرفتني ؟ قلت له: فلان هل تعرف ماذا حدث في الذاكرة ؟ حدث عملية في منتهى التعقيد، صورة هذا الوجه عُرِضَت على الأرشيف ! على أرشيف الصور، فأنت تعرف مئتين إلى خمسمائة ألف... بأقل من ثانية عُرِضَت هذه الصورة على كل الصور التي في ذاكرتك، إلى أن وصلت إلى هذه الصورة، فهذه الصورة هذا فلان، تقول له: فلان، تقول سبحان الله، أحياناً الإنسان يسير في طريق مألوف لبيته من دون تفكير، ومن دون قصد، من أودع في الإنسان القدرة على العمل الآلي ؟ رحمة بالإنسان، فأحياناً يقوم بأعماله اليومية من دون تفكير ! يلبس ويحلق ويذهب لعمله، وهناك أعمال في المنزل معقدة يقوم بها كل يوم من دون تفكير، فهو مشغول بموضوع آخر، و أحياناً يقود سيارته في مكان مزدحم جداً تجده يتكلم مع الذي يجلس بجانبه في السيارة، ومعنى ذلك أن الله عز وجل إكراماً لهذا الإنسان زوده بمركز العمل الآلي هناك أعمال معقدة تنتقل من الإرادة إلى اللا إرادة، وأحياناً الإنسان يأكل، ولو عرف ما هذه العمليات المعقدة في الهضم، فاللعاب هضم، وحركة المري، وحلقات تتقلص بالتسلسل، فلو أن إنساناً علّقناه من قدميه بسقف وأسقيناه ماءً فالماء يذهب نحو الأعلى على خلاف الجاذبية، فما الذي جعل الماء يصعد نحو الأعلى ؟
لو دخل الإنسان لغرفة رياضة ويوجد على الحائط ثوابت، وعلٌق قدميه وتدلّى نحو الأسفل، وسقاه صديقه كأس ماء يصعد الماء نحو الأعلى فما الذي جعل الماء يصعد نحو الأعلى خلافاً لمبدأ الجاذبية ؟ هذه الحلقات التي في المري تتقلص بشكل تدريجي، قل سبحان الله، هذا تسبيح، فمعنى التسبيح بطعامك وشرابك وفي غذائك وعملك.... و أحياناً الإنسان يضع أذنه على ركبته، يميل أذنه، تأخذ أذنه وضع توازن، فمعنى ذلك أن هناك جهازاً معقداً جداً، جهاز التوازن، عبارة عن قنوات نصف دائرية، فيها سائل، وفيها أشعار حساسة جداً، فإذا الطفل مال فالسائل يصعد نحو مسافة أعلى قناة نصف دائرية، فيها أشعار عند مستوى معين و تحته يوجد سائل، وعندما يميل الطفل، فالسائل بحكم توازن السوائل الأفقي يظهر بنصف أشعار القسم اليمين، الإنسان يصلح.
 رجل يسير في الطريق سمع زمور سيارة فابتعد نحو اليمين، فقلت سبحان الله، فماذا بهذه ؟ كيف عرفت أن السيارة نحو اليسار ؟ يوجد جهاز بالغ التعقيد في الإنسان، يتلقى الصوت، باعتبار هناك أذنان تفاضل وصول الصوتين إلى الأذنين، التفاضل واحد على ألف وستمائة وخمسين جزء من الثانية ! هذا الجهاز يعرف أن الصوت وصل إلى هنا قبل هنا بواحد على ألف وستمائة وخمسين جزء من الثانية، واحد من هذه الأجزاء وصل الصوت إلى هذا المكان قبل هذا المكان، فعرف الإنسان أن السيارة على اليمين فاتجه نحو اليسار، فتقول: سبحان الله، طبعاً سبحان الله، وأحياناً الإنسان يضع شمعاً بالبيت يضعها على السقيفة على الرف تمضي سنة أو سنتان، ويوجد كهرباء فتنقطع الكهرباء فجأة، فيقول لابنه اصعد إلى السقيفة وأحضر الشمعات، ما معنى ذلك ؟ أن في الذاكرة مكاناً لهذه الشمعات، يعرف أن الشمعات مكانها بالبيت في المكان الفلاني، فقل:
 سبحان الله، من جهَّز لك هذه الذاكرة ؟ الوقت ضيق ولا يتسع لذكر النعم التي نحن محاطون بها.
 جلس إنسان ليحلق عند الحلاق فقل سبحان الله ! على ماذا أقولها ؟ ماذا بها ؟ لو كان لك أعصاب حسية في الشعر فعليك القيام بعملية جراحية تذهب بها إلى مشفى الشامي، وتحجز غرفة، ويعطوك إبرة مخدر لتحلق ما رأيك ؟ هل توجد غير هذه الطريقة ؟ لا، لا يوجد حل آخر، عليك أن تتخدر من أجل أن تحلق، إذا الإنسان قصّ أظافره، قل سبحان الله، حكمة بالغة، الله عز وجل جعل الأظافر بلا أعصاب حسية، فقط الأظافر التي أمرك بالتجمل والتنظف هو الذي خلق الإنسان، لو كان الآمر غير الخالق يصبح هناك تناقض ! قال لك: تنظف وتجمل، لكنه أعانك على ذلك، جعل لك الشعر بلا أعصاب حس، سبحان الله، فإن حلقت سبحان الله، وإن أكلت سبحان الله.
 يدخل الإنسان طبعاً إلى بيت الخلاء، هذا الطعام ما أجمله كان قبل أن يؤكل، فلما أُكِلَ صار كما ترون وتعلمون، إذاً هذه الدنيا، هذا الطعام الطيب الثمين اللذيذ هذا مصيره.

﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (64)﴾

(سورة العنكبوت)

  إذا كان الإنسان محبّاً لله عز وجل صادقاً فكيفما تحرك، سمع صوت عصفور فمن إكرام الله لنا خلق هذه العصافير، وإن رأيت وردة، مررت اليوم بطريق مزروع حشائش لونها أخضر، وفيه أزهار يمكن أن تقول: يوجد عناية بالغة في المدينة، وهذه الخاطرة معقولة، والله يوجد قفزة نوعية في تجميل المدينة، هذا كلام معقول، ولكن يوجد أبلغ من ذلك ! سبحان من خلق هذا الورد، يبعث البهجة في نفوس الناس، قل سبحان الله، أصبح نهارك كله تسبيحاً ! أنا لا أريد المظهر الشكلي أن يكون مَسبَحَة سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله، لا ليس هذا المطلوب، المطلوب أن يجول فكرك في آيات الله ونعمه، وفي هذه الآيات التي أودعها الله في الأرض هذا هو المطلوب، أنت مع الله، لا تكن في غفلة، مثلاً هذا التقويم، إن كنا قد كلفنا شركات أجنبية بعمل تقويم للأرض بكاملها، يقرؤه العربي والتركي والفرنسي والإنجليزي والياباني والهندي... تقويم واحد واضح، أحياناً تقرأ بالإنجليزي يوليو، ما معنى يوليو ؟ شهر ماذا هذه ؟ بالعربي يوجد مارس أيار، لكن القمر تقويم.

﴿وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ﴾

(سورة يونس)

  هذه اللام لام التعليل، خُلِق لهذا الهدف خصيصاً، الأرض كلها ترى القمر، اليوم واحد، غداً اثنين، وبعده ثلاثة، أربعة... حتى عندما يختلفون في إثبات الشهر يقولون: يا أخي اليوم أربعة عشر واضح مثل الشمس استدارة كاملة، فمعنى ذلك ربنا عز وجل جعل للقمر ترتيباً أن يكون فرق باليوم، واحد اثنان ثلاثة أربعة.. هذا من فضله تعالى، نقول سبحان الله، معنى سبحان الله طول النهار، وضعت رأسك لتنام، فهذا النوم من نعم الله، فالأعصاب لها استطالات، وتنتهي بنهايات دقيقة وترية جداً، وتبدأ الخلية العصبية الجديدة، فهذه الاتصالات بين الخلايا في الليل تتباعد ! فتأتي السيالة الكهربائية على الخلية وتجد مسافة كبيرة فتقف عندها، مثل إذا إنسان رأى ساقية عريضة جداً لا يستطيع أن يقطعها يبقى واقفاً، فالنائم طبعاً هو نائم يُفتَح الباب، ويهتف الهاتف، يدخل شخص، و يعطس فلان... فالعطاس ألم يسمعه ؟ نعم سمعه، لكن العطاس أراد أن يتابع فوجد طريقاً عريضاً هذا هو النوم ! جميع الأدوية المنبهة تقصر المسافة، والأدوية المنومة تبعد المسافة، لكن إذا كان هناك صوت كبير جداً فهذا الصوت الكبير يتجاوز المسافة البعيدة فيصحو الإنسان، وإذا كان الإنسان يلحق به وحش ووجد ساقية عريضة يقفزها، من دون مطاردة لا يقفز، يقول لك: واضحة جداً أنني لا أستطيع القفز فوقها، لكنه إذا كان مضطراً ويلحق به أحد فيقفز فوقها، وهكذا الصوت إذا كان الصوت شديداً

﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾

  جداً يستيقظ، كيف استيقظ ؟ معنى ذلك السيالة العصبية بلغت من الدرجة أنها تجاوزت هذه المسافة، النوم نعمة.

﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾

(سورة الروم)

  منامكم في الليل، هذا النوم، ما النوم ؟ يقول لك: استيقظت مثل الحصان مستريحاً، فإذا مر يوم واحد و لم تنم يتعكر ثلاثة أيام، يقول لك اختل توازني، وكلامه غير طبيعي، وليس عنده إمكانية للتفكير صافياً، وهذه من آيات الله عز وجل، فالنوم آية ! ومجال ممتع سبحان الله، إذاً هذا هو المقصود من التسبيح، أما أن تمسك مسبحة وتقول سبحان الله هذا مقبول، ولكنه غير مطلوب، والمطلوب أن تجول في عظمة الله، وفي أسمائه الحسنى وجلاله، وفي كماله وذاته المقدسة، وهكذا، فالنبي الكريم قال:

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ سَبَّحَ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ، وَكَبَّرَ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ، وَحَـمِدَ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ، وَقَالَ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، خَلْفَ الصَّلاةِ غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ، وَلَوْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ زَبَدِ الْبَحْرِ))

(مسند الإمام أحمد)

  بمعنى انتبه للمستوى، سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله يجول بآيات الله، الحمد لله على نعم الله، الحمد لله، الله أكبر، الله أكبر، ثلاثاً وثلاثين، ثلاثاً وثلاثين، ثلاثاً وثلاثين، ثم بعدها لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، طبعاً شُفيَت نفسه، وصار له صلة بالله عز وجل، نور الله عز وجل يمحو كل شيء، هذا أحد معاني التسبيح.
 والتاريخ يعيد نفسه، ورجل جاء النبي عليه الصلاة والسلام، قال يا رسول الله تولت عني الدنيا، وأحياناً الإنسان يضيق دخله رويداً رويداً فيسلّم محله، أعطوه فيه خمسين ألفاً، وضعها في جيبه، وعلى شهرين أو ثلاثة أو أربعة أنفقها جاء في يوم لا يملك ثمن خبز ! أراد أن يعمل في وظيفة فلم يجد مكاناً، له قريب حالته جيدة، فسأله هل حولك عمل ؟ فأجابه: والله الآن لا يوجد عمل، فالأعمال ضيقة قليلاً، ولا يوجد نقديات، أعطني مهلة قليلاً، فكر بالسفر فأخبروه أنه يلزمه فيزا، ولا يوجد فيزا، خطر بباله أن له ابن أخت بقطر نفطي، فقال له: أعوذ بالله لا أحد يسكن هناك ! لم يدع باب إلا وطرقه، والجميع كانت مغلقة.

(( جَاءَ رَجُلٌ إِلَى الَنِبي عَلَيِهِ الصَلاةُ وَالسَلام وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّه تَوَلَت عَنْيِ الدُنْيَا، أريد أن أعمل، أريد أن آكل، وَقَلَّتْ ذَاتُ يَدِي، لا أملك شيئاً، فَقَالَ عَلَيِهِ الصَلاةُ وَالسَلامُ: فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ صَلاةِ المَلائكَةِ ؟ وَتَسْبِيحِ الخَلائِقِ، وَبِهَا يُرْزَقُونَ ))

  فربنا عز وجل يضيّق عن علم وحكمة و عن مقدرة وغِنى يضيّق، أي ضاقت الدنيا على ألف ليرة بالشهر يأخذها ؟ لا يوجد ألف، خمسمائة ؟ لا يوجد.. أحياناً الإنسان يضطر أن ينقّب بالقمامة ! هل يوجد شيء يأكله ؟ ضاقت الدنيا، ضاقت ذات يدي، فقال له: أين أنت من تسبيح الملائكة ؟ هنا يوجد استنباط دقيق، أنك إذا سبّحت الله سبحانه وتعالى حق التسبيح، وحمدته حق الحمد، وسّع عليك. هنا انتقلنا لموضوع آخر.

﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً (16) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾

(سورة الجن)

﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ﴾

(سورة المائدة)

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ ﴾

(سورة الأعراف)

  وأحياناً إنسان يملك ألفي شجرة زيتون، يعيش في بحبوحة كبيرة تأتي حشرة، قيل: إن هذه أخطر حشرة بالزيتون لا أحد يعرف كيف تصبح الشجرة ! من الجذر يبست وماتت من الأعلى ! ولا تُجْدِي ومع هذه الحشرة جميع الطرائق ! إن بخختها من الأسفل تفرغ التربة كلها ؟ من الخارج سهلة تبخها، و من الأسفل من الجذور هي هل تفرغ التربة كلها ؟ شيء مستحيل،

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾

  فربنا عز وجل على كل شيء قدير. والشام يهطل فيها المطر بالعام مائة وخمسين ميلي لتر، والله الذي لا إله إلا هو، الله سبحانه وتعالى قادر أن ينزلها مرة واحدة، ويجعل كل مرة مائة وخمسين ميلي لتر، وتجد الأنهار السبعة الآن أكثرها واقف فيزيد جاف، وبانياس جاف.. يزيد خمسة أمتار في الصيف ! انتبه أن تغرق في النهر، هل سمعت أحداً غرق بالنهر اليوم ؟ لا أحد يغرق بالأصل لا يوجد ماء عميق ليغرق به.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾

  مجلس علم من أوله، هذا دليل أن الله يرزقه، أنت فرغت من أجلي وأنا هل أنساك ؟

((مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيِتُهُ فَوْقَ مَا أُعْطِي السَائِلِينَ ))

  أنت قادم من آخر الدنيا، من قرية ركبت الباص الأول والثاني، وتحمَّل الطريق معك سـاعتين، ما الهدف ؟ لا يوجد عندنا شيء، ولا يوجد دنيا الحمد لله، قدومك لله مائة بالمائة، يهزأ ويقلل لك رزقك ؟ مستحيل، وبها ترزقون. قال: فقلت وماذا يا رسول الله ؟

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ مَائَةَ مَرّْةٍ ))

(صحيح البخاري )

  على أسفار الكعبة يوجد حرف ناعم جداً: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، وقل هذه أيضاً: أستغفر الله مائة مرة ما بين طلوع الفجر إلى أن تصلي الصبح، تأتيك الدنيا راغمة صاغرة، الدنيا ليست مشكلة يا إخوان، كلمة دقيقة: الدنيا ليست مشكلة، المشكلة أن تكون بعيداً عن الله سبحانه وتعالى، إن كنت بعيداً فالأمور من ضيق إلى أضيق، فإذا توجهت إلى الله الدنيا ليست مشكلة، تأتيك وهي راغمة وصاغرة، كقوله تعالى:

﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4)﴾

(سورة المسد)

  راغمة صاغرة إذا التفت إلى الله، وإذا أعرضت عنه تجري بين يديك، وتضيق بك المكاسب، وتكثر المطالب، ويكثر الشجر، ويقل الثمر وتقع في حيص بيص كما يقولون.

((قال الرسول عليه الصلاة والسلام: إِذَا قَالَ العَبْدُ: الحَمْدُ لِلَّهِ، مَلأتْ ما بين السَـمَاءِ وَالأَرْضِ))

 فكلمة الحمد لله ليتنا نعرف معناها، الحمد لله على كل شيء، على السرَّاء والضرَّاء، فإذا قالها العبد وهو يعي ما يقول الحمد لله ملأت ما بين السماء والأرض، فإذا قال الحمد لله ثانية ملأت ما بين السماء السابعة إلى الأرض السفلى، فإذا قال: الحمد لله الثالثة، قال الله عز وجل: سل تُعطِ ! واسمع من المؤمنين الصادقين، تطلـب طلباً صعباً ينفذه الله، أعظم ما في الدين الدعاء ! أنت بالدعاء أقوى إنسان في الأرض، وأنا أعي ما أقول تماماً، وربنا معك، والخالق معك، وإن كنت مخلصاً له ودعوته من كل قلبك لا بد من أن يجيبك.
 قال: إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله، وإذا أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك، وإذا أردت أن تكون أكرم الناس فاتق الله، سـل تُعطَ، فالله عز وجل إذا أعطى أدهش ! وأحياناً من صفقة واحدة يغنيك إلى ولد ولدك، وأحياناً من زرعة واحدة، وفي بعض السنوات التي سافرت فيها إلى حلب وجدت فيها أن القمح موضوع على أطراف الطرقات ! سَألتُ جميع المستودعات في القطر، فأُجِبت بأنها لم تعد تتسع ! فقاموا ببناء مستودعات إضافية سريعة فقلت سبحان الله إنه إذا أعطى أدهش ! إذا أعطى قمحاً أدهش، وإذا أعطى بترول أدهش... هناك دول فقيرة جداً أصبحت في مصافِ الدول الراقية عن طريق هذه الثروة !

﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4) ﴾

(سورة قريش)

  قال رفاعة الزرقي: كنا يوماً نصلي وراء النبي عليه الصلاة والسلام، فلما رفع رأسه من الركوع، وقال: سمع الله لمن حمد، قال رجل وراءه: ربنا لك الحمد، فهذه الكلمة لم تكف قلبه، فلديه امتنان شديد ربنا لك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً ! من كثرة سروره بالهدى إذ نعمة الهدى معرفة الله، فإذا أنت عرفت الله فأنت لم يبق لديك الموت ! ما الموت ؟ الموت خَلْعُ بدلة فقط، وإذا عرفت الله حق المعرفة فأنت أصبحت بذلك خلقاً في الجنة ! وتبدأ الجنة هنا في الدنيا، الدنيا ليس لها قيمة إن أقبلت أو أدبرت، قال سيدنا عبد الرحمن بن عوف فيما أذكر، أو أبو الدرداء: جاءه رجل وقال له: لقد احترق حانوتي، قال: ما كان الله ليفعل، لا لم يحترق، بل احترق، ما كان الله ليفعل ! أخبره انه رأى حانوته بعينه، فلما عاد فإذا به ليس هو ! فعاد إليه وأخبره بأنه لم يحترق فأجابه: أعرف ذلك ! ما هذه الثقة بالله عز وجل ؟ هذا المؤمن إن أقبلت أو أدبرت هي عنده سيان،و لكن الإنسان إذا عرف الله عز وجل فالطريق أصبح مفتوحاً للآخرة، للأبد، سعادة إلى ما شاء الله، فقال له: الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً، قال: فلما انصرف النبي الكريم عن صلاته، فقال: من قال هذا ؟ اللهم صلي عليه، أُعجِب به، قال: أنا يا رسول الله قال.

((عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ الزُّرَقِيِّ قَالَ: كُنَّا يَوْمًا نُصَلِّي وَرَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، قَالَ رَجُلٌ وَرَاءَه: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: مَنِ الْمُتَكَلِّمُ ؟ قَالَ: أَنَا، قَالَ: رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلاثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّلُ ))

(صحيح البخاري)

  فانسرَّ النبي اللهم صلي عليه، إذ وجد كلمة تنم عن معرفة ! فكلمة الحمد لله، الحمد لله يلزمها قلب يعرفها، وقال عليه الصلاة والسلام:

((عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ فِي الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ: إِنَّهَا قَوْلُ الْعَبْدِ اللَّهُ أَكْبَرُ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ))

(موطأ مالك)

  ما أزال أركِّز على أن هذه الكلمات لها محتوى كبير جداً، إذا عشت محتواها فقد قلتها، أما الآن فيوجد نوع من الناس يحمل مَسْبَحة يقول:
 سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله.... ما هذه ؟ هكذا أصبح الإسلام ! أصبح طقوساً، كلمات بلا معنى، فكلمة سبحان الله تملاً ما بين السماء والأرض

((عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَحَبُّ الْكَلامِ إِلَى اللَّهِ أَرْبَعٌ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، لا يَضُرُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ))

(صحيح مسلم)

  هذه كلمات يسموّنها ملخصات، ومبادئ، سبحان الله أي له الأسماء الحسنى، جُل بهذه الأسماء، والحمد لله كل شيء فيه خير، والله أكبر مهما عرفته فهو أكبر، مهما عرفت عن عظمته فهو أكبر، لا حدود، ولا إله إلا الله كل شيء بيده ارتاح، علاقتك مع واحد فقط.

﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (123) ﴾

(سورة هود)

((عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلآَنِ، أَوْ تَمْلأُ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَالصَّلاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ، أَوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو، فَبَايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا))

(صحيح مسلم)

  الإيمان طهارة، تجد المؤمن مثل الطفل، أي بصفائه وذاتيته وبراءته، فهو لا يعرف الحقد والخب والمخادعة.. هكذا قال سيدنا عمر:
 لست بالخب ولا الخب يخدعني.
 الذي في قلبه على لسانه، لا يوجد عنده مواقف مزدوجة، بل موقف معلن، وموقف حقيقي، بريء.

((عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأُ الْمِيزَانَ، وَسُـبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلآَنِ، أَوْ تَمْلأُ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَالصَّلاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ، أَوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو، فَبَايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا ))

  والصدقة برهان، كل إنسان على وجه الأرض يقول: أنا أحب الله، كلام سهل، اسأل أي شخص أتحب ؟ يجبك طبعاً أعوذ بالله أنا لا أحب الله ؟ إنه روحي ودمي، يأتيه رجل ويسأله هل معك ليرتان ؟ يجيبه: لا املك فراطة، وبالوقت الذي يكون صندوقه كله فراطة، خمس ورقات لا يوجد والله، يقول له: والله، هل أنت تحب الله ؟ تجد إنساناً ملهوفاً دخل يطلب خمس ليرات مضطر، ومعك مئات الليرات فراطة، تقول: لا يوجد فراطة والله، وتقول والله أيضاً فوق كذبك ! وأنا أحب الله، وأحلف به كذباً، هذا كلام فارغ، كلام سهل، فالنبي قال: الصدقة برهان، وعندما تأخذ من جيبك مائة ليرة يمكن أن تتناول غداءك مع أهلك، وتأخذ عشرة الآلاف وتدفعها، وتأخذ خمسة الآلاف وتدفعها، تدفع لجامع خمسين ألفاً دفعة واحدة، رجل من مدة جمعة دفع للجامع هنا خمسين ألفاً ! وسجلوها، وأعطوه بها إيصالاً، والصدقة برهان، تؤكد محبتك لله عز وجل، يؤكد إيمانك، والصدقة برهان.وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ، وَالصَّلاةُ نُورٌ، الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ.

((عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ، غُرِسَتْ لَهُ نَخْلَةٌ فِي الْجَنَّةِ ))

(سنن الترمذي)

  أي يرى عمله في الجنة.

((عَنْ أَبِي ذَرٍّ، أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالأُجُورِ، يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ، قَالَ: أَوَ لَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ مَا تَصَّدَّقُونَ ؟ إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةً، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ، وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَيَأتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ ؟ قَالَ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلالِ كَانَ لَهُ أَجْرًا ))

(صحيح مسلم)

  إذا دفعت قطعة لحم من الصحن لأهلك وقلت: تناول هذه، فهي صدقة ! وفي بضع أحدكم صدقة ؟ هذه غريبة، حتى الزواج فيه أجر ! صنت نفسك، وصنت امرأة من الحرام فلك أجر على ذلك، فمعنى ذلك أن الفقراء صدقوا بما أن كل تسبيحة وكل تحميدة وكل تهليلة وكل لقمة وكل تكبيرة، وحتى الزواج فيه أجر إذاً أبواب الخير مفتحة لكل الناس.
 قيل: إذا خرج الرجل من بيته فقال: بسم الله، قال الملك: هُديت وإذا قـال: توكلت على الله، قال: كُفيت، فإذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، قال الملك: وقيت، فتتفرق عنه الشياطين ! فيقولون: ما تريدون من رجل قد هُدي وكفي ووقي ؟ هديت وكفيت ووقيت.
 ومرة ثانية من باب التأكيد، ككلمات فقط ليس فيها قيمة، كما يفعل بعض المسلمين، حفظ أوراده كلها، يوجد بعض الكذب والغش أو عمل سيء، أو يمين باطل وكاذب.... دائماً يقول: سبحان الله، سبحان الله سبحان الله، هذه ليست واردة، هذا النمط مرفوض، أما أن تكون في معانيها السامية فهذا هو المطلوب.
 الآن الإمام الغزالي جاء دوره، هذه كلها نصوص، قال: فاعلم أن تحقيق هذا لا يليق إلا بعلم المكاشفة ! هذا يلزمه قلب مستنير بالله عز وجل، قلب شفاف، وقلب يرى النِعَم فيحمد الله عليها، ويرى النِقَم فيخاف منها، ويرى فضل الله وتسيره، ويرى عظمة الله.
 قال: فاعلم أن تحقيق هذا لا يليق إلا بعلم المكاشفة !أما الذكر باللسان، والقلب لاهٍ، فهو قليل الجدوى، اطمئنوا هكذا قال الإمام الغزالي !! أما الذكر باللسان، والقلب لاهٍ، فهو قليل الجدوى لا جدوى منه، مثل بعضه، إن قلت سبحان الله مليون مرة، قل مائتي مرة ولكن أن يقولها وهو يتابع مسلسلاً مثلاً، وهو يسمع الغناء، وهو يأكل مالاً حراماً، أنا قلت وردي اليوم مائتي مرة، لا قيمة لها ! !أما الذكر فباللسان، والقلب لاهٍ، فهو قليل الجدوى وحضور قلب في لحظة الذكر، والذهول عن الله سبحانه وتعالى مع الاشتغال في الدنيا أيضاً قليل الجدوى، هذه أثناء الذكر فقط، ذهب للعمل فغَرِق فيه، ومرة ثانية قليل الجدوى ! أول مرة أثناء الذكر انشغال بالدنيا غير مجدية، والآن أثناء الذكر حضور قلب، التفت لعمله فنسي كل شيء، انغمس، أيضاً فهذا قليل الجدوى، يجب أن تكون مع الله، في صحوك وفي عملك وفي بيتك وفي الطريق وهذا هو المطلوب، ذكر كثير، وسوف نتابع هذا الموضوع في درس قادم إن شاء الله تعالى.
 والآن إلى بعض الأحاديث الشريفة:

((عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِوَسَلَّمَ يَقُولُ: ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلامِ دِينًا،وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولا))

(صحيح مسلم)

  أنا أريد هذه الكلمة:: ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَان، اسأل نفسك هذا السؤال:
 هل ذقت طعم الإيمان ؟ طعم لا يوصف لشدة حلاوته، ولكن هذا الطعم لا يذوقه إلا من استقام على أمر الله ! كالطمأنينة، فالإنسان قد يعيش حياة قهر وخوف وقلق.. و لم يذق طعم الإيمان، ذقتم طعم التوكل ؟ وطعم الصبر والاستسلام و التفويض، فهذه طعوم لا يعرفها إلا من ذاقها، لها ثمن، إن دفعتم الثمن، ذقتم طعم الإيمان، ولكن مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولا، اكتفى ! وهناك شخص لا تسعه السنّة فيريد بدعة، يريد أجهزة، هذا جهاز تكنولوجية العصر، نتركها لا نستفيد منها ؟ لا استفد منها، وافسد نفسك ! و لكن الإنسان أحياناً يشعر بان القرآن الكريم يكفي كل شيء، ذكر الله كل شيء، وصلاة قيام الليل كل شيء، وهناك شخص لا يكفيه هذا يريد أشياء أخرى، أشياء له مسلّيات ومجلات وكتب.. وشيء للتسلية، أما المؤمن فهو مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولا، فكلمة ذاق، للإيمان طعم، من ذاقه فقد عرفه.
 ذاكر الله في الغافلين، مثل الذي يقاتل في الفارّين، وذاكر الله في الغافلين كالمصباح في البيت المظلم، وذاكر الله في الغافلين كمثل الشجرة الخضراء في وسط الشجر الذي قد تحات من الصريب، أي من العطش قد يَبِسَ.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018