بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الفقه الإسلامي : الصيام


1988-04-10

 الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً و أرنا الحق حقاً و ارزقنا إتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة المؤمنون:
 لازلنا مع دروس الفقه المتعلقة بشهر الصيام، وصلنا في الدرس الماضي إلى أنه من كان مريضاً في رمضان فخاف الخوف المعتبر شرعاً ـ يوجد خوف غير معتبر شرعاً وسوسة، أو وهم، أو ظن لا يستطيع المسلم أن يفطر في رمضان بناءً على رخصة المرض إلا إذا كان خوف المرض معتبراً شرعاً ـ وهو ما كان مستنداً لغلبة الظن بتجربة، رجل يعاني من آلام في المعدة فكلما صام اشتدت به الآلام يغلب على ظنه أن الصيام يؤذيه بتجربة سابقة محققة عنده أو إخبار مسلم عدل يخبره أن الصيام يؤذيه، أو إخبار مستورٍ حاذقٍ والجمع بينهما أي أن يخبره طبيب مسلم ورع حاذق، إذا اجتمع في الطبيب المهارة والورع في الوقت نفسه فإخبار هذا الطبيب بضرورة الإفطار شيء يعد خوفاً شرعياً يجيز للمسلم الإفطار، ماذا يخبره ؟ أنه إذا صام ازداد مرضه أو تأخر شفاؤه، إذا كان كذلك أفطر وقضى يعني أفطر ذلك اليوم وقضى مكانه ولا شيء عليه آخر، لأن زيادة المرض وامتداده يفضي إلى الهلاك فيحترز عنه، هذا إذا كان مريضاً، إذاً المرض مقيد ليس مطلق المرض يجيز الفطر، بعضهم يتوهم أن مطلق المرض يجيز الفطر لا المرض المعتبر شرعاً بتجربة ثابتة فيها غلبة الظن أو بإخبار طبيب مسلم حاذق ورع.
وإن كان مسافراً وهو لا يضره الصوم أو لا يضره السفر إذا كان صائماً فصومه أفضل، سافر إلى مسافة عشرين كيلو متر أو ثلاثين كيلو متر بسيارة مريحة والجو شتاء لا يوجد حر فمثل هذا السفر لا يضر الصائم بل إن الصيام لا يضر، السفر إذا كان كذلك فصومه أفضل لقوله تعالى:

﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184)﴾

[ سورة البقرة ]

  لكن إن أفطر جاز وقضى، لأن علة المرض مشروطة بينما علة السفر مطلقة فإن أفطر المسافر جاز وقضى، لكن بعض العلماء قال إن السفر الذي به تقصر الصلاة هو السفر الذي يجيز للمسلم أن يفطر به، والمسافة التي تقصر بها الصلاة ثمانون كيلو متر وقال بعض العلماء: إن السفر أي سفر لا يعرى عن المشقة، فجعل نفسه عذراً يعني السفر على إطلاقه عد هو عذراً بخلاف المرض لأنه قد يخف بالصوم فشرط كونه مفضياً إلى الحرج عد السفر على إطلاقه سبباً موجباً للفطر.
الآن إذا مات المريض أو المسافر وهما على حالهما، مسلم مسافر مات في أثناء السفر أو مسلم مريض وهو مفطر مات في أثناء المرض قال: لم يلزمهما القضاء ولا قضاء عليهما لأن الله سبحانه وتعالى يقول:

((فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ))

[ سورة البقرة الآية: 184]

  هذا المريض وهذا المسافر اللذان ماتا في مرضهما أو سفرهما لم يجدا عدةً من أيام أخر إذاً لا شيء عليهم، الآن وإن صح المريض وأقام المسافر هذه العلة برأ منها وهذا السفر عاد منه، إذا صح المريض وأقام المسافر ثم ماتا لزمهما القضاء بقدر الصحة والإقامة إذا ماتا بعد مضي شهر من انتهاء الصوم وكانا في هذا الشهر صحيحين لزمهما القضاء بعد موتهما لوجود الإدراك بهذا المقدار لو عاشا بعد رمضان أسبوعين بصحة جيدة لزمهما قضاء نصف الشهر يلزمهما قضاء المدة التي صحا فيها أو أقاما فيها، لذلك إذا صح المريض أو أقام المسافر ثم أدركه الموت وكان بوعيه لزمه أن يوصي بإطعام مسكين عن كل يوم لم يستطع أن يؤده قضاءً هذا هو الحكم.
 الآن قضاء رمضان المسلم مخير فيه إن شاء فرقه وإن شاء جمعه بإطلاق النص قال تعالى:

((فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ))

[ سورة البقرة الآية: 184 ]

  يا ترى هذه الأيام الأخر متتابعة أم متفرقة، ما سكت عنه القرآن كان في هذا إطلاقاً، والمطلق على إطلاقه وهذا رحمة من الله تعالى والإنسان إذا شيء ربنا سبحانه وتعالى سكت عنه لا ينبغي له أن يسأل عنه لأن في السؤال حرج، لكن المستحب لو سألت عالماً أيهما مستحب أن نصوم هذه الأيام التي فاتتنا في المرض أو السفر أن نصومها متتابعةً أو نصومها متفرقةٍ ؟ لكان الجواب المستحب المتابعة لماذا ؟ مسارعةً إلى إسقاط الواجب، أما إذا أخر المسلم ما عليه من أيام أفطر بها أخر قضاءها إلى أن جاء رمضان آخر فهذا له حكم آخر وإن أخره حتى دخل رمضان آخر صام الثاني لأن القاعدة الشرعية تقول: رمضان ظرفٌ لا يسع غيره، يعني في رمضان لا يسع رمضان إلا أن تصوم رمضان أما أن تجمع في رمضان بين صيام الفرض وصيام الكفارة أو القضاء فهذا مستحيل.
 إذاً من أخر من فاته من أيام في رمضان إلى أن جاء رمضان آخر صام الثاني لأن وقته حتى لو نواه عن القضاء لا يقع إلا عن أداء لو نوى أن يصوم رمضان قضاءً عن رمضان آخر لا يقع إلا أن يكون أداءً لرمضان جديد، وقضى الأول بعده لأنه وقت القضاء على مذهب أبو حنيفة رضي الله عنه لا وجوب عليه وعلى بعض المذاهب إذا جاء رمضان الآخر ففي هذا إهمال عليه أن يقضي ما فاته وأن يدفع عن كل يوم ثمن إطعام مسكين لكن على المذهب الحنفي لا شيء عليه لأن وجوب القضاء على التراخي من دون تحديد، يعني إذا الإنسان أفطر برمضان لعذر من سفر أو مرض وجاء رمضان الثاني صام الثاني وقضى ما عليه بعد رمضان الثاني.
 الآن الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما نسباً أو رضاعةً ولو أنها ترضع غير ولدها، أو إذا خافتا على أنفسهما، إما الخوف على النفس أو الولد أفطرتا وقضتا دفعاً للحرج ولا فدية عليها لأنه إفطار بسبب العجز فيكتف بالقضاء اعتباراً في المريض والمسافر هذا الحكم أما الشيخ الفاني الذي لا يقدر على الصيام لقربه إلى الفناء أو لفناء قوته يفطر ويطعم لكل يوم مسكيناً كما يطعم المكفر في الكفارات وكذلك العجوز الفاني هذا إذا كان ميسور الحال، وإذا كان فقيراً لا يملك قوت يومه ليس عليه شيء، والأصل فيه قوله تعالى:

﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184)﴾

[ سورة البقرة ]

  في بعض التفاسير أي لا يطيقونه، أما لو قدر الشيخ الفاني على الصوم بعد انقضاء رمضان لن تقبل منه الكفارة عليه أن يصوم لأن شرط الفداء تعذر القضاء.
 الآن من مات وعليه قضاء رمضان فأوصى به أطعم عنه وليه إذا الإنسان كان على فراش الموت وقد أفطر في رمضان الماضي بعذر من مرض أو سفر ثم أدركه الموت فعليه أن يوصي بإطعام مسكين عن كل يوم أفطره بشرط أن تكون قيمة هذا المال لا تزيد عن ثلث التركة لأن الثلثين من حق الورثة، لو كان الإنسان يجب أن يأكل بخمسين ليرة في اليوم فرضاً ثلاثين يوم ألف وخمس مائة لو أن الألف والخمس مائة أقل من الثلث لا يجب عليه إلى الثلث، لأن ثلث المال يحق للمتوفى أن يتصرف فيه أما الثلثان فمن حق الورثة.
 لكل يوم مسكيناً نصف صاع من بر ـ قمح ـ أو صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير، لأنه عجز عن الأداء في آخر عمره فصار كالشيخ الفاني هذا الذي يأتيه الموت ولم يصم ما عليه من رمضان، لابد من أن يوصي فإن مات ولم يوصِ بالإطعام لا يلزم على ورثته شيء لا ينبغي لناظر الوصية أن يأخذ من أموال الورثة مبلغاً ليقضي به ما فاته من صوم إن لم يوصِ لا يلزمهم شيء لو تبرعوا عنه من غير وصية جاز، وعلى هذا الزكاة.
 الآن من دخل في صوم التطوع أو في صلاة التطوع ثم أفسده قضاهما، يوجد عندنا قاعدة أن النفل إذا شرعت فيه يجب أن تتمه لقوله:

﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾

[ سورة البقرة ]

  هنا الحكم ليس الفرضية الحكم الإتمام، إذا شرعت في عبادة يجب أن تتمها وجوباً لأن المؤدى قربة وعمل فتجب صيانته بالمضي عن الإبطال، وإذا وجب المضي وجب القضاء بتركه، إذاً لا يباح الإفطار عند بعض الأئمة بغير عذر في إحدى الروايتين ويباح بعذر في رواية أخرى، يعني الذي يصوم نفلاً في بعض الأحاديث الصائم نفلاً أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر، بعض العلماء يقولون لا يجوز أن يفطر إلا بعذر وبعضهم قال يجوز أن يفطر من دون عذر لأنه صيام نفل أخذاً من هذا الحديث.
 لكن من العذر أن تدعى إلى طعام، أنت صائم صيام نفل دعاك أخ كريم وتكلف تقول له إني صائم النبي عليه الصلاة والسلام غضب من بعض أصحابه وقد دعوا إلى طعام فقال أحدهم إني صائم فقال عليه الصلاة والسلام: أخوك تكلف ودعاك وتقول إني صائم أفطر واقض يوماً مكانه.
 فالعلماء أخذوا أنه يجوز لمن يصوم نفلاً أن يفطر بعذر من العذر الدعوة إلى الطعام، أو زارك ضيف جاءك ضيف من سفر وأنت صائم نفلاً الأولى أن تفطر من أجله وأن تأكل معه إكراماً له والرأي الثاني يجوز أن تفطر من صيام النفل مطلقاً من دون قيد أو شرط ولكن المقصود من هذا الكلام أن المضي في العبادة واجب فمن بدأ نفلاً وأفطر فيه عليه أن يقضيه وجوباً لا اختياراً، الصيام اختياري فلما بدأت فيه وأفطرت عليك أن تقضيه، مثلاً طرح السلام سنة لكن رد السلام فرض، قال تعالى:

﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً (86) ﴾

[ سورة النساء ]

  لك أن تسلم أو لا ولكن إذا سلم عليك وجب عليك أن ترد السلام وإذا بلغ الصبي أو أسلم الكافر بنهار رمضان أمسكا بقية يومهما لو تصورنا إنسان لا يعتقد بالدين خلال مناقشة موفقة بين إنسان غير معتقد بالدين وهو مفطر اعتقد بأحقية هذا الدين الساعة الثانية عشر النظام الدقيق يجب أن يمسك عن الطعام والشراب بقية اليوم.
 إذا بلغ الصبي أو أسلم الكافر بنهار رمضان أمسكا بقية يومهما قضاءً لحق الوقت بالتشبه بالصائم، وصاما ما بعده لتحقق السببية والأهلية ولم يقضيا ذلك اليوم الذي فيه تم الإسلام أو تم البلوغ، لكن الإمساك عن الطعام مراعاة للنظام العام.
 الآن إذا حاضت المرأة أو نفست ـ أي دخلت بالنفاس ـ وهي الأيام التي تلي الولادة أفطرت وقضت وليس عليها أن تتشبه حال العذر لأن صومها حرام والتشبه بالحرام حرام، يعني إذا امرأة في الحيض أو بالنفاس من حقها أن تفطر، إذا في حالات نادرة أيام يكون الطفل صغير غير مدرك فإذا أفطرت أمامه يصعب عليه أن توضح سبب الفطر، هذه حالة ربما استخف الطفل بقدسية هذا الشهر لأن أمه رآها قد أفطرت، وقد لا تستطيع لصغر سنه قد تبين له لماذا هي تفطر، يعني يوجد حالات إذا كان المرأة حاولت أن تخفي إفطارها عن صغيرها لا مانع مراعاة للحرج.
 الآن إذا قدم المسافر أو برأ المريض أو طهرت الحائض أو النفساء في بعض النهار أمسكا وجوباً، المسافر وصل الساعة العاشرة إلى بيته في أيام رمضان صباحاً كان مفطراً مادام قد وصل إلى البيت ووصل إلى دار إقامته ينبغي أن يمسك بقية اليوم فإذا طهرت الحائض أو النفساء، أو برأ المريض، أو قدم المسافر في بعض النهار أمسكا وجوباً وهو الصحيح عن المفطرات من الطعام والشراب وغيرهما بقية يومهما قضاءً لحق الوقت تقديساً لهذا الشهر العظيم.
 ومن تسحر وهو يظن أن الليل باق، يعني سمع القرآن فظن القرآن الذي قبل الفجر، فإذا هو قرآن بعد الفجر من إذاعة أخرى فرضاً وكان قد أذن الفجر هذه حالة، أو أفطر وهو يرى أو يظن أن الشمس قد غربت ثم تبين أن الفجر كان، أيام يسمع الإنسان أذان من غير محطة يكون هذا الأذان قبل نصف ساعة وقته من أذان توقيت دمشق أو ما حولها يعني قد يحصل خطأ في الإمساك عن الطعام بعد الوقت المناسب، أو في الإفطار قبل الوقت المناسب ماذا يفعل ؟ قال: عليه أن يقضي ذلك اليوم الذي أفطر فيه خطأً لأنه حق مضمون بالمثل ولا كفارة عليه لقصور الجناية، يعني هذه الجناية ليست تامة، كيف ليست تامة ؟ ليس فيها عزم على الإفطار فما دام هناك جناية ناقصة إذاً عليه قضاء وليس عليه كفارة.
 ومن رأى هلال الفطر وحده لم يفطر، الدرس الماضي من رأى هلال رمضان وحده عليه أن يصوم فإذا أفطر وجب عليه القضاء الآن من رأى هلال الفطر وحده لم يفطر ويجب عليه الصيام احتياطاً النبي عليه الصلاة والسلام له أحاديث تعطينا نظاماً اجتماعياً.

(( صومكم يوم تصومون))

  أنت عضو في مجتمع، أنت مواطن في بلد مسلم إذا أعلن الصيام تصوم، أعلن الإفطار تفطر أما أن تنفرد وحدك بالصيام أو الإفطار ليس هذا مما يصح في القواعد الاجتماعية، من رأى هلال الفطر وحده لم يفطر ويجب عليه الصيام احتياطاً لاحتمال الغلط فإذا أفطر فعليه القضاء ولا كفارة عليه للشبهة، الآن وإذا كان بالسماء علة لم تقبل في هلال الفطر إلا شهادة رجلين أو رجل وامرأتين، مر معنا أنه تقبل شهادة رجل واحد في الدخول في العبادة لكن الخروج منها لا تقبل إلا شهادة رجلين أو رجل وامرأتين إذا كان في السماء علة من غيم أو غبار، وإن لم يكن بالسماء علة لن تقبل إلا شهادة جمع غفير يقع العلم بخبرهم هذه بعض الأحكام الأساسية التي نصت عليها بعض كتب الفقه على المذهب الحنفي وهي من كتاب اللباب في شرح الكتاب وسوف ننتقل في دروس أخرى إن شاء الله تعالى إلى بعض أبحاث الاعتكاف وما يتبعه من موضوعات متعلقة، أو يأتي الصيام مناسبة لها كدفع الزكاة والصدقة.

* * *

 والآن إلى قصة تابعي جليل من التابعين الذين نحن في صدد الحديث عن حياتهم تابعي اليوم اسمه صلة بن أشيم العدوي عابد من عباد الليل وفارس من فرسان النهار، وهذا وصف بعض أصحاب رسول الله، رهبان في الليل فرسان في النهار.
 كان إذا نشر الظلام أستاره على الكون وأسلمت الجنوب إلى المضاجع قام فأسبغ الوضوء ثم صف في محرابه ودخل في صلاته وهام وجداً بربه، فيشرق في نفسه سناً إلهي ينير لبصيرته أرجاء الكون، ويريه آيات الله في الآفاق وكان إلى ذلك مولعاً بقرآن الفجر قال تعالى:

﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً (78)﴾

[ سورة الإسراء ]

 فإذا أقبل الهزيع الأخير من الليل انحنى بصلبه على أجزاء القرآن وانطلق يرتل آيات الله البينات بصوت ندي وجرس شجي، فتارةً يجد للقرآن حلاوةً تأخذ بمجامع القلوب وتستأثر بمكامن الألباب من خشية الله، وأخرى يستشعر للقرآن خشعةً تُصدع فؤاده، ولم يكن صلة اسم هذا التابعي يفتر عن العبادة هذه قط، لا فرق في ذلك بين حله وترحاله وشغله وفراغه، حكى جعفر بن زيد فقال: خرجنا مع جيش من جيوش المسلمين في غزوة إلى مدينة كابل ـ وهي الآن عاصمة أفغانستان ـ رجاء أن يفتحها الله لنا وكان في الجيش صلة بن أشيم فلما أرخى الليل سدوله ونحن في بعض الطريق حط الجند رحاهم وأصابوا شيئاً من الطعام وأدوا العشاء الأخيرة ثم مضوا إلى رحالهم يلتمسون حظاً من الراحة ـ هذا جعفر بن زيد ـ فرأيت صلة ابن الأشيم يمضي إلى رحله كما مضوا، ويسلم جنبه إلى الرقاد كما فعلوا ينام، هذا تصرف فيه إخلاص لا يريد أن يحدث ضجيجاً أنه يصلي قيام الليل ذهب إلى فراشه مع من ذهب وأوى إلى مكان نومه فقلت في نفسي أين الذي يرونه من صلاة الرجل وعبادته ويشيعون من قيامه حتى تتورم قدماه ؟ والله لأرمقنه الليلة حتى أرى ما يكون منه، فما أن غرق الجند في نومهم حتى رأيته يستيقظ من رقدته وينحاز عن العسكر مستتراً بالعتمة ويدخل في غابة لفاء باسقة الأشجار وحشية الأعشاب كأنها لم تطأها قدمان منذ دهر طويل فمضيت في إثره فلما بلغ منها مكاناً قصياً التمس القبلة واتجه إليها وكبر للصلاة واستغرق فيها فنظرت إليه من بعد فرأيته مشرق الوجه ساكن الأعضاء هادئ النفس كأنما يجد في الوحشة أنساً وفي البعد قرباً وفي الظلمة ضياءً منيراً، وفيما هو كذلك طلع علينا سبع عظيم من الجانب الشرقي للغابة فما إن أثبته حتى انخلع فؤادي هلعاً حتى أصبح على قيد خطوات منه فوالله ما التفت إليه ولا حفل به فلما سجد قلت الآن يفترسه، فلما نهض من سجوده وجلس وقف السبع بإزائه وكأنه يتأمله فلما سلم نظر إلى السبع في سكون وحرك شفتيه بكلام لم أسمعه ـ يبدو أنه استعاذ بالله منه ـ فإذا بالسبع ينصرف عنه في هدوء ويعود من حيث جاء.
 من اتقى الله هابه كل شيء ومن لم يتقِ الله هاب كل شيء، ولما انبلج الفجر نهض وأدى المكتوبة ثم طفق يحمد الله عز وجل بمحامد لم أسمع مثلها قط، قال: اللهم إني أسألك أن تجيرني من النار وهل يجترئ أحد عبد خاطئ مثلي أن يسألك الجنة، وما زال يكررها حتى بكى وأبكاني، ثم رجع الجيش دون أن يفطن له أحد وبدا لعيون القوم كأنه بات على الحشايا ـ الفرش ـ وعدت أنا في إثره وبي من سهر الليل وفتور الجسم وخوف السَبُعِ ما الله به عليم.
 ولقد كان صلة إلى هذا كله لا يدع سامحة من سوامح الموعظة والتذكير إلا اغتنمها، وكان أسلوبه في ذلك أن يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة فيستميل النفوس النافرة ويستلين القلوب القاسية، من ذلك أنه كان يخرج إلى البرية في ظاهر البصرة للخلوة والتعبد فكانت تمر به طائفة من الشباب أرخت للصبى عنانها فتلهو وتلعب وتسرح وتمرح فكان يحييهم بأنس ويخاطبهم برفق ويقول لهم ما تقولن في قوم أجمعوا سفراً لأمر عظيم غير أنهم كانوا في النهار يحيدون عن الطريق ليلهوا ويلعبوا، وفي الليل يبيتون ليستريحون فمتى ترونهم ينجزون رحلتهم، ويبلغون غايتهم، ودأب على قول ذلك المرة تلو المرة فلقيهم ذات يوم وقال لهم: مقالتهم تلك فنهض شاب منهم وقال: والله إنه ما يعني بذلك أحداً غيرنا فنحن في النهار نلهو وفي الليل ننام ثم انحاز الشاب عن رفاقه واتبع صلة بن أشيم منذ ذلك اليوم وما زال في صحبته حتى أتاه اليقين.
 انظر الترفق بالدعوة إلى الله، قال تعالى:

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) ﴾

[ سورة آل عمران ]

  ومن ذلك أيضاً أنه كان يمضي ذات نهار في ثلة من أصحابه إلى غاية له، فمر بهم شاب رائع الشباب، ريان الصبا، قد أطال إزاره حتى جعل يجره على الأرض جر الخيلاء، فهم أصحابه بالشاب وأرادوا أن يأخذوه بألسنتهم وأيديهم أخذاً شديداً فقال لهم صلة دعوه لي أكفكم أمره، ثم أقبل على الشاب وقال في رفق الأب الشفيق ونبرة الصديق الحميم يا ابن أخي إن لي إليك حاجة فتوقف الفتى وقال: ما هي يا عم ؟ فقال: أن ترفع إزارك فإن ذلك أنقى لثوبك وأتقى لربك وأدنى لسنة نبيك ـ هذه الموعظة بلطف، بأدب، بذكاء بحكمة فقال الفتى في خجل: نعم ونعمة عين، ثم بادر ورفع إزاره فقال صلة لأصحابه: إن هذا أمثل مما أردتم، علموا ولا تعنفوا ولو أنكم ضاربتموه وشاتمتموه لضاربكم وشاتمكم وأبقى إزاره مسدلاً يمسح به الأرض، هذا درس لمن أراد أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.
 من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف، جاءه مرةً فتىً من فتيان البصرة فقال علمني يا أبا الصهباء مما علمك الله فهش له صلة وبش وقال: لقد أذكرتني يا ابن أخي ماضياً لا أنساه حيث كنت إذ ذاك شاباً مثلك فأتيت من بقي من صحابة رسول الله وقلت لهم علموني مما علمكم الله فقالوا لي: اجعل القرآن عصمة نفسك وربيع قلبك ـ اقرأه وافهم أحكامه وطبقه واجعله ربيع قلبك، داوم على قراءته والتغني به ـ وانتصح له وانصح المسلمين به، وأكثر من دعاء الله عز وجل ما استطعت، فقال الفتى: ادعو لي جزيت خيراً، فقال رغبك الله تعالى فيما يبقى وزهدك فيما يفنى ووهب لك اليقين التي تسكن إليه النفوس ويعول عليه في الدين.
 كان لصلة ابنة عم تدعى معاذة العدوية وكانت هي الأخرى تابعية بقيت أم المؤمنين عائشة رضوان الله عليها وأخذت عنها ثم لقيها الحسن البصري نضر الله روحه وسمع منها وكانت تقية نقية عابدة زاهدة وكان من عادتها إذا أقبل الليل أن تقول: قد تكون هذه آخر ليلة لي فلا تنام حتى تصبح وإذا أقبل عليها النهار تقول: قد يكون هذا النهار آخر يوم لي فلا يطمئن لها جنب حتى تمسي وكانت تلبس رقيق الثياب بفصل الشتاء حتى يمنعها البرد من الركون إلى النوم والانقطاع عن العبادة، وكانت تحيي الليل صلاةً واقتراءً ـ أي التعبد بقراءة القرآن ـ فإذا غلبها النعاس قامت وجالت في الدار وهي تقول أمامكِ يا نفس يوم طويل غداً تطول رقدتك في القبر إما على حسرة وإما على سرور فاختاري يا معاذة لنفسكِ اليوم ما تحبين أن تكوني عليه غداً.
 وكانت هذه زوجته وأنعم بها من زوجة ولم يكن صلة بن أشيم أواهاً، أواباً عابداً فحسب وإنما كان إلى ذلك فارساً مجاهداً وبطلاً مجاهداً قلما عرفت ساحات القتال كمياً ـ أي بطلاً ـ أشد منه بأساً أو أقوى نفساً، أو أمضى سيفاً حتى غدا قواد المسلمين يتنافسون في اجتذابه إليهم كل منهم يريد أن يظفر به في عسكره ليقطف بفضل شجاعته النصر الكبير الذي يطمح إليه.
  روى جعفر بن زيد قال: خرجنا في غزوة ومعنا صلة بن أشيم وهشام بن عامر فلما لقينا العدو انبرى صلة وصاحبه من صفوف المسلمين وأوغلا في جموع الأعداء طعناً بالرماح وضرباً بالسيوف حتى أثرا في مقدمة الجيش أبلغ الأثر، فقال بعض قادة العدو لبعض رجلان من جند المسلمين أنزلا بنا كل هذا فكيف لو قاتلونا جميعاً أنزلوا على حكم المسلمين ودينوا لهم بالطاعة، وفي سنة ست وسبعين للهجرة خرج صلة بن أشيم في غزاة له مع جيوش المسلمين المتوجهة إلى بلاد ما وراء النهر أي في تركستان وكان في صحبته ابن له فلما التقى الجمعان وحمي وطيس المعركة قال صلة لابنه: أي بني تقدم وجاهد أعداء الله حتى أحتسبك عند الذي لا تضيع عنده الودائع، فانطلق الفتى إلى قتال العدو كما ينطلق السهم عن القوس وما زال يقاتل حتى خر صريعاً شهيداً، فما كان من أبيه إلا أن مضى على أثره وظل يجاهد حتى ثوى شهيداً إلى جنبه، فلما بلغ نعيهما البصرى اتجهت نساء إلى معاذة العدوية ليواسينها فقالت لهن: إن كنتن جئتن لتهنئي فمرحباً بكم، أما إذا كنتن قد جئتن لغير ذلك فارجعن وجزيتن خيراً، ماداما قد قتلا في أرض المعركة ونالا شرف الشهادة فأنا ينبغي أن أهنأ بهما لا أن أعزى بهما هذه زوجته نضر الله هذه الوجوه النبيلة الكريمة وجزاها عن الإسلام والمسلمين خيراً فما عرف تاريخ الإنسانية أتقى منهما ولا أنقى.

* * *

 آخر فقرة في الدرس الآفة التي نتحدث عنها من آفات اللسان هي آفة السخرية، السخرية والاستهزاء محرم بقوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11)﴾

[ سورة الحجرات ]

  أية لفظة، أو عبارة، أو حركة، أو تصرف، أو مشية، أو محاكاة، أو إشارة أو عبارة تؤدي إلى السخرية فهي محرمة شرعاً بنص هذه الآية، لذلك لما سمع النبي عليه الصلاة والسلام من السيدة عائشة أنها قالت عن أختها صفية قصيرة قال: يا عائشة لقد قلت كلمة لو مزجت بمياه البحر لأفسدته.
 ومعنى السخرية الاستهانة والتحقير، والتنبيه على العيوب والنقائص على وجه يُضحك منه، وقد يكون ذلك بالمحاكاة بالتقليد في القول أو الفعل وقد يكون بالإشارة والإيماء ومرجع ذلك إلى استحقار الغير والضحك عليه والاستهانة به والاستصغار له وعليه قال تعالى:

﴿عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾

[ سورة الحجرات الآية 11]

  وفي حق النساء:

﴿عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾

[ سورة الحجرات الآية 11]

  كأن الله تعالى يقول لا تدري لعلك إذا احتقرته استصغاراً له لعله يكون خيراً منك هذا يحرم في حق من تأذى به فأما من جعل نفسه مسخرةً هكذا جاء في الكتاب وفرح بمن يسخر به كان السخرية في حقه من جملة المزاح، يوجد أشخاص قلة يحبون أن يضحك الناس عليه ويستمتعون بهذا، قال: هذا دخل في المزاح ولم يدخل في السخرية، هو تكلم كلام عن نفسه أضحك القوم، أنت لست آثم هو يفعل هذا بنفسه يتحدث عن نفسه، طبعاً الإنسان إذا كان في مجلس بشكل عرضي كان راكب سيارة عامة رجل قام وتكلم نكتة فضحكوا الناس فإذا ضحك ما فعل شيء، ما سخر منه هو سخر من نفسه، هذا دخل بالمزاح.
 أما أن تستصغر أخاك المسلم بحيث يتأذى بهذه السخرية فهذا من باب المحرمات التي تقطع الإنسان عن ربه، على كلٍ كما قال عليه الصلاة والسلام:

(( من كثر ضحكه قلت هيبته، ومن كثر ضحكه استخف به))

  شيء آخر من آفات اللسان إفشاء السر وهو منهي عنه لما فيه من الإيذاء والتهاون بحق المعارف والأصدقاء قال النبي عليه الصلاة والسلام:

((إذا حدث الرجل بحديث ثم التفت فهي أمانة ))

  يحدثك حديث سمع حركة فسكت هذه الالتفاتة تعني أن هذا الحديث يجب أن يبقى سراً بينك وبينه هكذا المسلم، أما بعد أن يتوسل إليك ويؤكد عليك ويقول لك: هذا الشيء بيننا بعد نصف ساعة يسمعه بالطريق، هذا أخلاق ليست من أخلاق المسلم، لم يقل لك شيئاً إنما التفت التفاته تعني أن هذا الذي قاله لك سر، طبعاً إلا إذا كان موضوع مخالفة للشرع، لو أسر لك إنسان أنه سيفعل كذا بفلان والفعل منافي للدين هذا بحث آخر، ثلاثة مجالس لا أمانة لهم مجلس فيه سفك دم حرام، وأكل مال حرام، أو انتهاك عرض حرام في هذه المجالس الثلاثة ليس لها سر، سمعت أنه سوف يأكل مال فلان اغتصاباً لا يجوز أن تسكت عنه هذا فيه حق.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018