خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0301 - البيت المسلم2- فطرة الآباء - حنان الأم وحليبها .

1990-05-11

الخطبة الأولى:
الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلَّم ، رسول الله سيِّد الخلق والبشر ، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أذنٌ بخبر ، اللهمَّ صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريَّته ومَن والاه ومَن تبعه إلى يوم الدين، اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم ، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر ، والطف بنا فيما جرت به المقادير ، إنك على كل شيءٍ قدير ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنـا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الطّبع و التّكليف :

أيها الأخوة المؤمنون ؛ لا زلنا في البيت المسلم ، لو أن الإنسان تأمَّل في تلك الطبيعة البشرية التي طُبِعَ الإنسان عليها ، كيــف أن الأب والأم مفطوران علـى حُبِّ الوَلَد ، فإن كل رعايتهما ، وكل عطفهما ، وكل حنانهما ، وكل رحمتهما إنما هي فطرةٌ فُطِرا عليها ، فليس في القرآن الكريم آيةٌ واحدة تدعو الآباء والأمهات إلى أن يرحموا الأبناء ؛ لأن هذا فطرة في طبع الإنسان ، رحمة بهذا الإنسان ، و لأنه استمرار للنوع الإنساني ، وضمان لتربية الصغار ، أودع الله عز وجل في كل أبٍ وفي كل أم دَفْقَةً من العطف ، والحنان ، والرحمة ، والعناية ، والشفقة ، والرأفة بأولادهما .
أودع الله في كل أب وأم عطف وحنان ورأفة بأولادهما
ولكن بر الآباء تكليف ، والآن نستخدم هذين المصطلحين ؛ طبعٌ وتكليف ، رحمة الآباء بالأبناء طبعٌ ، وبِرُّ الأبناء بالآباء تكليف ، ومن أجل أن تتحقّق العدالة فكل أبٍ كان طِفلاً ، تلقى رحمةً من أبويه ، تلقى عطفاً ، وعليه أن يَرُدَّ هذا الذي تلقَّاه منهما بحكم الفطرة عليه أن يردّه بحكم التكليف .
فيا أيها الأخوة المؤمنون ؛ لو تأمَّلتم في بديع صُنع الله عز وجل ، أية أم ؛ مؤمنةٌ ، غير مؤمنةٍ ، مستقيمة ، غير مستقيمة ، تعرف الله ، لا تعرف الله ، أية أم أودع الله في قلبها العطف والرحمة والحنان ، ضماناً لتربية الأولاد ، استمراراً للنوع البشري ، هذه فطرةٌ في الإنسان ، والشيء الذي فُطِرَ عليه الإنسان لا يُكَلَّفُ به ، فالإنسان مفطورٌ على حب الطعام والشراب ، فإذا أقبل على الطعام والشراب لا يرقى بهذا لأنه مفطورٌ عليه ، مفطورٌ على حب المال ، فإذا أخذ المال لا يرقى ، ولكن دفع المال تكليف ، أن ينظر إلى امرأةٍ في الطريق هذا مما حَبَّب الله إليه. .

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾

[سورة آل عمران : 14 ]

ولكن غَضَّ البصر تكليف ، والإنسان لا يرقى إلا بالتكليف ، إذا عاكس فطرته، إذا عاكس ما أودعه الله فيه ابتغاء مرضاة الله عز وجل عندئذٍ يرقى ، يرقى الإنسان بغض البصر ، ويرقى بدفع المال ، ويرقى ببر الوالدين ، ويرقى بالسُكوت عن الغيبة والنميمة ؛ طبيعة النفس تحب أن تسترسل في الحديث عـن الناس ، فإذا ألجمها الإنسان يرقى ، التكاليف في أصلها تُخالف طبيعة النَفْس ، من أجل أن يرقى الإنسان إلى الله عز وجل ، فبر الآباء بالأبناء طبعٌ ، ولكن بر الأبناء بالآباء تكليف . فلذلك لو تأمَّلتم صنع الله عز وجل لوصلتم إليه ، ولو تأمَّلتم طبيعة الإنسان ؛ كيف أن الأب والأم شغلهما الشاغل ، أهدافهما ، طموحاتهما ، أن يكون أبناؤهما في أجمل حال ، في أهدأ حال ، في أرقى حال ، هذا من عجيب صُنْعِ الله عز وجل ، أودع في قلوب الآباء والأمّهات تلك الرحمة ، وأمر الأبناء أن يردّوا على هذه الرحمة ، ببر الآباء والأمهات .

 

مخالفة النفس و الهوى سبب رقي الإنسان :

أيها الأخوة المؤمنون ؛ يقول الله سبحانه وتعالى :

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾

[سورة آل عمران : 14 ]

فالابن محبوب . آيةٌ ثانية :

﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾

[ سورة الكهف : 46]

﴿وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً﴾

[ سورة الإسراء : 6]

لا تقر العين إلا إذا كان الإبن بارا
هذه نعمةٌ يَستحق الله عليها الشُكر ، والدعاء القرآني :

﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾

[ سورة الفرقان : 74]

لا تقر العين إلا إذا كانت الزوجة صالحةً ، والابن باراً ، هذه طبيعة الإنسان ، هذه فطرة الله التي فطرَ الناس عليها ، لا تبديل لخلق الله .
إذاً : يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ من خلال هذه المقدمة التي ملخصها أن محبة الآباء للأبناء طبعٌ ، بينما برّ الأبناء بالآباء تكليف ، والطبع لا ترقى به ، إقبالك على الطعام لا يجعلك ترقى عند الله عز وجل ، إطلاق البصر في المُحَرَّمات هذه معصية ولا ترقى بها ، لكنك ترقى بغض البصر ، قبض المال لا ترقى به ، ولكنك ترقى بإنفاق المال ، أن تحب الشيّء الآجل لا ترقى به ، الله سبحانه وتعالى خَلَقَ الإنسان عجولاً ، فإذا آثر العاجلة على الآجلة يرقى، في ملَخَّص الموضوع أن الإنسان لا يرقى إلا إذا خالف نفسه وهواه .

﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾

[ سورة النازعات : 40-41]

ضرورة معرفة حقّ الكبير و رحمة الصغير :

أيها الأخوة المؤمنون ؛ ما دامت الرحمة بالأولاد شيءٌ فطر لله الناس عليه ، إذاً من لم يجد عنده هذه الرحمة فهذه حالة شاذة ، حالة مرضية ، النبي عليه الصلاة يقول في حديثٍ صحيح ، رواه الإمام الترمذي :

((ليس منا))

أي نفى انتماءه للإسلام ، أيْ ليس مسلماً ، وحيثمـا قرأتم في الأحاديث الشريفة أحاديث كثيرة مفتتحة بقوله عليه الصلاة والسلام :

((ليس منا ))

فهذا شيءٌ من الكبائر الذي ينفي عن المُسلم إسلامه ، وينفي عن المؤمن إيمانه ، بل ينفي أن ينتمي مثل هذا الإنسان الذي يفعل هذا الفِعل إلى مِلَّة النبي عليه الصلاة والسلام :

((من لم يرحم صغيرنا ، ويعرف حق كبيرنا فليس منا ))

[ من الدر المنثور عن عبد الله بن عمرو ]

الكبير يُعرف حقـه ، يحترم ، والصغير يُرْحَم ، هذا مما أراده النبي عليه الصلاة والسلام تقريراً لفطرةٍ فطر الناس عليها .

 

شعور الأب نموذجٌ مصغرٌ جداً عن رحمة الله سبحانه وتعالى :

شيءٌ آخر . . الإمام البخاري روى عن أبي هريرة رضي الله عنه حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :

((أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجلٌ - أتى النبي مفعول به مُقَدَّم ، أي أتى رجلٌ النبي عليه الصلاة والسلام - ومعه صبيّ فجعل يَضُمّه إليه - تعبيراً عن رحمته به - فقال عليه الصلاة والسلام : أترحمه ؟ قال : نعم ، فقال : فالله أرحم بك منك به))

[البخاري عن أبي هريرة]

حديثٌ دقيق ولا سيما هـذا الحديث موَجـهٌ إلى الآباء والأمهات ، ما شعورك تجاه طفلك الصغير ؟ إنه قطعةٌ مِنك ، إنه فِلْذة كبدك ، تحب أن تجوع ويشبع ، تحب أن تعرى ويكتسي ، تحب أن تخفض ويرتفع ، هذا الشعور ، النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

((فالله أرحم بك منك به وهو أرحم الراحمين ))

بل إن بعض الأحاديث الشريفة تقول : إن النبي عليه الصلاة والسلام رأى امرأةً تُقَبّل ابنها ، وهي تخبز على التنور فقال عليه الصلاة والسلام :

((فوالله ، لله أرحم بعباده من هذه بولدها))

[ من مختصر تفسير ابن كثير عن عمر]

فإذا أردت التَعَمُّق كأن الله سبحانه وتعالى جعل من علاقة الآباء بالأبناء درساً بليغاً تعرف به طَرفاً من محبة الله بخلقه ، من رحمته بهم ، شعورك أنت تجاه ابنك العاصي، تجاه ابنك العاق ، تتمنى له كل خير ، تتمنى أن يعود إليك ، لو عاد إليك تنسى كل الماضي ، شعور الأب نموذجٌ مصغرٌ جداً جداً جداً عن رحمة الله سبحانه وتعالى قال :

((أترحمه ؟ قال : نعم ، فقال : فالله أرحم بك منك به وهو أرحم الراحمين ))

العطف البليغ بين الآباء والأبناء فطرة :

ولقد روى الإمام البخاري أيضاً حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لبعض من شاهده :

((قدم ناس من الأعراب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : أَتُقَبِّلُونَ صِبْيَانَكُمْ ؟ فَقَالُوا : نَعَمْ ، فَقَالُوا : لَكِنَّا وَاللَّهِ مَا نُقَبِّلُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَأَمْلِكُ إِنْ كَانَ اللَّهُ نَزَعَ مِنْكُمْ الرَّحْمَةَ ))

.

[ متفق عليه عنْ عَائِشَةَ ]

أيْ أنَّ هذا العطف البليغ بين الآباء والأبناء فطرة ، فمن خالف الفطرة فهذه حالةٌ مرضية شاذة ، ولا ينتمي إلى هذا الدين بأي أنواع الانتماء . ولقد روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :

((قَبَّل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالس ، فقال الأقرع : يا رسول الله إن لي عشرة من الولد ما قبَّلت منهم أحداً ؟ فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم نظرة عجب وقال : من لا يرحم لا يُرحم))

[البخاري عنْ أبي هريرة]

وفي الحديث القدسي :

((إن كنتم ترجون رحمتي فارحموا خلقي))

[ كنز العمال عن أبي بكر ]

وقد روى الإمام البخاري أيضاً في حديثٍ صحيح ، قال : جاءت امرأةٌ إلى السيدة عائشة ، أعطتها عائشة ثلاث تمرات ، فأعطت كل صبيٍ لها تمرة ، وأمسكت لنفسها تمرة ، فأكل الصبيانِ التمرتين ونظرا إلى أمّهما ، فعمدت الأم إلى التمرة فشقَّتها نصفين ، فأعطت كل صبيٍ نصف تمرة - وحرمت نفسها نصيبها- فجاء النبي عليها الصلاة والسلام فأخبرته السيدة عائشة بما رأت من هذه المرأة ، فقال : وما يعجبك من ذلك ؟- أي ما المغزى من هذه القصة ؟ ما الذي لفت نظركِ منها ؟ ما موطن العجب ؟ أين كان مركز الثِقل في هذه القصة ؟ - فقال عليه الصلاة والسلام :

(( لقد رحمها الله برحمة صبيّها ))

والحديث الذي أرويه كثيراً مِن أن النبي عليه الصلاة والسلام قال :

((أول من يمسك بحلق الجنــة أنا - أيْ أول إنسان يدخـل الجنـة هو النبي عليه الصلاة والسلام - قال : فإذا امرأةٌ تنازعني تريـد أن تدخـل الجنة قبلي ، قلت: من هذه يا جبريل ؟ - طبعاً هي لا تعرفه ، هكذا سياق الحديث - قال : يا رسول الله إنها امرأةٌ مات زوجها ، وترك لها أولاداً فأبت الزواج من أجلهم))

[ مجمع الزوائد عن أبي هريرة ]

رعايةً لحقهـم ، رحمةً بهـم ، تأليفاً لقلوبهم ، جمعاً لشملهم ، تصفيةً لمشاعرهم، أبت الزواج من أجلهم .

 

المالك الحقيقي لكل شيء هو الله سبحانه و تعالى :

شيءٌ آخر الإمام البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى رويا معاً حديثاً متفقاً عليه عن أسامة بن زيد نص الحديث :

((أرسلت بنت النبي عليه الصلاة والسلام إلى أبيها أن ابني قد احتضر - أي دخل في مراحل النِزاع - فاشهدنا - أي احضر معنا يا أبتِ يا رسول الله ، يبدو أن النبي عليه الصلاة والسلام كان في أمر شديد الخطورة مع أصحابه - فأرسل النبي عليه الصلاة والسلام إلى ابنتها يقرؤها السلام ويقول لها - وهذا الحديث يحلُّ مشكلات الناس جميعاً - يقول لها : إن لله ما أخذ وله ما أعطى))

[ متفق عليه عن أسامة بن زيد ]

مالك هو عارية مستردة وهو المالك الحقيقي له
هذا يُطَبَّق على الأولاد ، وعلى الزوجة ، وعلى الأموال ، ضاع من مالك شيء، له ما أخذ ، أعطاك شيء له ما أعطى ، كل شيءٍ تنعم به إنما هو مِلْك الله سبحانه وتعالى ،

﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾

المالك الحقيقــي لكل شيءٍ هو الله سبحانه وتعالى ، فإذا أعطاك مالاً فهو عارية مستردة .
سُئـِل أعرابيٌ وبيده قطيع من الإبل ، لمن هذه الإبل ؟ - فقال العلماء : أجاب إجابة تعد أبلغ إجابةٍ في اللغة - قال : لله في يدي ، الله هو مالك المُلك وضعها في يدي عارية مستردة ، فالمال الذي معك لله عز وجل ، ومعنى لله أي هو قادرٌ أن يأخذه منك بسببٍ صغير جداً ، أو أن يعطيك أضعافاً مُضاعفة ، فهذا الذي يبخل بمال الله عز وجل من أن ينفقه محدود التفكير ، مُنْطَمِس البصيرة . إن لله ما أخذ وله ما أعطى ، طبقها على الصِحَّة ، اعتلت الصحة ، استرد الله عز وجل شيئاً ، أعطاك صحةً له ما أعطى ، استرد شيئاً ، له ما أخذ ، طبِّقها على الصحة ، طبقها على الدَخْل ، على المال ، على الزوجة ، على الأولاد ، على كل شيء ، هذا هو التوحيد ، فقال عليه الصلاة والسلام أرسل إلى ابنته من يقرؤها السلام ، ويقول لها :

((إن لله ما أخذ ، وله ما أعطى ، وكل شيءٍ عنده بأجلٍ مسمى فلتصبر ولتحتسب))

فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتيَنَّ ، يبدو أنها مُضطربة ، فقام عليه الصلاة والسلام ومعه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل ، فرفع النبي عليه الصلاة والسلام الصبيَّ الذي يحتضر ، وأجلسه في حجره ، ونفسه تُقَعْقِع ، أي على وشك الموت ، ففاضت عينا رسول الله بالدموع ، فقال سعد : يا رسول الله ما هذا ؟ أي أتبكي ؟ فقال :

((يا سعد هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده ، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء))

أولادك أولى خلق الله برحمتك :

مرةً ثانية : إذا أردتم رحمتي فارحموا خلقي ، وأولى خلق الله برحمتك أولادك ، لذلك النبي الكريم يقول :

((ليس منا من وسع الله عليه ثم قتر على عياله))

[مسند الشهاب للقضاعي عن عائشة]

وفي حديث آخر :

(( درهمٌ تنفقه في سبيل الله ، ودرهم تنفقه كذا وكذا - الحديث طويل - ودرهمٌ تنفقه على أهلك ، أفضلها ذلك الدرهم الذي تنفقه على أهلك))

لماذا ؟ لأن الآخرين أنت لهم ، وغيرك لهم ، أما أولادك فليس لهم غيرك ، من دون أن يُفْهَم من هذا أن تنفق عليهم إسرافاً وتبذيراً ، هذا لا يرضي الله عز وجل ، الوضع الأمثل :

﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً﴾

[ سورة الإسراء : 29]

المساواة بين المرأة و الرجل في التكليف و التشريف :

أيها الأخوة المؤمنون ؛ موضوعٌ آخر متعلقٌ بالبيت الإسلامي ، من عادات الجاهلية التي جاء الإسلام ليقضي عليها ؛ كراهية البنات ، فالإسلام لم يُفَرِّق بين ذكرٍ وأنثى ، ولا بين امرأةٍ ورجل . .

﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾

[سورة آل عمران : 195 ]

﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾

[ سورة الأحزاب : 35]

لو أن الله قال : " إن المسلمين " لشملت المُسلمات بحكم قواعد الأصول ، أو بحكم التَغْليب ، ولكن أراد الله من هذه الآيات أن يؤكِّد لنا أن المرأة والرجل سواءٌ عند الله ، وأن الطفل والطفلة ، والذكر والأنثى ، والبنت والصبي سواءٌ عند الله عز وجل ، بل إن بعض الفقهاء استنبط أن المرأة والرجل ، أو الصبي والصبية ، أو الصغير والصغيرة ، أو البنت والصبيّ ، أن هؤلاء متساويان في التكليف والتشريف ، ولكن المرأة صُمِّمت بنيتها النَفْسيّة ، بنيتها العقلية ، بنيتها الجسمية تصميماً يتوافق مع خطورة وظيفتها في الحياة ، وإن الرجل صُمِّم تصميماً في بنيته العقلية والجسمية والنفسية يتوافق مع وظيفته في الحياة ، فليس هناك فرقٌ بين المرأة والرجل من حيث التكليف والتشريف .

 

الائتمار بأمر الله في تربية الأولاد و حسن تنشئتهم :

أيها الأخوة المؤمنون ؛ الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾

[سورة المائدة : 8 ]

وهذا الذي جاء النبي يستشهده على أنه نحل ابنه نِحْلَةً فقال عليه الصلاة والسلام:

((أكلهم وهبت مثل هذا ؟ فقال : لا ، قال : أشهد غيري فإني لا أشهد على جور))

[ من الجامع لأحكام القرآن ]

والله سبحانه وتعالى يقول :

﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾

[سورة المائدة : 8 ]

وأصحاب السُنَن ، والإمام أحمد ، وابن حبان كلهم رووا عن النعمان بن البشير قول النبي عليه الصلاة والسلام :

((اعدلوا بين أولادكم ، اعدلوا بين أولادكم ، اعدلوا بين أولادكم))

رواه النبي ثلاث مرات :

((اعدلوا بين أولادكم ، اعدلوا بين أولادكم ، اعدلوا بين أولادكم))

الله يهب الإناث والذكور والمؤمن يرضى بما قسم له
الله سبحانه وتعالى وصف تفضيل الذكور على الإناث ، أو تفضيل بعض الأبناء على بعض الأبناء بأنها من الجاهلية ، قال تعالى :

﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾

[ سورة النحل : 58-59]

جاءت النبي عليه الصلاة والسلام ابنته السيدة فاطمة حينما ولدت ضَمَّها وشمَّها وقال :

((ريحانةٌ أشمها وعلى الله رزقها))

هكذا المؤمن ، هكذا المسلم . ريحانةٌ أشمها وعلى الله رزقها .
في القرآن الكريم آيةٌ دقيقة تردّ على هؤلاء ، قال تعالى :

﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾

[ سورة الشورى : 49-50]

أن يَهَبَكَ الله ذكراً أو أنثى ، أو ذكوراً أو إناثاً ، أو ذكوراً وإناثاً ، أو ألا يهبك شيئاً، هذا من تقدير العليم القدير ، ولا حيلة لك بذلك إطلاقاً ، لذلك المؤمن يستسلم ، ويرى أن الذي رزقه هو قسمةٌ له ، وهو راضٍ بهذه القسمة ، وعليه أن يأتمر بأمر الله تعالى في حسن التربية وحسن التنشئة .
أميرٌ من أمراء العرب طمح إلى غلام ، فأنجبت له امرأته بنتاً ، فغضب غضباً شديداً ، وتألَّم ألماً لا حدود له ، وترك بيت الزوجية ، وذهب إلى بيوت أخرى ، بيوت أقربائه ، غاب عن امرأته سَنَةً ، بعد سنة مرّ أمام بيته فسمع امرأته تداعب ابنتها الصغيرة ، التي ولدت منه ، تقول لها :

ما لأبي حمزة لا يأتيـنا أغضبان ألا نلد البنـينا؟
يظل في البيت الذي يلينا تالله ما هـذا بأيـديــنا
ونحن كالأرض لزارعينا وإنما نعطي الذي يعطينا
* * *

وقد أثبت العلم أن تحديد نوع المَوْلود كذكرٍ أو أنثى لا علاقة للأنثى به إطلاقاً ، إن علاقته مع الحوين الذي يقذفه الرجل ، ولا علاقة للبويضة إطلاقاً ، ويأتي القرآن الكريم ليقول:

﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾

[ سورة النجم : 45-46]

لا من بويضةٍ ، أن يكون هذا المولود ذكراً أو أنثى هذا يتحدّد من قِبَلِ الرجل ، لا من قِبَلِ المرأة ، فهذه المرأة بفطرتها أو بحاستها السادسة قالت :

ونحن كالأرض لزارعينا وإنما نعطي الذي يعطينا
* * *

عندئذٍ دخل إلى بيته ، وعطف على امرأته ، وأقام معها بقية حياته .

 

البنت بابٌ من أبواب الجنة :

أيها الأخوة المؤمنون ؛ روى الإمام مُسلم عن أنس بن مالك ، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال :

((من عال جاريتيتن - أيْ بنتين صغيرتين- حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين . وضم أصابعه عليه الصلاة والسلام ))

[مُسلم عن أنس بن مالك]

من عال جاريتيتن ، أي ربَّاهما تربية حسنة ، رباهما على حب الله وحب رسوله وقراءة القرآن ، وجعل لباسَهما وفق ما يرضي الله عز وجل ، وعلمهما أمر دينهما .

((من عال جاريتيتن حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين ، وضم أصابعه))

[مُسلم عن أنس بن مالك]

وروى الإمام أحمد في مسنده عن عُقبة بن عامر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال :

((من كان له ثلاث بناتٍ فصبر عليهن ، وسقاهن ، وكساهن من جيدَته - أي من ماله - كن له حجاباً من النار))

[أحمد عن عُقبة بن عامر]

وفي حديثٍ آخر :

((من كان له ثلاث بناتٍ أو ثلاث أخواتٍ - هذا الذي عنده أختٌ عانس لا يتبرم بها - أو بنتانِ أو أختان فأحسن صحبتهن ، وصبر عليهن ، واتقى الله فيهن دخل الجنة))

[ أحمد عن ابن عبَّاس ]

بر الوالدين باب من أبواب الجنة
معنى ذلك أن البنت بابٌ من أبواب الجنة ، كيف أن برَّ الوالدين باب من أبواب الجنة ، كيف أن النبي عليه الصلاة والسلام صَعَدَ المنبر فقال :

((رغم أنف رجلٍ أدرك والديه عند الكبر أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة))

[الجامع لأحكام القرآن عن أبي هريرة]

معنى ذلك أن بر الوالدين بابٌ من أبواب الجنة ، وأن حسن تربية البنات بابٌ من أبواب الجنة . ورد في بعض الأحاديث أن البنت التي ربَّاها أبوها تربيةً حسنة ، يقال لها : ادخلي الجنة . تقول : لا أدخل الجنة حتى أدخل أبي معي ، فيقال : خذيه وادخلي الجنة ، أما البنت التي ربَّاها تربيةً سيئة وأهملها ؛ فشطت وشردت وانحرفت وفتنت الناس تقول : يا رب لا أدخل النار حتى أدخل أبي قبلي ، لأنه كان سبباً لي في هذا الفسق والفجور .

 

بيـت الحمد لمن فقد ابنه صغيراً وصبر واحتسب :

أيها الأخوة الأكارم ؛ بقي موضوعٌ أخير ، الولد غالٍ جداً ، ومع ذلك قد يُقَدِّر لله عز وجل موت أحد الصغار ، ما موقف المسلم ؟ الإمام الترمذي وابن حبّان رويا عن أبي موسى الأشعري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :

((إذا مات ولد العبد يقول الله تعالى للملائكة قبضتم ولد عبدي ؟ فيقولون : نعم، فيقول : قبضتم ثمرة فؤاده ، فيقولون : نعم فيقول الله تعالى : فماذا قال عبدي ؟ فيقولون: حمدك واسترجع - أي قال الحمد لله أنا لله وإنا إليه راجعون - فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد ))

[الترمذي وابن حبّان عن أبي موسى الأشعري]

بيـت الحمد لمن فقد ابنه صغيراً وصبر واحتسب ، والقصة التي تعرفونها جميعاً ؛ قصة الصحابية الجليلة أم سليم ، التي كانت زوجة لأبي طلحة ، والتي رواها الإمام البخاري ومسلم : كان لهما ابنٌ مريض ، خرج أبو طلحة لحاجته وعاد ، فسأل امرأته : كيف حال فلان ابنه ؟ فقالت : يا أبا طلحة إنه في أهدأ حال ، هو قد مات ، ولكن أوهمته أنه مستريح ، صنعت له طعاماً فـأكل ، وتزينت فأصاب منها . وفي الصباح قالـت له : يا أبا طلحة لو أن الجيران أعطونا عاريةً مستردة ، ثم طلبوها منا ، أفي ذلك وجلٌ أو غضب ؟ قال : لا ، إنها حاجتهم ، قال : فكذلك الله عز وجل استرد عاريته ، ابننا فلان .
أبو طلحة غضب غضباً شديداً ؛ لماذا أخفت عنه زوجته هذا الخبر ؟ لماذا جعلته يأكل ويصيب منها وابنه ميّت ؟ فذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال : يا رسول الله فعلت زوجتي كذا وكذا ، فما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن قال له :

((بارك الله لك في ليلتك ، وأثنى على زوجتك))

وأنجب منها في هذه الليلة ولداً سماه عبد الله ، ولد له تسعة أولاد ممن حفظوا كتاب الله . هذا معنى إذا الإنسان حضر عقد قِران الدعاء النبوي :

((بارك الله لكما وعليكما وفيكما))

هذه البركـة ، إذا أنعم الله عليك بولدٍ صالح ينفع الناس مِن بعدك فهو استمرارٌ لك ، فهو ذخيرةٌ لك ، فهو العمل الذي لا ينقطع بالموت .
حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالهم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا وسيتخطى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا ، الكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني .

والحمد لله رب العالمين
* * *

الخطبة الثانية :
أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

حنان الأم و حليبها :

أيها الأخوة الأكارم ؛ إتماماً لهذا البحث : الحليب ؛ حليب الأم الذي جعله الله عزَّ وجل هبةً ، ومنحةً لهذا الطفل الصغير . وهب الله سبحانه وتعالى الصغار رحمةً أودعها في قلوب أمهاتهم ، وفضلاً عن رحمة الأمهات بأبنائهن ، التي هي في الحقيقة رحمة الله بهم، جعل المرأة يسيل ثدياها حليباً من نوعٍ خاص . فلبن المرأة - كما يقول العلماء - مبهرٌ ، ومدهش ، تعجز عن تركيبه بخصائصه قِوى البشر ولو اجتمعت ، وتعجز عن صنعه أضخم المعامل ولو تظاهَرَت . تركيبه . . دققوا . . تركيبه في تبدلٍ مستمر ، بحسب حاجات الرضيع، ومتطلباته بحسب احتمال أجهزته ، وأعضائه ، وهو أكثر ملاءمةً ، وأكثر تركيزاً ، وأكثر احتمالاً، وأقلُّ ضرراً ، وهو آمن طرق التغذية ، من حيث الطهارة والتعقيم ، إذ يؤخذ من الحُلمة مباشرةً ، من دون التعرُّض للتلوث الجرثومي ، وحرارته ثابتةٌ ، خلال الرضعة الواحدة ، ويصعب توافر هذا الشرط في الإرضاع الصناعي ، وفوق ذلك فهو لطيف الحرارة في الصيف ، دافئ في الشتاء ، وهو سهل الهضم ، لا تتجاوز فترة هضمه عن الساعة والنصف ، بينما تزيد فترة هضم حليب القوارير عن ثلاث ساعات ، والطفل الذي يرضع من ثدي أمه ، يكتسب مناعةً ضد كلَّ الأمراض ، لأنَّ في حليب الأم موادَّ مضادَّة للالتهابات المعوية ، والتنفسية .
حالات الربو ، ربو الأطفال ، إنتان الأمعاء ، هذه الأمراض الشائعة في الإرضاع الطبيعي ينجو منها الصغير .
إعطاء المولود حليب الأم فيه فوائد لا تعد ولا تحصى
وفي حليب الأم مواد تمنع التصاق الجراثيم بجدار الأمعاء ، وفي حليب الأم مواد حامضيّة لقتل الجراثيم ، والإرضاع الوالدي يقي من أمراض الكوليرا ، والزحار ، ومن أمراض شلل الأطفال ، والكزاز ، لأن مناعة الأم كلها في حليبها ، وهو يقي المرضع من أورام الثدي الخبيثة ، هذه الظاهرة المنتشرة في معظم أنحاء العالم ، سرطان الثدي ، وإرضاع الطفل من ثدي أمه يقي الأم من أورام الثدي الخبيثة ، ويقي الرضيع من الآفات القلبية ، والوعائية ، وأمراض التغذية ، والاستقلاب ، بل إن الفطام السريع يحدث رضًّا نفسياً ، وانحرافاتٍ سلوكية . وحليب الأم سهل التحضير ؛ ليلاً ، ونهاراً ، في السفر ، وفي الحضر ، لأنه جاهزٌ دائماً ، بالحرارة المطلوبة ، وبالتعقيم المثالي ، وبالسهولة في الهضم ، ولأن فيه المناعة التي تقي معظم الأمراض ، قال الله تعالى :

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ * أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ * يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُبَداً * أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ * أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾

[ سورة البلد : 4-10]

هدية من الله . .

﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾

قال عكرمة وابن المسيِّب : " النجدان هما الثديان " ما الذي يمنعه من أن يطيع الله عزَّ وجل ؟ ما الذي يمنعه من أن يكون مؤمناً ؟ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ، لذلك قال بعض العارفين :

تداركتنا باللطف في ظلمة الحشـــــا و خير كفيلٍ في الحشا قد كفلتنــــــــــا
وأسكنت قلب الأمهات تعطـفـــــــــــــــاً علينا وفـي الثديـيـــــــــن أجريــــت قوتنا
***

وهذا موضوع الخطبة كلها ، أسكن في قلب الأمهات رحمةً ، وأجرى في صدورهن حليباً ، رحمةً معنويةً ، وغذاءً طبيعياً ـ

وأنشأتنا طفلاً وأطلقت ألسناً تترجم بالإقرار أنك ربــنـــــــــــــــا
وعرفتنا إياك فالحمد دائمــــاً لوجهك إذ ألهمتنا منك رشدنا
***

الدعاء :

اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَنا فيمن تولَيت ، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، ولا تهلكنا بالسنين ، ولا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين ، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .