بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس (33-70) : الأدب والرفعة العالية التي يمتاز بها

2009-02-04

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

الأدب :

أيها الأخوة الكرام، مع موضوعٍ جديد من موضوعات:" سبل الوصول وعلامات القبول"، ولعل هذا الموضوع أقرب إلى علامات القبول منه إلى أسباب الوصول، هذا الموضوع هو "الأدب".
وقبل كل شيء، الدين الإسلامي أربعة أقسام: العقائد، والعبادات، والمعاملات، والآداب، أخطر شيءٍ في هذه الأقسام العقائد، إن صحت صحّ العمل، وقُبل العمل، ثم العبادات الشعائرية، والعبادات التعاملية، ثم الآداب.
عقائدُ، وعباداتٌ، ومعاملاتٌ، وآداب، هناك شيء متعلق بالحلال والحرام، معاملات، و شيء متعلق بالصلاة والصيام، عبادات، وشيء متعلق بالإيمان، عقائد، أما هذا الدرس فمتعلق بالقسم الرابع، وهو الآداب.

أنواع الأدب مع الله عز وجل :

الأدب أن تكون أديباً مع الله، وأن تكون أديباً مع رسوله، وأن تكون أديباً مع خلقه، أدبٌ مع الله، وأدبٌ مع رسول الله، وأدبٌ مع الخلق، الأدب مع الله أنواعٌ ثلاث، صيانة معاملته من أن يشوبها نقيصة، فالصلاة تامة، تؤدى أداءً كاملاً، فالصلاة، والصيام، والحج، والزكاة، هذه عبادات، تعاملت مع الله من خلال العبادات، يجب أن تؤدى هذه العبادات أداءً كاملاً، وهذا من الأدب مع الله، أمرك بغض البصر، غض البصر من تمام الأدب مع الله، أمرك بتحري الحلال، تحري الحلال من الأدب مع الله، نهاك عن أن تأخذ ما ليس لك، فإن لم تأخذ ما ليس لك فهذا من الأدب مع الله، أي تتعامل مع الله بهذه العبادات، أو بهذه المعاملات، من كمال الأدب مع الله ألا يشوبها نقص، قد تؤديها لكن مع النقص، قد تؤديها مع الغفلة، أن تؤديها فرض، فرضٌ في العبادات، وفي المعاملات، أما أن تؤديها أداءً كاملاً فهذا أدب، إذاً الأداء الكامل لكل شيءٍ أمرك الله به، الأداء الكامل هو الأدب أدب الجوارح أن تؤدي العبادات أداءً كاملاً
ومن الأدب مع الله أن تصون قلبك أن يلتفت إلى غيره، هذا أدب القلب، أدب الجوارح، أن تؤدي العبادات أداءً كاملاً، أن تقوم بالمعاملات كما أمر الله قياماً كاملاً، أن تؤدي ما عليك أداءً كاملاً، هذا أدب الجوارح، أي اللسان، والعين، والأذن، واليد، والجسم، أما أدب القلب فألا يلتفت إلى غير الله، لأن الله ينظر إلى قلوبنا، وأعمالنا، فإذا طهرت قلبك من الالتفات لغير الله فهذا من كمال الأدب مع الله.
الآن والأدب الثالث، صيانة الإرادة من أن تتعلق بما يمقت الله عليك، أي لا تنوي إلا الخير، لا تنوي إلا الشيء الذي يرضي الله عز وجل، فأصبح هناك إرادة، وقلب، وسلوك، الأدب مع الله أن تتعامل معه بكمال، بتمام، بأداء حسن، وأن تصون قلبك على أن يلتفت إلى غير الله، والشيء الثالث أن تكون الإرادة إرادة خير للأمة، لا أن تريد شيئاً لا يرضي الله، أي طهر إرادتك، وطهر قلبك، وطهر أداءك للعبادات الشعائرية والتعاملية.

من تهاون بالأدب مع الله عُوقب بحرمانه من السنن :

أخواننا الكرام، الشيء الذي يعد من أهم نقاط هذا اللقاء، من تهاون بالأدب مع الله عُوقب بحرمانه من السنن، ومن تهاون في أداء السنن عُوقب بحرمانه من الفرائض، الإسلام حركي، تهمل الآداب، بعد حين سوف تهمل السنن، تهمل السنن، بعد حين تهمل الفرائض، تهمل الفرائض، يصبح القلب مغلقاً:

﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾

[ سورة المطففين ]

إهمال الآداب يؤدي إلى إهمال السنن ثم الفرائض
إذاً هناك مشكلة، إن تهاونت بالشيء قادك هذا التهاون إلى شيءٍ أكبر، فأعظم شيء الفرائض، ثم السنن، ثم الآداب، فإذا تهاونت بالآداب حرمت السنن، تهاونت في السنن حرمت الفرائض، تهاونت بالفرائض حرمت معرفة الله، وأصل الدين معرفة الله، من تأدب مع الله صار من أهل محبته، أي الأدب مع الله يكسبك محبة الله.
أحد العلماء رأى شاباً يتطاول، فقال: يا بني! نحن إلى قليلٍ من الأدب أحوج منا إلى كثيرٍ من العلم.
مرة قال بعض الأدباء:

رقصت الفضيلة تيــهاً بفضلها فانكشفت عورتها
***

حتى لو اعتززت بطاعة، أنا اليوم صليت قيام الليل، قلتها مئة مرة، أردت بهذا الكلام أن تصغر من حولك، صمت من أيام النفل، تقول لصديقك: أأنت صائم اليوم؟ هذا الذي يؤدي العبادة بلا أدب فقد أجر العبادة، فلذلك نحن إلى قليلٍ من الأدب أحوج منا إلى كثيرٍ من العلم.

خصائص الآداب :

أخواننا الكرام، الآداب من خصائصها أنها تعمق الصلة بالله عز وجل، الإمام الحسن البصري ـ رحمه الله تعالى ـ سُئل عن أنفع الأدب، فقال: التفقه بالدين، التفقه بالدين أدب، أحياناً الإنسان يكون مدعواً على طعام، ينتهي من الطعام في وقت مبكر جداً، يبتعد عن المائدة، ويقوم إلى مكان آخر، يحرج الحاضرين، عند الإمام الغزالي بالإحياء فصول رائعة جداً في الآداب: إذا انتهيت من الطعام ينبغي أن تبقى جالساً، إلى أن يقوم آخر واحد، أما أن تنسحب بوقت مبكر فهذا يحرج الباقين.
إذا وضعت كل نشاطاتك في الدنيا، هذه النشاطات ستنتهي بتوقف القلب
فلذلك الأدب التفقه في الدين، فإذا طالعت كتاباً في الآداب، آداب الطعام، آداب الحديث، آداب العيادة، تعود مريضاً، ورد في بعض الآثار: "العيادة فواق ناقة"، مقدار حلب ناقة، يجلس ساعة، عنده أدوية، عنده مشكلة، عنده حاجة إلى شيء، فالآداب شيء أساسي جداً، وهناك كتب زاخرة بالآداب، آداب العلاقة مع الزوجة، آداب العلاقة مع الجيران، عندنا عقائد، وعبادات، ومعاملات، وآداب، الآداب علامة محبة الله لك، إذاً التفقه في الدين، والزهد في الدنيا.
الحقيقة الزهد في الدنيا يعني أن تكون طامعاً في الآخرة، الزاهد إنسان ذكي جداً، طموح جداً، طموحاته أكبر مما يتصور الإنسان، لكنه زهد في هذه الدنيا التي سوف تنتهي بالموت، وطمع بما عند الله، الزهد في الدنيا لا يعني أن تكون مهملاً لبيتك، مهملاً لعملك، فقيراً، ما تابعت الدراسة، لا ليس هذا هو الزهد، الزهد أن تنقل اهتمامك من الدنيا إلى الآخرة، تشتري بيتاً وتسكن، تنال دكتوراه، تؤسس معملاً، كله جيد، الدنيا عمل، إلا أنه يجب ألا تضع البيض كله في سلة واحدة، تقامر وتغامر، فإذا وضعت كل نشاطاتك في الدنيا، هذه النشاطات تنتهي بوقف القلب، كل كيانك، كل طموحاتك، كل مكانتك، كل هيمنتك، مبنية على ضربات القلب، فإن توقف، انتهى كل شيء، سكتة قلبية، طموحاتك كلها مبنية على نمو الخلايا، نمت نمواً عشوائياً انتهت الحياة، فالذي يغامر بالدنيا فقط مقامر، أي وضع كل إنجازاته في حيز محدود وضيق، لذلك الزهد في الدنيا أن تنقل اهتماماتك إلى الدار الآخرة، والمعرفة بما لله عليك هذا كلام الإمام الحسن البصري في الأدب، التفقه في الدين، والزهد في الدنيا، والمعرفة لما لله عليك.

تعريفات الأدب :

من تعريفات الأدب، قال: "أن تستعين بالله على مراد الله، وأن تصبر لله على الأدب مع الله"، يحتاج إلى صبر، فكيف بالذي يستعين بالله على معصيته؟ يعصيه بالحواس الخمسة، يعصيه بالمال الذي أنعم الله به عليه، فرقٌ كبير، مرة إنسان في أثناء مناجاته لله، قال: يا رب إذا كانت رحمتك بمن قال:

﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾

[ سورة النازعات ]

فرعون، ألم يقل الله عز وجل:

﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى* فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾

[ سورة طه ]

قال: يا رب إذا كانت رحمتك بمن قال:

﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾

فكيف رحمتك بمن قال: سبحان ربي الأعلى؟ إذا كانت رحمتك بمن قال:

﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾

[ سورة القصص الآية: 38 ]

فكيف رحمتك بمن قال: لا إله إلا الله؟ فأن تستعين بالله على مراد الله، فكيف بالذي يستعين بالله على معصيته؟.
الأدب هو أن تستعين بالله على مراد الله
إنسان عاتب الإمام الجنيد، قال له: أدبت أصحابك أدب السلاطين، أي أدب الالتزام التام والخوف، فقال: حسن الأدب في الظاهر عنوان حسن الأدب في الباطن.
الإنسان ـ صدقوا ولا أبالغ ـ عنوان محبته لله المبالغة في الأدب مع الله، وقال بعضهم: "الأدب مع الله حُسن الصحبة معه، بإيقاع الحركات الظاهرة والباطنة على مقتضى التعظيم، والإجلال، والحياء، كما لو أنك تجالس ملكاً"، الآن الإنسان إذا كان بحضرة إنسان له مكانة كبيرة، لا يعبث بالسبحة، ولا يقرأ جريدة أمامه، ولا يجلس جلسة ليس فيها أدب، بشكل لاشعوري إذا كان الإنسان مهماً، له مكانة، قد تكون دينية، أو اجتماعية، أو له منصب رفيع، تجلس أمامه جلسة فيها أدب، تتجه إليه هكذا، فكلما ازداد أدبك ازدادت محبة الله لك.
إنسان لا يقدر أن ينام، المصحف عند قدميه، لا يقدر، لا يقدر أن ينام بغرفة فيها أشياء مقدسة، بغرفة النوم أشياء مقدسة مثلاً، تجد المسلمون عندهم آداب راقية جداً.
والله حدثني أخ، ذهب إلى جامعة في الدول الشرقية، التي ترفع شعار لا إله، قال لي: دورات المياه جماعية، صالون كبير الناس أمام بعضهم بعضاً، والاغتسال جماعي، بالجامعات يغتسل الإنسان عرياناً أمام كل من حوله، ويقضي حاجته أمام كل من حوله، أين الأدب؟ النبي عليه الصلاة والسلام، استأجر أجيراً، فاغتسل أمام الناس عرياناً، فقال له:

(( لَا أَرَاك تَسْتَحِي مِنْ رَبِّكَ خُذْ إجَارَتَك لَا حَاجَةَ لَنَا بِك ))

[عبد الرزاق عن ابن جريج]

النبي عليه الصلاة والسلام ما رئي ماداً رجليه قط، أحياناً إنسان يكون عنده آلام في المفاصل، هذا موضوع ثان، أما بلا سبب، الأدب مع الله أن تكون في وضع يليق بك كمؤمن، من أدب النبي مع الله، كان يقول:

(( إنما أنا عبد، آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد ))

[أحمد عن عطاء بن أبي رباح ]

الأدب في القرآن الكريم :

صدقوا ولا أبالغ، الأديب مع الله، حتى لو قاد مركبته بأدب، هناك جلسة فيها سوء أدب، هناك نظرة للناس فيها استعلاء، هناك جلسة جانبية، حتى بركوب المركبة يوجد سوء أدب، حتى في السير، هناك تجاوز أحياناً، إنسان يتجاوزك ترفع السرعة، هذا سوء أدب، لم يفعل شيئاً أحب أن يتجاوزك، عندما بدأ يتجاوزك تحاول أن تمنعه من ذلك، فهذا سوء أدب، في القيادة أخلاق، الدين كله أدب، والله أنا أعترض على كلمة: لا حياء في الدين، الدين كله حياء، هذه لا حياء في الدين، نقول ما نشاء، ونفعل ما نشاء، تحت شعار لا حياء في الدين، الدين كله حياء.
الدين كله أدب
يا بنيتي! إن هذه الثياب تصف حجم عظامك، قال: حجم عظامك، لأن أي كلمة أخرى تثير الشهوة، تصف حجم عظامك، انظر الأدب في القرآن الكريم:

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ* فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ ﴾

[ سورة المعارج الآية: 29 -30 ]

دخل كل أنواع الانحراف الجنسي:

﴿ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴾

[ سورة المعارج ]

الآية الكريمة:

﴿ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ ﴾

[ سورة المائدة الآية: 6 ]

طفل قرأ القرآن، ماذا يفهم من

﴿ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ ﴾

لمس يد امرأته مثلاً.

﴿ فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً ﴾

[ سورة الأعراف الآية: 189 ]

انظر إلى كلام الله عز وجل، الصحابية الجليلة قالت لسيدنا عمر: إن زوجي صوامٌ قوام، ما هذه الكلمة؟ قال لها: بارك الله لك في زوجك، فقال سيدنا علي له: إنها تشكو زوجها، ما هذه الشكوى؟ إن زوجي صوامٌ قوام، أي يقوم الليل، ويصوم النهار، ولم يعد له علاقة معي، قال لها: بارك الله لك في زوجك، قال له: إنها تشكو زوجها.
النبي الكريم أقنع أحد الصحابة، كان منصرفاً عن زوجته كلياً، أقنعه أن يكون متوازناً، ففي اليوم التالي جاءت زوجته إلى السيدة عائشة عطرةً نضرة، قالت لها: ما الذي أصابك؟ اسمعوا جوابها، قالت: أصابنا ما أصاب الناس، فقط.

المؤمن كلما ارتقى مستواه ابتعد عن الفحش والبذاءة :

أنا أحتار بأدب الصحابة، يتكلمون كلاماً من أرفع ما يكون، وصدقوا ولا أبالغ المؤمن تعيش معه أربعين سنة لا تسمع منه كلمة فيها سوء أدب، كلمة فيها ذكر عورات، كلمة فيها طرفة جنسية، كلمة ملغومة، الكلام الملغوم، واستخدام الضمير الغائب بشيء لا يرضي الله، والمؤمن كلما ارتقى مستواه ابتعد عن الفحش والبذاءة، أي أحد أكبر أنواع الاستقامة ضبط اللسان:

(( لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه ))

[ أخرجه الإمام أحمد عن أنس بن مالك ]

أحد أكبر أنواع الاستقامة ضبط اللسان

(( وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سَخَط الله لا يُلْقِي لها بالاً يهوي بها في جهنم))

[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي ومالك عن أبي هريرة ]

قال بعضهم: "الأدب أن تعرف رعونات النفس"، أحياناً النفس لها رعونات، لها تجاوزات، الأدب أن تعرف رعونات النفس، وأن تجتنب تلك الرعونات، من أدب النبي عليه الصلاة والسلام حينما دخل مكة، دخلها خافضاً رأسه، تواضعاً لله عز وجل، حتى كادت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره، تواضعاً لله عز وجل.
مرة امرأةٌ سألت النبي: كيف تتطهر من الحيض؟ قال لها: خذي فرصةً ممسكةً تتبعي بها أثر الدم، خذي فرصةً ـ أي خرقةً ـ ممسكةً، تتبعي بها أثر الدم، فسألت: كيف أتّبع بها أثر الدم؟ فاحمر وجه النبي من شدة الخجل، قال لها: يا سبحان الله! تطهرين بها، فالسيدة عائشة جرتها إلى مكان آخر وشرحت لها.

من صحت محبته لله كان أديباً مع الله :

المؤمن عنده حياء، عنده خجل، هذا الكلام الوقح، هذه التعليقات اللاذعة، تجد إنساناً ثقافته عالية، لكن عنده كلمات وقحة، وتعليقات لاذعة وقاسية، هذا من بعده عن الله، كلما ازداد قربك من الله ازداد أدبك، قال: إذا صحت محبتك لله كنت أديباً مع الله، فكأن الأدب مع الله من علامات محبة الله، سيدنا عيسى عليه وعلى نبيينا أفضل الصلاة والسلام استمعوا إلى الأدب مع الله:

﴿ وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ﴾

[ سورة المائدة الآية: 116 ]

المؤمن الحق لا ينطق كلاما فيه سوء أدب
لو أنه قال: لم أقل هذا الكلام.

﴿ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ﴾

[ سورة المائدة ]

مرة سيدنا عمر من أدبه مع الله وقف على المنبر مكان الصديق، ونزل درجة، قال: ما كان الله ليراني أن أرى نفسي في مقام أبي بكر، مستحيل! يقولون:إن سيدنا عثمان نزل درجة، ثم عاد إلى الدرجة السابقة، وهناك خليفة أموي سأله وزيره، قال له: إن عثمان لمَ لم ينزل درجة؟ قال له: لو فعلها لكنت في قعر بئر، إذا كل خليفة نزل درجة تحتاج أن تحفر بئراً وتجلس في الأسفل، كذلك سيدنا عثمان عنده حكمة بالغة، نزل درجة أدباً، ورجع إلى مكانه، فهذا أدب.
سيدنا عمر تقرب منه إنسان بمديح، فقال له: ما رأينا أفضل منك بعد رسول الله، يا لطيف! وكأنه نطق بالكفر، فأحدّ فيهم النظر، حتى انخلعت قلوبهم خوفاً منه، إلى أن قال أحدهم: لا والله، لقد رأينا من هو خيرٌ منك، قال له: من هو؟ قال له: الصديق، قال لهم: كذبتم جميعاً وصدق، كنت أضل من بعيري، وكان أبو بكر أطيب من ريح المسك، ما هذا الوفاء؟.

الأدب ربع الدين :

هناك علاقة ترابطية بين حب الله والآداب
أيها الأخوة، جاء في بعض الآثار: أن حملة العرش أربعة، اثنان يقولان: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، لك الحمد على حلمك بعد علمك، الواحد منا يلتقي بإنسان في الطريق لا يعرف ماذا يفعل؟ يحترمه، لو علم ماذا يفعل ما سلم عليه، الله عز وجل يقول:

﴿ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ﴾

[ سورة الإسراء ]

الله عز وجل يعلم كل أخطائهم، وكل انحرافاتهم، الحمد لله على حلمك بعد علمك والملكان الآخران يقولان: الحمد لله على عفوك بعد قدرتك، قادر، ويعفو، ويعلم، وحليم،

﴿ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ﴾

أيها الأخوة، لا تنسوا أن موضوع الأدب ربع الدين، عقائد، وعبادات، ومعاملات، وآداب، الآداب تقرب إلى الله، الآداب علامة محبة الله، الآداب أسرع طريقٍ إلى الله، الآداب أن تؤدي العبادات بالتمام والكمال، أن تؤدي الأوامر والنواهي بالتمام والكمال، الآداب أن تحب الله فكأن هناك علاقة ترابطية بين الحب والآداب، أنت أديب إذاً الله يحبك، أنت محب إذاً تتأدب مع الله.