بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أسماء الله الحسنى - إصدار 1996 - الدرس : 84 - اسم الله المتين .

1996-08-26

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيِّدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين، اللهمَّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا، إنَّك أنت العليم الحكيم، اللهمَّ علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علَّمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحقَّ حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام... لعل هذا الدرس هو الدرس الأخير من دروس أسماء الله الحُسنى، والاسم اليوم المتين، وكان من الممكن أن يكون الدرس الماضي في الاسمين معاً القوى المتين ولكن انتهى الوقت ولا زلنا في اسم القوي فأرجأت اسم المتين إلى هذا الدرس وهو الدرس الرابع والثمانون والأخير من دروس أسماء الله الحُسنى.
أيُّها الإخوة قبل أن نمضي في الحديث عن هذا الاسم الجليل أريد أن أُنوِّه إلى أنَّ النبيَّ عليه الصلاة والسلام حينما كانت تنزل النوازل يقول: لا إله إلا الله الرحمن الرحيم.
ماذا نفهم من هذا الثناء الذي هو في معرض الدعاء، الثناء دعاء، حينما كان سيدنا يونس في بطن الحوت نادى في الظلمات قائلاً:

﴿ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ ﴾

قال تعالى:

﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ ﴾

فالثناء دعاء.. وذلك ورد في الآيتين الكريمتين:

﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)﴾

(سورة الأنبياء)

فالنبي عليه الصلاة والسلام حينما كانت تشتدُّ به الأمور يقول:

(( عَنِ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيٍّ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ إِذَا قُلْتَهُنَّ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ وَإِنْ كُنْتَ مَغْفُورًا لَكَ قَالَ قُلْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ))

(سنن الترمذي)

ماذا يعني هذا الدعاء ؟ يعني شيئين.. التوحيد والتسبيح، أي أنَّ أمرك بيد جهة واحدة وهذه الجهة كاملة، هل من حقيقة تُلقَى على نفس الإنسان أشدُّ تطميناً له من هذه الحقيقة، أمرك كلُّه بيد الله ولا يستطيع أحدٌ غير الله أن يتدخَّل في أمرك مع الله، والله سبحانه وتعالى صاحب الأسماء الحُسنى والصفات الفُضلى، رحمن رحيم، عليٌ عظيم، حليمٌ كريم، فنحن إذا عرفنا الله وصلنا إلى كلِّ شيء.
للإمام عليٍ كرَّم الله وجهه قولٌ رائع يقول: " أصل الدين معرفته".
أيْ معرفة الله سبحانه وتعالى.
الذي أتمنَّى على إخوتنا الكرام أن يعقلوه هو أنَّ النبي حينما دعا الناس إلى الله بماذا بدأ ؟ بدأ بتعريف الناس بالله ثلاث عشرة سنة وهو يعرِّفهم بالله، أما حينما انتقل إلى المدينة نزلت آيات التشريع، الطريق الطبيعي أنَّك إذا عرفت الله تشعر باندفاع قوي إلى طاعته، إلى التقرُّب إليه، إلى الأعمال الصالحة التي ترضيه، إلى معرفة منهجه، إلى معرفة أمره ونهيه، أما حينما تضعف معرفتك بالله عزَّ وجلَّ تتحايل لأنك لا تجد رغبةً في طاعته، لا تجد رغبةً في الانصياع لأمره.. إذاً أيَّةُ دعوةٍ معاصرة إن لم تسلك طريقة النبيّ عليه الصلاة والسلام في الدعوة إلى ربِّه لا تنجح.
فلذلك كنت أقول دائماً: إنَّ الإنسان إذا عرف الأمر الموجه إليه من الله ولم يعرف الآمر وهو الله تفنن في التفلُّت من أمر الله، تفنن بالحيل الشرعية، بالتقصير، بدعة الصعوبة، وبدعوى الاستحالة، وبدعوى لأوامر فوق طاقة الإنسان، بدعوى البلوى العامة، فهناك كثير من الدعاوى تطرح للتفلُّت من طاعة الله لا لسببٍ وجيه بل لأنَّ الإنسان عرف الأمر ولم يعرف الآمر، أما حينما نعرف الآمر قبل الأمر نتفانى في طاعته.
وهذا هو السبب الذي حملني على تدريس أسماء الله الحُسنى لسنواتٍ عدَّة، نحن مع الاسم الرابع والثمانين أي أكثر من سنة، ففي السنة اثنان وخمسون أسبوعاً، أي نحن ندرس قريباً من سنتين أسماءَ اللهِ الحُسنى من أجل أن نعرفه، لأننا إذا عرفناه أطعناه، إذا عرفناه تقرَّبنا إليه، إذا عرفناه أخلصنا له، إذا عرفناه بذلنا من أجله الغالي والرخيص، والنفس والنفيس، أما إذا ضعُفت معرفتنا به نبحث عن الحيل الشرعيَّة وعن الفتاوى الضعيفة، وعن الرُخص، وعن الخلافيَّات، ونبحث عن الأعذار الواهية، وعن كل ما من شأنه أن يغطي انحرافنا وتقصيرنا.
فلذلك من أَوجَهِ الدروس التي ينبغي أن نحافظ عليها دروس أسماء الله الحُسنى، في الحقيقة ؛ العلم ميسَّر إلى درجة مذهله، فمن الممكن أن نقتني هذه الأشرطة التي مضت دراستها أو أن نستعيرها لنعود إلى الدروس السابقة كلِّها، لو أنَّ الإنسان خصص من وقته كل يوم سماع شريط واحد، وعاد إلى سماع أسماء الله الحُسنى اسماً اسماً.لاستفاد كثيراً من خصائص هذه الأسماء، ولتذكر الكثير مما قد يكون انتسى.
إخوتنا الكرام... صدِّقوني إنَّ الإنسان إذا نمت معرفته بالله عزَّ وجلَّ عن طريق حضور دروس العلم، من دون أن يتكلَّف عناء الكشف والبحث، من دون أن يجاهد نفسه ويحمل المشقة بل يكتفي بالسّماع يرى نفسه على الطريق الصحيح، يرى نفسه منضبطاً، يرى نفسه مطبقاً والتلقي عن غيره للشرع، يرى نفسه مع الله وقريباً منه عزَّ وجلَّ، فالقضيَّة أخطر من أنَّ درساً في هذا المسجد ألقيت فيه موضوعاتٌ عن أسماء الله الحُسنى، القضية أخطر من ذلك لأنَّ أصل الدين معرفة الله عزَّ وجلَّ وقد تمت بإذن الله، بالتلقي والاستماع، وإذا عرفت أنَّ الله لا إله إلا هو وعرفت أنَّ أسماءَهُ حُسنى، وأنَّ أمرك بيده وحده انتهى الأمر بك إلى وضوح منهجك واستقامة سبيلك.
اليوم ذكرت في الدروس التي ألقيتها في جامع الطاووسيَّة أنَّ الله عزَّ وجلَّ قال:

﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62)﴾

(سورة الزمر)

﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54)﴾

(سورة الأعراف)

﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾

﴿ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ ﴾

لو أنَّ الله عزَّ وجلَّ قال: الخلق له، أو لو أنَّه قال: نعبد إيَّاك ولو أنَّه قال: مفاتح الغيب عنده لكان هناك بعدٌ في المعنى عن معنى الآيات الحقيقي وهو بعد فيه خلل كثير في أداء المعنى، فماذا نستنبط من قوله تعالى:

﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ ﴾

﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾

﴿ لَهُ الْخَلْقُ ﴾

إذا قلنا: الخلق له.. لا يمنع أن يكون لغيره، إذا قلنا: مفاتح الغيب عنده، لا يمنع أن تكون عنده وعند غيره، إذا قلنا نعبد إيَّاك لا يمنع أن نعبد غيرك، أما إذا عكسناها وقلنا: إيَّاك نعبد، وعنده مفاتيح الغيب، له الخلق.. أي إيَّاك نعبد وحدك يارب، وعندك مفاتح وحدك يارب، ولك الأمر وحدك يا رب، له الخلق وحده، فتقديم الخبر إذا كان شبه الجملة على المبتدأ يعني الحصر والقصر.
إذاً نحن حينما ندرس أسماء الله الحُسنى نريد من هذه الأسماء أن تزيدنا معرفةً بالله عزَّ وجلَّ، وإذا عرفنا أنَّ الله هو الفعَّال وهو الكامل انتهى الأمر، فأمرنا بيده وهو وحده يفعل ما يشاء، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وهو كاملٌ كمالاً مطلقاً..ومن ثَمَّ ما عليك إلا أن تتحرَّك في المهمَّة التي أُنيطت بك وهي كما قال تعالى:

﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (66) ﴾

(سورة الزمر)

الآية الكريمة قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (65) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ(66)﴾

(سورة الزمر)

﴿ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ ﴾

أي إنَّ هذه سنَّة الله في خلقه، إنَّ هذه حقيقةٌ قديمة، وهي حقيقةٌ مستمرَّة.

﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾

ما معنى إحباط العمل ؟ إمّا أن يسقط من حيث القيمة، وإما أن يسقط من حيث النوعيَّة.. لو فرضنا أن إنساناً يعبد المال من دون الله، أشرك المال في حبِّه مع الله فكيف يحبط عمله ؟ قد يجد أنَّ أكثر المشاريع ربحاً هي الملاهي فيقوم بإنشاء ملهى والأرباح طائلة ولكنَّه مبني على معاصي الله، كيف يحبط العمل؟ حينما تعبد من دون الله المال وتجعله إلهك كما قال الله عزَّ وجلَّ:

﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (23) ﴾

(سورة الجاثية)

﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ﴾

عندئذٍ تبحث عن عمل مربح وقد تجد بعض الأعمال الساقطة المنحرفة التي تُبنى على إفساد المجتمع هي أربح المشاريع إذاً.

﴿ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾

وقد يكون العمل في ظاهره راقياً، إلاّ أنَّ النوايا ليست تعبُّداً لله عزَّ وجلَّ بل النوايا المكاسب الماديَّة، كما لو أنشأت مشفى.. فالغاية المردود المادي لا مساعدة المرضى، إذاً إن إحباط العمل من حيث النوع.. إنشاء ملهى مثلاً.
وأمَا إحباط العمل من حيث القيمة.. إنشاء مشفى ولكن الهدف مادي محض، لذلك قد تجد من التصرُّفات الماديَّة ما يتقزز منها الإنسان ويؤول أمرها إلى أن يحبط العمل، والعمل يسقط ويتهاوى.
فالعمل إمّا أن يكون له شكل إنساني تسقط قيمته لأنَّ المادَّة من ورائه، وإما أن يكون له شكل منحط ساقط، وعلى كلٍ فالمشرك يسقط عمله، أياً كانت قيمته أو نوعيته وأياً تقوم بعملك: يا قُييس إنَّ لك قريناً يُدفن معك وهو حي وتدفن معه وأنت ميِّت، فإن كان كريماً أكرمك، وإن كان لئيماً أسلمك ألا وهو عملك، تقول له: من أنت ؟!! فيجيبك: عملك.. أما هذا الجسم يفنى، والطعام الذي أكلته يفنى، البيت الذي سكنته تغادره، الأهل الدين عشت معهم تتركهم، المال الذي كان في حوزتك لا تستطيع أن تحافظ عليه بعد الموت.. لذلك ماذا يبقى لك ؟ عملك، وعملك أساسه العلم.
نرجع إلى الأفكار المضغوطة... الدين أن تعرف الله، وأن تعمل صالحاً في سبيله تقرُّباً إليه، فلذلك لا يمكن أن يصلح العمل إن لم تصلح العقيدة، والعقيدة أساسها العلم.
نعود إلى اسم الله المتين.. أصل المادة في اللغة يدلُّ على صلابةٍ في الشيء، فقد لفت نظري ذات مرَّة قوله تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58)﴾

(سورة الذاريات)

وهناك آية فيها:

﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (45) ﴾

(سورة القلم)

في العلوم الحديثة.. الحبال التي تقاوم قوى الشد تسمَّى متينة، وأمتن عنصر في الأرض هو الفولاذ المجدول - المضفور - متين لذلك ترفع به المصاعد، وتعلَّق عليه الغرف المتحرِّكة التي تسير بين الجبال - التليفريك - لمتانته، فهو يقاوم قوى الشد، إنّ الشيء القاسي يقاوم قوى الضغط وأقسى شيء هو عنصر الماس، وبعده ميناء الأسنان، فالقساوة مقاومة قوى الضغط، والمتانة مقاومة قوى الشد، فما الحكمة من قول الله عزَّ وجلَّ:

﴿ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾

أي كأنَّ الإنسان مربوط بحبلٍ متين لا يمكن أن يُتفلَّت منه مهما تحرَّك، مهما قوي، مهما ذاع صيته، أو كثر ماله، مهما نجحت صحَّته، إنَّه مربوطٌ بحبلٍ متين ففي أيَّة لحظةٍ يشدُّ الله الحبل في الإنسان بين قبضة الله عزَّ وجلَّ.
إخواننا الكرام... قلت لكم في درسٍ سابق إنَّ هناك دعاءً للنبي عليه الصلاة والسلام يقصم الظهر، كان عليه الصلاة والسلام يدعو ويقول:

(( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ كَانَ مِنْ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ وَجَمِيعِ سَخَطِكَ ))

(صحيح مسلم)

تجد أشخاصاً كثيرين أحدهم مثلاً في تمام صحَّته فجأةً يشعر بشيء ينمو نمواً طارئاً وغير عادي يسارع إلى الطبيب فيجد هذا الشيء ورم، فهل يا ترى هذا الورم خبيث أم حميد، فيحلل فتظهر النتيجة أنَّه ورم خبيث في أماكن مميتة بلا سبب.
فالإنسان تحت رحمة الله عزَّ وجلَّ فإذا لم يكن مصطلحاً معه ومطيعاً له، ومنيباً، ومقبلاً، ومخلصاً، ومشتاقاً، ويقدِّم للأعمال الصالحة ما تمكِّنه عند الله فمشكلته مع الله خطيرة.
إذاً: أصل المادة في اللغة يدلُّ على صلابةٍ في الشيء مع إمتدادٍ وطول.... صلابة مع إمتدادٍ وطول.. فيمكن لسنتيمترٍ مكعبٍ واحدٍ من الإسمنت أن يحمل تقريباً في الحالات الخاصة خمسمائة كيلو غرامٍ، أما على قوى الشد فلا يتحملَّ أكثر من خمسة كيلو غرامات شداً، فالإسمنت ضعيفٌ على الشد ويحتاج لذلك إلى تسليح، أما على الضغط فهو قاسٍ ويتحمَّل ضغوطاً عالية جداً، إذاً فلا بدَّ من إسمنتٍ مسلَّح، فالحديد ضمن الإسمنت ليقاوم قوى الشد، والإسمنت نفسه ليقاوم قوى الضغط، هذا معنى قول الله عزَّ وجلَّ:

﴿ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾

أي أنَّ كل واحدٍ منا شاء أم أبى في قبضة الله دائماً، شعر أم لم يشعر، أحسَّ أم لم يُحس، أدرك أم لم يدرك.

﴿ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾

والمَتْنُ ما صلب من الأرض وارتفع.
المتن.. المنطقة الصُلبة في الأرض المرتفعة، نقول: أرضٌ متينة، والمُماتنه المباعدة في الغاية.. أي أنَّ هدفه بعيد، تشعر أن المتين الشيء الممتد الطويل مع الإحكام، ومع القوة، ومع المتانة، والمُماتنه المباعدة في الغاية، وسار سيراً مماتِناً أي شديداً وبعيدا ً.
والمتين على وزن فَعيل.. اسم فاعلٌ مبالَغٌ به مشتقٌ من المتانة، وهي شدَّة الشيء واستحكامه وصلابته.
أحياناً من الممكن أن تضع عشرة أطنان من الحديد، أو تضع خمسة أطنان منه أو ثلاثة أطنان، فإذا كان بداخله شوائب فَحْميَّة فبالتالي لا يصبح متيناً فيضاعفون الكميَّة، أما إذا كان خالياً من الشوائب الفحمية فالحديد متين، ويكفي أقل كمية ممكنة منه وحسب التصميم لتوضع في البناء، فإذا الإنسان لم يتقن عمله وأنتج حديداً غير متين وغير متقن وبه شوائب فيكلِّف الإنسان ثلاثة أضعاف ثمن الحديد حتى يطمئن المهندس على البناء، ولكنه حَمَّل صاحب البناء ثلاثة أمثال ثمن الحديد لعدم متانة الحديد، وكما قلنا في دروس سابقة: إتقان العمل جزءٌ أساسيٌ من الدّين.
حضر النبي عليه الصلاة والسلام ذات مرة دفن بعض أصحابه الكرام، فالذي حفر القبر ثم ردمه أبقى فرجةً صغبرةً، فقال عليه الصلاة والسلام:

(( عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اكْلَفُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا وَإِنَّ أَحَبَّ الْعَمَلِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ وَكَانَ إِذَا عَمِلَ عَمَلا أَثْبَتَهُ ))

(سنن أبي داوود)

إتقان العمل جزءٌ من الدَّين..
اليوم تذاكرتُ مع صديق لي وجودَ كسادٍ عند بعض الحرفين، وتوقف أعمالهم أحياناً فأما المتقن عمله فلا يتوقَّف، فبكل حرفة درجات، فتجد شخصاً من الدرجة الأولى، أو الثانية، أو الرابعة، أو الخامسة.. وهكذا.. فالذي في الدرجة الأولى لا يتوقَّف عن العمل إطلاقاً لأنَّ الطلبات عليه أشد وأكثر من الوقت المتاح له، وكل ما تدنّت درجة الإتقان فكاد عمله أكثر والطلب عليه قليل ويعاني عندئذٍ من بطالة، يشتغل أسبوعاً ويتوقَّف شهراً، فهذه بطالة مقنَّعة، وعندئذٍ دخله لا يكفيه، وهذه قاعدة.. فإتقاننا للعمل هو الذي يسبب التفوُّق، وأنت ادرس الأمر وهذه سنَّة الله في خلقه أينما ذهبت فالمتقن متفوِّق ويعمل عملاً مستمراً، والمتقن دخله كبير وفي بحبوحة، فالإتقان سبب من أسباب زيادة الرزق.
بالمناسبة.. أهم موضوع بعد حياة الإنسان هو رزقه، فهناك أولويَّات للإنسان.. فأول شيء سلامته، فإذا كان صحيحاً من كلِ الأمراض فقد حقق السلامة، وبعد السلامة الرزق، والإنسان إذا أيقن أنَّ الله سبحانه وتعالى لم يسمح لمخلوقٍ أن يتدخَّل في شأن الحياة والرزق اطمأنَّ قلبه، فهذه الروح التي أودعها الله في الإنسان لا يمكن لمخلوقٍ كائنٍ من كان أن ينزعها منه، أما إذا بدا لك بالعين المجرَّدة أنَّ فلاناً قتل فلاناً فالمقتول قُتل في أجله، ففي علم العقيدة: المقتول يقتل في أجله لا في أجلٍ قبل أجله، فأمر الحياة منوطٌ بالله عزَّ وجلَّ، وأمر الرزق منوط بالله عزَّ وجلَّ.
أخطر شيء بوجودك حياتُك ورزقُك، فالحياة والرزق أمران مقطوع قضاء الله فيهما عن أن يتسلَّمهما إنسان، ولو بدا لك أنَّ هذا الإنسان قويٌ أو أمره نافذ، ولو بدا لك أنَّه يفعل ما يريد، إلا أنَّ الحقيقة أنّ أمر الحياة وأمر الرزق لم يُتح لمخلوقٍ أن يتسلَّمهما، فبهذا قالوا: كلمة الحقِّ لا تقطع رزقاً ولا تقرِّب أجلاً.
وبعد فإنّ المتين كما قلنا قبل قليل: مُشتقٌ من المتانة وهي شدَّة الشيء واستحكامه وصلابته، وقيل المتين هو الشديد، يقال: هو متين القِوى أي شديد القِوى.
ومن المجاز أن نقول: رأيٌ متين، خطبةٌ متينة، مقالةٌ متينة أي متماسكة، فقد يكون الأسلوب قوياً فيُقال لك: التراكيب متينة، أي مشدودة، متراصة، محكمة، فتشعر بتركيب قوي، وأحياناً تجد التركيب ضعيفاً مهلهلاً غير محكم، وهذا استخدام مجازي للمتانة.. ومن المجاز رأيٌ متين.
وقيل المتين بمعنى القوي، فهو على ما يشاء قدير.
إذا قلنا أنَّ الله قويٌ متين.. أي لا يحتاج في إمضاء حكمه إلى جندٍ أو مدد، ولا إلى معينٍ أو عضد.. ولا إلى من يعضده.. لأنَّ الله سبحانه وتعالى قويٌ بذاته، متينٌ بذاته.
وبالمناسبة.. فالإنسان يحب القوي ويلتفت إليه، فالله سبحانه وتعالى صاحب الأسماء الحُسنى، فمن القوة قوي، ومن الغنى غني، ومن الحكمة حكيم، وفي الرحمة رحيم، من اللطف لطيف، فكلَّما اشتدَّت معرفتك بأسماء الله الحُسنى اشتدَّ حبُّك له، وقد قال عليه الصلاة والسلام:

(( أرجحكم عقلاً أشدُّكم لله حباً ))

الآن.. ماذا يعني أن نعرف أنَّ الله قويٌ متين ؟ قال العلماء: إذا عرفت أنَّ الله قويٌ متين وأنَّ الأمر كلَّه بيده قطعت الرجاء عمن سواه، فانظر إلى ما الذي يهلك الناس ؟ الناس يحتاجون إلى بعضهم بعضاً، فيقفون على أبواب اللئام، فقد سُئل الإمام علي كرَّم الله وجهه: ما الذل ؟ قال: أن يقف الكريم بباب اللئيم ثم يردُّه..
والإمام علي كرَّم الله وجهه يقول مرةً ثانية: " والله والله مرَّتين لحفر بئرين بإبرتين، وكنس أرضُ الحجاز في يومٍ عاصفٍ بريشتين، ونقل بحرين زاخرين بمنخلين، وغسل عبدين أسودين حتى يصيرا أبيضين، أهون عليَّ من طلب حاجةٍ من لئيمٍ لوفاء دين ".
ولئن عرف الإنسانُ: أنَّ الله هو القوي.. فقد تبددت أمام ناظريه كل العقبات. ومعنى القوة واسع فسيح ؛ فالقوة لله جميعاً، حتى القوة في الجمال، والقوة في العطاء، والقوة في العلم، وحتى القوة في الحكمة فأعلى الصفات المتعلِّقة بأسماء الله الحُسنى قد توصف بالقوة.. فحينما تعلم علم اليقين أنَّ الله قويٌ متين تقطع الرجاء من غيره.
و الحقيقة أيُّها الإخوة... أن الإنسان ما دام يرجو غير الله فالطريق إلى الله مسدود، وأحياناً لحكمة بالغة ما دامت هناك منافذ أرضيّة فالطريق إلى الله مسدود، ومتى تلتجئ إليه ؟ حينما تغلق الأبواب كلُّها، فأحياناً يطرق الإنسان أول باب فيجده مغلقاً، والثاني كذلك مغلقاً، والثالث والرابع مغلقان فيضجر، عندئذٍ لا يجد إلا الله ملجأً له، فهو إذا كان عاقلاً فمنذ البداية يجب أن يعلم انَّه لا إله إلا الله.. لكن بسبب ضعف الإيمان في قلبه، وضعف التوحيد في عقيدته يتجه إلى زيد وإلى عبيد، وإلى فلان أو علاَّن فيجد إن الطرق جميعها مغلقة، فيخيب ظنُّه بالناس جميعا، فيلجأ بعد ذلك إلى الله.
تُروى قصةٌ لها موعظة في أيام العهد العثماني.. عن إنسان في دمشق افتقر الافتقار الشديد، فضاقت به السُبُل ولم يجد قوت يومه، وكان له قريب يعمل في منصب رفيع جداً لدى السلطان العثماني في عاصمة الخلافة العثمانية إسطنبول، فخطر في نفسه أن يذهب إليه ليعمل هناك في وظيفة معيَّنة فتحل بذلك مشكلته، فذهب إلى إسطنبول ودخل على قريبه فرحَّب به، وكتب قريبه استدعاء إلى السلطان لتعيين هذا القريب في منصب جيِّد، وكلما دخل على السلطان يرى هذا الاستدعاء غير ممهورٍ بخاتم السلطان فيضعه على أعلى الأوراق فيفاجأ بعدم توقيع السلطان له لأكثر من أسبوعين وهو ينتظر، وكان يبدو أنَّ هذا الموظف الكبير على شيء من التوحيد وسلامة الاعتقاد فذهب إلى قريبه وتجهَّم به وأسمعه كلاماً قاسياً، وأن الضيافة ثلاثة أيام لا مثل هذه المدة فكفاك هذا وأذهب عنا.. فحينما سمع الضيف هذا الكلام القاسي وهذا الطرد البشع خرج من بيت قريبه هائماً على وجهه وهو يبكي فقد كان هذا القريب أمله الأخير.. لكنَّ هذا القريب أرسل وراءه خادما يتبعه ليعرف أين سيذهب، فذهب إلى خان - فندق - ولكن المفاجأة أنَّ السلطان في اليوم التالي وافق على المعاملة المقدَّمة ووقع عليها، فاستدعاه وأبلغه النتيجة بأن قضيَّته قد حُلَّت.
وتفسيرها أن كل هذه الأيام كان هذا الضيف الذي أتى من الشام يعلِّق الآمال كلَّها على قريبه، نسي الله، لذلك لم يلهم السلطان أن يوقِّع على الكتاب، فلما طرد هذا المسؤول قريبه شرَّ طردة، وقطع الأمل منه لجأ إلى الله عزَّ وجلَّ، وعندما أخلص رجاءه إلى الله أُلهم السلطان أن يوقِّع على الكتاب.
فهذه قاعدة مهمةٌ جداً.. كلما علقت الأمل على إنسان خاب ظنك لأن الله يغار أن تعلِّق الأمل بغيره، أن تعتمد على غيره، أن تنقاد إلى غيره، أن تريق ماء وجهك لغيره، فالمؤمن فيما بينه وبين الله ليبالغ في التذلل، أما فيما بينه وبين الناس فليبالغ في العزَّة، أنت مع الناس عزيزٌ، أما فيما بينك وبين الله ذليل تقطعت بك الأسباب، وهذا شأن المؤمن.

﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾

فقد قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(54)﴾

(سورة المائدة)

فالإنسان مع الله يتذلل ويمرِّغ جبهته في التراب، أما حينما يقف أمام إنسان يقف عزيز النفس: " لذلك رأى النبي عليه الصلاة والسلام أحد أصحابه في بعض المعارك يمشي متبختراً، فقال عليه الصلاة والسلام:

(( إنَّ الله يكره هذه المِشية إلا في هذا الموطن ))

(( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَمَا رَجُلٌ يَتَبَخْتَرُ فِي حُلَّةٍ إِذْ أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ الأَرْضَ فَأَخَذَتْهُ فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِيهَا أَوْ يَتَجَرْجَرُ فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ))

(مسند الإمام أحمد)

المؤمن لا ينبغي أن يضعف أمام كافر، أن يتوسَّل إليه، أن يتضعضع له.. من جلس إلى غنيٍّ فتضعضع له ذهب ثلثا دينه.
إذاً أول تطبيق عملي لهذا الاسم.. مادام الله هو القوي المتين اقطع الأمل ممَن سواه، فلا تجد مؤمناً صادقاً إلا وله مناجاة لله عزَّ وجلَّ يناجيه، يسترضيه، يستغفره، يتوب إليه، يسأله.. إنَّ الله يحبُّ من عبده أن يسأله حاجته كلَّها.. إنَّ الله يحبُّ من عبده أن يسأله مِلح طعامه.. إنَّ الله يحبُّ من العبد أن يسأله شسْعَ نعله إذا انقطع.. مَن لا يدعوني أغضب عليه، إنَّ الله يحبُّ الملحِّين بالدعاء.
وقيل المتين: " هو الكامل القوَّة، الذي بلغت قدرته أقصى الغايات ولا يعجزه شيءُ في الأرض ولا في السماوات ".
وقيل المتين: " البالغ الشدَّة، فالله شديد القوَّة والقدرة، والله متمُّ قدرته، وبالغٌ أمره ".
وقيل المتين: " المتناهي في المتانة، يؤثِّر في الأشياء ولا تؤثِّر فيه الأشياء ".
ذكر اسم المتين في القرآن الكريم مرةً واحدة في قوله تعالى في سورة الذاريات:

﴿ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴾

ووصف كيده بأنَّه متين فقال تعالى:

﴿ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾

وفي بعض الأدعية: إلهي أنت المتين المعين، تمدُّ الوجود بالقوَّة، وتجعل أحبابك في حصنٍ حصين، أعطنا متانةً في أجسامنا نصبر بها على الطاعة، وامنحنا قوةً في قلوبنا نكن بها على السنَّة والجماعة، أعطنا مدداً من غيب قدرتك نهزم به النفس والشيطان والكفَّار وأهل العصيان إنَّك على كلِّ شيءٍ قدير.
يقولون: مَن علم أنَّ مولاه على كلِّ شيءٍ قدير قطع الرجاء مِمَّن سواه وأفرد له سرَّه كما قال الخليل إبراهيم عليه السلام.

﴿ رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ﴾

أراد أنِّي سهَّلت طريقهم إليك، وقطعت رجاءهم عمَّن سواك ثم قال.

﴿ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ ﴾

أي شغلتُهم بخدمتك خاصةً، وأنت أولى بهم مني ومنهم.. لذلك قال.

﴿ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ﴾

أي إذا احتاجوا إلى شيء ذللت عبادك لهم فإنَّك على كلِّ شيءٍ قدير.
وهذا في الآية الكريمة:

﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37) ﴾

(سورة إبراهيم)

الإمام الجُنيد قال: سمعت السريَّ يقول: إنَّ في قُرى بغداد لله تعالى أولياء لا يعرفهم الخلق، كنت أدور في قرى بغداد لعلِّي أرى منهم واحداً، فقال الإمام الجُنيد: هيهات أن تراهم، ولكن كُن منهم تراهم وأنت في بيتك.
إخواننا الكرام... من تطبيقات هذا الاسم أنَّ اللائق بالإنسان ألاّ يغترَّ بقوَّته لأنَّه أمام قوَّة الله لا شيء، بل يطالبه الأدب بإظهار الضعف أمام ربِّه القوي مهما كان المرء غنياً، وأنت مهما كنت قوياً، مهما كنت صحيحاً، يجب أن تظهر ضعفك أمام الله عزَّ وجلَّ..
سيدنا عمر كان يوماً على المنبر يخطب وهو أمير المؤمنين، فجأةً قطع الخطبة وقال: يا ابن الخطاب - يخاطب نفسه - كنت ترعى غنيماتٍ على قراريط لبني مخزوم. فهذا الكلام ليس له معنى إطلاقاً وليس له علاقة بالخطبة، فلما نزل سأله عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: يا أمير المؤمنين ما حملك على ما قلت ؟!! قال: قالت لي نفسي وأنا أخطب أنت أمير المؤمنين، ليس بينك وبين الله أحد - أنت القِمّة - فأردّتُ أن أعرِّف نفسي حقيقتها.. - أن أحجِّمها -.
فإذا كنت ضعيفاً وربَّك قوي متين فلا تخف. فأنت عبد القوي، عبد المتين، وإذا أعطاك ربّك قوة فكنت قوياً، والقوة لله وحده فلا تغتر بقوَّتك لأنَّ الله عزَّ وجلَّ كما يدهش في العطاء يدهش في الأخذ.
فكان سيِّدنا عمر يقول: اللهمَّ كبرت سنِّي وضعفت قوَّتي، إنَّه لا حول ولا قوة إلا بالله.
وكان من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام: أعوذ بعزَّة الله وقوَّته.
والآن لديّ تعليقٌ دقيقٌ أتمنى أن تدققوا فيه.. قالوا: هذا الاسم ؛ اسم القوي المتين لا يتعارض مع سعي الإنسان ليكون قوياً لأنَّ الله عزَّ وجلَّ يقول:

﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60)﴾

(سورة الأنفال)

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾

أي أن ضعفك وتذللك وافتقارك، وعبوديتك، وتمريغ وجهك في التراب تواضعاً لله عزَّ وجلَّ هذا فيما بينك وبين الله، أمّا أمام أهل الدنيا، أمام المنحرفين، أمام الكفَّار يجب أن تظهر قوياً فقد قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ(40)﴾

(سورة الشورى)

قال تعالى:

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾

والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلا تَعْجَزْ وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ ))

(صحيح مسلم)

" رحم الله عبداً أراهم منه قوةً ".
هذا افتقارك فيما بينك وبين الله، الصحابة كانوا في الليل رهباناً، أما في النهار فهم فرسان، أما إذا الإنسان تمسكن أمام الناس وأظهر الضعف أمامهم فحنى ظهره مثلاً.. فقد باء خاسراً مهزوماً في عهد عمر بن الخطاب كان من حنى ظهره علاه عمر بالدّرة وقال له: إرفع رأسك يا أخي متى موَّت علينا ديننا.
فالإنسان ينبغي أن يسير رافع الرأس، ينبغي أن يظهر أنَّه قوي، أما فيما بينه وبين الله فإنه يتذلل.
يروى إنَّ سيدنا عمر كان شديداً جداً فالناس اشتكوا، فجاءه أبو ذر وقال له: إنَّ الناس هابوا شدَّتك يا أخي. فقال له: والله يا أبا ذر لو يعلم الناس ما في قلبي من الرحمة لأخذوا عباءتي هذه، ولكنَّ هذا الأمر لا يناسبه إلا كما ترى.
إذاً: " المؤمن القوي خيرٌ وأحبُّ إلى الله تعالى من المؤمن الضعيف، وفي كلٍ خير ".
يذكر الإمام البخاري أنَّ من صفة أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّهم كانوا أهل قوَّة، وطريق القوَّة والمتانة هو طريق الله، لأنَّ الكتاب الإلهي حبل الله المتين، ودينه هو الدين المتين.
" إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكَّل على الله، وإذا أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يد الله أوثق منك بما في يديك، وإذا أردت أن تكون أكرم الناس فاتقِ الله ".
تجد الإنسان أحياناً من ضعف إيمانه ومن ضعف توحيده يعلِّق الآمال بالآخرين، ويعلِّق الآمال بكفَّار، يريقُ ماء وجهه دونهم، ويتذلل لهم، ويتمسكن أمامهم، فيسقط من عيونهم وقد سقط من عين الله قبل أن يسقط من أعينهم.
يا أيها الإخوة الكرام.. لأن يسقط الإنسان من السماء إلى الأرض فتتحطم أضلاعه أهون من أن يسقط من عين الله.
قالت العلماء: ويعاب أن تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم، فكلما قوي إيمان الإنسان يصبح عزيزاً، ويصبح رافع الرأس، وكُلّما قوي إيمانه زاد اعتماده على الله وهو أهل التقوى وأهل المغفرة، وقال تعالى:

 

﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً (3)﴾

 

(سورة الطلاق)

والحمد لله ربِّ العالمين
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهمَّ أعنّا على دوام ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وارزقنا الشوق إلى لقائك ولذَّة النظر إلى وجهك الكريم، اللهمَّ أرنا الحقَّ حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، وأجعلنا مِمَّنْ يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، وصلَّى الله على سيِّدنا محمدٍ النبيِّ الأميّ وعلى آلهِ وصحبه وسَلَّم.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018