بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أسماء الله الحسنى - إصدار 1996 - الدرس : 80 - اسم الله الباقي .

1996-07-29

 مع الاسم الثمانين من أسماء الله الحُسنى، والاسم هو الباقي.
 هو الحيُّ الباقي على الدوام، البقاء أخي القارئ الكريم ضدُّ الفناء، شأن الخلق الفناء، و شأن الله البقاء، شأن الخلق أن كلَّ من عليها فان، و شأن الخالق أنه باقٍ على الدوام، إلا أن كلمة (بقيَّة) تعني طاعة.. قال تعالى:

﴿بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (86) ﴾

(سورة هود)

﴿ بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾

 أي طاعته خيرٌ لكم، من أين استنبطنا أن البقية هي الطاعة ؟
 الله جلَّ جلاله أودع في الإنسان الشهوات، هذه الشهوات حيادية يمكن أن نستخدمها وفق منهج الله وبخلاف منهج الله، إن مارست الشهوات وفق منهج الله فأنت أخذت بقية الله، كسب المال أنواعٌ كثيرة محرمة، يكون اغتصاباً، سرقةً، تدليساً، كذباً، غشاً، خداعاً، أما التجارةٌ الشرعيةٌ عن قبولٍ ورضىً وصدقٍ وأمانةٍ هذه بقية الله خيرٌ لكم، هذه المرأة الأجنبية محرمٌ أن تنظر إليها، وهذه وتلك، إلا أن الزوجة والمحارم بقيّة لك من النساء فلك أن تنظر إليهن.
 فالبقيَّة هي الطاعة.. وسرُّ تسمية البقية الطاعة أن الله سبحانه وتعالى أودع في الإنسان شهوات يمكن أن نتحرك من خلالها بشكلٍ واسعٍ جداً، إلا أنّ من هذا التحرك الواسع تحركاً منهجياً، تحركاً شرعياً، تحركاً وفق ما أمر الله،

﴿ بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾

 لذلك المؤمن لو عرض عليه مالٌ كثير إن لم يكن شرعياً يركله بقدمه يقول الله هو الغني، ويسأل الله الغني أن يغنيه الله مالاً حلالاً من فضله.
 أحياناً تدعو امرأةٌ ذات منصبٍ وجمال شاباً طائعاً لله يقول: معاذ الله إني أخاف الله رب العالمين، بقية الله لهذا الشاب زوجته.
 إذاً البقاء ضدُّ الفناء، وبقية الله طاعته وانتظار ثوابه.. أحياناً الطاعة تكون مجهدةٌ ومتعبة وفيها كلفة، ماسمي التكليف تكليفاً إلا لأنه ذو كلفة، لكن هذه الكلفة تمضي ويبقى الثواب، أما المعصية ممتعة، والمتعة تمضي ويبقى العقاب، فهذا كله شيء عابر، متاعب الطاعة عابرة، متاعب المعاصي عابرة.. ماالذي يبقى إلى أبد الآبدين ؟ ثواب الطاعة، وجزاء المعصية. فالمؤمن يفكر فيما سيبقى، لا فيما سيفنى.
 لذلك.. ألا يا رُبَّ شهوة ساعةٍ أورثت حزناً طويلاً.. أحياناً شهوة ساعةٍ تسبب مرضاً جلدياً مزمناً إن لم يكن قاتلاً فيصيب قلب هذا الإنسان المنحرف: الآلامِ والحزنِ والغمِّ والضيقِ والقلقِ والخوفِ ما لا سبيل إلى وصفه. اللَّذة انتهت في ربع ساعة، وبقيت الآلام إلى عشرين عاماً.
 لذلك فالعاقل هو الذي يتحرَّك وفق منهج الله.. فلدينا آيةٌ دقيقة جداً في هذا المعنى وهي قول الله تعالى:

 

﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(50)﴾

 

(سورة القصص)

 هناك معنى مخالف لهذا المعنى.. أي أنَّك إذا انطلقت وفق هدى الله عزَّ وجلَّ فلا شيء عليك، وفق منهج الله لا حرج عليك ولا إثم.
 تتوق نفسك للنساء فتزوَّج، لا شيء عليك، يمكن أن يلتقي بأهله، وأن يصلي قيام الليل وأن يبكي في قيام الليل لأنَّه لم يفعل شيئاً خلاف منهج الله، يمكن أن تكسب مالاً حلالاً تشتري به طعاماً وشراباً وثياباً لنفسك ولأهلك ولأولادك ولزوجتك، ويمكن أن تستمتع بجمال الطبيعة وأنت تصلّي وتُقبَلُ لأنَّك وفق منهج الله، إنَّك تتبع الهوى وفق ما أمر الله عزَّ وجلَّ..

﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ ﴾

 المشكلة أن تتبع الهوى من دون منهج الله، أن تتحرَّك حركةً عشوائيَّة، أن تنطلق إلى حيث تريد دون أن تنظر إلى قواعد الشرع.
 وهناك معنى ثالث للباقيات وهي الباقيات الصالحات، وهي نتاج الاستقامة مع الله.. البقاء ضدُّ الفناء وهذا ورد في اللغة، وقد عرفت أيضاً أن بقيَّة الله طاعته أو انتظار ثوابه، أما الباقيات الصالحات: فالإنسان يجتهد ويجتهد ويؤدي امتحاناً و ينتظر النتائج.. ينتظر التكريم، ينتظر احتفالاً تكريمياً له، ينتظر أن يدخل إلى الجامعة، ينتظر أن يصبح ذا مرتبة علمية عاليه، ينتظر أن يكون مرموقاً في المجتمع، هذا الذي ينتظره.. لذلك قال عليه الصلاة والسلام في كلام دقيق ولطيف جداً:

(( أما الأنصار فقد أدَّوا ما عليهم وبقي الذي لهم ))

 وأنت كمؤمن تعيش في زمنٍ صعبٍ، في زمن الفتن، في زمن النساء الكاسيات العاريات، في زمن الشهوات المستعرة، في زمنٍ القابض على دينه كالقابض على جمر، في زمن ترى أنَّ كلَّ ما حولك يدعوك إلى المعصية، في زمن ترى أنَّ استقامة الإنسان على أمر الله مجهدة.
 أنت إذا فعلت هذا وضبطت نفسك، وحملت نفسك على طاعة الله ماذا بقي لك ؟ بقي لك ثواب الطاعة، بقي لك الإقبال على الله، بقي لك التوفيق.
 ولنعلم جميعاً أن هناك خيراتٍ لا يعلمها إلا الله تنتظر المؤمن.. لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلاةَ وَلا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلا مُؤْمِنٌ ))

 

(سنن ابن ماجة)

 أي لن تستطيعوا أن تُحصوا الخيرات التي سوف تأتيكم من طاعتكم لله.
 أنا أخصُّ بكلامي هذا الإخوة الشباب.. شاب في ريعان شبابه، لا أحد في الأرض يمنعه من أن يطلق بصره في الحرام، وأذكر في هذه النقطة الدقيقة أنَّ هناك في منهج الله عزَّ وجلَّ محرَّمات، وفي القوانين الوضعية لكلِّ مجتمعٍ محرَّمات، أحياناً تنطبق بنود المحرَّمات في منهج الله على بنود المحرَّمات في قوانين البلاد.
 فالسرقة حرَّمها الشرع والقوانين الوضعية تحرِّمها، والرشوة حرَّمها الشرع والقوانين تحرِّمها، وهناك كثير من البنود تتفق فيها القوانين مع الشرع، فترك السرقة قد يكون خوفاً من الله وحده، وقد يكون ترك السرقة خوفاً من العقاب الأليم الذي ينتظر السارق بحسب القوانين، إلا أنَّ الله سبحانه وتعالى شاءت حكمته أن يبقي في الدين بنودٌ لا تتفق مع القوانين أبداً، منها غضُّ البصر.. فليس في الأرض كلِّها قانونٌ يمنعك أن تنظر إلى امرأةٌ لا تحلُّ لك.. فإذا غضضتَّ بصرك عن محارم الله فالدافع إلى هذا ؟ خوف الله وحده.
 فهناك حالات.. كأن تكون في البيت والنافذة مفتوحة، وامرأة الجار خرجت إلى الشرفة بثيابٍ متبذِّلة، ليس في الأرض كلِّها جهةٌ يمكن أن تحاسبك إذا نظرت إليها، لا هي تعلم ولا أحد يعلم، لكنَّك إذا قلت كما قال سيدنا يوسف.. قال تعالى:

 

﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ(23)﴾

 

(سورة يوسف)

 لو قلت:

﴿ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾

 وغضضتَّ البصر، فأنت بهذا تخاف ممن ؟ الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
 ثق أيها القارئ الكريم ولا أتألى على الله أنه في هذا الزمن الصعب أنَّ كلَّ غضِّ بصرٍ يرقى بك إلى الله كالصلاة تماماً.
 الباقيات الصالحات.. الأنصار أدَّوا الذي عليهم وبقي الذي لهم.. والشاب التائب قد أدَّى ما عليه من صلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ وطاعةٍ لله وتلاوةٍ وذكرٍ وغضٍ للبصر وصدقٍ في الحديث، وعفةٍ عن المحارم، وتحريرٍ في الدخل، وإنفاقٍ شرعيّ أدَّى الذي عليه.. والذي بقي له ؟ كلُّ خير.. لذلك: " إستقيموا ولن تُحصوا ".
 أما الباقيات الصالحات هي الأعمال الصالحة التي تبقى، وما سواها يفنى.
 بيتك مهما كان فخماً عند الموت تتركه، زوجتك مهما أحسنت اختيارها عند الموت تتركها، الإنسان في الدنيا له ثلاثة أشياء: ماله، وأهله، وعمله.. ماله يبقى في البيت، وأهله يشيِّعونه إلى شفير القبر ثم يرجعون، أما الذي يدخل معه عمله.
 يا قُيَّيس إن لك قريناً تدفن معه وهو حي ويدفن معك وأنت ميِّت، فإن كان كريماً أكرمك، وإن كان لئيماً أسلمك، ألا وهو عملك.
 قالوا: " القبر صندوق العمل، إن كان العمل كريماً أكرمك، وإن كان لئيماً أسلمك ".
 الآية الكريمة:

 

﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً (46)﴾

 

(سورة الكهف)

﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

 تقام وليمة فيقول لك: كلَّفتني ثمانين ألفاً.. شيء بالفعل نفيس، يدعو الناس ويفتخر بماله وبأذواقه، تشتري مركبةً فخمةً جداً يتيه بها على الناس، يسكن في بيت فخم ويعرضه على كلِّ زائر ويتكلَّم عن مساحته وأبهائه، وغرفه، وأثاثه.. المال والبنون، أولاد يرتدون أجمل الثياب متألِّقون، وهو يقول لك: هذا ابني، وهذه ابنتي.

﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ ﴾

 فقد عرَّف الله المال والبنين أما قوله تعالى:

﴿ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ ﴾

 فهي محط الرجاء. وفي القرآن ما يسمَّى بمفهوم المخالفة.. فقد قال لك:

 

﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

 لم يقل لك تبقى أو لا تبقى، فالغناء ضمني، فمادام زينة الحياة الدنيا فهذا يفنى لا محالة ولكن قال:

 

﴿ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ ﴾

 أي الذي يبقى الأعمال الصالحة.
 أيُّها القارئ الكريم... بعد أن تعرف الله حقاً، وبعد أن تستقيم عقيدتك، وبعد أن تستقِرَّ قناعاتك فليس أمامك إلا العمل الصالح، ويتفاوت الناس عند الله بأعمالهم الصالحة والدليل قول الله عزَّ وجلَّ:

 

﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (132)﴾

 

(سورة الأنعام)

 أنت لك عند الله درجة بقدر عملك الصالح.. أي أن حجمك عند الله بحجم عملك، وكلَّما كنت صادقاً في خدمة الخلق أجرى الله على يديك الأعمال الصالحة.
 أقول مرةً ثانيةً وثالثة... كلُّنا ضعفاء، كلُّنا فقراء، كلُّنا عاجزون، إلا أنَّ الله سبحانه وتعالى يمنحنا من الأعمال الصالحة بقدر سلامة توجهنا نحوه، وبقدر صدقنا، فقد قال تعالى:

 

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (23) ﴾

 

(سورة الأحزاب)

 إنَّ الدنيا لها سقف، فمهما كان حجمك المالي كبيراً لا تستطيع أن تأكل إلا ما تملأ به معدتك، لا تستطيع أن ترتدي إلا ثوباً واحداً، لا تستطيع أن تنام إلا على فراشٍ واحد، لا تستطيع إلا أن تكون في مكانٍ واحد في وقتٍ واحد، ففي الدنيا سقف، إلا أنَّ العمل للآخرة بلا سقف، يمكن أن يهدي الله بك رجلاً، أو رجلين، أو ثلاثة، أو أربعة، أو خمسة، ولكل أجر فأنت في مزيد.
 سيدنا محمد كان رحمةً للعالمين، سيدنا الصديق كان المؤسس الثاني للدولة الإسلاميَّة، حينما ظهرت حروب الرِّدة وقف الموقف الحازم فكان بحقٍّ المؤسس الثاني، سيدنا عمر أكثر هذه البلاد فتحت في عهده، وكلُّ هؤلاء المسلمين في شتى أقطار البلاد في صحيفته، فأنت كن طموحاً فبإمكانك أن تصل إلى مراتب عالية، فإلههم إلهنا، وإلهنا إلههم، والمنهج واحد.. الكتاب واحد، والنبي واحد وما عليك إلا أن تسير في طريق الإيمان.

﴿ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾

 وهناك تفسير آخر ولكنه مركَّب.. الباقيات الصالحات هي: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أي إذا سبَّحته، وحمدَّته، ووحدَّته، وكبَّرته، معنى ذلك فقد عرفته، وإن عرفته أطعته، إن أطعته سعدت بقربه.
 أما التفسير الأول فهو أسهل.

 

﴿ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ ﴾

 الأعمال الصالحة.

 

 

﴿ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلا ﴾

 أما الباقي حقيقة فهو الله عزَّ وجلَّ.. فسبحان من له البقاء، أما نحن فلنا الفناء.
 فهل هناك أعظم من سيدنا رسول الله ؟ فقد مات.. ماذا فعل الصدّيق ؟ وأنا لا أعتقد أنَّ في الأرض إنسانين أحبا بعضهما كما أحبَّ الصديق رسول الله، وكما أحبَّ النبيَّ الكريم الصدّيق، أحبَّه حباً لا حدود له، إلا أنَّ هذا الحب ما حمله على أن يشرك به، حينما كشف عن وجهه الشريف وقبَّله، وقال: طِبت حياً وميِّتاً يا رسول الله، ثم خرج وقال: من كان يعبد محمداً فإنَّ محمداً قد مات، و من كان يعبد الله فإنَّ الله حيٌ لا يموت.
 أرأيت إلى التوحيد !! فأعلى درجات الحب ما نقلت هذا الصديق إلى الشرك، فالتوحيد هو الأصل..
 فالله سبحانه وتعالى له البقاء، والبقاء صفةٌ من صفات ذاته.. فنحن نعرف صفات الذَّات، وصفات الأفعال.. البقاء صفةٌ من صفات ذاته، الباقي أيضاً هو الواجب الوجود بذاته..
 فأنا وأنت وأي شخص غيرنا باقٍ ولكن بإمداد الله له، فإذا قطع الله الإمداد حصلت الوفاة، فوازن بين إنسان حيّ ينظر ويتحرَّك، عيناه تتألَّقان، وينطلق لسانه، ويحرِّك يديه، ويمشي، وكلُّه آذان، وشعور وإحساس، يفكِّر، يلقي محاضرة، فإذا مات يصبح جثة هامدة، لا شيء، مسافةٌ كبيرةٌ جداً بين إنسان يتحرَّك أمامك وبين جثةٌ هامدة، إن لم تدفنها في أقرب وقت تتفسَّخ.
فأحياناً يدفع الإنسان مليون ليرة لإصلاح شريان بقلبه، أما إذا مات انتهى كل شيء، وبعد أيام تتفسخ هذه الأجهزة.
 فمن شأن الله عزّ وجلّ البقاء، ومن شأن الإنسان الفناء، أما الباقي هو الواجب الوجود، أما نحن فممكن الوجود، واجب الوجود بذاته، أما نحن إذا كنا موجودين فوجودنا لا بذواتنا بل بإمداد الله لنا، أوضح من ذالك وجودنا متوقفٌ على تناول الطعام والشراب.
 سمِعتُ أن بعض المساجين في تركيا أضربوا عن الطعام ثمانية أسابيع، مات منهم أكثر من عشرة أشخاص، فبدون طعام تموت فهل يعد الوجود ذاتياً ؟ أبداً، إن وجودك متعلِّق بكأس الماء هذا، وباللقيمات التي تأكلها والتي يقمن صلبك، فمن كان وجوده متعلقاً بالطعام والشراب فليس وجوده ذاتياً، فحركتك متعلقةً بسيولة دمك، فلو تجلط الدم انتهت الحركة.. يقولون: جاءته خثرةً في دماغه، أو احتشاء في الدماغ أو جلطة في الدماغ، أو نقطة في الدماغ، أصبح جثةً هامدةً.
 وجودك متوقفٌ على إمداد الله لك، وفي أية لحظةٍ يقطع الله عنك الإمداد.
 مثلاً: إذا كانت آلة تعمل على الكهرباء وعندك المفتاح الذي به تعمل أو تتوقف فإذا تبجَّحت الآلة مثلاً وقالت: أنظروا إلى حركتي. فإنك تضغط يدك على الزر فتتوقف، فهذه شأن الآلة الكهربائية، وهناك ألعاب للأطفال منها سيارات كهربائية لها حركة طائشة، فتجد صاحب الملعب يضغط ضغطة قليلة على مفتاح الكهرباء يقطع الكهرباء عن هذه السيارات فتستمر كل واحدة في مكانها وانتهى أمرها إلى السكون.
 هذا تعريف.. الباقي الواجب الوجود بذاته، وهناك تعريف ثان.. الدائم الوجود، الموصوف بالبقاء الأبدي والأزلي، أزلاً وأبداً، هو الأول بلا بداية، وهو الآخر بلا نهاية، هو الأول والآخر والظاهر والباطن، هو الموجود أزلاً والموجود أبداً.
 وقال بعضهم: " هو الموجود من أزل الأزل إلى الآبدين ". فكما أنه لا بداية فهو بلا نهاية كذلك، أما نحن فلنا بداية ولنا نهاية.
 لكن البشارة أن المؤمن غال على الله، فإذا حسن عمله في الدنيا وتوفَّاه الله عزَّ وجلَّ فهو في جنَّة الخلد إلى أبد الآبدين، فبداخل الإنسان رغبة جامحة لأن يعيش طويلاً، فلا يوجد إنسان على وجه الأرض إلا ويتمنى أن يعيش مئة عام، أو مئة وعشرين، ولا يرغب في أن ينتهي أجله، فلدينا شيء فطري.. نحبُّ وجودنا، ونحبُّ سلامة وجودنا، ونحبُّ استمرار وجودنا، ونُحبُّ كمال وجودنا.
 فإذا آمن الإنسان واستقام على أمر الله وجاءته منيَّته وهو مؤمنٌ فقد حقق استمرار وجوده، هو في جنَّات الله إلى أبد الآبدين، والمشكلة الخطيرة أنَّ الذي لا يستقيم على أمر الله يستحقٌّ النار قال تعالى:

 

 

﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (77) ﴾

 

(سورة الزخرف)

 أصعب شيء أن تكون في حالة لا حرب ولا سلم، لا يموت فيها ولا يحيا، فالموت مريح، لا يحيا حياةً مريحة، ولا يموت فيستريح، هذه هي المشكلة، فهذه المعاني الخطيرة التي جاء بها القرآن كيف نغفل عنها ؟ كيف نتحرَّك في الحياة دون أن نحسب حساباً لهذه الحقائق؟ شيء خطير، فالله هو الذي خلق ويقول لك:

 

﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (55) ﴾

 

(سورة القمر)

 ويقول لك أيضاً:

 

﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ(32)﴾

 

(سورة الحاقة)

 هذا كلام خالق الكون، والله الذي لا إله إلا هو لو قيل لك تعالَ إلينا يوم الخميس للتحقيق معك لا تنام ليلتين، وهو إنسان سيسألك لكنَّه قوي فلا تنام الليل، فكيف إذا قال الله عزَّ وجلَّ:

 

﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) ﴾

 

(سورة الحجر)

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)﴾

(سورة ابراهيم)

﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (47) ﴾

(سورة إبراهيم)

 الإمام الغزالي يقول: " الباقي هو الموجود الواجب الوجود بذاته ".. ولكنَّ واجب الوجود إذا أضيف إلى المستقبل فهو الباقي.. وإذا أضيف إلى الماضي سميَ قديماً.
 واجب الوجود من زاوية الماضي قديم، ومن زاوية المستقبل باقٍ، معنى الله قديم وباقٍ، هو في الحقيقة واجب الوجود بذاته، وكل شيء بلا إمداد خارجي لا يستمر.
 فالسيارة تحتاج إلى وقود فإذا قطع عنها الوقود تتوقف عن الحركة، فهل حركتها ذاتية؟ لا.. حركتها متوقفة على إمداد خارجي.
 الباقي المطلق هو الذي لا ينتهي تقدير وجوده في الاستقبال إلى آخر، يعبَّر عنه أنه أبدي، والقديم المطلق هو الذي لا ينتهي تمادي وجوده في الماضي إلى أول ويعبر عنه أنه أزلي.. وقولنا واجب الوجود أي أبديٌ أزلي.
 الإمام الرازي يقول: " إن الله تعالى واجب الوجود أي غير قابل للعدم"، ففي المنطق هناك شيء واجب وجود، وممكن وجود، ومستحيل الوجود، إذاً مستحيل، وواجب، وممكن.. كلُّ ما سوى الله ممكن ومعنى ممكن أي ممكنٌ أن يكون وممكنٌ ألا يكون.
 أما معنى واجب الوجود أي لا بدَّ من أن يكون، لكن مستحيل الوجود أي يستحيل عقلاً أن يكون.. فمن المستحيلات أنَّ الله سبحانه وتعالى غير قابلٍ للعدم بوجهٍ من الوجوه.
 فكلُّ ما كان ذاتيَّ الوجود في الأزل والأبد فدوامه في الأزل هو القدم، ودوامه في الأبد هو البقاء، فالله قديمٌ وباقٍ، أزليٌ وأبديُ لأنَّه واجب الوجود بذاته، هذا هو المعنى.
 وقيل الباقي: " هو الذي لا ابتداء لوجوده، ولا نهاية لوجوده ". فكل شيء من الخلق له بداية وله نهاية، فأنت لك بداية، فقد قال تعالى:

 

﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (1)﴾

 

(سورة الإنسان)

 تمسك كتاباً طبع قديماً، وأنت مولود في سنة الأربعين والكتاب قد انتهى طبعه عام ثمانية وثلاثين مثلاً، معنى ذلك أنَّهم حينما انتهوا من طبعه، أنت أيُّها القاريء للكتاب لم تكن في الأصل موجوداً، ليس لك وجود.

﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ﴾

 وبعد أن يموت الإنسان تقام له التعازي لمدة ثلاثة أيام، وتلقى كلمة تأبين يتحدث فيها المتحدثون عن أعماله، وبعد فترةً من الزمن يطويه النسيان وكأنَّه ما كان، فأنت بين عدمين، بين عدمٍ يسبق وجودك، وبين عدمٍ ينتهي به وجودك.. إذاً فانٍ.
 فالمشكلة أنَّ الإنسان بضعة أيَّام فقد تجد من يعيش ثلاثين سنة أو أربعين، أو خمسين أو ستين سنة، فلو عاش ستين سنه وضربنا هذه السنين في عدد أيام السنة - ثلاثمائة وخمسة وستين يوماً - وكذلك نستطيع حسابها بالساعات، ويمكننا أن نعد وجبات طعامه التي تناولها، وكم نزهة ذهب إليها، وكم احتفال حضره، وكم تعزية حضرها، وقد أنجب أربعة أولاد وزوَّجهم، كلُّه محدود ويعد عداً، فالإنسان بضعة أيَّام كل ما انقضى يومٌ انقضى بضعٌ منه.
 فالتعريف الدقيق الفلسفي العميق للإنسان أنَّه زمن، ومشكلة الزمن أنَّه يتحرَّك، وتحرُّك الزمن يستهلك الإنسان، كائن يتحرَّك نحو هدف ثابت، كل ثانية يقترب من هدفه، فمعنى ذلك أنَّك زمن، أنت فانٍ.
 الباقي الذي لا ابتداء لوجوده ولا نهاية لوجوده، الباقي هو الأول بلا ابتداء، والآخر بلا انتهاء، والحقُّ باقٍ ببقائه، والخلق باقٍ ببقائه.
 فأنت موجود لا لأنَّك ذكي، ولا لأنَّك تعتني بصحَّتك، ولا لأنَّ أجهزة جسمك تعمل، أنت موجودٌ لأنَّ الله يمدُّك بالوجود، فإذا أوقف إمداده بالوجود كنت لا شيء.. كن فيكون، زُل فيزول..
 ففي الحديث القدسي يقول رب العزَّ:

 

(( عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلا تَظَالَمُوا يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلا نَفْسَهُ ))

 

(صحيح مسلم)

 قال العلماء: الباقي: " هو الموجود الدائم الذي لا يقبل الفناء، ومنه استمداد البقاء، والذي لا إبتداء لوجوده هو الذي يكون في الأبد على ما هو عليه في الأزل".
 يكون الإنسان طفلاً صغيراً ثم يكبر، فما دام يتطوَّر فليس باقياً، ثم يصبح هرماً.

﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ﴾

 فقد قال تعالى:

 

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ(5)﴾

 

(سورة الحج)

 منذ سنوات كان الناس يعرفون إنساناً رياضياً لو أمسك بمركبة مهما كانت قويَّة تقف في مكانها ولا تتحرك، ولكن عندما أصبح في أرذل العمر صار ضعيف البُنية هزيلاً يئنُّ ويشكو.. فكلُّ حالٍ يزول، فما دام هناك تطوُّر فلا بقاء معه.
 وهذا معنى جديد.. الباقي: هو الذي يكون في الأبد على ما هو عليه في الأزل.. فأنت كلّ يوم تتطَّور، يضاف إلى معلوماتك معلومات، ينمو جسمك وتزداد خطوط وجهك، ويشيب شعرك، وينحني ظهرك، ويضعف بصرك، أي تتطوَّر، أما ربنا عزَّ وجلَّ باقٍ لأنَّه كما هو في الأبد هو في الأزل.
 إلاّ أنَّ اسم الباقي لم يرد بلفظه في القرآن الكريم، ولكنَّ مادة البقاء وردت منسوبةً إلى الله عزَّ وجلَّ في مواطن كثيرة من التنزيل المجيد، ومن أبرز هذه المواطن قال تعالى:

 

﴿قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى (71) قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72) إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (73) ﴾

 

(سورة طه)

 أخي الكريم تعال معي إلى مثل أضربه لعله يقرب الفكرة، فلو خُيِّرت أن تركب سيارة لمدة ربع ساعة، وبين دراجةٍ تتملَّكها، فماذا تختار ؟ لا شك أنك تختار الدراجة لأنَّها أبقى، ولو خيِّرت بين مركبتين الأولى تركبها ربع ساعة، والثانية تتملَّكها، فماذا تختار ؟ تختار المركبة الثانية التي يبقى ملكها لك.. فكذلك الآخرة.

﴿ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾

﴿ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾

 إذا اخترت ما عند الله خير إلى درجة غير معقولة وأبقى، الدنيا دار ابتلاء وإنها فانية، لذلك فكل إنسان يختار الدنيا على الآخرة متهماً بعقله.. والآية الثانية تقول:

 

﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27)﴾

 

(سورة الرحمن)

 مَن العاقل ؟ أهو الذي يتعلَّق بالفاني أم بالباقي ؟ إن تعلَّقت بإنسانٍ فهو فانٍ، إن تعلَّقت بمتاع الدنيا فهو فانٍ، إن تعلَّقت بالغرائز والشهوات فهي فانية، أما إذا تعلَّقت بالواحد الديَّان فهو أبديٌ باقٍ، وما لك عند الله فهو خير وأبقى.
 وفي سورة طه.

﴿ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾

 قال تعالى:

 

﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (131)﴾

 

(سورة طه)

﴿ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾

﴿ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾

 فعطاء الله عزَّ وجلَّ للمؤمن خيرٌ وأبقى.
 وفي سورة الشورى قال تعالى:

 

﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36)﴾

 

(سورة الشورى)

 والمؤمن يقوده رجاحة عقله إلى أن يختار الآخرة فيعمل لها، وعندئذٍ ربنا عزَّ وجلَّ يكرمه في الدنيا والآخرة.
 وفي سورة مريم قال تعالى:

 

﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَرَدّاً (76)﴾

 

(سورة مريم)

﴿ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا ﴾

 إذاً كلمة الباقي لم ترد في القرآن الكريم إنما وردت مادَّة البقاء في هذه الآيات.

﴿ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾

﴿ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾

 وفي غير ذلك من الآيات التي ذكرناها.
 أما التطبيق العملي لهذا الاسم الجليل... فقد قال العلماء: حظُّ العبد من ذكر اسم الباقي أنَّك إذا أكثرت من ذكر اسم الباقي كاشفك الله بالحقائق الباقية وأشهدك الآثار الفانية.
 فمعنى ذلك أنَّ في هذه الحياة شيئين: شيئاً باقياً، وشيئاً فانياً، كيف ؟ فهناك شيء مهما كان الإنجاز عظيماً ينتهي عند الموت، وهناك شيء يبدأ عند الموت، العاقل هو الذي يتعلَّق بالذي يبدأ بعد الموت: (الباقي)، ولا يعبأ بالذي ينتهي عند الموت.
 فمثلا يمكنك تزيين بيتك تزييناً عالياً، مهما كنت ذا ذوقٍ رفيع في تزيين البيت فهذا التزيين حينما يموت الإنسان ينتهي مفعوله، يمكن أن تأكل أطيب الطعام، وأن تجلس في أجمل مكان وهذا كلُّه ينتهي عند الموت.
 أما إذا دعوت إلى الله، إذا ساهمت في نشر الحق، إذا ساهمت في ترسيخ الفضيلة، إذا ساهمت في إصلاح ذات البين، إذا ساهمت في تعليم العلم، إذا أمرت بالمعروف، إذا نهيت عن المنكر، إذا كنت سبب سعادة الأُسر، إذا بثثت الحقَّ بين الناس، إذا كنت موفِّقاً بينهم، تجمع ولا تفَرِّق، تحببهم بالله ولا تنفِّرهم، هذا كلُّه باقٍ بعد الموت ويكبر حجمه ومردوده، أحدكم يضع لقمةً في فم زوجته يراها يوم القيامة كجبل أُحد، فإذا هديت إنساناً فكلُّ الخير الذي يأتي من هذا الإنسان إلى يوم القيامة في صحيفتك، قد تتفاجأ في أن ثمانمائة ألف إنسان مثلاً من ذريَّة هذا الذي هديته إلى الله كلُّهم في صحيفتك.
 فلذلك لا يليق بالإنسان أن يكون لغير الله، لا يليق به أن يعمل لغير الله، لا يليق به أن يتوجَّه لغير الله، لا يليق به أن يكون محسوباً على غير الله.. لا يليق بك أن تكون تابعاً لغير الله لأنَّه هو الباقي وسواه فانٍ.
 إذاً إذا توجَّهت إلى الله صادقاً أشهدك الله الباقيات والفانيات، فتعلَّقت بالباقيات وتركت الفانيات.
 فلو كان عندنا فقاعة من الصابون وألماسة، فالفقاعة بحركة واحدة تتلاشى وتفنى، أما الألماسة فثمنها ثمانية ملايين ويزداد سعرها يوما بعد يوم وعلى الدوام غالية.. فكل إنسان يتعلَّق بالفانيات كمن يتعلَّق بفقَّاعة الصابون ويدع قطعة ألماس.
 أيُّها القراء... أرجحكم عقلاً أشدُّكم لله حباً.. فالقصد من هذا الشرح أن تتعلَّق بالباقي، وألا تهتمَّ بالفاني، إما إذا نظرت إلى عامَّة الناس تجد العجب العجاب، كلُّهم متعلِّقون بالفاني، معرضون عن الباقي.. شهوات، أجهزة لهو، تفاخر، انهماك في الملذَّات هذه كلُّها فانيات، أما الباقيات فقد أداروا لها ظهورهم وأشاحوا بوجوههم فدفعوا ثمن جهلهم.
 اللهمَّ أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وأرضَ عنَّا، وصلَّى الله على سيِّدنا محمدٍ النبيِّ الأميّ وعلى آلهِ وصحبه وسلَّم.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018