بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أسماء الله الحسنى - إصدار 1996 - الدرس : 79 - اسم الله الوالي .

1996-07-15

 مع الاسم التاسع والسبعين من أسماء الله الحُسنى، والاسم هو اسم الوالي، والوالي اسمٌ من أسماء الله الحُسنى.
 هذا الاسم من مادة الولاية.. والوليّ، والمولى، والوالي هذه الأسماء الثلاثة مشتقةٌ من مادةٍ واحدة وهي ولي، والولاية.. تدبير الشؤون، ففي الأسرة الأبُ يدبِّر شؤون أسرته، وفي أيّ مجتمعٍ، وفي أيِّ مؤسسةٍ من على رأس هذه المؤسسة يدبِّر شؤونها.
 فالوالي هو الذي يدبِّر شؤون خلقه.
 جاء في بعض المعاجم، أنَّ الوالي مالك الأشياء جميعها والمتصرف فيها، أي مالك ومتصرف، قد تطلق يدك في بيت ولا تملكه، وقد تملكه وليس لك الحقُّ أن تتصرف فيه، أما مطلق الملكيَّة والتصرُّف يسمى الولاية، وليُّ الأمر يملك ويتصرف، فلانٌ وَليُّ أمر المسلمين، يملك مقدَّراتهم ويتصرف فيها ويدبر شؤونهم.
 فالوالي هو المالك للأشياء جميعها المتصرف فيها.
 أكرر والوالي من الولاية.. تشعر بالتدبير، والقدرة، والفعل في خطة، وهذه الخطة تنفَّذ، لابد من أن تملك الشيء، ولا بدَّ من أن تملك التصرف فيه، ولا بدَّ من أن تدبر شأنه، ولا بد من أن تفعل ما تريد، إذا اجتمعت هذه المعاني كلها في جهة ما يمكن أن نسمي هذه الجهة الوالي.
 قلت قبل قليل الولاية يشتقُّ منها المولى، يشتق منها الولي، يشتق منها الوالي، والوالي اسمٌ من أسماء الله الحُسنى، الإمام الغزالي يرى أن الوالي هو الذي يدبِّر أمور الخلق ويتولاها.
 لهذا الكون مدبِّر، لهذا الكون مشرف، لهذا الكون مربِّ، الوالي يجمع هذه المعاني كلِّها.. لابد من أن يكون عليماً، لابد من أن يكون مقتدراً، لابدَّ من أن يكون خبيراً.
 والحقيقة أن الخبرة مهمة جداً في الولاية، العلم شيء والخبرة شيءٌ آخر، في بعض الأحيان تصمم آلة وفق أعلى درجات العلم، عند التطبيق والممارسة تكتشف بعض الأخطاء فتتلافاها في الآلة القادمة، حينما تكشف الأخطاء وتتلافاها نقول إن خبرتك حادثة تتأتي من التجربة، مهما وضعت الخطط النظرية المحكمة، مهما انطلقت من علمٍ غزير، مهما أحكمت الصنعة، فعند التدريب ومع الاستعمال تظهر بعض الأخطاء، تظهر نقطة ضعفٍ في هذه الآلة، سريعاً ما تنكسر فيقويها في التصميم اللاحق.. نقول خبرة الإنسان خبرة حادثة تتنامى بالتجربة، أما خبرة الله خبرة قديمة.
 وما زلنا نتحدَّث عن الوالي.. الوالي هو المدبِّر، المالك، المتصرّف، الفعَّال لما يريد، هذه المعاني كلِّها ينبغي أن تستند إلى خبرة، والخبرة أعمق وأشمل من العلم، يمكن أن تعلم كلَّ شيء، ويمكن أن تصنع آلةً وفق علمٍ غزير، أما حينما تجرِّب هذه الآلة، وتضعها موضع الاستعمال تتبدّى لك بعض الأخطاء التي لا بدّ من معالجتها، وتجد أن الأكمل مثلاً أن يكون هذا الشيء في مكانٍ آخر، تجد أن الأكمل أن تُفْتَح في هذه الآلة فتحةً من هذا المكان، كلُّ شيءٍ تكتشفه في أثناء التطبيق، وإن التجريب يعدُّ خبرة وهي زيادةٌ على العلم.
 الشيء الذي ينبغي أن نعتقده أن علم الله وخبرته قديمان، بينما علم الإنسان وخبرته حادثان، العلم والخبرة تتناميان وتتكاملان عن طريق الخطأ والصواب، والتجربة والتطبيق..
 لذلك الوالي هو المدبر لشؤون خلقه، لا بد من أن يملك، ولابدَّ من أن يتصرف، ولا بدَّ من أن يدبر، ويقدر، وينفذ، يفعل.. كلُّ هذا ينبغي أن يستند إلى خبرة وخبرة الله قديمة.
 وقد يتساءل الإنسان كم من التعديلات المتجددة طرأت على صنع الآلات ؟ ولنأخذ مثلاً المركبة.. فالمركبة التي صنعت في عام ألفٍ وتسعمائة، والمركبة التي صنعت في عام ألفٍ وتسعمائةٍ وستةٍ وتسعين فإذا أجرينا مقارنة بينهما، كم هو الفرق بينهما ؟ كبيرٌ وشاسع وهذا يعني أن خبرة الإنسان تتنامى، وخبرته حادثة وتتكامل.
 أما هل طرأ على الإنسان تعديل منذ أن خلق ؟ لعل هذا المفصل الذي في يده أو رجله يقربه إلى هناك قليلاً أو إلى هنا قليلاً، لعل هذه الأصابع نختصرها، لعل هذا الرسغ نثبّته، لعل هذه العين نضعها في مكانٍ آخر، ولعل قائل يقول نكتفي بأذن واحدة، فهل طرأ تغييرٌ على خلق الإنسان ؟ لا ز ثم لا، معنى ذلك أن خبرة الله عزَّ وجلَّ قديمة وكاملة.
 قال: " الولاية تشعر بتدبير الأمور، تشعر أن الله يتولى أمور خلقه ".
 أحياناً قد تجد أباً مهملاً، أباً غائباً عن ساحة التربية، أباً مشغولاً، لكنَّ الله سبحانه وتعالى هو الوالي لأمور خلقه يرعاهم، ويرشدهم، يبين لهم، أحياناً يؤدِّبهم، يردعهم، يشجعهم، ويكافئهم ويعاقبهم، يتولى أمر أجسادهم، ويتولى أمر نفوسهم، يتولى أمر دينهم، يتولى أمرَّ دنياهم.
 قالوا: " الولاية ومنها الوالي تشعرك بالعلم والخبرة وبالتدبير والقدرة والفعل "، ومالم تجتمع هذه الصفات في جهةٍ ما لا يمكن أن يطلق عليها اسم الوالي.
 الله عزَّ وجلَّ والٍ، ولا والي للأمور إلا الله تعالى.. لذلك كلما تعمَّقت في الإيمان ترى أن يد الله هي وحدها التي تعمل، وكلما ابتعدت عن خصائص الإيمان رأيت أيادي الخلق هي التي تعمل، اقرأ قوله تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (10)﴾

(سورة الفتح)

 أحياناً تجد طفلاً يتيماً، ففي الحقيقة إن اليتيم وليُّه الله جلَّ جلاله وليه وواليهِ ومتولي أمره، بالمعنى المطلق لا والي للأمور إلا الله، ولا متولي لها إلا الله، لا مدبر للشؤون إلا الله.
 قال العلماء: " إنه المتفردُّ بتدبيرها أولاً، والمنفرد بتدبيرها حقاً ".
 وإن من علامات الإيمان أن تتجاوز الخلق إلى الحق، أن تتجاوز النعمة إلى المنعم، أن تتجاوز التسيير إلى المسيِّر، التكوين إلى المكوِّن، الخلق إلى الخالق، التنظيم إلى المنظِّم، هذا التجاوز هو الإيمان، وإن أهل الدنيا عند التنظيم لا عند المنظِّم، عند الخلق لا عند الخالق، فالوالي هو المتفرِّد بالتدبير أولاً، المتكفِّل بتنفيذ التدبير والتحقيق ثانياً.
 أحياناً الإنسان يدبِّر ويأتي إلى التطبيق فلا يستطيع، ويقول لك لم أستطع.. هناك عقبات، هناك موانع، هناك صوارف، فالله تعالى:

 

﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (16)﴾

 

(سورة البروج)

 الإنسان يريد أشياء كثيرة وقد لا يستطيع أن يفعل بعضاً منها، لكنَّ الله هو الوالي، أي مدبِّر، وعالم، وخبير، ومالك، ومتصرِّف، ومع خلقه يدبِّر أمر حياتهم، أمر مماتهم، أمر دنياهم، أمر آخرتهم، أمر أنفسهم، أمر أجسادهم، أمر من حولهم، أمر ما حولهم.
 ولابدّ من ولله المثل الأعلى.. فأحياناً تجد أباً كاملاً يدبِّر شؤون أسرته من أكبر الأشياء إلى أدقِّ الأشياء فيركن إليه جميع أفراد الأسرة، أما المؤمن فحينما يشعر أنَّ الله هو الوالي، هو المدبِّر، هو المتكفِّل، هو العليم، هو الخبير، هو الفعَّال لما يريد، وأنَّ الله سبحانه وتعالى لا يغيب عن علمه شيء، ولا يُعْجزه شيء، عندئذٍ يركن إلى الله.
 ولعلَّ من سمات العصر البعد عن الله، ومن سمات المعصية والبعد عن الله عزَّ وجلَّ القلق الشديد، فغير المؤمن يعيش في وحشة، لأنَّ الحياة شديدة التعقيد، والظروف التي تتداخل وتتفاعل في حياة الإنسان لا تُعدُّ ولا تحصى، القِوى المحيطة بالإنسان كبيرةً جداً، المتغيِّرات سريعة جداً، العقبات كثيرة ومحبطة، فما الذي يحُلُّ هذه المشكلة ؟ فأنت أمام ركام من المشكلات، من القوى المتضاده، ومن البيئات الجاذبة، لا يُعينك على أن تنجو من هذه الحياة المعقَّدة إلا أن تستسلم لله عزَّ وجلَّ، الحالة النفسية الآن وراء أكثر الأمراض، يعبِّر عنها الأطباء بالشدَّة.. الشدَّة النفسيَّة التي تضغط على الإنسان ربما كانت سبب أكثر أمراضه، وكلَّما تقدَّم العلم اليوم، وكلَّما تقدَّم علم الطب وجد أنَّ الشدَّة النفسية وراء أكثر الأمراض المستعصية.
 أما حينما تستسلم للمدبِّر، وحينما تستسلم لمن بيده الخلق والأمر تستطيع أن تنجو من هذا الضغط النفسي.
 وقيل أيضاً: " الوالي هو المالك للأشياء المتصرِّف فيها، بمشيئةٍ وحكمةٍ ينفذ فيها أمره، ويجري عليها حكمه ".
 ذكرت من قبل: أنَّ الوالي والولي والمولى.. هذه الأسماء الثلاثة مشتقةٌ من الولاية، والولاية علمٌ، وقدرةٌ، وملكٌ، وتصرُّفٌ، وتدبيرٌ وخبرةٌ.
 بالتعريف البسيط.. الوالي هو الذي يتولى أمور الخلق، أو هو الذي يباشر كلَّ ما من شأنه إصلاح المتولِّي عليه.
 وبعد فنحن الآن أمام معنى جديد.. أحياناً الإنسان يملك، ويتحكَّم لصالحه، لا لصالح المتحكَّم به، فقد يملك الإنسان شيئاً وهذه الملكيَّة يرجِّح من خلالها مصلحته على مصلحة المملوك، كم من إنسانٍ ملك، كم من إنسانٍ يتصرَّف بقوته في شأنٍ من شؤون الحياة، لكنَّ هذا التصرُّف أساسه مصلحته، قد يبني مجده على أنقاض الناس، قد يبني غناه على إفقارهم، قد يبني أمنه على خوفهم، نقول عنه مالك متصرِّف، لكنَّ الوالي الله جلَّ جلاله يملك ويتصرَّف ويدبِّر ويعلم وهو الخبير ولكن لمصلحة خلقه.. من هذه النقطة قارن بين إنسانٍ قوي تولى أمر أُناسٍ آخرين وربٌ كريم تولى أمر عباده، فولاية الإنسان لمصلحة القوي، لمصلحة المتولي، ولكنَّ ولاية الله عزَّ وجلَّ لمصلحة المتولَّى الذي يتولى الله أمره.
 لذلك كنت سابقاً أقول: الإنسان مخيَّر في دائرة التكليف، وهو في الحقيقة في دائرةٍ أوسع مسيَّر، هل كان باختيارك أن تأتي من هذه الأم أو هذا الأب ؟ لا.. أنت مسيَّر في أمِّك وأبيك، أنت مسيَّر في قدراتك العامة، أنت مسيَّر في زمن ولادتك، أنت مسيَّر في مكان ولادتك.. فالمكان والزمان والأم والأب والمحيط والقدرات هذه أنت لا تملكها، ولكن لأنَّ الله تولى أمرك فهذه النقاط البارزة في حياتك لمصلحتك، كلُّ ما لا تملك فيه أمراً هو لصالحك.
 فالوالي.. هو الذي يتولى أمور الخلق، أو هو الذي يباشر كلَّ ما من شأنه إصلاح المتولَّى.. أي هو الحاكم على الإطلاق لا يزْحَمه أحد.

﴿ وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ﴾

 فقد قال تعالى:

 

﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (41) ﴾

 

(سورة الرعد)

 أما الإنسان فأحياناً يحكم، ثم تأتي ضغوط، وتتلاحق وسائط، وتتوالى عليه رجاءات، وضغطٌ شديد فيجد نفسه مرغماً على التراجع في الحكم، لكنَّ الله سبحانه وتعالى.

﴿ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ﴾

﴿ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ ﴾

 فقد قال تعالى:

 

﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (11)﴾

 

(سورة الرعد)

 الحسن البصري كان عند والي البصرة فجاءه أمرٌ من الخليفة يزيد إذا نفَّذه أغضب الله، وإن لم ينفِّذه أغضب يزيد، فوقع كما يقولون - في حيص بيص - فاستشار الحسن البصري فقال هذا الإمام التابعي الجليل: " إنَّ الله يمنعك من يزيد، ولكنَّ يزيد لا يمنعك من الله "... والله هذه الكلمة على إيجازها لو عقلناها.. فأيةُ جهةٍ قويةٍ مهما كانت ضاغطة، وتجعلك أمام خيار صعب: إما أن ترضي زيداً وتعصي الله، وإما أن تطيع الله وتغضب زيداً، فما العمل ؟... الجواب: إنَّ الله يمنعك من يزيد، ولكنَّ يزيد لا يمنعك من الله.
 فالإنسان إذا استيقظ صباحاً معافىً في جسمه، هذا من فضل الله عليه، ولو أنَّ الله سبحانه وتعالى تخلَّى عنه أيُّ خلل في جسمه يجعل حياته جحيماً لا يطاق.
 وقيل الوالي " هو المنفرد بالتدبير، القائم على كلِّ شيء، ولا دوام ولا بقاء إلا بإذنه ".
 المنفرد بالتدبير فنحن يهمنا التوحيد.. فالله عزَّ وجلَّ موجود، وواحد، وكامل، أي واحدٌ في ذاته، واحدٌ في صفاته، واحدٌ في أفعاله، واحدٌ في ذاته لا إله إلا الله.. واحدٌ في صفاته إذا قلنا الوالي المتفرد بالولاية، إذا قلنا الرحمن المتفرِّد بالرحمة.. الآن في الأفعال هو وحده الجبَّار، هو وحده القهَّار، فقد قال تعالى:

 

﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (24)﴾

 

(سورة يونس)

﴿ أَتَاهَا أَمْرُنَا ﴾

 لا أمرهم.
 وبديهي جداً أن الإنسان يميل للأقوى، فلو عرضوا عليك أن تعمل مع إنسان ضعيف أم مع إنسان قوي ؟ فإنك تؤثر الأقوى لأنَّه إذا وعدك ينفِّذ، وإذا أمر ينفِّذ، وإذا منع ينفِّذ، أما الضعيف ولو أنَّه يحبُّك لكنه ضعيف ولا يقدر أن يتصرف.. فإذا تيقَّنت أنَّ الله وحده متفرِّدٌ بالولاية، انتقلت من أن تكون خاضعاً لإنسان يتولّى أمرك لصالحه، وبين أن تخضع للواحد الديَّان يتولى أمرك لصالحك، فرق كبير، فقد يتولى أمرك إنسان ويكلِّفك أعمالاً لا تطيقها، يأخذ من مالك، هو قويٌ عليك، يبتزُّ مالك ليزيد ماله أو يبتز مالك ووقتك وطاقتك، لكنَّ الله سبحانه وتعالى كماله مطلق فقد قال تعالى:

 

﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (78)﴾

 

(سورة الرحمن)

 بقدر ما هو عظيم بقدر ما هو كريم، بقدرما ينبغي أن تخافه بقدر ما ينبغي أن تحبَّه، كما تعلمون قد تحبُّ جهةً ولا تقدِّرها، وقد تقدرها ولا تحبها، أما الذات الكاملة، الله جلَّ جلاله تعظمه لأنه قوي، تعظمه لأن الأمر كله بيده، لأنه ولي، لأنه والٍ، لأنه متولي أمرك، وفي الوقت نفسه تحبه لأنه رحيم.
 المعنى الثاني.. أنه يتولى أمرك لإصلاح شأنك.
 والمعنى الثالث.. أنه يتولى أمرك لينقلك من حالٍ إلى حال، القائم على كل شيء، المنفرد بالتدبير، ولا دوام ولا بقاء إلا بإذنه، وكل شيءٍ يجري بحكمه وبأمره.
 وقال بعضهم " الوالي هو المنعم بالعطاء، الدافع للبلاء، يدفع البلاء وينعم بالعطاء ".
 إنّ بعض الذين كتبوا عن أسماء الله الحسنى ذكروا اسم الوالي مستقلاً عن بقية الاسماء، ذلك أن هذا الاسم لم يرد كثيراً في القرآن الكريم.. ولعل القارئ الكريم قد علم أن بعض الأسماء الحسنى قد يرد كثيراً، وبعضها قلّلما يرد، وبعضها ترد مادته ولا يرد لفظه، لم يرِد في القرآن الكريم ولكنه مجمعٌ عليه وقد ورد في سورة الرعد في قوله تعالى:

﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ ﴾

 هناك معقباتٌ أو ملائكة يسجلون عليه كل حركةٍ وسكنة، وكل أقواله وأفعاله، أما هنا معنى آخر يحفظونه من أمر الله، فقد تجد أحياناً طفلاً صغيراً يقع مئات المرات، ومن الممكن أنه في كل مرة يقع، فقد يصاب بمرضٍ عُضال، لكنَّ الذي يحفظه هو الله عزَّ وجلَّ من خلال الملائكة، فقد قال تعالى:

﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ﴾

 المؤمن محفوظ، والنبي معصوم، وبما أن المؤمن محفوظ، فقد تجد أن أخطاراً كثيرة تحدق به، سنتيمتر واحد وكاد أن يموت، مسافة قصيرة كاد أن يدهس، خطأ طفيف كاد يقتل، من الذي يحفظ الإنسان من هذه الأخطار ؟ هو الله عزَّ وجلَّ.

﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ﴾

 من بين يديه من أمامه، من خلفه من ورائه هؤلاء الملائكة الذين يحفظونه هم من أمر الله، يحفظونه بأمر الله.
 قال الله تعالى:

﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ ﴾

 وما دمنا قد قرأنا هذه الآية، فوالله الذي لا إله إلا هو إن هذه الآية وحدها.. لو عقلها المسلمون لكانوا في حالٍ غير هذا الحال، أنت مؤمن هذه الكرة أنت مالكٌ لها، كرةٌ أكبر لا تملكها فيها قِوى مسيطرةٌ تمنعك.

﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ ﴾

 أنت إذا أقمت أمر الله فيما تملك، كفاك ما لا تملك، لا تحلُّ مشكلة المسلمين إلا بهذه الآية، فيما أنت فيه، فيما أنت قادرٌ عليه، فيما أنت مسيطرٌ عليه، فيما وكَّلك الله به، فيما أناطه الله بك.. هذه الدائرة بيتك فيها، عملك فيها، حركتك فيها، سكونك فيها، سفرك فيها إقامتك فيها، كسب المال فيها، إنفاق المال فيها، وقت الفراغ فيها، أفراحك فيها، أتراحك لا سمح الله فيها، الشيء الذي أنت مسيطرٌ عليه، الموكول إليك، المناط بك مملكتك، منطقة نفوذك، إذا أقمت أمر الله في هذه المنطقة، إذا أقمت أمر الله فيما تملك، كفاك ما لا تملك.
 والإنسان محاط بقوى لا يملكها.. بقوى ماديَّة ومعنوية، وقوى لا يراها بالعين المجردة.. فالجراثيم، والفيروسات، ومسببات الأمراض هذه لا يراها، لا يملك زمامها وكذلك الزلازل، الفيضانات، الصواعق، البراكين، القذائف، الألغام، الأمراض.

﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ﴾

 واقع المسلمين اليوم عكس ذلك، أهملوا ما هم مالكون له، تطلَّعوا إلى ما لا يملكون فأصابهم اليأس.. تفلُّت في البيت، تفلُّت في العمل، عدم انضباط شرعي، يقابل ذلك ضعفٌ أمام القوي، يأسٌ أمام المتملِّك، فلماذا أنت فيما تملك مقصِّر، وفيما لا تملك متطفِّل ؟

﴿ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا ﴾

 فقد قال تعالى:

 

﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286)﴾

 

(سورة البقرة)

 وهانحن أمام آيةٍ أخرى: هي قوله تعالى:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105) ﴾

 

(سورة المائدة)

 الأصل أن تأمر بالمعروف وأن تنهى عن المنكر، الأصل أن تحمل هموم المسلمين، ولكن قبل أن تأمر وقبل أن تنهى وقبل أن تحمل هموم المسلمين عليك أن تعتني بنفسك، عليك أن تهذِّبها، عليك أن تحملها على طاعة الله، عليك أن ترقى بنفسك، عندئذٍ يكفيك الله ما لا تملك، أقم أمر الله فيما تملك، يكفك ما لا تملك.. هذا المعنى ورد في حديث قدسي:

 

(( عبدي.. خلقت السماوات والأرض ولم أعي بخلقهن، أفيُعييني رغيفٌ أسوقه لك كلَّ حين ؟ لي عليك فريضة ولك عليَّ رِزق، فإذا خالفتني في فريضتي لم أُخالفك في رزقك، وعِزَّتي وجلالي إن لم ترض بما قسمته لك فلأُسلِّطنَّ عليك الدنيا، تركض فيها ركض الوحش في البريَّة، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أُبالي وكنت عندي مذموماً.. أنت تريد وأنا أريد، فإذا سلَّمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلِّم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد، خلقت لك السماوات والأرض من أجلك فلا تتعب، وخلقتك من أجلي فلا تلعب، فبحقِّي عليك لا تتشاغل بما ضمنته لك عما افترضُّه عليك ))

 قديماً كانت في دمشق مدرسةً ثانوية ضخمةً جداً وكانت الأولى في القطر، وهي مدرسة التجهيز الأولى، وكنت في الخمسينات طالباً فيها، القسم العلوي يشتمل على أضخم مكتبة في دمشق وقاعات للمطالعة ومهاجع، والقسم الشمالي مطعم.. كانت الدراسة فيها داخليَّة فيأتي الطلاب إليها من كلِّ المحافظات ليكونوا طلاَّباً داخليين، فيجد الطالب سريراً وثيراً والطعام الجيِّد، ويوجد طبيب مقيم، ومسجد وإمام، فتقريباً كأنَّها جامعة.. خطر في ذهني ذات مرة أنَّ هؤلاء الطلاب لهم مواعيد دقيقةً جداً، فيستيقظون في وقت معيَّن، وطعام الإفطار يكون جاهزاً الساعة السابعة والربع، وكل شيء معد وجاهز، وينطلقون إلى قاعات التدريس الساعة الثامنة، وينتهي الدوام فيصلّون صلاة الظهر ثم إلى مهاجعهم، وفي تمام الساعة الثانية يكون طعام الغذاء جاهزاً، وبعد الطعام والقيلولة يذهبون إلى قاعات المطالعة ليدرسوا، ويحضِّروا، ويذاكروا حتى الساعة العاشرة.
 لو أنَّ طالباً ترك قاعة المطالعة وقد كلِّف أن يدرس، ترك المذاكرة وقد كلِّف أن يذاكر، ترك حفظ هذا الدرس وقد كلِّف أن يحفظه، ترك حلَّ هذه المسألة وقد كلِّف أن يحُلُّها، ترك مراجعة دروسه وقد كلِّف أن يراجعها وذهب إلى المطبخ ليتفقَّد أحوال الطبَّاخين.. ماذا فعلتم ؟ هل أنجزتم هذا العمل، هل قطَّعتم هذه الخضراوات، هل وضعتم الملح في الطعام ؟ ماذا يقال له ؟ عُد إلى قاعة المطالعة، واشتغل بما أنت مكلفٌ به وسوف ترى الطعام جاهزاً في الساعة الثانية بعد الظهر، إذاً فهذا طالب ترك مهمته الأساسيَّة ووضع نفسه في موضوعٍ لا علاقة له به، في حين أن كل شيء معد وجاهز
 لذلك: لا تتشاغل بما ضمنته لك عما افترضته عليك، وهذا مرضٌ خطير من أمراض المسلمين، يتشاغلون بما ضمن لهم، ويتغافلون عما طُلب منهم، المضمون يشتغل به، والمطلوب يتساهل فيه.
 لذلك فأنت في الدنيا من أجل أن تعرف الله، أنت في الدنيا من أجل أن تعمل صالحاً تتقرَّب إليه، وقد تكفَّل الله لك برزقك، تكفَّل الله لك بأمرك.. يحمل هموم الدنيا وينسى هموم الآخرة، يحمل همَّ العيش وينسى همَّ الإيمان والعمل بمقتضاه.. فبحقي عليك لا تتشاغل بما ضمنته لك عما افترضته عليك.
 لذلك فالإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى قرأ حديثاً شريفاً، هذا الحديث أحدث في حياته إنعطافاً خطيراً.. ما هذا الحديث ؟ قال:

 

(( من طلب العلم تكفَّل الله له برزقه ))

 ليس معنى هذا أن تستيقظ فتجد تحت الوسادة خمسين ألفاً..لا.. معنى ذلك أنَّك إذا طلبت العلم يسَّر الله لك رزقاً حلالاً بجهدٍ قليل ومردودٍ كثير.
  ما من إنسان يطلب العلم ويخطب ودَّ الله عزَّ وجلَّ، ويعمل الأعمال الصالحة، ويحرص على التقرُّب إلى الله، إلا يسَّر الله له رزقاً حلالاً طيِّباً بجهدٍ قليل، والله عزَّ وجلَّ قادر على أن يجعل الإنسان يعمل عشرين ساعة ليأكل فقط، وليحصِّل لقمة العيش فقط.. فقد قال تعالى:

 

﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (51)﴾

 

(سورة المدثر)

(( وعزَّتي وجلالي.. إن لم ترض بما قسمته لك فلأسلِّطنَّ عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البريِّة ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي وكنت عندي مذموما... ))

 الله قادر على أن يعينك فتبذل جهداً معقولاً وتعيش حياةً مريحة إذا طلبت العلم، لذلك هذا الوقت الذي أنت فيه له زكاة، زكاة الوقت أن تطلب العلم، زكاة الوقت أن تعمل فيه عملاً صالحاً، أن تدعو إلى الله، أن تصل رحمك، أن تُعين الآخرين، أن ترعى الأرملة واليتيم، زكاة الوقت تضمن لك حفظ بقيَّة الوقت من أن يتبدد، كما أنَّ زكاة المال تضمن لك حفظ بقيَّة المال من أن يتلف.. إذا أديت زكاة الوقت فطلبت العلم حفِظ الله لك بقيَّة الوقت.
 وبالمناسبة فإن الله قادر على أن يصرف الإنسان لتبديد عشرين ساعة بلا طائل.. ففي يوم مثلاً قد ترتفع حرارة أحد أبنائه لأربعين درجة، فيذهب للطبيب الأول ولم يستفد، ثم للطبيب الثاني، ثم للثالث ويطلب منه أن يحلل ويصوِّر، وتصوير طبقي محوري - مرنان - بستة عشر ألف ليرة، وتصوير - بالإيكو - ويقوم بدفع خمسة وعشرين ألفاً ولمدة أربعة أو خمسة أسابيع ولا ينام الليل ثم بعد ذلك يتعافى ابنه من المرض فكم أضاع من الساعات ؟ وكم من الساعات قام بانتظار المحلل، والمصور، والطبيب، وكم من الساعات وقف في الدور لحين وقت دخوله على الطبيب، وكم من المبالغ دفع ؟
 إخواننا الكرام... هذا كلام دقيق، فالله قادر على أن يتلف لك وقتك ومالك، فإن لم تدفع زكاة مالك، وإن لم تدفع زكاة وقتك تلف الوقت والمال معاً، ألا يقولون: فلان مبارك. أي أنَّ الله عزَّ وجلَّ بارك له في ماله، بالمال القليل رأى الخير الكثير، وبالوقت القليل أنجز الفعل الكبير.
 كان السلف الصالح أوقاتهم مباركة، فقد عملوا من الأعمال التي تفوق حدَّ الخيال، فإذا عندك فراغ فأقرأ كتب الإمام النووي في الفقه، وفي الحديث، وفي الأذكار، وفي شرح مسلم، متى كتب هذا كلَّه ؟ لم يصل عمره إلى الخمسين عاماً.
 قال لي أحد الإخوة الكرام: حدثتني نفسي ذات مرةً أن أترك مجلس العلم، فذهب هو وأهله إلى نزهة فوصل إلى مكان فيه نبع، فأراد أن يملأ الوعاء فجاء شاب له مظهر أديب أخذ منه الوعاء وعبَّأه له، أثنى على أخلاقه وأدبه.. فإذا هويَّته ومحفظته وفي داخلها شهادة قيادته وبطاقة السيارة وهويته الأساسيَّة الشخصية، ومبلغ ثمانمائة ليرة أخذها منه هذا الشاب دون أن يدري بعد مغافلته.. فقال لي: بقيت ستَّة أشهر أذهب من دائرة إلى دائرة لأجدد هذه البطاقات الضائعة.. ثم قال لنفسه: لعله عقاب من الله لأنه ترك الدرس.
 وبالطبع ليس كل إنسان يعامل هذه المعاملة.. فقط القريب من الله يعامل، والملتزم الحريص على طاعة الله إذا غلط أو اتخذ قراراً غلطاً، فالله عزَّ وجلَّ يحاسبه حساباً دقيقاً.. " ما ترك عبدٌ شيئاً لله إلا عوَّضه الله خيراً منه في دينه ودنياه ".
هذا الكلام أتأثَّر به كثيراً.. هم في مساجدهم، والله في حوائجهم.
 قال لي رجل: لابدَّ من أن أسافر إلى حلب أبحث عن مورِّد لبضاعة معيَّنة ولا أملك عنوانه الدقيق، ولا بدَّ من أن أنام ليلةً هناك وتستغرق المهمة يومين.. ركوب ذهاب وإياب، وفندق وطعام وشراب وإنفاق.. فكلِّف بعمل لله فأنجزه عن طيب خاطر، فإذا بهذا الرجل الذي كان ينبغي أن يسافر إليه إذا به أمامه في متجره في الشام.
 أنت أنفقت ساعتين في خدمة الخلق فوفَّرت ثلاثين ساعة،.. فهناك وقت يذهب هدراً، بلا طائل، ومع الألم، فمثلاً أنت تقصد شخصاً فتركب السيارات الواحدة تلو الأخرى وتترد على بيته ويقولون لك: الآن خرج من البيت.. فلا حول ولا قوَّة إلا بالله. أو يعِدُك إنسان لإنجاز عمل ما، وبعد أن تأتيه في الموعد المحدد يقال لك: لم ينتهوا بعد من إنجاز العمل وئتَ غداً.
 تتابع قضيَّة في دائرة فيأخذ الموظف المسؤول إجازة ثمانية أيام فتنتظر، أو ترسل لاستيراد قطعة تبديل من الخارج لمعملك فتأتي والقياس خطأ، فتعيدها مرةً أخرى لجلب غيرها، فالله قادر أن يهدر لك الوقت، وقادر أن يتلف لك المال، فأدِ زكاة وقتك بطلب العلم، وأدِ زكاة مالك بالإنفاق يحفظ الله لك وقتك ومالك.

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ ﴾

 الوالي هو الله وحده ولا والي إلا الله.
 وقيل الوالي: " هو المتصرِّف بمشيئته في العوالم، دبَّر شؤون خلقه أزلاً، وأبرزها أبداً بحكمة الكريم الراحم، هو الذي يوالي عباده بالإحسان، ويفيض عليهم ممداً بالحنان، عطاؤه يتكرر بغير انقطاع، ويتكرر دون امتناع ".
 وقيل الوالي: " هو المتولي أمور خلقه بالتدبير والقدرة والفعل ".
 وقيل الوالي: " المالك للأشياء المتكفِّل بها، القائم عليها بالإدامة والإبقاء، المنفرد بتدبيرها، المتصرِّف بمشيئته فيها، ينفذ فيها أمره ويجري عليها حكمه فلا والي للأمور سواه ".
 الإنسان من أجل أن يتأدَّب بهذا الاسم عليه أن يذكر اسم الوالي، وعليه أن يتخلَّق بأخلاق الله، فيعتني بمن دونه، أي أن يكون والياً لأسرته، والياً في محيط عمله أن يدبِّر، وأن يرتِّب، وأن يعطي، وأن يمنع، وأن يذكِّر، وأن يؤنِّب، وأن ينصح، وأن يُكرم، وأن يعاقب.. كما أنَّ الله سبحانه وتعالى تولاَّك فنقلك من الظلمات إلى النور، تولّ أنت عباده فانقلهم من الضياع إلى الهدى، من الشقاء إلى السعادة، فتخلَّق بأخلاق الله.
 وبعد أن ذكرت موضوع الوقت، وتأدية زكاته، والمال وتأدية زكاته، وكيف أن الإنسان إما في تعسير، وإما في تيسير فإني أريد بعدها أن أذكِّر بقوله تعالى:

 

 

﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) ﴾

 

(سورة الليل)

﴿ أَعْطَى ﴾

 أعطى من وقته لطلب العلم، أعطى من ماله.

﴿ وَاتَّقَى ﴾

 أن يعصي الله عزَّ وجلَّ.

 

﴿ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

 آمن، آمن واستقام وأعطى عطاءً مطلقاً.. قال:

 

﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾

 هذا هو التيسير، فلا تقل لي: فلان محظوظ، فلان يده خضراء، فلان كيف ما تحرَّك أصاب فهذا كلام لا معنى له، ولكن قل لي: هذا أموره ميسَّرة، وهذا أموره معسَّرة، والتيسير له قانون، والتعسير له قانون.

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

 آمن واستقام وأعطى من وقته وماله.

﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾

﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10) ﴾

(سورة الليل)

﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ﴾

 لم ينفق لا وقته ولا ماله.

﴿ وَاسْتَغْنَى ﴾

 عن أن يطيع الله.

 

﴿ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾

 للتيسير قانون، وللتعسير قانون.
 واسم الوالي يصلح لمن يتولى أمور العباد، الله يتولى أمور العباد لصالحهم، والإنسان الشارد أحياناً يتولى أمرهم لصالحه، وشتَّان بين الولايتين، إذا تولَّيت أمر عشرة فَتَوَلَّ أمرهم لصالحهم، فإذا أمَّرت عليهم من ليس أهلاً لهذه الإمارة فقد خُنت الله ورسوله.
 سيدنا عمر كان إذا أراد أن يعيِّن والياً امتحنه وقال له: ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارقٌ أو ناهب ؟ قال: أقطع يده. قال: إذاً فإن جاءني من رعيَّتك من هو جائعٌ أو عاطل فسأقطع يدك، إنَّ الله قد استخلفنا على خلقه لنسدَّ جوعتهم، ونستر عورتهم، ونوفِّر لهم حرفتهم، فإن وفَّينا لهم ذلك تقاضيناهم شكرها، إنَّ هذه الأيدي خُلقت لتعمل، فإذا لم تجد في الطاعة عملاً التمست في المعصية أعمالاً، فاشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية.
 فلو عيَّن معلم في الإبتدائي مثلاًعريفاً على هؤلاء الطلاب في الصف الأول، وفيهم من هو خيرٌ منه فقد خان الله ورسوله. عينه لأنه ابن اخته فقد خان الله ورسوله وقِس على هذه الحقيقة ما شئت.
 فإذا كنت والياً عليك أن تتخلَّق بأخلاق الله الوالي، وأخيراً.. اللهمَّ أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وأرضَ عنَّا، وصلَّى الله على سيِّدنا محمدٍ النبيِّ الأميّ وعلى آلهِ وصحبه وسلَّم.

 

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018