بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس (25-63) : الإيمان بالأنبياء والرسل

1987-03-01

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

استنباطات نستنبطها من كتاب الله تتعلق بالإيمان بالرسل:

1- أن كلاً من النبوة والرسالة فيض إلهي واصطفاء رباني:

كان الدرس الماضي متعلقاً بوجوب الإيمان بالأنبياء والرسل، وبيّنا كيف أن الإيمان بالرسل وبالأنبياء من أركان العقيدة ؟ وكيف أنّ الإيمان بالرسل والأنبياء من العقائد التي يجب العلم بها بالضرورة, فلو أنّ الإنسان لم يؤمن بالرسل والأنبياء كان كافراً, فهذه العقائد الأساسية لذلك يسمى علم العقائد علم أصول الدين, الدين له أصول وله فروع فالإيمان بالرسل من أصول الدين.
هناك استنباطات نستنبطها من كتاب الله تتعلق بالإيمان بالرسل:
الاستنباط الأول: هو أن كلاً من النبوة والرسالة فيض إلهي واصطفاء رباني, بمعنى أن النبوة والرسالة ليستا كسبيتين إنما هما هبة من الله سبحانه وتعالى, ولكن بعض الناس يتوهمون أن هذه الهبة إنما تُمنح لأي إنسان, هذا الذي أريد أن أعلق عليه, أن الإنسان لو فعل شيئاً معيناً لا يكون نبياً إلاّ أن يصطفيه الله سبحانه وتعالى, لكن الله حينما يصطفي هذا الإنسان ليكون نبياً يصطفيه من قمم البشر.
البشر متنوعون لهم قمم, الأنبياء قمم في الإنسانية, هذا الإنسان الذي أقبل على الله إقبالاً مستمراً، الذي تنام عينه ولا ينام قلبه هذا الإنسان من هذا المستوى, يصطفي الله سبحانه وتعالى أنبياءه ورسله, فكلٌ من النبوة والرسالة فيض إلهي واصطفاء رباني، وأن أيّا منهما لا يكون أمراً مكتسباً يكتسب بالاجتهاد والرياضة, لذلك لو أتيح لواحد منّا أن يلتقي بنبي كيف قال بعض الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم: إنه سحر أصحابه ؟ سحرهم بماذا ؟ بخلقه الرفيع، بأخلاقه السمحة, بتواضعه، بعدلـه، برحمته، بلطفه، بمحبته للخلق، بحلمه، بحبه للخير, هذه الأخلاق الرفيعة تؤكد أن النبوة اصطفاء بمعنى انتقاء.

2- أن كلاً من النبوة والرسالة وصفهما مغاير للآخر:

الشيء الثاني: أن الوصف بالرسالة مغاير للوصف بالنبوة, هناك نبي وهناك رسول ويشهد بذلك وصف الله بهما معاً, وفي هذا إشعار بتغاير مفهوميهما في الاصطلاح الشرعي ومن ذلك قوله تعالى في سورة مريم:

﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصاً وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً ﴾

( سورة مريم الآية: 51)

الرسالة مقام، والنبوة مقام آخر, كما يشهد بذلك آية قرآنية ثانية قال تعالى:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾

( سورة الحج الآية: 52)

3- الاصطفاء بالنبوة سابق على الاصطفاء بالرسالة:

الشيء الثالث: يُستنبط من كتاب الله حول النبوة والرسالة أن الاصطفاء بالنبوة سابق على الاصطفاء بالرسالة, فلا يتم الاصطفاء بالرسالة إلا لمن تم اصطفاؤه بالنبوة, كل رسول نبي وليس العكس, لا يمكن أن يكون الرسول إلا نبياً, ولكن النبي ليس بالضرورة هو رسول، يدل على ذلك نصوص عديدة منها قوله تعالى في سورة الزخرف:

﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ﴾

(سورة الزُخرف الآية: 6)

فالنبي موجود قبل إرساله قال الله:

﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الأَوَّلِينَ ﴾

( سورة الزخرف الآية: 6)

وفي حق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم:

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً ﴾

( سورة الأحزاب الآية: 45-46)

باب النبوة والرسالة قد أغلق بعد النبي محمد صلى الله عليه وسلم
يعني إذا كان باب النبوة قد أُغلق، وباب الرسالة قد أُغلق، فالنبي عليه الصلاة والسلام خاتم النبيين قال الله:

﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الأَوَّلِينَ ﴾

( سورة الزخرف الآية: 6)

وآية:

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾

(سورة الأحزاب الآية: 45)

هاتان الآيتان تشيران إلى أن النبوة تكون متحققة أولاً, ثم يأتي بعدها الإرسال, ونستطيع من هذا أن نفهم أنه قد تمر على النبي فترة الاصطفاء بالوحي قبل أن يؤمر بالتبليغ, النبي الرسول قد يأتي عليه حين من الدهر يكون في هذا الحين نبياً وليس رسولاً، ثم يؤمر بالتبليغ فيصبح عندئذٍ رسولاً, النبي عليه الصلاة والسلام ربنا سبحانه وتعالى خاطبه فقال:

﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ ﴾

( سورة المدثر الآية: 1-2)

يروى أن سيدنا رسول الله حينما نزلت عليه هذه الآية, ألقى عن نفسه الدثار وقام للتبليغ, فطلبت منه السيدة خديجة رضي الله عنها أن يبقى في الفراش فقال كلمة: لا يعرفها إلا من ذاقها قال: يا خديجة انقضى عهد النوم.

ينبغي على المسلم أن يتنافس على درجات الآخرة:

لكن هناك مقامات كثيرة مفتحة: مقام الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى هذا مفتوح، مقام أن تكون عالماً ربانياً،

" يا بني الناس ثلاث: عالم رباني، ومستمع على سبيل نجاة، وهمجٌ رعاع أتباع كل ناعق، لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجأوا إلى ركن وثيق فأحذر يا كميل أن تكون منهم "

( قول مأثور )

مقام العلم الرباني موجود في كل زمان قال تعالى:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

( سورة النحل الآية: 43)

أهل الذكر هم العلماء, فمن أراد النجاة من النار عليه أن يستقيم، لكنه من أراد مراتب عليا في الجنة عليه أن يكون من السابقين قال الله:

﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ﴾

( سورة الواقعة الآية: 10-11)

التنافس على الآخرة تنافس يحبه الله
ما أجمل أن يكون الإنسان طموحاً في طريق الجنة, لا يرضى بالمرتبة الدنيا, لا يرضى أن يكون من الناجين، يسعى إلى أن يكون من المتفوقين لقوله تعالى:

﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾

( سورة المطففين الآية: 26)

هذا هو التنافس الذي يحبه الله سبحانه وتعالى.
أنا أتمنى من أعماقي أن أرى فيكم أناساً كثيرين يطمحون لا إلى النجاة من النار, ولكن إلى بلوغ أعلى الدرجات في الجنة, إذا كان باب النبوة والرسالة قد أُغلقا, فإن باب الولاية مفتوح إلى يوم القيامة:

﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

(سورة يونس الآية: 62)

﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾

( سورة يونس الآية: 63)

لا ينبغي أن تُمضي حياتك إلا في طاعة الله, لا ينبغي أن تهلك شبابك إلا في طاعة الله, لا ينبغي أن تسخر طاقاتك وإمكاناتك ومالك إلا في مرضاة الله, إن فعلت ذلك فأنت الرابح، أنت الناجح:

﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾

( سورة المؤمنون الآية: 1-2)

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ﴾

( سورة الأعلى الآية: 14-15)

أنت من السعداء إذا عرفت طريق الفلاح والفوز
إذا عرفت طريق الفلاح، وطريق الفوز فأنت من السعداء، قال تعالى:

﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾

( سورة الأحزاب الآية: 71)

فإذا شعر الطائع أنه محروم فهذا جهل منه، وجهل بما عنده

"من أوتي القرآن فرأى أن أحداً أوتي خيراً منه فقد حقّر ماعظمه الله "

( ورد في الأثر)

﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾

( سورة يوسف الآية: 22)

إذا سألتني عن أعلى مرتبة ينالها الإنسان على وجه الأرض, أعلى مرتبة ينالها الإنسان على وجه الأرض، قلت لك: أن يقال له: رضي الله عنه, من فاز برضاء الله سبحانه وتعالى فقد حقق أعلى مرتبة على وجه الأرض، المؤمنون هم ملوك الدار الآخرة:

﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾

( سورة القصص الآية: 83)

فهذا التعليق, أنه باب الولاية مفتوح, باب أن تكون من السابقين مفتوح, ربنا هو رب موسى وهارون موجود, رب إبراهيم موجود, رب محمد موجود, ربّ أصحاب محمد موجود، باب الطاعات مفتوح, باب المجاهدة مفتوح, لذلك: إن الله يحبكم إذا تنافستم في طاعته.

ينبغي على المسلم أن لا يتنافس على الدنيا:

التنافس على الدنيا يبغضه الله
أما التنافس على حطام الدنيا على متعها، على شهواتها، على زخرفها، على مكاسبها، على مالها، على بيوتها, على بساتينها، على مركباتها، على حيازة الأموال الطائلة فيها, فهذا التنافس يُبغضه الله سبحانه وتعالى قال الله:

﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾

( سورة الصافات الآية: 61)

﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾

( سورة يونس الآية: 58)

قل لي: ما الذي يفرحك, أقل لك: من أنت, من فرح بالدنيا ولو أنه اكتسبها من طريق مشروع، فرحه بالدنيا ماذا يعني ؟ أنه لا يعرف مهمته في الحياة, من فرح بالمال الذي اكتسبه بطريق مشروع، لا يعرف المهمة التي خُلق من أجلها، وليس متحققاً من أنه لابد من مغادرة الدنيا, ولن يأخذ معه إلا العمل الصالح, فرعون ماذا أُعطي ؟ قارون ماذا أُعطي ؟ قد يُعطي الله سبحانه وتعالى المال لمن لا يُحب فقارون:

﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ﴾

( سورة القصص الآية: 76)

لا يُحب الفرحين بالدنيا, يُحب الفرحين برضوان الله عزّ وجل.

اسأل الله عن حاجتك:

إذا فتحت عينيك الساعة الرابعة والنصف، وبقي لأذان الصبح ثلاثة أرباع الساعة, هل تنزع عنك الغطاء وتقول: قم صلّ قيام الليل, قم ناجِ ربك في هذا الليل ؟

﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً ﴾

( سورة الإسراء الآية: 78-79)

المقام المحمود يأتي من التهجد والعمل الصالح
فالمقام المحمود يأتي من التهجد في الليل، والمقام المحمود يأتي من العمل الصالح, شيئان يرفعانك عند الله سبحانه وتعالى: عملك الصالح وتهجدك في الليل

" عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ هَلْ مِنْ تَائِبٍ هَلْ مِنْ سَائِلٍ هَلْ مِنْ دَاعٍ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ "

(أخرجه مسلم عن أبي سعيد وأبي هريرة في صحيحه)

هذه نصيحتي لكم: من كانت له عند الله حاجة, فليصلِ قيام الليل, وليسأله حاجته في السجود, خالق الكون يقول لك: هل لك من حاجة عندي ؟

لا تسألنّ بنيّ آدم حاجــة وسل الذي أبوابه لا تغـلـقُ
الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم إن من يسأل يغضب

" عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ حَتَّى يَسْأَلَهُ الْمِلْحَ وَحَتَّى يَسْأَلَهُ شِسْعَ نَعْلِهِ إِذَا انْقَطَعَ "

(أخرجه الترمذي عن ثابت البناني في سننه)

اسأله:

﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾

( سورة غافر الآية: 60)

فما لك حاجة عند الله, حاجة في الدنيا أو في الآخرة ؟ انقضى عهد النوم يا خديجة قال الله:

﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ ﴾

( سورة المدثر الآية: 1-2)

وقوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾

( سورة المائدة الآية:67)

4- هناك خصوص في النبوة:

الاستنباط الرابع: من الآيات الكريمة فيما يتعلق بالنبوة, أن الله سبحانه وتعالى قد يقتصر على الاصطفاء بالنبوة بالنسبة لبعض الأنبياء, هناك أشخاص اصطفاهم الله ليكونوا أنبياء فقط, دون أن يأمرهم بتبليغ رسالته, وهؤلاء يمكن أن نسميهم أنبياء لا رسلاً, وعلى هذا فتكون مهمة النبي الذي لم يؤمر بتبليغ رسالة, العمل والفتوى بشريعة رسول سابق, النبي الذي لم يُكلف برسالة يبين للناس ما نُزّلَ إليهم سابقاً, يعمل ويفتي برسالة رسول سابق, لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

" علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل "

( ورد في الأثر )

يعني ما من عالم في أمة محمد صلى الله عليه وسلم يستطيع أن يأتي بجديد:

" عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ خَطَبَ فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ بَعْدَ نَبِيِّكُمْ نَبِيًّا وَلَمْ يُنْزِلْ بَعْدَ هَذَا الْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابًا فَمَا أَحَلَّ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ فَهُوَ حَلالٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَا حَرَّمَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ فَهُوَ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَلا وَإِنِّي لَسْتُ بِقَاصٍّ وَلَكِنِّي مُنَفِّذٌ وَلَسْتُ بِمُبْتَدِعٍ وَلَكِنِّي مُتَّبِعٌ وَلَسْتُ بِخَيْرٍ مِنْكُمْ غَيْرَ أَنِّي أَثْقَلُكُمْ حِمْلا ألا وَإِنَّهُ لَيْسَ لأَحَدٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ أَنْ يُطَاعَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ أَلا هَلْ أَسْمَعْتُ "

(أخرجه الدارمي عن عبيد الله بن عمر في سننه)

القرآن كلام الله, والسنة المطهرة ودور العلماء توضيح كتاب الله وتوضيح السنة المطهرة, أما أن يأتوا بجديد فهذا مستحيل, لأن علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل من حيث الوظيفة لا من حيث المرتبة, النبي نبي, والعالم عالم, لا يرقى الولي إلى مرتبة النبي, العالم ليس معصوماً لكن النبي معصوم، قال الله:

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴾

( سورة البقرة الآية: 246)

هذا النبي لم يُذكر اسمه في القرآن الكريم, بعض المؤرخين يقولون: إنه صموئيل نبي أرسله الله لبني إسرائيل وليس رسولاً, معنى أرسله يعني كان بينهم، أما معنى أعطاه الرسالة كلفه بكتاب من عند الله.

خلاصة الدرس:

من ذلك يتبين لنا أن كل رسول نبي، ولا يلزم أن يكون كل نبي رسولاً, وبالنظر إلى هذه الأمور السابقة التي نلاحظها في نصوص القرآن حول الفرق بين النبي والرسول, ندرك السرّ البلاغي في الجمع الغفير من النصوص القرآنية التي تتعرض إلى ألقاب الرسول والرسل, والرسالة، إذ تقترن بالمهام المتصلة بتبليغ الشريعة، ودعوة الخلق إلى الحق, كما ندرك السرّ البلاغي في الجمع الغفير من النصوص القرآنية، التي تتعرض إلى ألفاظ النبي والنبيين والنبوة، إذ تقترن بالأحوال والصفات والأحكام الخاصة المناسبة لمعنى النبوة الذي شرحناه وهو الاصطفاء بالوحي, هذا الفرق الدقيق بين النبي والرسول هو ما عليه جمهور العلماء, وجمهور أهل التوحيد, وهناك آراء أخرى لا مجال لذكرها في هذا الدرس, وينبغي أن يكون المسلم الحق مع من ؟ مع جمهور العلماء, مع الأكثرية.
هذا ملخص الموضوع وسوف ننتقل في الدرس القادم إلى حاجة الناس إلى الرسل, هل هم بحاجة ماسة إلى الرسل ؟ قال سيدنا علي كرّمَ الله وجهه يجيب أحد السائلين عندما سأله: أكان مسيرنا إلى الشام بقضاء من الله أو قدر ناله ؟ ويحك لو كان قضاءً لازماً, وقدراً حاتماً إذاً لبَطَلَ الوعد والوعيد, ولانتفى الثواب والعقاب، إنَّ الله أمر عباده تخييراً، ونهاهم تحذيراً، وكلّفَ يسيراً، ولم يُكلّف عسيراً، وأعطى على القليل كثيراً، ولو أنَّ الأمر كذلك, لكانَ إرسال الرسل عبثاً، فالرسل لهم مهمة كبيرة جداً هذا ما نبحثه إن شاء الله في الدرس القادم.