٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 1161 - السلبيات التي يعيشها المسلمون - أنواع القوة .

2010-07-23

الخطبة الأولى :

الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وكشف الغمة، وجاهد في الله حقّ الجهاد، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

المسلمون في محنة شديدة نتيجة سوء فهمهم لأسباب التخلف :

أيها الأخوة الكرام، سيدنا حذيفة كان يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الشر فقال:

((كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ أقع فيه ))

[ متفق عليه عن حذيفة]

سوء فهم المصيبة يضاعف الخلل
نمط آخر من الأسئلة، طريق آخر في الدعوة إلى الله، الحقيقة أننا بحاجة إلى أن نعرف السلبيات التي يعيشها المسلمون كي نبتعد عنها، كي نحذرها، كيلا نقع فيها، المسلمون كما ترون وتسمعون في محنة شديدة، أين الخلل؟ في سوء فهمنا لأسباب التخلف، أو سوء فهمنا للتخلف الذي نعيشه، وسوء الفهم يضاعف الخلل، ويضاعف الخطأ.
أيها الأخوة، الذي يعد ثابتاً أن الذي يصيبك تأثيره في حياتك عشرة بالمئة، أي الأحداث الأليمة، المآسي، المحن، النكبات، تأثيرها في حياتنا عشرة بالمئة، ردود أفعالنا الخاطئة تأثيرها تسعون بالمئة، أي ليست البطولة ألا تصاب بمصيبة، ولكن البطولة أن تقف منها الموقف الكامل، أكبر محنة نعانيها، أكبر مصيبة تصيبنا، تأثيرها إجمالاً عشرة في المئة، والتسعون في المئة، سوء فهمنا لها، أو موقفنا منها غير المدروس.

 

فهم المصيبة جزء من إيمان الإنسان :

أيها الأخوة الكرام، المشكلة أن ردود الفعل، أن حسن فهم المصيبة، أن الموقف الصابر، الموقف الواعي، هو الذي يخفف من أثر هذه المصيبة، الله عز وجل لا يرضى منا أن نسيء الظن به، بل حسن الظن بالله ثمن الجنة، كل سلبيات حياتنا لها حكمة بالغة بالغة عرفها من عرفها وجهلها من جهلها، فإذا عرفت الحكمة البالغة من هذا الذي يصيبنا قطعت أربعة أخماس الطريق إلى الله، لذلك أكبر مصيبة تصيب الإنسان ألا يقف منها الموقف الكامل، أو أكبر مصيبة تصيب الإنسان ألا يفهم منها شيئاً لذلك الإبل تعقل وتطلق، ولا تدري لا لمَ عقلت؟ ولا لمَ أطلقت؟ فهذا الذي لا يُعلق على مصيبة ألمت به، لا يفهم حكمتها، لا يبحث عن أسبابها، لا يتريث في الحديث عنها، هذا إنسان كالناقة عقلها أهلها ثم أطلقوها، لا تدري هذه الناقة لا لمَ عقلت ولا لمَ أطلقت؟
إن فهم المصيبة جزء من إيمانك، قال تعالى:

﴿ وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ﴾

[ سورة الشورى: 30]

لا ينزل بلاء إلا بذنب ولا يرفع إلا بتوبة، ومن لم تحدث المصيبة في نفسه موعظة فمصيبته في نفسه أكبر، البطولة أن مصيبة أصابتك، لمَ؟ أين الخلل؟ أين الخطأ؟ أين التقصير؟ أين التجاوز؟ أين العدوان؟ أين الظلم؟

((... لَوْ أنَّ أوَّلَكُمْ وآخِرَكُمْ وَإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كانُوا في صَعيدٍ وَاحدٍ فَسألُونِي فأعْطَيْتُ كُلَّ إنْسانٍ مِنْهُمْ ما سألَ لَمْ يَنْقُصْ ذلكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئاً إِلاَّ كما يَنْقُصُ البَحْرُ ،ذلك لأن عطائي كلام وأخذي كلام ـ كن فيكون، زل فيزول ـ فَمَنْ وَجَدَ خَيْراً فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلاَّ نَفْسَهُ ))

[ رواه سلم عن أبي ذرّ رضي اللّه عنه ]

(( إني والجن والإنس في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر غيري، خيري إلى العباد نازل، وشرهم إلي صاعد، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم، ويتبغضون إلي بالمعاصي وهم أفقر شيء إليّ، من أقبل عليّ منهم تلقيته من بعيد، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب، الشاهد، أهل ذكري، أهل مودتي، أهل شكري، أهل زيادتي أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد والسيئة بمثلها وأعفو، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها))

[ أخرجه الحكيم البيهقي في شعب الإيمان عن أبي الدرداء ]

الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر علة خيرية هذه الأمة :

أيها الأخوة الكرام، ما لم نهتدِ بهدي الله، ما لم نتحرك وفق منهج الله، ما لم نسعَ لمرضاة الله، ما لم تكن الجنة أكبر هدف لنا، فنحن في طريق مسدود.
لذلك الله عز وجل حينما وصف هذه الأمة التي خصّها الله ببعثة النبي عليه الصلاة والسلام قال:

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾

[ سورة آل عمران: 110 ]

علة هذه الخيرية:

 

﴿ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾

[ سورة آل عمران: 110 ]

هذه علة الخيرية، فإن لم نأمر بالأمر ولم ننهَ عن المعروف، بل لم نؤمن بالله، فقدنا خيريتنا، وأصبحنا أمة كأية أمة شاردة عن الله، لا وزن لنا عند الله إطلاقاً، والدليل هذه الآية التي تنطبق علينا مئة بالمئة:

 

﴿ وَقَالَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾

[سورة المائدة : 18 ]

أي أن الله ما قبل دعواهم، لو قبل دعواهم ما عذبهم، وقد استنبط الإمام الشافعي أن الله لا يعذب أحبابه :

 

﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾

[سورة المائدة : 18 ]

أي اعلم علم اليقين أيها المسلم! أيها العربي! إن لم تستقم على أمر الله ليس لك عند الله شيء أنت وأي إنسان من أي أمة أخرى:

 

﴿ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾

[ سورة المائدة : 18 ]

أسباب ضعفنا و تخلفنا :

أيها الأخوة، السؤال أين الخلل؟ أين نقاط الضعف؟ ما الذي يعيق تقدمنا؟ ما الذي يمنع أن تنفذ عهود الله لنا؟ قال: هناك أسباب كثيرة، أحدها غيبة الوعي الإسلامي، من أنت؟ أنت مسلم، أنت من خير أمة، أنت من أمة خصّها الله عز وجل بأعلى بعثة، غيبة الوعي الإسلامي، فقدان الهوية الإسلامية، اختفاء معالم الطريق إلى الله، فقد الوسيلة، هذا بعض من حجم المشكلة التي نعانيها.
غيبة الوعي، فقدان الهوية الإسلامية، اختفاء الطريق الموصل إلى الله، فقد الوسيلة الفعالة في بلوغ مرضاة الله عز وجل.
أيها الأخوة، لا أتحدث عن مجتمع إسلامي بالذات، أتحدث عن المجتمعات الإسلامية بشكل عام.
النقطة الدقيقة ذلك التناقض بين واقعنا وبين ما ينبغي أن نكون عليه، أن نكون عليه: نحن خير أمة أخرجت للناس، علة خيريتنا:

﴿ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾

[ سورة آل عمران: 110 ]

هناك مقاييس هذه المقاييس لو طبقناها على أنفسنا النتيجة لسنا خير أمة أخرجت للناس:

 

﴿ وَقَالَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾

[سورة المائدة : 18 ]

لو قال المسلمون نحن خير أمة أخرجت للناس، الرد الإلهي:

 

﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾

[سورة المائدة : 18 ]

من لم يطبق منهج الله و يقف عند حدوده فلن ينال من وعوده شيئاً :

أيها الأخ الكريم، عود نفسك أن الحقيقة المُرّة أفضل ألف مَرّة من الوهم المريح، لا تعش أوهاماً، لا تتحدث عن ماضي هذه الأمة:

﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ ﴾

[ سورة البقرة: 134]

لو كنا كأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام لكانت رايات المسلمين ترفرف في مشارق الأرض ومغاربها.
أيها الأخوة، عبد الله بن رواحة شاعر النبي عليه الصلاة والسلام، أرسله النبي ليقيّم تمر اليهود تنفيذاً لاتفاقية بين النبي عليه الصلاة والسلام وبينهم، أغروه بحلي نسائهم كرشوة، فقال: "والله جئتكم من عند أحبّ الخلق إليّ، ولأنتم أبغض إليّ من القردة والخنازير، ومع ذلك لن أحيف عليكم، فقالت اليهود: بهذا قامت السماوات والأرض وبهذا غلبتمونا".
هل يكفي أن تعتز بماضي هذه الأمة حتى تنتصر؟ لا والله إن لم تطبق منهج النبي عليه الصلاة والسلام، إن لم تكن وقافاً عند حدود الله، لن تنال من وعود الله شيئاً، إله عظيم، أي زوال الكون أهون على الله من ألا تحقق وعوده للمؤمنين.

 

تبدل قيم المؤمنين جعل للطرف الآخر عليهم ألف سبيل وسبيل :

أيها الأخوة، علة الخيرية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

(( كيف بكم إذا لم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر؟ قالوا: أو كائن ذلك يا رسول الله؟ قال: وأشد منه سيكون، قالوا: وما أشد منه؟ قال: كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف؟ قالوا: أو كائن ذلك يا رسول الله؟ قال: وأشد منه سيكون، قالوا: وما أشد منه؟ قال: كيف بكم إذا أصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً ؟))

[ ابن أبي الدنيا وأبو يعلى الموصلي في مسنده عن أبي أمامة]

عقوبة تبديل القيم
تبدلت قيم الناس، فهذا الذي يسعى لهداية الناس يتهم بخلل في عقله، دعهم، ما شأنك بهم؟ التفت إلى بيتك، تمتع بالحياة، لذلك البيت الذي قاله شاعر عدّ أهجا بيت قالته العرب، ودخل صاحبه السجن في عهد عمر، ماذا قال؟

دع المكارم لا ترحل لبغيتها و اقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
***

هذا أهجا بيت قالته العرب، هو شعار كل مسلم الآن، كيف:

(( ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفا مِنْ قِلَّةٍ ))

[أخرجه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عباس ]

والمسلمون مليار وخمسمئة مليون، لا وزن لهم عند الله، ليس أمرهم بيدهم، هذه حقيقة مرة، أحياناً نحن بحاجة إلى الحقائق المرة، لا وزن لنا في العالم، للطرف الآخر علينا ألف سبيل وسبيل، خمس دول إسلامية محتلة.

 

على الإنسان أن يوازن بين السعي لتأمين حاجاته والسعي لتحقيق قيمه :

أيها الأخوة، الله عز وجل قال:

 

﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ﴾

[ سورة البقرة: 143]

ديننا دين الوسط، دين الاعتدال، في الدين نجمع بين الدنيا والآخرة، في الدين ليس بخيركم من ترك دنياه لآخرته، ولا من ترك آخرته لدنياه، إلا أن يأخذ منهما معاً، فإن الأولى مطية للثانية، أما أن يتجه الإنسان إلى التكفير، ثم التفجير، فهذا تطرف، أو أن يتجه إلى الإباحية فهذا أيضاً تطرف، أما الدين أن تجمع بين الدنيا والآخرة، بين حاجات الجسد وحاجات النفس، بين السعي لتأمين حاجاتك والسعي لتحقيق قيمك:

 

﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ﴾

[ سورة البقرة: 143]

التعاون مع الآخرين علامة الإيمان و التنافس معهم علامة البعد عن الله :

أيها الأخوة، طبيعة الإنسان طبيعة فردية ولكن التكليف جماعي قال تعالى:

﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ﴾

[ سورة المائدة : 2 ]

فالإنسان يتعاون مع أخيه بقدر طاعته لله، ويتنافس معه بقدر بعده عن الله، فإذا رأيت المسلمين جماعات، وفرقاً، وطوائف، تتراشق التهم، تسيل الدماء بينها، هؤلاء جميعاً شردوا عن الله، علامة إيمانك التعاون مع أخيك، وعلامة البعد عن الله التنافس معه، تعاونوا ولا تنافسوا:

 

﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ ﴾

[ سورة الحشر: 19]

الوقت أغلى شيء يملكه الإنسان :

أنت ماذا قدمت للأمة
أيها الأخوة الكرام، أغلى شيء يملكه الإنسان هو الوقت، لأن الوقت هو أنت، أنت بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منك، لكن أرخص شيء في حياة المسلمين هو الوقت، وأثقل شيء عندهم هو العمل، الآن المسلم فقط يقيّم، يوزع التهم على الناس، هو في مكان عال يقول: هذا صح وهذا غلط، ولم يقدم شيئاً.
بالمناسبة إنسان لا يخطئ نموت جميعاً حباً به، إنه النبي عليه الصلاة والسلام، وإنسان آخر أيضاً لا يخطئ يجب أن نموت جميعاً بغضاً له، هذا الذي لا يعمل لا يخطئ، لا يفعل شيئاً، يُقيّم فقط، يُنظّر، يوزع تهماً على الناس، لا يعمل، البنية للمسلم لا يعمل، ماذا قدمت؟ يتألف كتاب ننتقده، تنجح دعوة ننتقدها، أنت ماذا قدمت؟ فلان أخطأ أنت ماذا قدمت للأمة؟ لا يقدم شيئاً، جالس، قاض يحكم بين الناس، هذا توزيع التهم على الآخرين، هؤلاء على سنة، هؤلاء على بدعة، أنت ماذا قدمت أولاً؟

من لا يعتني بحياة الإنسان فهو في ضعف شديد :

أيها الأخوة الكرام، شيء آخر والحقيقة مرة أن الإنسان هو أهم جهة في حياتنا، وقد يكون الإنسان أرخص شيء في حياة الناس، الإنسان يجب أن يحيا، أن يعيش، أن يربي أولاده تربية عالية، أن يكون له مأوى، أن يكون له دخل يكفيه، فحينما لا نعتني بحياة الإنسان نحن في ضعف شديد، مع الأسف الشديد تذهب إلى بلد غربي تجد التكافل الاجتماعي من أعلى مستوى، الذي لا يجد له عملاً يتقاضى راتباً يكفيه طعاماً، وشراباً، وكساءً، الإنسان مُكرم عند الله، فما لم نحترم الإنسان، ما لم نوفر له كرامته، ما لم نوفر له رغيف خبزه، لا ننتظر منه شيئاً، أعط الإنسان رغيف خبزه وكرامته وخذ منه كل شيء.

من أضاف على الدين ما ليس منه ضعف و تفرق :

أيها الأخوة، نحن أمة لا تقرأ، مع أن أول كلمة في أول آية في أول سورة نزلت في القرآن الكريم أمة أقرأ، لذلك نسمى عند بعض الأمم نحن أمة أقرأ، لكن سابقاً، لاحقاً أمة ارقص، سافرت إلى بلد إسلامي في أفريقيا، والله شيء لا يصدق، تلفازهم أربع وعشرون ساعة رقص وغناء، لا حديث ديني، ولا تذكير، ولا شيء، حينما تتجه الأمة إلى الغناء من أجل اختيار إحدى مغنيتين في بلدين إسلاميين، تمّ اتصال ستاً وثمانين مليون اتصال، والأمتان لا يزيد سكانهما عن خمسة وعشرين مليون، ست وثمانين مليون اتصال من أجل مغنية، فهذه أمة لا تقرأ تغني.
يجب أن نكون أمة اقرأ
أيها الأخوة الكرام، ابتدعنا في الدين وقلدنا في الدنيا، والصواب هو العكس أن نبتدع في دنيانا، أن نطور دنيانا، أن نؤمن مساكن لشبابنا، أن نؤمّن فرص عمل لهم، يجب أن نبتدع في دنيانا وأن نقلد في ديننا، فالذي ينبغي ألا يُضاف عليه ـ وهو الدين ـ أضفنا عليه ما ليس منه، عندما حذفنا منه ما علم منه بالضرورة ضعفنا، ألغينا الجهاد فضعفنا، فلما أضفنا عليه ما ليس منه تفرقنا، أصبحنا فرقاً وطوائف، ومذاهب وجماعات، وكان بأسنا بيننا، احفظوا هاتين الكلمتين، إن أضفنا على الدين ما ليس منه ضعفنا، إن حذفنا منه ما علم منه بالضرورة ضعفنا، بالحذف تضعف، بالزيادة تتفرق، هذا الدين من عند الله توقيفي، يجب أن نأخذه كما نزل، الله عز وجل يقول:

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾

[ سورة الملك: 2 ]

معنى ذلك أن الامتحان من أجل تصنيف الناجحين لا من أجل معرفة الناجحين والراسبين، الأصل أن ننجح.

 

حجم الإنسان عند الله بحجم عمله الصالح :

أيها الأخوة، قيمة الإنسان عمله، قيمته ما يحسن، بل إن حجمك عند الله بحجم عملك الصالح:

﴿ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾

[سورة فاطر: 10]

قيمة الإنسان ما يحسن، لذلك قال تعالى:

 

﴿ و لِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ ﴾

[ سورة الأنعام: 132 ]

أخطر شيء في حياة الإنسان هو عدم الانتماء للأمة :

أيها الأخوة الكرام، كما أننا في حاجة إلى من يموت في سبيل هذه الأمة حقيقة ثابتة لكننا في أمس الحاجة إلى من يعيش في سبيلها، هل تحمل همّ الأمة؟ هل تبحث عن اختصاص تنفع فيه أمتك؟ تريد أن تكون سبباً في قوتها؟ هل أنت تنتمي لها؟ أخطر شيء عدم الانتماء للأمة، ما معنى عدم الانتماء للأمة؟ ما الذي يحل محله؟ الانتماء للشخص، أنت في بستان جميل، و البستان ليس لك، لكن معك منشار شجر كهربائي، رأيت شجرة تفاح قد قطفت لكن الذي قطفها نسي تفاحة كبيرة وشهية، والذي رآها اشتهاها، معه منشار شجر، قص الشجرة فلما وقعت أكلها، هذا يكون في كل المجتمعات المتخلفة، حينما لا ينتمي أفرادها إلى الأمة، أي قد يشتري أسوأ معمل منسق من ثلاثين سنة من أجل عمولة عالية، لا تعنيه الأمة تعنيه مصلحته الشخصية، هذا أصعب شيء في الأمة، أن يفقد الإنسان الانتماء للأمة وينتمي إلى مصالحه، لذلك هذه الأمة بحاجة إلى من يعيش في سبيلها، من يتفوق في دراسته ليكون خبيراً لأمته، بدل أن نأتي بخبراء أجانب.
المطلوب أن تكون صالحا
شيء آخر: ورد أن الله عز وجل أرسل الملائكة ليهلك بلدة، فقالوا: يا رب إن فيها صالحاً ـ فيها رجل صالح ـ قال: به فابدؤوا، لِمَ يا رب ؟ ـ هو صالح لكن ليس مصلحاً ـ قال: لأن وجهه لم يكن يتمعر إذا رأى منكراً.
ينتمي لذاته، إذاً المطلوب لا أن تكون صالحاً المطلوب أن تكون مصلحاً، مثلاً تأتي ابنة أخيك بأبهى زينة، بثياب فاضحة، لا يعنيك من هذا شيء، يعنيك أن تستقبلها، وأن ترحب بها، وأن تمتن العلاقة بينك وبينها، أما أن تنصحها فلا تفعل ذلك، لذلك إن لم نأمر بالمعروف، وإن لم ننهَ عن المنكر، انتهت خيريتنا، لذلك قال تعالى:

﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ﴾

[ سورة الأنفال: 25 ]

لذلك قالت زينب بنت جحش:

(( لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدْ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ، وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ الْإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا، قَالَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ ؟ قَالَ : نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ ))

[ متفق عليه عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها]

الإنسان أحياناً يقول ولا يعمل، يتبجح بأقواله، لا تأتي أعماله مصدقة لأقواله، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام أمسك بيد ابن مسعود وكانت خشنة من العمل، قال: هذه اليد يحبها الله ورسوله:

((إِنْ قَامَتْ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ))

[ أحمد عن أَنَس بْن مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها]

أخطر ما أصاب الأمة التناقض بين أقوال المسلمين وأفعالهم :

هناك ظاهرة سلبية التناقض بين أقوال المسلمين وأفعالهم:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾

[ سورة الصف: 2-3 ]

حديث سهل، التطبيق صعب، فكل واحد متحدث رائع في الأخلاق والقيم، تعامله، تحتك معه، تسافر معه، تفاجأ أن أقواله غير أفعاله.

 

مجتمع الاستهلاك والإفساد :

أيها الأخوة، مجتمع الاستهلاك والإفساد، سيدنا عمر زار بلدة فرأى أكثر الفعاليات الاقتصادية في يد غير المسلمين، عنفهم أشد التعنيف، فقالوا ـ كما يقول أغنياء المسلمين ـ : لقد سخرهم الله لنا، والله أيها الأخوة، قال كلمة قد لا تصدقون أن سيدنا عمر أدرك الحقيقة التي ستعيشها الأمة بعد ألف وأربعمئة عام، الآن أخواننا الكرام المنتج قوي، والمستهلك ضعيف، المستهلك يُمص دمه، أما الذي ينتج الآلة، أحياناً الآلة تباع بألف ضعف من كلفتها، تعمير محرك طائرة، تجديده، خمسة ملايين دولار، إذاً أربعة محركات بعشرين مليون دولار، ليس شراء طائرة، شراء محركات، تعمير فقط، هم يأخذون أسعار التقنيات التي عندهم أرقاماً فلكية، أحياناً يشترون الصوف من عندنا بمبلغ بخس فيرجع لنا أجواخاً بثلاثة آلاف وثمانمئة ضعف، المادة الأولية من عندنا، ترجع إلينا أجواخاً بثلاثة آلاف وثمانمئة ضعف عن ثمن شراء الصوف، نبيعهم بترولنا، تأتي مواد مصنعة من البترول بألف ضعف، ينهبوننا إذا اشتروا منا، وينهبوننا إذا باعونا.
لذلك: عندما عنفهم أشد التعنيف، فقالوا ـ كما يقول أغنياء المسلمين ـ: لقد سخرهم الله لنا، فقال: كيف بكم إذا أصبحتم عبيداً عندهم؟
لذلك قال بعض المفكرين: ويل لأمة تأكل ما لا تزرع. هل تصدقون أنه ما من شيء نأكله على الإطلاق إلا والبذور مستوردة، ويل لأمة تأكل ما لا تزرع، ويل لأمة تلبس ما لا تنسج، أنا أضيف ويل لأمة تستخدم آلة لا تصنعها، أضيف ويل لأمة تشتري السلاح، إذاً مقيدة بمن يبيعها السلاح.
أيها الأخوة الكرام، من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام:

(( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَالْهَرَمِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ ))

[ متفق عليه عن أنس بن مالك ]

في النهاية:

(( الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ))

[ مسلم و ابن ماجه و أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

أيها الأخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين

* * *

الخطبة الثانية :

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

القوة أنواع ثلاث؛ قوة المال وقوة العلم وقوة المنصب :

العلم أحد أنواع القوة
أيها الأخوة، في النهاية:

(( الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ ))

[ مسلم، ابن ماجه، أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

المتعلم قوي، والذي اغتنى وفق منهج الله، والذي وصل إلى منصب رفيع سخره لخدمة الأمة فهو قوي، فالقوة أنواع ثلاث، قوة المال، وقوة العلم، وقوة المنصب:

(( الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ))

[ مسلم، ابن ماجه، أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

بل إذا كان طريق القوة سالكاً وفق منهج الله فيجب أن تكون قوياً، لأن القوي أمامه خيارات في العمل الصالح لا تعد ولا تحصى، أما إذا كان طريق القوة على حساب مبادئك وقيمك فالضعف وسام شرف لك.

 

الدعاء :

اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، انصر المسلمين في كل مكان، وفي شتى بقاع الأرض يا رب العالمين، اللهم أرنا قدرتك بأعدائك يا أكرم الأكرمين .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018