بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس ( 027) : آداب الطعام والشراب.

1992-01-26

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الأكارم... من ضمن سلسلة دروسٍ حول الآداب الإسلامية، تحدَّثنا من قبل عن آداب السفر، وتحدثنا عن آداب الضيافة، وها نحن أولاء نتحدث عن نشاط يومي، يقوم به كل مسلم بل كل إنسان وهو الطعام والشراب، يا ترى ماذا جاء في أحكام الفقه، وفي أبواب الآداب الإسلامية حول الطعام والشراب، ما منا واحد إلا ويجلس على المائدة في اليوم ثلاثة مرات، فمن الأولى والأجدر أن نتعرف إلى آداب الإسلام في موضوع الطعام والشراب.
 الحقيقة عدد هذه الآداب يزيد عن عشرين أدباً، ورأيت من المناسب لعل بعضكم يعرف بعض هذه الآداب، أما أن نعرفها كلها بتفاصيلها وأدلتها فهذا، ما دعاني إلى أن يكون محور هذا الدرس الآداب الإسلامية في الطعام والشراب.
بادئ ذي بدء يقول عليه الصلاة والسلام:

(( بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده ))

( من الجامع الصغير: عن " سليمان " )

 وضوء الطعام غسل اليدين والفم، والحقيقة الهدف واضح جداً ؛ الإنسان في أثناء عمله قد يصافح يد ملوثة، قد يمسك بأداة غير نظيفة، قد يمسك بشيء فيه جراثيم، فحينما يغسل يديه وفمه قبل الطعام فقد ضمن النظافة والوقاية من الأمراض السارية، إذاً أن يغسل اليدين قبل الطعام وبعده وأن نتمضمض هذا هو الوضوء الذي سماه النبي وضوءً.
 الآن، في نقطة مهمة جداً، كلكم يعلم في الشرع أوامر، فرائض، وفي واجبات، وفي سنن مؤكدة، وفي سنن غير مؤكدة، وفي مندوبات، وفي آداب، وفي مباحات، وفي مكروهات ؛ مكروهات تنزيهاً، ومكرهات تحريماً، وفي محرمات، الأصل في الأشياء الإباحة، استنشاق الهواء مباح، النظر إلى جبلٍ شامخٍ مباح، النظر إلى حيوان جميل كالطاووس مباح، أن يشم الإنسان وردةً فيتعبَّق أريجها مباح، الأصل في الأشياء الإباحة، وتناول الطعام والشراب مباحٌ في الشرع على قاعدة: "أن الأصل في الأشياء الإباحة ".
 لكن الذي أتمنى عليكم أن تقفوا عنده هو: أنك إذا فعلت مباحاً بنيةٍ انقلب المباح إلى عبادة. المباح أهل الدنيا، أهل الكفر يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام، والنار مثوىً لهم، أما المؤمن إذا تناول طعامه، ونوى بتناول هذا الطعام التقوِّي على طاعة الله، انقلب هذا الطعام الذي تناوله على شكل مباحٍ، انقلب إلى طاعة وعبادة، إذاً أن تستصحب مع تناول الطعام، النية على التقوي على طاعة الله، النقطة الدقيقة الآن هذه النية كيف تتأتى ؟
 الحقيقة النية محصلة إيمانك بالله، معرفتك بجلاله وعظمته، معرفتك بما عنده من عطاءٍ عظيم، معرفتك بما عنده من عذابٍ أليم، فمحصلة إيمانك كله هذه النية، المؤمن الصادق إذا تاجر ينوي بتجارته خدمة المسلمين، وإذا تناول الطعام والشراب ينوي بطعامه وشرابه التقوّي على طاعة الله، وإذا أخذ أهله نزهة ينوي بهذه النزهة إدخال السرور على قلب أهله، فأي عملٍ يفعله ما دام أنه قد نوى قبله نية عاليةً انقلب هذا المباح إلى طعام، إذاً غسل اليدين قبل الطعام وبعدهما لقول النبي عليه الصلاة والسلام:

 

(( بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده ))

 

( من الجامع الصغير: عن " سليمان " )

 وأن يستصحب تناول الطعام نية بمعنى أن يتقوى بهذا الطعام على طاعة الله، والمؤمن كالنحلة لا يأكل إلا طيباً، ولا يطعم إلا طيباً، أي حلالاً، وكما تعلمون كما قال النبي عليه الصلاة والسلام:

 

(( لا تصحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقي ))

 

( من مختصر تفسير ابن كثير )

 الآن رقم الثلاثة: التسمية، غسل الدين والفم قبل الطعام وبعده رقم واحد، اثنين: أن تنوي بهذا الطعام التقوي على طاعة الله، ثلاثة: أن تسمي بالله، الحقيقة التسمية لها معنيان دقيقان ؛ المعنى الأول: أن أيها الإنسان هل فكَّرت في هذا الطعام، من صنعه ؟ من هيَّأه، مَن أنزل الماء مَن السماء، مَن أنبت النبات في الأرض، مَن أنضج هذه التفاحة، مَن أعطاها هذا اللون، مَن أعطاها هذا الطعم، مَن أعطاها هذا القوام، مَن أعطاها هذه المكوِّنات التي تتناسب تناسباً رائعاً مع حاجات جسمك ؟ الشكل، والمكونات، واللون، والطعم، والحجم، والقوام، الشكل في قوام قاسي، الشكل والقوام واللون والطعم والمكونات والحجم، مَن جعلها كلها متوافقة مع حاجات جسمك ؟ هذه معنى بسم الله، إذا أردت أن تشرب بسم الله، من جعله عذباً فراتاً بعد أن كان ملحاً أجاجاً ؟ مَن أساله وجعله ينابيع تنبع ؟ الخبز، مَن أنبت هذه الحبة، التي بها قوام حياتنا، هنا الدقة، البسملة كي تذكر أن هذا الطعام من صنع الله..

 

﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (35)﴾

 

 

( سورة يس )

 الشيء الثاني في البسملة أن تذكر أمر الله في تناول الطعام، البسملة لها معنيان المعنى الأول: أن تذكر نعمة الله عز وجل، والمعنى الثاني: أن تذك أمر الله في تناول الطعام، يعني بسم الله الرحمن الرحيم ينبغي أن أتناول هذا الطعام وفق ما أمر الله، يجب أن أطبق السنة في تناول هذا الطعم، هذا معنى بسم الله الثاني، المعنى الأول: يجب أن أذكر أن هذه نعم الله عز وجل، وأن الله سبحانه وتعالى مَكَّنني من شراء هذا الطعام، ومكنني من تناوله، بدليل أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا دخل الخلاء قال:

 

(( الحمد لله الذي أذاقني لذته، وأبقى فيَّ قوته، وأذهب عني أذاه ))

 

( من الدر المنثور: عن " السيدة عائشة " )

 إذاً كان من الممكن أن يأخذ الإنسان سائل في وريده ويتغذَّى به، لكن أذاقني لذته، وأبقى فيّ قوته، وأذهب عني أذاه، يقول عليه الصلاة والسلام:

 

(( إذا أكل أحدكم طعاماً فليقل: بسم الله، فإن نسي في الأول فليقل في الآخر بسم الله أوله وآخره ))

 

( رواه أبو داود )

 الأدب الثالث: التسمية، كي تذكر نِعَمَ الله عز وجل، وأن هذا الطعام والشراب من صُنع الله عز وجل، وهذه المائدة مائدة الله عز وجل، وهذه النِعَم نعم الله ساقها إليك، مَكَّنك من شراء الطعام، أعطاك أجهزة تهضمه، سمح لك أن تذوق لذته، وأن تبقى فيك قوته، وأن يذهب عنك أذاه.
الحديث الثاني يقول عليه الصلاة والسلام:

 

(( إن الشيطان يستحل الطعام إن لم يذكر اسم الله علي ))

 

( من مختصر تفسير البن كثير )

 والقصة التي تعرفونها جميعاً: " أن الشيطان يقول لإخوانه إذا دخل الرجل ولم يسلِّم يقول أدركتم المبيت في هذا البيت، إذا جلس في الطعام ولم يسمِّ يقول: أدركتم العشاء، فإن دخل ولم يسلم، وإن جلس ولم يسم، يقول الشيطان لإخوانه: أدركتم المبيت والعشاء معاً ". طوال الوقت ؛ المشكلات، والخصومات، والكلام القاسي، والغضب، والبغضاء، والعداوة، إذا دخلت فسلم، وإذا جلست إلى الطعام فسم، حتى يذهب الشيطان. الأدب إذاً الثالث التسمية لعلتين ولحديثين شريفين.
 الأدب الرابع: الاجتماع على الطعام، فليس مستحسناً أن يأكل الإنسان وحده، يعني مع أهله وأولاده، أن يجتمع الأهل على الطعام ولو وجبة واحدة في اليوم، في أنس، في مودة، في حديث لطيف، فالطعام يجمع، فيقول عليه الصلاة والسلام حينما شكى إليه جماعةٌ من أصحابه، شكوا إليه أنهم يأكلون ولا يشبعون، فقال عليه الصلاة والسلام:
ـ لعلكم تفترقون ؟
ـ قالوا: نعم.
ـ قال: فاجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله عليه، يبارك لكم فيه.

 

( رواه أبو داود )

 من السنة أن نأكل مجتمعين، من السنة أن نأكل مع الأهل، أن نأكل مع الأولاد، أن نأكل مع الأقارب، مع الأصحاب، فكلما كَثُرَ الجالسون على المائدة بارك الله في الطعام، هذا التوجيه يقابله حديث شريف آخر:

 

 

(( طعام الاثنين يكفي لثلاثة، وطعام الثلاثة يكفي لأربعة... وهكذا ))

 

( من كشف الخفاء: عن " جابر " )

 هذا هو الأدب الثالث: الاجتماع على الطعام، والأكل مع الآخرين، كالضيف والأهل والأولاد، في هذا تأليفٌ للقلوب، وترقيقٌ لها، وحصول البركة، والبعد عن الكبر والتعالي، ثم في الاجتماع على الطعام مدعاة للشبع.
الأدب الخامس: الدعاء عند الطعام. وضع الطعام، كان يقول عليه الصلاة والسلام:

 

((اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيراً منه ))

 

( من الجامع لأحكام القرآن: عن " ابن عباس " )

 بارك لنا فيه أي أحياناً الإنسان يأكل أكل نفيس يصير معه تقيء ليلاً، لم يستفد منه، بارك لنا فيه أن يتمثَّل هذا الطعام، نشاطاً وقوة وحيويةً، وبارك لنا فيه أن يكفينا جميعاً، أحياناً الطعام لا يكفي، ما دام في تسمية، ما دام في ذكر لنِعَم الله عز وجل، في دعاء، تحصل البركة، فلذلك يقول عليه الصلاة والسلام:

 

(( اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيراً منه ))

 

( من الجامع لأحكام القرآن: عن " ابن عباس " )

 إلا أنه يقول إذا شرب لبناً ـ أي حليباً ـ كان يقول:

 

(( اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه ))

 

( من الجامع لأحكام القرآن: عن " ابن عباس " )

 هذه إشارة إلى أن أعلى أنواع الطعام هو اللبن، اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه.
الأدب السادس: الأكل والشرب باليد اليمنى، لقوله صلى الله عليه وسلم:

 

(( لا يأكل أحد منكم بشماله ولا يشربن بها، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بها))

 

( من الموطأ للإمام مالك )

 فكأن في ترتيب إلهي، أو ترتيب نبوي أن هذه اليد تمسك بها كتاب الله، تصافح بها أهل الإيمان، تقوم بها بالأعمال الشريفة، وهذه اليد اليسرى تتنظف بها، فيد لبعض الأعمال، ويد لجليل الأعمال، فتناول الطعام والشراب من السنة أن تأكل باليد اليمنى.
 إذاً، غسل اليدين والفم قبل الطعام وبعده رقم واحد، استصحاب النية أي أن تنوي التقوي على طاعة الله بهذا الطعام رقم اثنين، التسمية في أول الطعام أو في آخره لتذكر نِعَم الله عليك، ولتذكر أمر الله في تناول الطعام، ولأن الشيطان إذا سميت انصرف ولم يأكل مع الآكلين، هذا الأدب رقم ثلاثة، والاجتماع على الطعام، وأن تكثر عليه الأيدي هذا رقم أربعة، والدعاء عند الطعام إذا كان حليب أو لبن بالزيادة، وإن يكن طعام آخر فالدعاء: وأطعمنا خيراً منه، والأكل والشرب باليد اليمينى لقول النبي عليه الصلاة والسلام:

 

(( لا يأكل أحد منكم بشماله ولا يشربن بها، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بها))

 

( من الموطأ للإمام مالك )

 ومن شمائل النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يحب التيامُن في أمره كله.
 الأدب الذي يلي هذه الآداب: أن يأكل المسلم مما يليه، لما رواه الإمام البخاري ومسلم عن عمر بن أبى سلمة رضي الله عنهما قال: كنت غلاماً في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ أي جالس في حضنه ـ وكانت يدي تطيش في الصحفة ـ يأكل من هنا، ومن هنا، ومن هنا ـ فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:

 

(( يا غلام سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك ))

 أي أنك عندما تأكل مما يليك، بقي الطعام في شكل مقبول، فلو أراد أحد أن يأكل من هذا الطبق يأكل ونفسه تشتهيه، أما إذا جالت اليد في كل أطراف الطعام، النفس تقززت أن تأكل من هذا الطبق هذا من السنة.
 قال: من آداب الطعام التواضع في الجلوس للأكل، فهناك جلسة فيها اتّكاء، في جلسات لا ترضي الله عز وجل، إذا جلست متَّكئاً فالنبي عليه الصلاة والسلام ما تناول الطعام متكئاً أبداً، لأن الاتكاء فيه كبر، وأنت حينما تأكل تأكل من نِعَم الله عز وجل، فالأولى أن تجلس جلسة أدب لتأكل الطعام، فالاتكاء ليس من صفات المؤمنين في طعامهم، يقول عليه الصلاة والسلام:

 

 

(( لا آكل متكئاً ))

 وفي رواية:

 

 

(( لا آكل وأنا متكئ ))

 

( رواه البخاري )

 وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يأكل الرجل وأن يشرب منبطحاً، نهى أن نأكل متكئين، ونهى أن يشرب الرجل منبطحاً، والقصد من هذا احترام النعمة، والمؤمن حقيقةً إذا أكل أكل بأدبٍ جم، وإذا جلس جلس جلسة فيها أدب، وإذا ركب مركبةً يركب مركبته بأدب جم، حتى في كل أحواله له مظهرٌ واضحٌ صارخٌ في أدبه مع ربه عز وجل.
 الآن، من السنة أيضاً أن نأكل من جانب الإناء، وأطرافه وعدم البدء بالأكل من الوسط، نهى النبي عليه الصلاة والسلام أن نأكل من وسط الطبق، أن نأكل من جانبه إن كنا وحدنا، أو من أطرافه إن كنا مجتمعين، أما أن تمتد اليد إلى وسط الطبق، فهذا مما نهى النبي صلى الله عليه سلّم عنه لقوله صلى الله عليه وسلم:

 

((البركة تنزل وسط الطعام، فكلوا من حافتيه ولا تأكلوا من وسطه "))

 

( رواه الترمذي )

 ومن آداب النبي صلى الله عليه وسلم في تناول الطعام عدم النفخ في الطعام الحار، لأنه ثبت علمياً أن هناك نوعاً من الجراثيم تكون في النفس، في رئة الإنسان، فإذا نفخ في الإناء أو في كأس الشرب، النبي عليه الصلاة والسلام أمرنا أن نبعد القدح عن فمنا، قال عليه الصلاة والسلام:

 

((أدن القدح عن فيك ))

 أبعده في أثناء التنفس، ومما يتبع هذا أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن التنفس في الطعام، وعن النفخ في الطعام الحار، وقد ثبت علمياً أن الطعام الحار يضعف حساسية الخلايا الذوقية في اللسان، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

 

 

(( الطعام الحار لا بركة فيه "))

 

( من شرح الجامع الصغير )

 لأنه يضعف الخلايا الذوقية في الإنسان، لذلك نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن أكل الطعام الحار، وعن النفخ فيه، فأحياناً يتناول الطعام من على النار إلى الطبق مباشرة، يأكل بألم، قد يبقى لسانه أسبوعاً متأثراً من هذه اللقمة الأولى التي أكلها والطعام حارٌ جداً، فالطعام الحار لا بركة فيه، ويضعف خلايا الذوق.
 وكان عليه الصلاة والسلام اتباعاً لهذه القاعدة يتنفس في الشراب ثلاثاً، أي يشرب كأس الماء ثلاث مرات، وفي كل مرة يبعد القدح عن فيه، ويتبع ذلك ألا ننفخ في طبق الطعام.
الآن، أحياناً تلاحظ إنسان أكله قليل، ولكن يمسك الخبزة بخمسة أصابع بهذا الشكل، فالنبي علمنا أن نأكل بثلاثة أصابع قال:

 

(( الأكل بأصبعين دلع، وبثلاثة أصابع ورع، وبأربعة أصابع طمع، وبخمسة أصابع جشع ))

بالخمسة جشع، بالأربعة طمع، بالثلاثة ورع، بالاثنين دلع، على كلٍ السنة أن نأكل بثلاث أصابع.
 والسنة أيضاً أن تلعق أصابعك بعد تناول الطعام، ما الحكمة من ذلك ؟ أي أن النفس لا تستسيغ أن تلعق الأصبع إلا إذا كانت نظيفةً جداً، أي اغسل يديك قبل الطعام كي تستسيغ نفسك أن تلعق أصابعك بعده، فأحياناً يبقى أثر من دسم، أثر من طعام، فإذا لعقت أصابعك الثلاث بلسانك فقد نقلت هذا الدسم إلى جسمك أولاً وهكذا السنة، فتأكد من أنك قد غسَّلت يديك قبل الطعام لأنك سوف تضطر تنفيذاً للسنة أن تلعق أصابعك بعد الطعام.
من الأدب قال:

 

 

((إذا وقعت لقمة أحدكم فليأخذها، فليمط ما كان بها من أذى، وليأكلها، ولا يدعها للشيطان، ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه ـ أحياناً يكون باليد في كمية طعام كثيرة، فرأساً مسح بقماشة هذا الطعام، ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه ـ فإنه لا يدري في أي طعامه البركة"))

 

( رواه مسلم )

 ومن آداب الطعام: عدم الإكثار في الأكل، لقوله صلى الله عليه وسلم:

 

(( المسلم يأكل في مِعَاً واحد والكافر أو المنافق يأكل في سبعة أمعاء ))

 

( رواه البخاري ومسلم )

 من السنة عدم ذم الطعام، الأدب النبي عليه الصلاة والسلام ما عاب طعاماً قط، إن أحبه أكله، وإن لم يحبه تركه، ولكنه لا يعيبه، ما عاب طعاماً قط، وفي المناسبة ولا مدح طعاماً قط، في أشخاص يصف لك الطعام وطريقة طهوه، وطريقة إعداده حتى يسيل لعابك، فليس من السنة لا أن تمدح الطعام ولا أن تذمه، لأنك تأكل لتعيش، لا تعيش لتأكل، والأصح من ذلك أنك تعيش لتعرف الله عز وجل، فالنبي عليه الصلاة والسلام:

 

(( ما عاب طعاماً قط إن اشتهاه أكله وإن كرهه تركه ))

 

( رواه البخاري ومسلم )

 ومن السنة النبوية في تناول الطعام: التحدث أثناء الطعام بالكلام أي أنك عندما تأكل تتحدث سوف يطول وقت الطعام، وإذا طال وقت الطعام ارتفع مستوى المضغ ومستوى الهضم، فليس من السنة أن تضع عينك في طبق الطعام وتأكل حتى تنتهي وتقوم، لا، فما دمت قد جلست إلى أهلك وأولادك فليكن حديثٌ على الطعام، ولا سيما إذا كان الحديث ذكر الله عز وجل، والأجمل من ذلك كما قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( اذيبوا طعامكم بذكر الله ))

 

( من الدر المنثور: عن " الشيدة عائشة " )

 إذا الإنسان كان مسرور، حديث ممتع، أفكار جميلة، قصة لطيفة، تعليق لطيف، فكرة رائعة، إذا كان هذا مع تناول الطعام، أعان هذا على هضم الطعام، والذي لفت نظري مرة أن صديقاً لي قرأ مقالةً بلغةٍ أجنبية، ولكن هذه المقالة إلى أن تكون بحثاً علمياً هي أقرب، وهذه المقالة تؤكد أن على الإنسان أن يأكل أكبر كمية من وجبته الاعتيادية صباحاً، لأنه بعد تناول طعام الصباح هناك جهدٌ طويل، ثمانِ ساعات، والوجبة الأقل منها عند الظهيرة، وأقل وجبةٍ عند المساء، لأن طعام المساء يعقبه نومٌ مديد، فكلما كان الجهد أكبر بعد الطعام سُمِحَ للإنسان أن يأكل أكثر، فقالوا: تقريباً خمسة وأربعين بالمائة ـ فيما أذكر ـ أو خمسة وخمسين بالمائة من مجموع الوجبة صباحاً، وخمسة وثلاثين ظهراً، وخمسة عشر بالمائة من مجموع وجباتك يمكن أن تأكله مساءً، ولا ينبغي أن تتناول طعام العشاء قبل النوم، والذي يلفت النظر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال:

 

(( أذيبوا طعامكم بذكر الله ولا تناموا عليه ))

 

(من الدر المنثور: عن " الشيدة عائشة " )

 وهذا الحديث هو ملخص الوصايا الصحية التي يأخذ بها الأطباء، فالتحدث أثناء الطعام أيضاً من السنة، هذا نُقِلَ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لأن الصمت المطبق في أثناء تناول الطعام، من صفات اليهود ونحن مأمورون بمخالفتهم، الحديث عن الطعام سنة.
الآن، من السنة أيضاً حمد الله وشكره بعد الفراغ من الطعام، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:

 

(( إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها ))

 

( رواه مسلم )

 يا رب لك الحمد، أطعمتني، وسقيتني، وآويتني، ورزقتني، وأمَّنتني، وأكرمتني.
ويقول عليه الصلاة والسلام:

 

(( من أكل طعاماً فقال: الحمد لله الذي أطعمني هذا، ورزقنيه من غير حولٍ مني ولا قوة، غفر له ما تقدم من ذنبه ))

 

( من رياض الصالحين: عن " معاذ بن أنس "

 الآن إذا تناولت طعاماً عند مسلم يجب أن تقول: اللهم أطعم من أطعمني واسق من سقاني.
أو تقول: أكل طعامكم الأبرار، وأفطر عندكم الصائمون، وذكركم الله فيمن عنده.
 لكن الآن في عندنا آداب يقرها العرف، مثلاً: أن يأكل الإنسان من الطعام كفايته لا أقل ولا أكثر، لو أكل أقل من كفايته، والذي دعاك يحرص على أن تأكل، فهذا ليس من السنة، لا أن تأكل أكثر من كفايتك ولا أقل من كفايتك.
من آداب الطعام ألا تنظر إلى جيرانك، تنظر إليه كم أكل من كمية الطعام، هذا النظر فيه سوء أدب، ألا تنظر إلى جيرانك.
 ومن آداب الطعام في أعمال مستقذرة، أحياناً يريد ينظف أنفه على المائدة، في منديل، لكن هذه الأصوات منكرة، يجب أن يتحول لغرفة أخرى، في أصوات منكرة، في التجشُّؤ، قال له: كف عنا جشأَكَ، لأحد الأشخاص اللهم صلي عليه، فبعض الأعمال المستقذرة، والتجشُّؤ وذكر قصة مقززة أثناء الطعام، هذا أيضاً ليس من السنة.
 وعدم الحديث والفم مملوء من الطعام، يصبح في رشاش من الطعام، فالحديث والفم مملوء ممنوع، أعمال تتقذذ منها النفس ممنوعة، قصة أو موضوع يثير الاشمئزاز ممنوع، النظر إلى مَن حولك في الطعام ممنوع. فهذه بعضٌ من آداب الإسلام في تناول الطعام، والطعام نشاط يومي كل يوم ثلاث مرات، شيء جميل جداً بالمسلم أن يتبع هذه التعليمات ممكن نعيدها لكن سريعاً:
1ـ غسل اليدين قبل الطعام وبعده لقول النبي عليه الصلاة والسلام

(( بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده))

 2ـ استصحاب النية الصالحة في الأكل، وهو أن يتقوّى بها الفرد على طاعة الله عز وجل.
3ـ التسمية في بداية الطعام لمعنيين لتذكّر نعمة الله عليك، ولتذكر أمر الله في تناول الطعام، وإلا أكل الشيطان مع المسلم.
4ـ الاجتماع على الطعام، لعلكم تفترقون ؟ قالوا: نعم، قال

 

((فاجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله عليه، يبارك لكم فيه))

 5ـ الدعاء عند الطعام

 

((اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيراً منه " وعند تناول الحليب أو اللبن: " اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه ))

 6ـ الأكل والشرب باليد اليمنى.
7ـ أن يأكل المسلم مما يليه لقول النبي عليه الصلاة والسلام

((" يا غلام سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك))


8 ـ التواضع في الجلوس إلى الطعام، النبي عليه الصلاة والسلام ما أكل متكئاً قط، ونهى عن أن يأكل الرجل منبطحاً.
9ـ الأكل من جانب الإناء لا من وسطه، لأن البركة تنزل في الوسط.
10ـ عدم النفخ في الطعام الحار، والطعام الحار في الأصل لا بركة فيه.
11ـ الأكل بثلاثة أصابع، لا اثنتين ولا أربعة ولا خمسة، باثنتين دلع، وبثلاثة ورع، وبأربعة طمع، وبخمسة جشع.
الآن...
11ـ إذا وقعت لقمة على الأرض يجب أن تأخذها وأن تميط عنها ألذى وأن تأكلها، لأنها نعمة الله عز وجل.
12ـ لعق الأصابع الثلاث باللسان بعد انتهاء الطعام.
13ـ عدم مسح اليد بالمنديل أو غسلها قبل لعقها.
14ـ عدم الإكثار من الطعام.
15ـ عدم ذم الطعام أو مدحه.
16ـ التحدث أثناء الطعام.

17ـ حمد الله تعالى،

(( إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها ))

( رواه مسلم )

 والدعاء الثاني

(( الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، من فعل هذا غفر له ))

18ـ الدعاء لمن أكل المسلم عنده، إما أن تقول: " اللهم أطعم من أطعمني واسقي ومن سقاني ".
أو أن تقول: " أكل طعامكم الأبرار، وأفطر عندكم الصائمون وذكركم الله فيمن عنده "
19ـ مراعاة الآداب الاجتماعية من مثل: عدم فعل شيء تتقزز منه النفس، عدم ذكر موضوع أو حديث تنبو عنه الآذان، عدم إصدار أصوات تدعو إلى الاشمئزاز، وعد النظر إلى طبق أخيك.
هذه جملةٌ من آداب الإسلام في تناول الطعام، وأتمنى على الله عز وجل أن ينفعنا بها جميعاً، وأن نطبقها وأن ننشئ أولادنا على ذلك.
الآن قصة فيها حكمةٌ بالغة، كنت قد ألقيتها على مسامعكم قبل عشر سنين فيما أذكر، لكن أريد منها شيئاً دقيقاً جداً، هي قصة التابعي الجليل سيدنا أويس القرني:
وأويس القرني كما تعلمون النبي صلى الله عليه وسلم ذكر لسيدنا عمر ولسيدنا علي رضي الله عنهما فقال:

(( إذا لقيتما أويس القرني فاطلبا إليه أن يستغفر لكما فإنه مجاب الدعاء))

هذا من دلائل نبوة النبي عليه الصلاة والسلام، إن النبي عليه الصلاة والسلام لم ير أويس القرني ولكن أخبر به، فقال

(( يا عمر وعلي إذا لقيتما أويس القرني فاطلبا إليه أن يستغفر لكما فإنه مجاب الدعاء))

وقد أشار النبي عليه الصلاة والسلام إلى صورته، فقال:

((إنه أشهل ذو صهوبة، بعيد ما بين المنكبين، معتدل القامة، يضرب بذقنه إلى صدره، واضعٌ يمينه على شماله، يتلو القرآن، ذو طمرين، مجهول في الأرض، معروف في السماء ))

 سيدنا عمر، وسيدنا علي كرم الله وجهه ورضي الله عنه، عشر سنوات كلما جاء موسم الحج خرجا إلى وفود الحجاج، تصفحا وجوه هؤلاء، لعلهما يجتمعان بأويس القَرْني، إلى أن وصل إلى سمعهما في السنة العاشرة بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام، أنه قد جاءت قافلةٌ جديدةٌ من اليمن، فانطلق سيدنا عمر وسيدنا علي إلى هذه القافلة ليتصفحا وجوه القوم، فلعلهما يريان أويس القرني.
ـ فسأل رئيس هذه القافلة قال له: هل بقي منكم أحد ليس هنا ؟
 ـ فقال: أجل يا ابن عم رسول الله، قال لا أذكر في أحد نحن جميعاً هكذا، قال له صبراً لقد أنسيته، إن في رحالنا فتىً خامل الذكر، ممزَّق الثوب، يرعى لنا، ونؤجره بدراهم معدودات، وما أظنك تنشد مثله. من هو هذا ؟
القافلة جاءت إلى مكة المكرمة وأبقت عند إبلها هذا الغلام الفقير، ذو طمرين، مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبره.
ـ فقال سيدنا عمر: إنه أشهل ذو صهوبة، بعيد ما بين المنكبين، معتدل القامة، يضرب بذقنه إلى صدره ؟
عجب رئيس القافلة ونظر إلى عمر، وهو لا يعرفه قائلاً:
ـ لقد وصفته أكمل ما يوصف به، فهل رأيته ؟!
ـ فسيدنا عمر قال: أجل.
 وانطلقا سيدنا عمر وسيدنا علي إلى المكان الذي حدد لهما، طبعاً هذه مقدمات، القصة لها لب ولها مغزى، في صحراء مكة بالقرب من أبي قبيس شاهدا سيدنا عمر وسيدنا علي رجلاً يرعى إبلاً، فسلما عليه ثم قالا له:
ـ مَن الرجل ؟
ـ فقال هذا الرجل: راعي إبل وأجير قوم. في تواضع
ـ قالا: لسنا نسألك عن ذلك، ما اسمك ؟
ـ قال: عبد الله.
ـ قالا: قد علمنا أن أهل السماء والأرض كلهم عبيد لله، ما اسمك الذي سمتك به أمك ؟
ـ قال: يا هذان ما تريدان مني ؟ من أنتما ؟
ـ قالا: قد وصف لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أويساً القَرْنِي، وقد عرفنا الشهولة والصهوبة، ثم نظرا إلى منكبه فرأيا اللمعة، فأحسنا السلام والتحية، وطلبا منه الدعاء والاستغفار.
ـ قالا: ادع لنا واستغفر.
ـ فقال أويس القرني: ما أخصُّ بالاستغفار أحداً، ولكن للمؤمنين والمؤمنات، ثم من أنتما ؟!!
ـ قال علي: هذا عمر أميرالمؤمنين، وأما أنا فعلي.
فاستوى أويس القرني قائماً وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ويا ابن أبي طالب جزاكما الله عن هذه الأمة خيراً.
ـ قال عمر: عظني يا أويس ـ ينتظره منذ عشر سنوات ـ عظني يا أويس، هنا هذه موطن القصة كلها.
ـ قال أويس القرني: ابتغِ رحمة الله عند طاعتك، واحذر نقمته عند معصيته، ولا تقطع رجاءك عنه خلال ذلك.
أي من الحمق أن تبتغي رحمته وأنت تعصيه، ومن الحمق أن تخاف منه وأنت تطيعه، ابتغي رحمة الله عند طاعته واحذر نقمته عند معصيته ولا تقطع رجاء عنه خلال ذلك.
ـ هتف عليُّ كرم الله وجهه، قال: لقد حدثنا عنك النبي صلى الله عليه وسلم وهو لم يرك، ولكنه كان يحبك ويصفك ويقول: إنك أفضل التابعين فكيف تتصور رسول الله يا أويس؟ ما رآه.
 ـ قال: والله لقد كان لكم فضل التمتع والشرف برؤيته، وأما أنا فقد حرمت هذا الشرف والفضل، لكنني أتصوره صلوات الله عليه في بصيرتي على غير ما رأيتم أنتم بأعينكم، أتصوره نوراً ساطعاً يملأ الفضاء، ويسري في الوجود، أتصوره رأسه الشريف عند العرش، وقدمه في مستقر الأرض.
هكذا كان يعظم النبي عليه الصلاة والسلام، وبكى عمر وعليٌّ شوقاً للنبي عليه الصلاة والسلام، فقال عمر وعلي:
ـ كيف الزمان عليك يا أويس ؟
ـ قال: كيف هو على رجلٍ إن أصبح ظن أنه لا يمسي، وإن أمسى ظن أنه لا يصبح ؟! دائماً متلهف للقاء الله عز وجل ينتظر ساعة اللقاء هذه حال أهل القرب.
ـ قال: كيف بلغت تلك المكانة العليا ؟
ـ قال: إني أعيش في مقام الخوف، وهو مقام لا يصبو إليه الإنسان حتى يصبح من خوف الله وكأنه قتل الناس جميعاً.
يعني مقام الخوف مقامٌ يقرِّب الإنسان من ربه كثيراً، وتناجيا طويلاً، ثم عرض عليه عمر كسوةً ونفقة، فقال:
 ـ ما أصنع بهما ؟ أما ترى إزاري وردائي من صوفٍ، متى تُراني أخرقهما ؟ وأخذت على عملي أربعة دراهم متى تراني أنفقهما ؟! إن بين يدي ويدك عقبة كؤود لا يجوزها إلا كل ضامر مهزول، فأعرض عن الدنيا يا عمر، واخشَ يوماً لا ينفع فيه مال ولا بنون.
ـ فضرب بدرته الأرض ثم نادى بأعلى صوته: ألا ليت عمر لم تلده أمه.
هذه القصة سقتها لسبب: أن هذا التابعي الجليل فقير، ما كل فقير، قد يكون هذا الفقير خامل الذكر أعظم عند الله من معظم الناس، هذه القصة مصداق قول النبي عليه الصلاة والسلام:

 

(( رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره ))

 

( من الجامع الصغير: عن " أنس " )

 أي في سعادة من القرب من الله عز وجل، ومن الإقبال عليه، ومن التوكل عليه، ومن الزهد في طلب الدنيا، هناك سعادة لا يعرفها إلا من ذاقها.
 على كلٍ من كل هذه القصة فقرةٌ تهز المشاعر ( ابتغ رحمة الله عند طاعته، واحذر نقمته عند معصيته، وكن راجياً فيما بين ذلك ). فيما بين هذا وذاك كن راجياً لله عز وجل، فمن السذاجة ومن السخف أن ترجو الله وأنت تعصيه، هؤلاء الناس الذين يعصون الله عز وجل ويدعون ويجأرون بالدعاء: يا رب. مهما رفعت صوتك، " يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ".
 إذاً سيدنا أويس القرني الذي وصفه النبي عليه الصلاة والسلام، والذي أمر عمر وعلياً كرم الله وجهه ورضي الله عنه، أمرهما أن يستغفر لهما وأن يسألاه الدعاء، كان زاهداً متقشفاً، وكان قريباً من الله عز وجل، وكان محباً له، وعلى شوقٍ كبير.
فيا أيها الإخوة الأكارم... الإنسان الدنيا ساعة اجعلها طاعة، والنفس طمَّاعة عوِّدها القناعة.
 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وأكرمنا ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وارض عنا، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك، ومن اليقين ما تهوِّن به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على مَن ظلمنا، وانصرنا على مَن عادانا، ولا تجعل الدنيا أكبر همّنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلِّط علينا مَن لا يخافك ولا يرحمنا، وصل الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018