بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس (001 - 127 ) : يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك ..…

1988-07-31

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، و زدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون، مع الحديث النبوي الشريف، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقَالَ:

(( يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ))

[رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح]

  وفي رواية غير الترمذي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ

(( يَا غُلَامُ أَوْ يَا غُلَيِّمُ أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهِنَّ فَقُلْتُ بَلَى فَقَالَ احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ تَعَرَّفْ إِلَيْهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ وَإِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ قَدْ جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ فَلَوْ أَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ جَمِيعًا أَرَادُوا أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ عَلَيْكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ وَإِنْ أَرَادُوا أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ عَلَيْكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا))

[رواه الترمذي]

 هذا الحديث الشريف ورد في باب المراقبة، و المراقبة أن تشعر أن الله سبحانه و تعالى يراقبك، واللهُ سبحانه و تعالى يقول:

﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (1)﴾

[سورة النساء]

 ويقول الله عز وجل:

﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14)﴾

[سورة الفجر]

 و الإنسان إذا شعر أنه مراقب من إنسان انضبط أيما انضباط، فإذا كان الذي يراقبه لا يغيب عنه لحظة، لا في حله و لا في ترحاله، لا في جلوته و لا في خلوته ـ عندئذ يجب أن يكون الانضباط أشد.
 فعن ابن عباس رضي الله عنهما، سيدنا العبّاس من أصحاب رسول الله، و ابنُه من أصحاب رسول الله، فإذا ورد صحابيٌّ و أبوه تقول: رضي الله عنهما، قال: كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا " معنى يوما يعني ساعة من يوم، و ليس معنى يوما أنه قضى خلف النبي يوما بكامله، يعني ساعة من يوم، واليوم من معانيها الدور، " فَقَالَ يَا غُلَامُ " و الغلام بين الطفولة وسن البلوغ، كل من لم يبلغ يسمى غلاما، فالصبي من حين يُفطم إلى سن البلوغ يسمى غلاما، و كان ابن عباس رضي الله عنه كانت سنه عشرا، فهو غلام، فقال عليه الصلاة و السلام:

((يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ))

 أي إذا حفظت اللهَ في جوارحك، إذا غضّت هذه العين عن محارم الله، وإذا استنكفت هذه الأذن أن تسمع ما يغضب اللهَ عز وجل، وإذا انطلقت هذه اليدُ فيما يرضي الله، وإذا انطلقت رجلُ الإنسان إلى مكان فيه خير، إلى مجلس علم، إلى مسجد، إلى إصلاح بين اثنين، إذا كانت هذه الجوارح من عين و أذن و لسان و يد ورجل، إذا انطلقت هذه الجوارح، إذا انطلقت هذه الجوارح إلى طاعة الله عز وجل، أي إذا حفظت أمر الله عز وجل، و لم تخترقه عندئذ تولى الله سبحانه و تعالى حفظها من التلف و العطب، لذلك هذا الذي عاش سبعا و تسعين عاما، متمتعا بأعلى درجة من الصحة، سئل مرة: ما هذه الصحة يا سيدي ؟ فقال: يا بني حفظناها في الصغر فحفظها اللهُ علينا في الكِبر " من عاش تقيا عاش نقيا،

((احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ))

 احفظه في كسب المال، أي راعِ أمره في كسب المال يحفظ لك المال، راع أمره في اختيار الزوجة يحفظ لك سعادتك الزوجية، من تزوج المرأة لجمالها أذلّه الله، و من تزوجها لمالها أفقرها الله، ومن تزوجها لحسبها زاده لله دناءة، فعليك بذات الدين تربت يداك " إذا حفظت الله، أي حفظت أمر الله في شأن زواجك حفظ الله لك هذا الزواج من أن يتصدّع، من أن يصاب من الشقاء الزوجي، إذا حفظت الله عز وجل في كسب المال حفظ الله لك هذا المال، إذا حفظته في عينك حفظ الله لك عينك، إذا حفظته في سمعك حفظ الله لك سمعك، إذا حفظته في قوتك حفظ الله لك قوتك ومتّعك بها، حتى الموت، إذا حفظت الله في أيِّ شيء حفظك الله سبحانه و تعالى، و كان جزاء طاعته جزاء مقدَّما في الدنيا قبل الآخرة،

((احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ))

 من أبلغ كلمات النبي عليه الصلاة و السلام، احفظ الله في تعاملك مع الزبائن، لا تغشهم، لا تدلِّس عليهم، لا تستعل عليهم، لا تستغلهم، لا توهمهم أن هذه البضاعة لن تجدها بعد اليوم من أجل أن تأخذ سعرا عاليا، إذا حفظت الله عز وجل في علاقتك بزبائنك،أي راعيت في هذه العلاقة أمر الله عز وجل، حفظك الله سبحانه و تعالى من أن يدخل عليك رجل يجعلك ترتعد خوفا منه، طبعا، إذا حفظت الله يحفظك في بيعك و شرائك، في زواجك، في حواسك، في جوارحك، في كسب المال، في إنفاق المال، في كل حركاتك و سكناتك، إذا حفظت الله فإنه يحفظك، هل هناك قانون أوضح و أسهل من هذا القانون، ربنا عز وجل واضح جعل بينك و بينه قواعد ثابتة، إذا عاملت إنسانا ربما أحرجك هذا الإنسان، تقول: يا أخي والله يحير، فعلت كذا فلم يرض، فعلت كذا فلم يرض، اقتربت منه كثيرا فردَّني، ابتعدت منه فعاتبني، كيف التعاملُ معه ؟ لكنك إذا أردت أن تتعامل مع الله عز وجل فهناك مبادئ ثابتة في التعامل معه،

((احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ ))

 هذا قانون فوق المكان والزمان، و فوق الظروف وفوق كل شيء، في أيِّ بيئة كنت، في أيِّ وضع، في أيِّ مجتمع،، في أيِّ وضع، في أيِّ أزمة، في أيِّ معطيات،

((احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ ))

 تعامل مع الله بالصدق يحفظك من كل مكروه:
 أطع أمرنا نرفع لأجلك حجبنا فإنا منحنا بالرضا من أحبنا
 ولُذ بحمانا و احتمِ بجنابــنا لنحميك مما فيه أشرار خلقنا

((احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ))

 أقول هذه الكلمات للأخوة الباعة، قد يدخل إنسان عليهم، يقول: واللهِ تبلاني، والله لم أعمل شيئا، كتبني ضبطا، فعليه شهران سجنا، أنا أقول للأخوة الباعة

((احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ ))

 عامل الناس معاملة مستقيمة، لا تغشهم، لا تحتكر قوتهم، لا تأخذ منهم فوق ما يجب، لا تغبنهم،

((غبن المسترسل ربا))

((غبن المسترسل حرام ))

 لا تدرِّس عليهم، لا تهنهم، عالمهم معاملة ترضي الله عز وجل، احفظ الله في طريقة تعاملك مع هؤلاء فاللهُ سبحانه وتعالى يتولى حفظك من كل مكروه،

((احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ))

  الحديث واسع جدا، يدور مع الناس في كل دورة، في أيِّ زمان، وفي أي مكان، في أيِّ نشاط، في أي حركة، في أي سكنة،

((احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ " احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ))

 معنى تجاهك تجده معك، هذه معية الله، فإذا كان الله معك فمن عليك، و إذا كان عليك فمن معك، إذا الواحد تمكّن يكسب معية الله عز وجل، أن يكون الله معه، وهل من قوة في الكون يخشاها إذا كان الله معه، يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما،

﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾

[سورة المائدة]

  معية الله أثمن ما في الدنيا، وهذه المعية مبذولة لكل مؤمن، كن مع الله تر الله معك، صاحب هذا المقام، هكذا يقول:
 كن مع الله تر الله معك واترك الكلَّ وحاذر طمعك
 و إذا أعطاك من يمنعك ثم من يعطي إذا ما منـعك
 إنما أنت له عبد فـكن جاعلا في القرب منه ولعك
 هذه ملة طه خذ بها، إذًا واللهِ حديث رائع جدا،

((احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ))

 احفظ الله في كسبك للمال، يعني احفظ أمر الله، لا تأكل مالا حراما، فالله يحفظ مالك، احفظ الله في بصرك، فالله يحفظ لك هذه العين، احفظ الله في أذنك،

((من استمع إلى صوت قينة صب في أذنيه الآنك يوم القيامة))

 احفظ الله في أذنك فالله يحفظها لك، احفظ الله في لسانك، تكلم بالحق، لا تغتر أحدا لا تمش بالنميمة، لا تمزح مزاحا رخيصا، لا تعوِّد لسانك الفحش، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

((لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ وَلَا يَدْخُلُ رَجُلٌ الْجَنَّةَ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ))

[رواه أحمد]

((احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ ))

 أنت لوحدك وسِّع في الحديث، وسِّع هذا الحديث حتى يشمل كلّ نشاطاتك،

((احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ))

(( احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ))

 أريد معنى " احفظ الله " أي احفظ في هذا الموضوع أمر الله، لا تنس أمر الله، حتى إن بعضهم يرى من معاني البسملة في بدء كل شيء ألاّ تنس أمر الله، إذا بسملت قلت: بسم الله الرحمن الرحيم، أي تذكر أمر الله في هذا الموضوع، لكن الإنسان أحيانا يبسمل و لا يفقه معنى البسملة، يبسمل على أمر محرم، بسم الله الرحمن الرحيم، أي يجب أن تذكر أمر الله.
 إِذَا

((سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ يقول عليه الصلاة و السلام: لا يخافن العبد إلا ذنبه و لا يرجون إلا ربَّه)) ((إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ))

 لأن الله وحده هو المعطي وهو المانع، وهو المعزّ وهو المذلّ، وهو الرافع وهو الخافض، وهو القابض وهو الباسط إذا سألت غيره فهذا شرك، لأن غيره ليس في الإمكان أن يعطيك شيئا،

((إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ))، ((وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ))

 لما الإنسان يسأل غير الله عز وجل، أو يستعين بغير الله عز وجل فربنا عز وجل يؤدِّبه، يخيِّب أمله من هذا الإنسان الذي استعان به،

((إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ))

  وَإِذَا

((اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ))

 ولا يمنع هذا من أن تسأل الناس من باب الأخذ بالأسباب، لا من باب الاعتماد عليهم،و التوكل عليهم، من باب الأخذ بالأسباب، ما دمت متيقِّنا أن الله بيده كل شيء، وأنه إذا شاء أعطاك وإذا شاء منعك، وما هذا الإنسان إلا واسطة، عندئذ يجوز أن تسأل الناس في حدود هذا المنطلق العقائدي،

((إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ))

 وسبحان الله لما الإنسان تبقى له منافذ مفتوحة من بني البشر يكون دعاؤه فاترا، و استعانته بالله ضعيفة، فحتى تغلق جميع الأبواب الأرضية عندئذ تُفتح أبواب السماء، فالإنسان حتى يعينه ربُّنا على التوحيد يغلق له كل أبواب بني البشر، هذا يصده و هذا يعتذر وهذا يتنصل، إلى أن يقول: يا رب ليس لي إلا أنت، عندئذ يأتيه الجواب

((وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ ))

 هذا هو التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد،" لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ " أي بنو البشر، خمسة آلاف مليون لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لا يستطيعون، إلا أن يأذن الله، إذًا علاقتك مع الله، ولا ينبغي أن تكون العلاقة مع غير الله عز وجل، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ" لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

((إن كلمة الحق لا تقرب أجلا ولا تقطع رزقا))

   الأمة كله"

((لَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ))

 أي هذه القوانين مقطوعة الصحة، لا تُبدَّل، ولا تعدَّل و لا تغيّر و لا تجمّد ولا يوقَف تنفيذها أبدا، هذه القوانين ثابتة في تعامل الله مع العباد، فلا تبحث عن قوانين أخرى، لا تبحث عن معطيات أخرى، هذا هو القانون الوحيد في تعامل الله مع البشر،

((احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ - أي معك -إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ))

 هناك آيات تؤكِّد هذه المعاني ؟ نعم، قال تعالى:

﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾

[سورة فاطر]

  وقال تعالى:

﴿فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56)﴾

[سورة هود]

  هذه آيات تؤكد هذه المعاني، وفي رواية غير الترمذي، ((احفظ الله تجده أمامك)) واللهِ أكثر من أخ حكى لي أنه في بعض الأزمات الله عز وجل يهيِّئ له إنسانا في اللحظة الحرجة ينقذه، كيف أن الله عز وجل تجده أمامك، اللهُ سبحانه وتعالى مع كل إنسان، لكن تجده أمامك يبعث لك من بني البشر، من ينقذك في ساعة الشدة، من جاء بك في هذه الساعة ؟ اللهُ سبحانه و تعالى،

﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (45) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46)﴾

[سورة طه]

  فالرواية الأخرى "،

((احفظ الله تجده أمامك))

 أي وأنت في توجهاتك إلى أعمالك قد تقع في أزمة
 في ورطة، في موقف حرج، في مساءلة، في مشكلة، تجده أمامك، اللهُ عز وجل يسخِّر لك من خلقه الصالحين من ينقذك من هذه الورطة، ومن تعامل مع الله عز وجل بإخلاص وصدق يفقه معنى هذا الحديث،

((احفظ الله تجده أمامك))

 تجاهك أي معك، هنا أمامك أي الله عز وجل يرسل لك من ينقذك.

(( تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ))

 يا إخوان والله هذه كلمة مؤثرة جدا، الإنسان في حال صحته، و حال قوته، وحال شبابه، بحال غناه لا ينسى الله عز وجل، أكثر الناس الغنى يطغي
 شاب ينسى أن هناك شيخوخة، وهناك خريف عمُر، زوج في ريعان شبابه ينسى أن هناك سنًّا يضعف فيها، فإذا ظلم هذه الزوجة وهو شاب ربما انتقم الله منه في سن متأخرة، فالإنسان إذا هو عرف الله عز وجل يكون حاله جيِّدا، لكن إذا عرفه بعد الشدة و بعد الضيق، أو عرفه في خريف العمر، بعد فوات الأوان، أو عرفه في سن متأخرة، بعدما ضيّع ماله و ضيَّع شبابه، و ضيَّع صحته، لذلك الإنسان السعيد من عرف اللهَ وهو شاب، في مقتبل العمر، لأنه سيعيش حياة مديدة فيها استقرار، فيها توازن، فيها معرفة، فيها نوم، فيها رقي إلى الله عز وجل، على كلٍّ كلُّ إنسان عرف الله يشكر الله عز وجل، أي إذا عرفه ولو في شن متأخرة نعمة كبيرة لكن الكلام موجّه للشباب، أي أنت أيها الشاب مهيَّأ، وربُّنا عز وجل لأنه علِم فيك الخير جعلك تسمع الحقَّ،

﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (45) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46)﴾

[سورة الأنفال]

  وها أنت قد سمعت الحق، سمعت كلام الله عز وجل، سمعت حديث رسول الله، فهذه فرصة لا تُعوَّض.

(( تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ، يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّة ))

 الدعاء الكريم " اللهم اجعل خير عمرنا آخرها، و خير أيامنا يوم نلقاك

"((وَاعْلَمْ أَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِبَكَ، وَمَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِأَكَ " أي الأمور تجري بقضاء و قدر، قال عليه الصلاة و السلام: القضاء و القدر نظام التوحيد ))

((والإيمان بالقدر يذهب الهم و الحزن))

 كل شيء وقع أراده الله، انتهى الأمر هناك أزمات نفسية تطحن الإنسان سببها الشرك، إذا آمنت أن الله بيده كل شيء، و أن كل شيء وقع أراده الله، وأن هذه الإرادة متعلقة بحكمة الله البالغة، و أن حكمة الله البالغة متعلقة بالخير المطلق انتهى الأمر، و انتهى كل شيء، لذلك بعض الأزمان، وبعض المشكلات هي مؤلمة و لكن وقْعها مع التوحيد يأتي مخفّفا جدا، عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

((عَجِبْتُ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَ الْمُؤْمِنِ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ فَشَكَرَ كَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ فَصَبَرَ كَانَ خَيْرًا لَهُ ))

[رواه أحمد]

(( وَاعْلَمْ أَنَّ مَا أَخْطَأَكَ))

 من أجل علامة ذهبت البعثة منه، من أجل يوم تأخرت ذهب البيت، أخذنا دفتر العائلة، ثاني يوم واللهِ قلبوا الجماعة، معنى ذلك ليس لك نصيب، القضية سهلة جدا بالتوحيد سهلة، لكن من دون توحيد مشكلة، شيء أحيانا بيعك يفقس، أحيانا بيت تطمع فيه فيذهب من يدك، قد يكون في حيٍّ لا يناسبك، ربنا عز وجل رحمة بك صرفه عنك، سفرة لسبب تافه، نسيت أن تحضر الوثيقة الفلانية مُنعت من السفر، قد يكون السفرُ لا يناسبك، أنت استسلِم لله عز وجل،

(( وَاعْلَمْ أَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِبَكَ، وَمَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِأَكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ))

 الصبر ثمين، الصبر معرفة، الصبر معنى ذلك أن هذا العبد عرف الله، فعرف أن الأمر كله بيده، و عرف أن الله سبحانه و تعالى لا يقضي لعباده إلا بالخير، لذلك هو صابر، والإيمان نصفه صبر، و نصفه شكر، والصبر من الإيمان كالرأس من الجسد، فإذا ذهب الصبرُ ذهب الإيمان،

((وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا " هذه الأقوال))

 وهذه الأحاديث مطمئنة، أي يظهر أن الله عز وجل متى ينصر الإنسان ؟ حينما يصبر، حينما يصبر يكون الصبر ثمنَ النصر، ومتى يفرِّج عنه ؟ حينما يتحمَل الكرب في سبيل الله، ومتى يُيسِّر له أمره ؟ حينما يرى العسرَ من قضاء الله وقدره، فكلمات مطمئنة جدا،

((وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا))

  يفيد هذا الحديث تحريم سؤال غير الله تعالى، ويفيد هذا الحديث أيضا أن ما أقره الله في الكتاب الكريم لا يتبدّل و لا يتغيّر ولا يعدّل و لا يوقف ولا يطرأ عليه شيءٌ من هذا القبيل، و يفيد هذا الحديث أن الفرَج يقترن مع الكرب، و أن اليسر مع العسر، و أن النصر مع الصبر، و أن هذا الحديث يدل على مراقبة الله عز وجل، لهذا ورد هذا الحديث في باب مراقبة الله سبحانه و تعالى، هذا الحديث من أصول الأحاديث الشريفة، إذا حفظه الإنسان كما قلت لكم من قبل: تلقي العلم سهل، لكن تلقي العلم و تثبيته و امتلاكه ثم نقله للآخرين عمل عظيم، أنت حضرت في هذا المسجد سنة سنتين ثلاثا، آن الأوان تنتقل من طور التلقي إلى طور العطاء، فلما كتب الأخُ الحديثَ و سمع شرحه، و جلس جلسة مع أهله، مع أصدقائه، مع جيرانه، حاول أن يتفكّر الشرح، فالكتابة و التذكر و الإلقاء يثبت معاني هذا الحديث، فإذا أنت تمتلك هذا الحديث نصا و معنى، فإذا جلست مع أخ في بيتك، في عملك، في محلك التجاري، في مكتبة، مسافر، صديقك، زميلك، مع زوجتك، مع أولادك، إذا شرحت لهم هذا الحديث لعل الله عز وجل ينفع بك، لعل إنسانا يتوب على يديك من خلال هذا الحديث، فالإنسان لا يكتفي بالسماع، لا يكتفي بالتلقي، هذا اسمه.....
 لاحظت أنه من وقت ما بدأت ألقي الدرس قبل ساعة من أذان العشاء، صار هناك تأخر شديد، صار حتى يكتمل العدد بعد ربع ساعة أو نصف ساعة، لعل تأتي نفحة من نفحات الله عز وجل يعني حضرت و حضرت، جئت و جئت، تركت عملك و تركت عملك، فالأفضل أن يكون الدرسُ كاملا، درسنا لطيف جدا، خمسون دقيقة، أكثر لا يزاوم، فالبركة في أول الدرس، فالذي أتمناه عليكم أن الإنسان يكون حريصا على المجيء في أول الدرس، فقد يكون فيه شرح دقيق جدا فاته، هذه واحدة، و حريص مرة ثانية أن يكون مع كل أخ دفتر يكتب الأحاديث، بعد سنة أو أكثر أو أقلّ يجد معه دفترا ثمينا، فيه مجموعة من الأحاديث الشريفة الصحيحة، وقد سمع شرحها، فإذا كان حاول خلال الأسبوع أن يذاكر شرحها مع إخوانه، مع أصدقئه، مع من حضر هذا الدرس كما تحدثنا عن المذاكرة فتثبت الحديث، و تثبت نصُّه، و تثبت معناه، امتلك تفسيره، انتقل من دور التلقي إلى دور العطاء، واللهِ إذا ما تمنى الإنسان أن يكون أخوه مثلَه لا يكون مخلصا، لا بد أن يكون كلُّ أخ مثلَ أيِّ مؤمن متفوِّق، لا يكون الأخ طامعا و راضيا بمرتبة دنيا، أخي أريد وراء الباب، اطلب الصدر،

﴿فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26)﴾

[سورة المطففين]

﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (61)﴾

[سورة الصافات]

﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾

[سورة يونس]

  فأنا الذي أرجوه أنه لما الإنسان الله عز وجل يقدِّر على يده هدى إنسان خير له من تجارة عريضة من أموال الدنيا، من حطام الدنيا، والحديث الشريف واضح، عَنْ سَهْلٌ بْنَ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ خَيْب

َرَ ((لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُفْتَحُ عَلَى يَدَيْهِ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَبَاتَ النَّاسُ لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَى فَغَدَوْا كُلُّهُمْ يَرْجُوهُ فَقَالَ أَيْنَ عَلِيٌّ فَقِيلَ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ فَبَصَقَ فِي عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ فَبَرَأَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ فَأَعْطَاهُ فَقَالَ أُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا فَقَالَ انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ))

[رواه البخاري]

  خير لك من حمر النعم، خير لك من الدنيا وما فيها، العلم لا بد له من مذاكرة، لابد له من كتابة، ولا بد له من مراجعة، ولا بد له من مذاكرة، وأنا حريص حرصا بالغا على أن تذاكروا درسي الجمعة و الأحد، مثلما قلنا مع إخوانكم، مع أصدقائكم، مع جيرانكم، مع قرابتكم، مع أهلكم، لا بد من جلسة في هذا الأسبوع نتذاكر فيها درس الحاجبية و درس النابلسي، وإذا الواحد معه دفتر أفضل بكثير، صار معه ذخيرة، أخي واللهِ صار لك بالمسجد عشر سنين، ماذا تعلمت، واللهِ الدروس كلها حلوة، حفظت شيئا، واللهِ لا أتذكّر شيئا، ما هذا العلم ؟ النبي عليه الصلاة و السلام قال، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ عَمِّهْ عَمْرِو بْنِ أَبِي سُفْيَانَ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ

(( قَيِّدُوا الْعِلْمَ بِالْكِتَابِ))

[رواه الدارمي]

  إذا لم تقيِّده يضيع منك، إعجاب إعجَاب إعجاب و بعده لا شيء، تفضّل احكها، عندما الإنسان ينطلق بالدعوة إلى الله يدخل في سعادة كبيرة جدا، يرى نفسه إنسانا حقيقيا، أي حقّق إنسانيته، الله عز وجل راض عنه و سيشكره، لأنه نقل له إنسانا من الضلال إلى الهدى، من الضياع إلى الهداية، من الشقاء إلى السعادة، عندئذ الله سبحانه و تعالى يشكرك، فصار معنا المذاكرة و الحضور باكرا و الكتابة، والأخوة في الله، أريد كل أخ يتفقّد أخ، إذا كان غاب، فلان غاب، لعله يكون مريضا، عِنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (

(تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى عُضْوًا تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى))

[رواه البخاري]

  إذا كل واحد أخذ على عاتقه يتولى أخا، يؤاخي أخا في الله يتفقد بعضهم، فلان سافر، خير إن شاء الله، فلان مرض، نزوره، فلان بحاجة إلى مساعدة، فلان يكسو بيته، كل واحد له مشكلة، إذا شعر الأخ أن إخوانه حوله يدًا واحدة يزداد ارتباطه بالإيمان.
 هذا الحديث هو المقرّر في هذا الدرس، والآن الصحابة الكرام تحدثنا عنهم خلال سنتين أو أكثر، وتحدثنا خلال عام عن التابعين الأجلاء، لكن إلى الآن ما تحدثنا عن الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم، سيدنا الصديق، و سيدنا عمر، وسيدنا عثمان و سيدنا علي، وخامس الخلفاء الراشدين سيدنا عمر بن عبد العزيز، والسادس يقولون: صلاح الدين الأيوبي، على كلٍّ نحن سنبدأ في هذه الدروس الحديث عن الأربعة الراشدين رضوان الله عليهم.
 سيدنا الصديق رضي الله عنه كان في تجارة في الشام، وقد مضى زمن طويل منذ غادر مكة إلى الشام، خطر في بال هذا لرجل العظيم ماذا جدَّ من أمور في مكة المكرمة، الشام تذهب بعيدا بعيد، و مكة تقبل حثيثا، هو الآن في طريق إلى مكة، و أخيرا تطل مشارف الوطن و عبير الأهل، وعند تلك المشار فكانت كوكبة من الناس تنتظر، لقد بصروا بالقافلة من فوق ذرى الجبل، فتنادوا و تجمعوا لاستقبالها، و كلما اقتربت القافلة من المنتظرين أحست منهم لغطا كثيرا و اضطرابا، تُرى ماذا حدث ؟ سيدنا الصديق كان بالشام، وفي طريق العودة شعر أن شيئا ما حدثَ حدث في مكة، فلما شارفت قافلته مشارف مكة شعر أن هناك لغطا وهناك حدثا كبيرا، والتقى القادمون و المستقبلون في عناق و مودة، و تعالت الأصوات بالجديد الغريب من الأنباء، ألا تعملون: إن قريشا منذ فارقتموها لا تنام الليل، ويح قريش، و لماذا لا تنام الليل، إن محمدا وضع الجمر على أنفها، الجمر، كيف، و ماذا جرى ؟ إنه يقول: إن الله أرسله لنعبده وحده ونذر آلهتنا، هذا حدث ضخم جدا بغياب سيدنا الصديق، وهمس واحد ممن تستهويه الفكاهة، دعه يحطِّمها، فطالما زاحمتنا في أكل الثريد و شرب اللبن، و اقترب من أبي بكر بعض من ذوي الأناة و أخذ يقص عليه النبأ في هدوء، وأبو بكر يغالب دموعه، يبكي فرحا بهذا النبأ، و كأنه يتوقعه، و كأنه ينتظره، ولدى مدخل مكة قابلتهم جماعة صغيرة يتقدمها أبو جهل، عمرو بن هشام، وتعانقوا جميعا، و بدأ أبو جهل الحديث، أو حدّثوك عن صاحبك يا عتيق ؟ سيدنا الصديق كان اسمه في الجاهلية عتيقا، أو حدّثوك عن صاحبك يا عتيق ؟ فقال أبو بكر: تعني محمدا الأمين ؟  قال أبو جهل: نعم، أعني يتيم بني هاشم، ودار حوار سريع بين الاثنين، أسمعت أنت ما يقول يا عمرو بن هشام ؟ قال: نعم سمعت، و سمعه الناس جميعا وماذا يقول ؟ يقول: إن في السماء إلها أرسله إلينا لنعبده ونذر ما كان يعبد آباؤنا، أو قال: إن الله أوحى إليه ؟ أو قال محمد لكم: إن الله أوحى إليه ؟ هو الآن يتلقى الأخبار لا من النبي الكريم، بل من الناس، قل: أجل، ألم يقل لكم كيف كلّمه ربُّه، قال: إن جبريل أتاه في غار حراء، و تألق وجه سيدنا الصديق كأنه الشمس، قد اختصته آنئذ بكل ضيائها وسناها، و قال في هدوء مجلجل هذه الكلمة: لو لم يكن له في حياته إلا هذه الكلمة لكفته، قال في هدوء مجلجل: إن كان قال فقد صدق، هكذا قال، و لم يلتق بعدُ بالنبيّ، جاء إلى مكة من بلاد الشام وفي الطريق التقى مع جماعات من قريش، قال: ودارت الأرض بأبي جهل، و تلعثمت خطواتُه، و كاد جسمه يتهاوى فوق ساقيه الهزيلتين، و تناقل الناس كلمة أبي بكر رضي الله عنه من واحد لآخر، حتى صار لهم بها دويٌّ كدوي النحل، إن كان قال فقد صدق، وقصد أبو بكر داره ليرى أهله و ينفض عنه وعثاء السفر، وبعدها يقضي الله أمرا كان مفعولا.
 الآن هذا الصحابي الجليل هو في داره و بين أهله، وهذه الكلمة الفذة التي قالها: " إن كان قال فقد صدق " هي العبارة المكينة الوضيئة التي سوف تشكِّل حياته كلها، وتجعل من صاحبها أستاذا للبشرية في فن الإيمان، إن موضوع الرسالة لم يكن جديدا على أبي بكر، فهو بكل ما معه من ذكاء و فطرة و منطق قد قلَّب كل وجوه النظر السديد في هذه القضية، وانتهى إلى أن الله لن يترك عباده حيارى، تفكيره السديد قاده إلى أن الله سبحانه و تعالى لن يترك عباده هكذا في ضلال حيارى، فلما جاء نبأ الرسالة تستبشر، وهو بكل مات معه من ذكاء و فطرة و منطق، كان خبيرا بالرجال، لقد اش مع محمد سنوات طوال، ورأى فيه النموذج الحي للإنسان الكامل، الله عز وجل يستحيل أن يدع عباده حيارى، وهذا الإنسان الكامل أهل لهذه الرسالة، وهكذا لم يكد يتلقى سمعُه النبأَ العظيم حتى كان إيمانه الذكي مهيّأ ليأخذ دوره من فوره، إن كان قال فقد صدق، هو ينتظر هذا الخبر، كـأنه مهيّأ لقبوله، كأنه ينتظره على أحر من الجمر، قال فيما بينه وبين نفسه: محمد ما أطهر هذا الاسم، وما أعظمه أربعون عاما عاشها بين الناس قبل أن يجيء هذا اليوم الذي اختير فيه أن يبلِّغ كلمة الله، أربعون كاملة لم يخن خلالها أمانة، ولم يزيِّف كلمة، و لم يكذب قط و لو مازحا، لم تأخذه عن الطهر نزوزة، ولا عن العظمة دنية، لم يُر قد إلا عظيما، وكفؤا لكل عظيم، منذ كان طفلا يدعو أترابه إلى مشاركتهم في اللعب فيلوي عطفه و يقول: لم أُخلق لهذا، كلما دعي النبي عليه الصلاة و السلام أن يلهو مع أترابه كان يقول: لم أُخلق لهذا، وقريش ما كانت هازلة و لا مجامِلة و لا متفضلة حين خلعت عليه لقب الأمين، بل كانت بهذا ترفع بقدر نفسه، و تباهي من حولها من قبائل العرب بهذا الي ارتفع في سِنّ مبكِّرة إلى أعلى مستويات الأمانة، لا أمانة المال وحده، و لا أمانة الودائع وحدها، بل الأمانة على كل ما في الحياة من قيم و مثُل و مستويات،و الآن يكذب محمد، مستحيل، إن كان قال فقد صدق، كل هذا الطهر، وكل هذه الأمانة، هذا الصدق، هذا للعفاف، هذه الرفعة، هذه العظمة، هذا الترفع عن الدنايا، و يكذب الآن، استنباط منطقي، إن قال هذا فقد صدق، قبل أن يلتقي به، عامله أربعين عاما.
 وبعد أن مكث مع أهله قليلا توجه إلى بيت سيدنا محمد، غادر أبو بكر داره إلى دار النبيّ عليه الصلاة و السلام تسبقه أشواقه، و كان عليه الصلاة و السلام مقيما في داره مع زوجته خديجة رضي الله عنها، خديجة التي كانت أول العالمين إسلاما معه و إيمانا، أول امرأة و طالما سمعت هي الأخرى من قريبها ورقة بن نوفل تراتيل الحنين غلى النبي المقبِل، ولقد عرفت محمدا زميلا لها في التجارة، عرفته بعلا و زوجا، فما رأت سلوكا أطهر و لا قلبا أكبر ولا عقلا أرجح، و لا صدقا أعظم مما رأت من محمد، من أجل هذا لم يكد النبيُّ عليه الصلاة و السلام يحدثها عن النعمة التي أفاءها الله عليه بالوحي حتى قالت من كل يقيبنها: صدقت يا محمد، ولقد اختارها الله على علم لتكون شريكة رسول الله صلى الله عليه و سلم حين يتنزل عليه الوحي بجلاله و أثقاله، وهيبته و رهبته، وكان مع خديجة فتىً ممشوقا هو عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه، و كان النبي صلوات الله عليه قد ضمّه إليه من عهد بعيد حين نزلت بعمِّه ضائقة، وبقي معه، فلما جاءه الوحيُ سارع هذا الفتى إلى الإيمان به، إذًا أول من آمن به خديجة، و بعدها سيدنا علي، سيدنا الصديق آمن به غيابيا، قرع أبو بكر الباب و نادى، و تألق بشر الحياة جميعه، على محيّا النبي عليه الصلاة و السلام، و قال مناديا خديجة: إنه عتيق يا خديجة، وسارع النبي عليه الصلاة و السلام إلى لقاء صاحبه، وجرى الحديث بينهما في مثل سرعة الضوء، قال أبوبكر: أصحيح ما أنبأني به القوم يا أخا العرب ؟ فأجاب النبي سائلا: وماذا أنبؤوك ؟ دقق في السؤال، قالوا: إن الله أرسلك إلينا لنعبده، و لا نشرك به شيئا، فقال النبي الكريم: وما ذا كان جوبك لهم يا عتيق ؟ قلت لهم: إن كان قال فقد صدق، وفاضت عينا النبي بالدموع غبطة و شكرا، وعانق صاحبه، و قبّل جبينه، و مضى يحدّث كيف جاءه الوحي في غار حراء قائلا:

﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)﴾

[سورة العلق]

  وخفض أبو بكر رأسه في خشوع وتقوى تحية لراية الله عز وجل التي ترتفع أمامه إلى أعلى السارية متمثلة في هذه الآيات المنزلة، ثم رفع رأسه و شدّ بكلتا يديه على يمين رسول الله صلى الله عليه و سلم و قال: أشهد أنك صادق أمين، أشهد أن لا إله إلا الله و أنك رسول الله، هذا أول عهد الإسلام.
النبي عليه الصلاة و السلام فرح بهذا الصدِّيق، لكن هذا الصدِّيق خرج من عند النبي وعاد إليه بعد هنينة و معه خمسة من أوائل أصحاب رسول الله، انظر إلى هذا النشاط، أسلم الرجل وفي زيارته التالية لرسول الله صلى الله عليه و سلم لم يمكن وحده، بل كان معه وفي صحبته خمسةٌ من أشراف قريش، أقنعهم أبو بكر بالإسلام، فجاءوا يبايعون النبيَّ صلى الله عليه و سلم، وهو عثمان بن عفان و الزبير بن العوام و عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص و طلحة بن عبيد الله، السيدة خديجة وسيدنا عليّ وسيدنا الصديق وسيدنا عثمان و الزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله.
 والنبي عليه الصلاة والسلام تحدث عن هذا الصدِّيق فقال: اسمعوا هذا الكلام، هذه أعظم شهادة، قال: ما لأحد علينا يد - أي نعمة - إلا و قد كافأناه بها، ما خلا أبا بكر، فإن له عندنا يكافئه الله بها يوم القيامة، أعظم عمل، وما نفعني مال أحد قط مثلما نفعني مال أبي بكر، وما عرضا الإسلام على أحد إلا كانت له كبوة - دأرة - عدا أبي بكر فإنه لم يتلعثم، إن قال هذا فقد صدق، هذا المثل، لذلك قال عليه الصلاة و السلام: تسابقت أنا وأبو بكر فكنا كهاتين، قال: ما ساءني قط فاحفظوا له ذلك...." عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ

((خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ عَاصِبٌ رَأْسَهُ بِخِرْقَةٍ فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ النَّاسِ أَحَدٌ أَمَنَّ عَلَيَّ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ مِنْ أَبِي بكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ النَّاسِ خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا وَلَكِنْ خُلَّةُ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ سُدُّوا عَنِّي كُلَّ خَوْخَةٍ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ غَيْرَ خَوْخَةِ أَبِي بَكْرٍ))

[رواه البخاري]

  باب في المسجد، هذا الإيمان، قال:

(( لو وزن إيمان الخلق مع إيمان أبي بكر لرجح))

 والله فعل المعجزات، إن شاء الله في الدروس القادمة المؤرخون الكبار يعدُّن هذا الصحابي الجليل المؤسِّس الثاني للإسلام، لولا مواقفه الإيمانية الرائعة لما كان الإسلام، هذا كله إن شاء الله في الدروس القادمة نتحدث عنه، و لكن هذه بدايات الإسلام، كان مسافرا، ثم عاد، قبل أن يلتقي بالنبي سمع الخبر، سيدنا رسول الله أول من عرض الإسلام السيدة خديجة، سيدنا علي، سيدنا الصديق، هؤلاء الصحابة الخمسة، فالإنسان يكون سبّاقا، و لا يكن متخلفا.
 الحمد لله رب العالمين، و أفضل الصلاة و أتم التسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم ارفعنا بالعلم و زينا بالحلم و أكرمنا بالتقوى و جمِّلنا بالعافية، وطهر قلوبنا من النفاق، وأعمالنا من الرياء و ألسنتنا من الكذب و أعيننا من الخيانة، فإنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، اللهم اجعل جمعنا هذا جمعا مباركا مرحوما، واجعل تفرقنا من بعده تفرقا معصوما، ولا تجعل فينا ولا منا و لا معنا شقيا و لا محروما، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله و صحبه وسلم