بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

فقه السيرة النبوية - الدرس : 53 - الأسس التي رسخها النبي في الاقتصاد الإسلامي


2007-04-28

أيها الإخوة الكرام، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية، ولا زلنا في المدينة المنورة، ولا يزال النبي عليه الصلاة والسلام يرسخ الأسس، أسس العلاقات الاجتماعية، أسس التعليم.
وقد بدأنا في اللقاء السابق بالأساس الاقتصادي، وكان الشرح حول تنمية الموارد ووضع العلاقات.

الأسس التي بنى عليها النبي عليه الصلاة والسلام الاقتصاد الإسلامي:

أما إذا أردنا أن نقف وقفة متأنية عند الأسس التي رسخها النبي عليه الصلاة والسلام للاقتصاد الإسلامي فهناك نقاط لا بد من الحديث عنها.

الأساس الأول: الاقتصاد من الدين:

أول نقطة: الاقتصاد من الدين، وتنظيم العلاقة بين المسلمين الاقتصادية من الدين، والتعليم من الدين، وإصلاح الشؤون الحياتية من الدين، وتأمين حاجات الإنسان من الدين.
أنا لا أصدق أن الدين فُهم فهماً كهنوتياً، ولم يفهم فهماً حياتياً، هذا سيد الخلق وحبيب الحق، هذا الإنسان الأول فهم الدين عملاً وتعاوناً، أن يرى شاباً يتعبد ربه وقت العمل، فيسأله النبي عليه الصلاة والسلام: من يطعمك ؟ قال: أخي، قال: أخوك أعبد منك، أمسك بيد أحد أصحابه، وكانت خشنة من العمل، رفعها وقال لأصحابه: هذه اليد يحبها الله ورسوله.
رأى النبي وكان مع أصحابه شاباً ينطلق من بيته إلى عمله فقال بعض أصحابه: لو كان هذا في سبيل الله، فقال:

(( من سعى على أهله فهو في سبيل الله، من سعى على أولاده فهو في سبيل الله ))

( ورد في الأثر )

النبي الكريم أعطى الدين مفهوما واسعا جداً، وأنت في دكانك تبيع المسلمين بالصدق والأمانة، تعطيهم سلعة جيدة، بسعر معتدل، أنت في عبادة.
وأنت في عيادتك تعالج المرضى بإخلاص وإتقان، واعتدال في الأجر، فأنت في عبادة.
الخضراوات جيدة
وأنت في حقلك تسهم في تخفيف المتاعب عن الأمة، تقدم لهم الإنتاج الزراعي بشكل جيد، دون أن يؤذيهم بمواد ممنوع استيرادها، فأنت في عبادة.
حينما تفهم الإسلام هو الحياة ترى أن الاقتصاد جزء من الدين، وحينما انفصلت الحياة عند المسلمين عن الدين فصار الدين عبادات فقط، والحياة لها مجال آخر، والمسلمون ابتعدوا عن هذا الفهم الصحيح فضعفوا، ولما ضعفوا تسلط عليهم الأعداء.
وكنت أقول دائماً: لا يمكن أن يحترم دينك إلا إذا تفوقت في دنياك، مسلم لا عمل له، متواكل، يمد يده، يتضعضع أمام غني، أهذا هو المسلم ؟! النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى ))

( البخاري عن حكيم بن حزام )

يجب أن أؤكد لكم الحقيقة: الاقتصاد من الدين، أن تفتح محلاً تجارياً، تكسب المال الحلال، تدفع زكاة مالك، تعين الفقراء والمساكين، تربي أولادك، تقدم لهم حاجتهم ، لأنه كما قال بعض أصحاب رسول الله: << حبذا المال أصون به عرضي، وأتقرب به إلى ربي >>.
فالعمل جزء من الدين، ويمكن أن يكون عملك كذلك فقط إذا كان في الأصل مشروعاً، وسلكت به الطرق المشروعة، وخدمت المسلمين، ولم تكذب عليهم، ولم تغشهم، ولم تسوف، ولم تماطل، وأتقنت عملك، يمكن أن يكون عملك سبباً كافياً لدخول الجنة.
وكلما تقدم المسلمون، وقوي المسلمون، واكتفى المسلمون قوي الإسلام، أما كان المسلمون ضعفاء، يستوردون كل شيء، ولا يصنعون شيئاً، ولا يصدرون شيئاً، وهم تحت رحمة الدول القوية والغنية، أكلهم يستورد، وثيابهم تستورد، وأدواتهم تستورد، ولا يبيعونهم السلاح، هم إذاً تحت حكم أعداءهم، أليس كذلك ؟.
لذلك سيدنا عمر مر ببلدة فوجئ معظم الفعاليات الاقتصادية فيها من غير المسلمين، عنفهم، بل وبّخهم، فقالوا كما يقول الأغنياء الكسالى: إن الله سخرهم لنا، والله قال قولة لا أرتوي من تكرارها، قال لهم: << كيف بكم إذا أصبحتم عبيداً عندهم ؟ >>، لأن القوي هو المنتج، والمستهلك ضعيف.
أنت تشتري سيارة، يتعطل فيها شيء، يقول لك: ثمنه ألف ليرة، حاضر ، خمسة آلاف، حاضر، عشرة آلاف، حاضر، أربعون ألفا، حاضر، 150 ألف، حاضر، هذا اسمه عقد إذعان، باعوا لنا طائرة تعمير المحرك خمسة ملايين دولار، أربع محركات بعشرين مليونا، مليار ليرة، كم طنا من القمح هذه ؟ أو من القطن، كم إرسالية ملابس تصدير، لما ملكوا العلم ملكونا، لا تستطيع، أنا أتكلم من واقع، المسلم يعيش سبهللا، كله شغل سيدك، ماذا نريد، هذه هي الدنيا كلها ؟ نحن أملنا بالآخرة، لا الدنيا ولا الآخرة لك، يجب أن تعمل، أن تكون قويا، أول طبيب، أول مدرس، أول محام، أو مهندس، أول تاجر، أول صانع، تجد إخواننا صناعيين، عنده ألف عامل، فتح ألف بيت، لا تكن خمولا، ما هذا الموقف الانهزامي ؟! اعمل، خذ شهادة عليا، خذ الدكتوراه، افتح محلا، أتقن عملك، طور صناعتك، إن لم نفعل هذا فمصيرنا ليس بأيدينا، هذه كلمة دقيقة جداً، يجب أن تكون من النخبة، طالب ؟ الأول، طبيب ؟ الأول، ولا أكتمكم مهما ضاقت الأمور، مهما كسدت الأسواق، مهما انتشت البطالة، المتقن دخله كبير بأي وقت، وبأي مكان، وبأي زمان، المتقن، المتقن لا يتوقف عن العمل، يكون مئة إنسان يحترف حرفة، أحيانا يحدث كساد، تسعون بالمئة لا عمل لهم، أما العشرة المتقنون فمحجوزون لستة أشهر قادمة.
إتقان العمل

(( إن الله تعالى يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه ))

( رواه البيهقي عن عائشة )

أنا والله أحترم جميع المسلمين، وأكبرهم والله، أما حينما أرى إنسانا متفوقا يقدم لمن حوله الخيرات فهو ناجح بعمله.
حدثني أخ عامل بشركة برمجية، قال رقما أنا صعب أصدقه من أرباحه بالسنة، ويعيّن مئة عامل تقريباً، كل واحد دخله كبير، يحل مشاكل مئة إنسان، مئة شاب مؤمن، هذا المسلم.
الغرب ملكوا الدنيا وملكونا معهم ، ملكوا الدنيا، وتحكموا برقابنا، ملكوا الدنيا، وفرضوا علينا ثقافتهم، ملكوا الدنيا، وفرضوا علينا صحونهم، ملكوا الدنيا، وأفسدوا أخلاق أهلنا وأولادنا، ملكوا الدنيا، وسخرونا لمصالحهم من التقصير، أنا تأثرت لهذه الكلمة، الاقتصاد من الدين.
أيها الإخوة، مرة ثانية: لن يحترم دينك إن لم تتفوق في دنياك، في بلد إسلامي الاتجاه المناقض للإسلام قوي، فلما أراد أن يقمع الاتجاه الإسلامي فوجئ أن 60 % من الاقتصاد بأيدي المسلمين، فتهيبوا، وقفوا، لا تكن ضعيفاً، كن قوياً، ضمن القوانين والأنظمة، أما إهمال، عدم تطوير عمل، إرجاء، تسويف، عدم إتقان، عدم إحكام الخطة فلا، لأن العمل جزء لا يتجزأ من الدين.

الأساس الثاني: الحلال والحرام وفق التشريع الإسلامي:

الحلال والحرام
اعمل بالحلال، الحرام اركله بقدمك، الحرام قل له: الله الغني، الحرام لو كان بالملايين، اركله بقدمك، وخمسة آلاف ليرة بالشهر من حلال يبارك الله لك بها.

 

(( طلب الحلال فريضة بعد الفريضة ))

 

( رواه الطبراني عن ابن مسعود )

بالدراسة الأول، محلك التجاري نظيف مرتب، المواد درجة أولى، سعر معتدل واصل للبيت، دوام محدد، تجد تألقت.
صدقوا أيها الإخوة بعضكم شباب، بأي وضع، بأي ظرف، إن أتقنت العمل تفوقت، وربحت.
أحياناً نجد شركة أتقنت جداً أول فرع، ثاني فرع، ثالث فرع، رابع فرع خامس فرع، بالشام، لماذا ؟ فيها إتقان، دائماً وأبداً المتقن دخله كبير جداً.

اجعلْ همَّك خدمةَ المسلمين:

لي طلاب أطباء، قلت لهم مرة، طبعاً الطبيب وغير الطبيب، لكن الطبيب بالذات: ضع المال تحت قدمك تربحه، اجعله هدفك تخسره، همتك أن تشفي هذا الإنسان، ولا تعبأ بالمال، يتألق نجمك، ويتهافت الناس عليك، فتغدو غنياً، أما إذا ابتززت أموالهم، ولم تنصحهم في معالجتهم، واكتشفوا كذلك انصرفوا عنك.
في شيء دقيق: اجعل همك خدمة المسلمين، اجعل همك أن تقدم شيئاً ثميناً اجعل همك أن تكون قوياً.
دققوا في كلام النبي، نحن أحياناً ننسى أن هذا الكلام كلام مقدس لكن لا نطبقه لمَ يقول عليه الصلاة والسلام:

(( المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأحَبُّ إلى اللَّهِ تَعالى مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ ))

(رواه مسلم عن أبي هُريرة رضي اللّه عنه )

قوي بالمال، قوي بالعلم، متفوق، قوي احتل مركز قوي، بتوقيع يحل مشكلة.
فلذلك الانسحاب من الحياة، والتقوقع، وقولك: الشهادة لا يخرج منها شيء، وهي يخرج منها كل شيء، فلان دكتور، فلان متخصص، أما لا شهادة، ولا علم، ولا عمل حر، عالة على الناس، ومن محل لمحل، وقلبه من الله، ويحب الله كثير، وبالذكر يذوب، ويبكي، وجوعان، لا، اعمل، ادرس، خذ شهادة، أتقن عملا، اكسب مالا، تزوج، أنجب أولادا، احضر مجلس علم، طبق، إن نجحت في حياتك يُنتظر أن تنجح في دينك أيضاً.
لذلك الحلال والحرام من شأن الله وحده، لذلك الحرام مهما يكن بحجم كبير فاركله بقدمك، والحلال تشبث به.
سيدنا الصديق يوم تولى الخلافة، حمل القماش على كتفه ليكسب رزق يومه من البيع والشراء، حتى منعه الصحابة الكرام من ذلك، وأعطوه حاجته.
والله مرة أحد إخواننا طالب طب في الصف الثالث، يقول: لي إن أخاه ينفق عليه، أخوه يعمل في صنع الثريات، يعمل، وينفق على أمه وأخيه الصغير، وعلى أخيه الطبيب في الجامعة، أقسم لكم بالله شعرت أن هذا الذي يعمل في الثريات، ولا يضع جانب اسمه د. دكتور، عامل ثريات، لكنه ينفق على أمه وأخيه الصغير، ويغطي نفقات أخيه الطبيب بالجامعة، قلت له: أخوك قلامة ظفره تساوي مئة واحد.
قال له: من يطعمك ؟ قال له: أخي، قال له: أخوك اعبد منك.
من ألمي أن أري المسلمين فقراء جداً، وبعيدين عن مراكز القوة، ويُخطط لهم، ويُستغلون، ووضعهم بائس.
لذلك:

((من جلس إلى غني وتضعضع له ذهب ثلثا دينه ))

(ورد بالأثر )

يعني تمسكن،

(( ذهب ثلثا دينه ))
(( اطلبوا الحوائج بعزة الأنفس ؛ فإن الأمور تجري بالمقادير ))

( أخرجه ابن عساكر عن عبد الله بن بسر )

لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه، المؤمن عزيز، والعمل شرف للإنسان.
أحياناً أرى أخا يعمل في السيارات، تزوره في أثناء العمل تجده لابسًا ثيابًا متبذلة، لا تعرف لونها، كانت زرقاء بزمانها، من الشحم والزيت والوحل ما لها لون أساساً، وعمله بالميكانيك والزيت، يأتي إلى بيته مساء فيغتسل، ويلبس ثيابا أخرى، انتهى، العمل وسام شرف.
هذه كلمة دقيقة: لا تفهم الدين فهما كهنوتيا، افهمه فهما واقعيا، فهما حياتيا، الدين هو الحياة، لذلك أنا أتمنى يكون المهندس داعية، والطبيب داعية، والمعلوماتي داعية، أتمنى يكون لك حرفة متقنة تتفوق بها، وتكون داعية، أما أن تتفرغ للدعوة، ولا معك قرش، لا تتقن صنعة، ولا عملا، ولا أحد يعطيك، تريد أن تحترم الغني زيادة، فتبذل ماء وجهك أمامه، كلما رأيت قويا تنبطح أمامه، لا، اعمل، ارفع رأسك، متى هونت علينا ديننا ؟.

الأساس الثالث: الاستثمار:

الاستثمار فريضة ألزم الله فيها عباده لتحقيق حاجاتهم، وهو الذي سخر لعباده ما في البر والبحر، ما الحكمة أنه إذا معك مليون ليرة وزكاتها 25 ألفا ؟ أربع سنوات مئة ألف، عشرة أضعاف، في أربعين سنة انتهى، إذا كنزت مليون ليرة تنتهي في أربعين سنة تأكلها الزكاة، الحكمة من فريضة الزكاة على المال المخزن أنك إذا خزنته فقدته، يجب أن تستثمره.
الحلال والحرام
مثلاً: سكن رجل في بيت، بيت والده، والده اشترى بيتا من قديم الزمان بمبلغ صغير، بأحياء دمشق الراقية، الآن ثمنه 30 مليونا، يبقى فيه، 30 مليون تحل مئة مشكلة، خذ بيتا بخمسة ملايين، واعمل شركة، ووظف ناسا، واربح، واشترِ بيت ثانيا، تجد التصرف عجيبا، سكونيا، على القديم، غيّر، طوّر، إلى أن تشعر أنك قدمت شيئًا.
أريد منكم هذا السؤال، من حين لآخر اسأل نفسك هذا السؤال، ماذا قدمت لهذه الأمة ؟ هل حملت همّ هذه الأمة ؟ هل أسهمت في تخفيف آلام هذه الأمة ؟ أحياناً تنشئ مزرعة تفاح، ينزل التفاح إلى السوق بسعر مقبول، أمّنت فاكهة جيدة، بسعر أقل، نوعية جيدة، ما مِن إنسان يعمل إلا ويقدم للمجتمع خير، أما الذي لا يعمل فهو عبئ على الآخرين.
أنا كنت أقول دائما: حولي أناس، إما أنني أحملهم، أو هم يحملون الدعوة، والفرق كبير جداً بين من يحمل معك، وبين من ينبغي أن تحمله، فكن عبد الله المعطي، ولا تكن عبد الله الآخذ.

الأساس الرابع: الصدق وعدم الغشِّ والاحتيالِ والابتزازِ:

ليس في النظام الاقتصادي الإسلامي كذب وغش واحتيال.

(( إن أطيب الكسب كسب التجار الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، وإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا، وإذا اشتروا لم يذموا، وإذا باعوا لم يطروا، وإذا كان عليهم لم يمطلوا، وإذا كان لهم لم يعسروا ))

( ورد في الأثر )

الصدق وعدم الغش
لما تكسب مالك الحلال من طريق مشروع يمكن أن يكون النفع لكل الناس، لا احتكار، ولا غش، ولا تدلس، ولا إيهام، ولا غبن، إذا ألغيت معاصي البيع والشراء تهبط الأسعار، الأسعار يحددها قانون العرض والطلب، لمجرد أن تلغى المعاصي يكون السعر الطبيعي المقبول، وهذا شأن اقتصاد السوق أحياناً، البضاعة موجودة بحسب الطلب عليها، ما دامت موجودة فسعرها معتدل، أما حينما تُحتكر تُسحب من الأسواق يشتد الطلب عليها فيتضاعف السعر، هذا مال حرام، واحتكار، والمحتكر خاطئ.
فنحن اقتصادنا فيه ممنوعات، لو ابتعدنا عن هذه الممنوعات يكون العرض والطلب وحده كافياً لاستقرار الأسعار ولاعتدالها، ولهبوطها.

 

المكاسب المحرمة أساسها منفعة بنيت على مضرة:

 

وأتمنى أن أوضح لكم: أن المكاسب المحرمة أساسها منفعة بنيت على مضرة وأن المكاسب المحللة الأصل فيها منفعة متبادلة، إنسان في معه مال، لكن لا يحسن استثماره، موظف، أو متقاعد، أو شاب ناشئ ورث عن أهله مالاً، وهناك إنسان معه خبرة ولا مال معه، عنده خبرة عالية جداً، لكن بغير مال، لو تعاون صاحب المال مع صاحب الخبرة على ربح بينهما، واحد قدم لك خمسة ملايين، وأنت أسّستَ محلا تجاريا، أنت مهندس زراعي، بعت مواد زراعية، أنت خبير، معك شهادة، لذلك المضاربة، والمتاجرة، والاستثمار من أحلّ الدخول، لأنه في الأصل منفعة متبادلة، أما الكسب الحرام فمنفعة بنيت على مضرة، أنت احتكرت مادة ضاعفت سعرها أربعة أضعاف، ولا إنسان يحاسبك، الآن في بعض الأدوية الزراعية دواء منتشر بالبلد، وكيله واحد، لا يمكن أن يعطي الوكالة لأحد، يتفق مع الشركة، يقول لك اللتر بـ500 ليرة، 700 ـ 700، 1000 ـ 1000، نقدي محتكر.
لذلك العالم الغربي لا يسمح لاختراع أن يُحتكر من جهة واحدة، الاختراع يجب أن يُباع إلى شركتين، حتى يتنافسوا، والتنافس لصالح من ؟ لصالح المستهلك.
لذلك مجتمع التنافس رائع جداً، مجتمع الاحتكار قاسٍ جداً، نحن بعقلية مهترئة سقيمة نحب اقتصاد الاحتكار، يقول لك: هذه محصورة فيّ، هذه الشركة لي، لا، الاحتكار قد يسبب أرباح فلكية لفئة قليلة على حساب الكثرة الكثيرة.
لذلك الإسلام حقق العدالة في توزيع الثروة، وتحقيق التعامل والتكافل بين أفراد المتجمع الواحد، ومع المنافسة لصالح من ؟ المستهلك، هذا علبة الصابون معها عرض، معها علبة صغيرة، هذه البضاعة معها عرض ثان، لما يكون التنافس من يقطف ثمار هذا التنافس ؟ المستهلك، إذا كان الاحتكار يصبح المستهلك مستهلكاً، يستهلك المستهلك فالمحتكر ملعون، والمحتكر خاطئ.
الاقتصاد عصب الحياة، وإذا أحرزت النفس قوتها اطمأنت.

يجب أن تنجح في جميع مجالات الحياة الشخصية والاجتماعية:

أقول لكم هذه الكلمة الأخيرة: ما من نجاح جزئي، تنجح بعملك، ولا تنجح في بيتك، ليس هذا نجاحاً، تنجح بعملك وبيتك، وما تنجح مع ربك، ليس هذا بنجاح، تنجح مع ربك، صائم، مصل، عابد، مستقيم، لكن ما في يدك لا مصلحة، ولا عمل، ولا وظيفة، ولا شهادة، بل أنت عالة على الآخرين، ليس هذا نجاحاً، لا بد من أن تنجح في كل شؤون حياتك، أبرز هذه الشؤون علاقتك بربك، تعرفه، تطبق منهجه، تقيم أوامره، يراك حيث أمرك، ويفتقدك حيث نهاك، وأن تنجح مع أهلك.
هناك أشخاص ناجحون جداً، لكنهم مخفقون جداً مع زوجاتهم وأولادهم، يجب أن تنجح مع زوجتك وأولادك، يجب أن تنجح مع صحتك، طبق تعليمات.
صدقوا أيها الإخوة، الدول النامية نفقات المعالجة مئة ضعف، من ضعف الوعي، يحب الملح، ويكثر منه، فيرتفع ضغطه، الضغط ما له أعراض، فجأة خثره بالدماغ فشُل، ليس هناك جهاز ضغط في البيت أساساً، والقاتل الصامت هو الضغط.
الحياة تحتاج إلى وعي، إلى إدراك،

(( المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأحَبُّ إلى اللَّهِ تَعالى مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ ))

يجب أن تنجح مع ربك، ويجب أن تنجح مع أهلك، ويجب أن تنجح مع جسمك ويجب أن تنجح في عملك، وما لم تحقق النجاح في العمل وفي الصحة، ومع الأهل، ومع الله لا يعد نجاحاً.
يسافر الرجل إلى بلد نفطي، فيأتي معه بثمن بيتين، لكن تفلت أولاده، عاشوا في الطرقات مع رفقاء السوء، الأم عند الجيران، والأولاد مع رفقائهم، لا صلاة، ولا صوم، وانحراف، والزوجة تغلط، هذا نجاح رافقه انهيار أسرة.
أؤكد لكم هذا المعنى: النجاح الحقيقي نجاح شمولي، مع الله، ومع أهلك وأولادك، ومع عملك، ومع جسمك، لا تقطف ثمار النجاح إلا إذا كان شمولياً، لا تعد ناجحاً إلا إذا كان نجاحك شمولياً، هذا ما أؤمن به.
الصحابة تفوقوا، كانوا رهباناً في الليل، فرساناً في النهار، تفوقوا، كان عليه الصلاة والسلام قبل أن ينتقل إلى الرفيق الأعلى نظر إليهم فابتسم، حتى رئيت نواجذه قال:

(( حكماء علماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء ))

( ورد في الأثر )


المؤمن شخصية فذة، يحيرك بعلمه، بأخلاقه، بجمالياته، أنيق، بيته مرتب، فقير لكن أنيق، ثيابه مرتبة، مواعيده دقيقة، حساباته منتظمة، ثقافته واسعة، بيته منتظم، ناجح مع زوجته، مع أولاده، هذا المؤمن.

ليس هناك مؤمن يعيش سهللا:

﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً

( سورة الكهف ).

الإيمان مرتبة علمية وجمالية وذوقية:

لا حسابات مضبوطة، ولا مواعيد مضبوطة، ولا بيت منضبط، ولا عمل متقن، وهو يحب الله ! هذا النموذج مرفوض، يجب أن تكون شخصية فذة، الإيمان مرتبة علمية.
" ما اتخذ الله من ولي جاهل ولو اتخذه لعلمه ".
الإيمان مرتبة أخلاقية، إذا حدثك فهو صادق، عاملك فهو أمين، استثيرت شهوته فهو عفيف، الإيمان مرتبة جمالية، عنده مسحة جمالية في حياته، أذواقه عالية جداً، حتى يكون جذابا من أجل أن تحب الإيمان، تجد شخصا لئيما، خبيثا، منحرفا، لكنه أنيق، بذلته رائعة جداً، معطر، شعره منتظم، أو تجد رجلا طيب الخُلق، ولكن لا يعجبك، يعجبك الجل بقدر ما تحترمه، بقدر ما تحبه، تحبه لكماله، وتحترمه لتفوقه.
إخواننا الكرام، الآن نحن أمام مشكلة كبيرة، ما لم نتفوق فلا يحترم ديننا، والشيء بأيدينا، والحياة واحدة تفوق بها، واكسب دنياك وأخراك.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018