بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس (24-57) : بيعة العقبة الأولى ـ الاعتناء بأولادنا

2005-12-26

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
أيها الإخوة الكرام، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية، وقد بينت لكم من قبل أن السنة النبوية تعني أقوال النبي صلى الله عليه وسلم، وأفعاله، وإقراره، فقد عصمه الله عن أن يخطئ في أقواله، وفي أفعاله، وفي إقراره، لذاك قال الله عز وجل:

﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾

( سورة الحشر الآية: 7 ).

سيرة النبي تطبيق لما جاء به

ميزة سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الحق الذي جاء به مطبق من الناحية العملية، وحقيقة ما جاء به النبي كان قدوة لنا في تطبيقها، والمثُل العليا لا تعيش إلا بالمثُل الأعلى، والقيم لا تعيش إلا بواقع تطبق فيه، فلذلك تأخذ السيرة النبوية بعداً خاصاً حينما نجد أن المثالية التي جاء بها النبي عليه الصلاة والسلام، ودعا إليها طبقها في حياته، وصح أن نقول: هي المثالية الواقعية، أو الواقعية المثالية .

بيعة العقبة الأولى

تعريف البيعة:

ننتقل في هذا الدرس إلى فقرة من السيرة النبوية، وهي بيعة العقبة الأولى.
البيعة مأخوذة من البيع، والبيع والشراء أوسع نشاط بشري على الإطلاق، بل إن الله جل جلاله جعل الإيمان به وطاعته، والعمل الصالح تجارة، والتجارة قوامها البيع والشراء.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾

( سورة الصف ).

ذلك لأن البيع والشراء أوسع نشاط بشري على الإطلاق، فأنت كإنسان لا بد من أن تشتري لتجلب مصالحك ومنافعك، وقد تلتهن البيع.
أيها الإخوة الكرام، لا بد من آية مناسبة جداً للبيع والشراء، قال تعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ﴾

( سورة التوبة الآية: 111).

هناك مشترٍ، وهناك بائع، وهناك ثمن، المؤمنون باعوا أنفسهم وأموالهم في سبيل الله، والمشتري هو الله، والثمن هو الجنة،

﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ﴾

نعم البيعة
أيها الإخوة، أحياناً يدخل في معنى البيع والشراء القرض، قال تعالى:

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَة ﴾


( سورة البقرة الآية: 245 ).

أيّ عمل صالح تفعله موجه إلى إنسان، أو إلى مخلوق كائنًا من كان فهو قرض حسن لله عز وجل، وسيعوضه عليك أضعافاً مضاعفة يوم القيامة،

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً ﴾

وأحياناً يأتي البيان الإلهي متماشياً مع طبيعة الإنسان، فالإنسان يطمئن بالكتابة، ولا يطمئن بعقد شفهي، إذا كان العقد موثقاً مكتوباً، معه وصل، معه سند، العقد مسجل عند كاتب العدل، ترتاح نفسه، لذلك الله عز وجل يقول:

﴿ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ﴾

( سورة المجادلة الآية: 21 ).

ربنا عز وجل كتب على نفسه الرحمة، كي نطمئن أن الوعد الإلهي وعد محقق، وكأنه عندكم أيها البشر مكتوب.

لقاء العقبة الأولى

ورد في السيرة النبوية أن في السنة التالية للقاء النبي صلى الله عليه وسلم مع وفد الخزرج، وقد تحدثت عنه في درس سابق، في السنة التالية للقاء النبي صلى الله عليه وسلم مع وفد الخزرج جرت البيعة الأولى، ومن منا يتصور أن النبي صلى الله عليه وسلم كان وحده، أسلمت معه خديجة زوجته، وابن عمه علي بن أبي طالب، الذي كان طفلاً صغيراً ، وصديقه الحميم أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وعدد قليل يعدّ على أصابع اليد من أصحاب رسول الله، من منا يصدق أنه بعد 1400 عام وزيادة المسلمون يعدون مليار وثلاثمئة مليون.

﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ﴾

( سورة إبراهيم الآيات: 23 ـ 24 ).

أيها الإخوة الكرام، مادام الحديث عن بيعة العقبة، وعن هذه الدعوة الفتية التي حمل لواءها النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أثنى الله عليه حينما قال:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً ﴾

( سورة الأحزاب ).

ولا تنسوا أن الله سبحانه وتعالى حينما قال:

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

( سورة فصلت ).

أي لم تجد على وجه الأرض إنساناً أفضل،

﴿ مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

وكل من اهتدى بدعوته، وكل من خشع قلبه لدعوته، وكل من تاب بسبب دعوته، وكل من اصطلح مع الله بسبب دعوته، كل أعماله، وأعمال ذريته وإلى يوم القيامة في صحيفته، لذلك:

(( يا علي لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس ))

[الجامع الصغير عن أبي رافع]

الرواية الأولى:

(( وَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِداً خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ ))

[ رواه البخاري ومسلم، عن سهل بن سعدٍ رضي اللّه عنه ].

الرواية الثانية:

(( أن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من الدنيا وما فيها ))

[ أخرجه أحمد من حديث معاذ وفي الصحيحين من حديث سهل بن سعد ].

الرواية الثالثة:

(( يا علي لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس ))

[الجامع الصغير عن أبي رافع]

لذلك ما دمنا في الحديث عن بيعة العقبة، وما دمنا في الحديث عن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم التي طارت في الآفاق حتى وصلت إلى مشارف الصين شرقاً، وإلى مشارف باريس غرباً، ما دام الحديث عن هذه الدعوة فيجب أن أعلمكم، وهذه أمانة التبيين أن الدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم، ولولا الدليل لقال من شاء ما شاء، طالبوني بالدليل، ولا تقبلوا شيئاً من دون دليل، ولا ترفضوا شيئاً من دون دليل، الدليل أن الله سبحانه وتعالى حينما قال:

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

( سورة العصر ).

التواصي بالحق ربع أركان النجاة، أي أن الإنسان لا ينجو إلا إذا آمن بالله ، وعمل صالحاً، وتواصى بالحق، وتواصى بالصبر، فلا ينجو الإنسان إلا إذا بحث عن الحق، ثم عمل به، ثم دعا إليه، ثم صبر على البحث عنه، ثم العمل به، والدعوة إليه، هذا الدليل الأول.
والدليل الثاني:

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾

( سورة يوسف الآية: 108 ).

فأي متبع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ينبغي أن يدعو إلى الله، ومن لم يتبع رسول الله فإنه لا يحب الله، والدليل:

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 31 ).

إذاً الدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم، ولكن دعوة فرض العين محدودة ، أي في حدود ما تعلم، ومع من تعرف، حضرت درس علم، استوعبت منه شرح آية ينبغي أن تنقلها إلى الناس، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:

(( بلِّغوا عني ولو آية ))

[ رواه البخاري والترمذي وأحمد في مسنده عن ابن عمرو ].

استمعت إلى خطبة، لك أخت، ولك أصهار، ولك شريك، ولك زميل، ولك جار، ولك صديق، ولك سهرة كل ثلاثاء، ماذا تقول في هذه اللقاءات ؟
الدعوة إلى الله فرض على كل مسلم
إخواننا الكرام، أعرض عليكم عرضًا، احرص أن تحضر خطبة لخطيب تثق بعلمه، وتثق بورعه، وخذ منه شيئاً في هذه الخطبة، واجعل هذا الشيء الذي نقلته عنه موضوع حديثك مع من يلوذ بك طوال الأسبوع، لذلك ورد في بعض الأحاديث:

(( أمرني ربي بتسع، خشية الله في السر والعلانية، كلمة العدل في الغضب والرضا، القصد في الفقر والغنى، وأن أصل من قطعني، وأن أعفو عمن ظلمني، وأن أعطي من حرمني، وأن يكون صمتي فكراً، ونطقي ذكراً، ونظري عبرة ))

[التبريزي في مشكاة المصابيح عن أبي هريرة]

إن صمت فأنت تفكر في آلاء الله، وإن نطقت فأنت تذكر الله عز وجل،

(( وأن يكون صمتي فكراً، ونطقي ذكراً، ونظري عبرة ))

أسوق لكم هذه الحقائق، لأن بيعة العقبة الأولى بيعة متواضعة جداً، وبيعة العقبة الثانية بيعة أوسع شمولاً، ومن خلال هاتين البيعتين انتقل المسلمون من بلد قمعوا فيه، واضطهدوا، وكذبوا، ونكل الكفار بهم إلى بلد آمن كان منطلقاً إلى بلد إسلامي نشر الحق في الآفاق، لذلك قالوا: كن لما لا ترجو أرجى منك لما ترجو، كيف ؟
سيدنا موسى، وهو مع أهله أراد أن يقتبس ناراً:

﴿ لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (10) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى ﴾

( سورة طه ).

ناجاه الله عز وجل، هو أراد أن يقتبس قبساً من نار كي يتدفأ أهله بها، فإذا بخالق السماوات والأرض يناجيه:

﴿ إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي *إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى * فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى ﴾

( سورة طه ).

أيها الإخوة، أنا أدعوكم من خلال هذه السيرة النبوية، ومن خلال هذه الأحداث المشجعة دعوة إسلامية عمّت الآفاق، بدأت من بيعتين متواضعتين من عدد لا يزيد على أصابع اليد، وكان بعدها الإسلام كما ترون.
في السنة الثانية من لقاء النبي مع وفد الخزرج جرت بيعة العقبة الأولى، فقد حضر 12 رجلاً، 10 منهم من الخزرج، واثنان من الأوس، مما يشير إلى أن نشاط الرجال الذين أسلموا من الرجال في السنة السابقة قد تركز ضمن قبيلتهم، ما معنى هذا الكلام ؟ حينما يقول الله عز وجل:

﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾

( سورة الشعراء ).

الحكمة من بدء الدعوة بالأقربين

لماذا أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يبدأ بعشيرته الأقربين ؟ هل تعلمون لماذا ؟ لأن الحواجز بين الإنسان وغيره ليست موجودة بين القريب والقريب، مثلاً:
لو أنك تمشي في الطريق، وأنت متوجه إلى درس في هذا المسجد، هل تستطيع أن تقول لإنسان يمشي إلى جانبك: تعال امشِ معي إلى هذا الدرس، يخاف منك، يقول لك: ما الدرس ؟ من يحضر هذا الدرس ؟ من يلقي هذا الدرس ؟ أما إذا نظرت إلى صهرك، أو إلى أخيك، أو إلى ابن عمك، لا يخاف منك، لا يتوقع شيئاً غير متوقع، لذلك هذا منهج ،

﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾

أنت لك أولاد، لك إخوة، لك أولاد عم، لك أولاد خال لك أولاد خالة، لك جيران، لك أصدقاء، لك زملاء في العمل، هؤلاء تعرفهم، ويعرفونك، وتثق بهم، ويثقون بك، هؤلاء خاصة نفسك.
الرجال الذين التقى بهم النبي عليه الصلاة والسلام ركزوا دعوتهم على قومهم، لذلك أيها الإخوة ورد في بعض الأحاديث الصحيحة أنْ:

(( إِذَا رَأَيْتَ شُحّا مُطَاعاً ))

[أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه ابن ماجه ].

مادية مقيتة، يبيع الإنسان دينه بعرض من الدنيا قليل، يحلف البائع أحياناً بربه، وبنبيه، وبالأمانة، وبالكعبة، أن ثمن شراء هذه السلعة أعلى مما دفع المشتري، والحقيقة ليست كذلك، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل، لذلك:

(( إِذَا رَأَيْتَ شُحّا مُطَاعاً، وَهَوًى مُتّبَعاً ))

الشح المطاع المال، وفي آخر الزمان يبيع الرجل دينه بعرض من الدنيا قليل ،

(( وَهَوًى مُتّبَعاً ))

الجنس.

(( وَإِعْجَابَ كُلّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ ))

مادية مقيتة، وشهوات جامحة، وكبر ما بعده كبر، هذه من علامات قيام الساعة،

(( إِذَا رَأَيْتَ شُحّا مُطَاعاً، وَهَوًى مُتّبَعاً، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ ))

نصيحة النبي صلى الله عليه وسلم

(( فالزم بيتك ))

ليس معنى هذا ألا تخرج، اخرج إلى عملك، لكن ليسَعْك بيتك، وأدِّ عملك، ولا تنغمس في وحول البشر.

﴿ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً ﴾

( سورة الكهف ).

ابدأ دعوتك بالأقرب فالأقرب

(( إِذَا رَأَيْتَ شُحّا مُطَاعاً، وَهَوًى مُتّبَعاً، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فلزم بيتك، وأمسك لسانك، وخذ ما تعرف، و فَعَلَيْكَ بِخَاصّةِ نَفْسِكَ ، وَدَعِ عنك الْعَامة ))

سقت هذا الحديث من أجل كلمتين:

(( فَعَلَيْكَ بِخَاصّةِ نَفْسِكَ ))

قال علماء الحديث: " ليس معنى خاصة نفسك أولادك، بل الجيران، والأصدقاء، والزملاء، والأقرباء، ومن تثق بهم، إذاً:

(( بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً ))

[البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]

بيعة العقبة الأولى حضرها 12 رجلاً، 10 منهم من الخزرج، و2 من الأوس مما يشير إلى أن نشاط الرجال الذين أسلموا من الخزرج من السنة السابقة قد تركز ضمن قبيلتهم بشكل رئيسي، وإن كانوا قد تمكنوا في اجتذاب رجال من الأوس، وكان ذلك بداية ائتلاف القبيلتين تحت راية الإسلام.

قانون العداوة والبغضاء

إخوتنا الكرام، نحن إذا تفلتنا من مهج الله تخلق بيننا عداوة لا تعد ولا تحصى، الدليل:

﴿ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾

( سورة المائدة ).

هذا قانون العداوة والبغضاء، يطبق على الزوجين، وعلى الجارين، وعلى الشريكين، وعلى الأسرتين، وعلى القبيلتين، وعلى الشعبين، وعلى الأمتين، وعلى الحضارتين، هذا الصراع في العالم، لماذا العدوان ؟ لماذا سفك الدماء ؟ لماذا قتل الأبرياء ؟ لأن المتحاربين تفلتا من منهج الله،

﴿ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾

أحياناً على مستوى الأسرة، على مستوى الأب والأبناء، على مستوى الزوج وزوجته، على مستوى الشريك وشريكه، على مستوى الجار وجاره ، على مستوى الأخ وأخيه، لماذا المسلمون ممزقون ؟ لأنهم تفلتوا من تطبيق منهج الله، الثمرة مجازا، أو النتيجة الطبيعية للتفلت العداوة والبغضاء، لا أحد يحب أحد.

﴿ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ﴾

( سورة الحشر الآية: 14 ).

بأس المسلمون بينهم، أما إذا طبقنا منهج الله يغدو الأخ الكريم حبيباً.
والله أيها الإخوة، رواية أرويها كثيراً، لكن لا أرتوي منها، النبي عليه الصلاة والسلام عقب معركة أحد تفقد أصحابه، سأل عن سعد بن الربيع، لم يعرف أحد مصيره، أرسل صحابياً إلى أرض المعركة كي يتفقده أهو بين القتلى، فإذا به بين الجرحى، قال له الصحابي الكريم: يا سعد، أنت بين الأحياء أم بين الأموات ؟ جراحك يسيرة أم خطيرة ؟ قال له: أنا مع الأموات، إنسان في النزع الأخير، يغادر الدنيا، والذي سبب هذه المغادرة أنه أسلم، وأنه مشى مع النبي الكريم e، وأنه خاض هذه المعركة، فقال هذا الصحابي الجليل: أقرئ رسول الله مني السلام، وقل له: جزاك الله خير ما جزى نبي عن أمته، وأقرئ أصحابه السلام، وقل لهم: لا عذر لكم إذا خُلص إلى نبيكم وفيكم عين تطرف.
والله أيها الإخوة، مما يلفت النظر أنني قرأت سير أصحاب الرسول، ودرّستها بفضل الله عز وجل، ما وجدت قاسماً مشترك بين كل هؤلاء الصحابة في سيرهم إلا قاسماً واضحاً صارخاً كبيراً، أنهم كانوا في أسعد لحظات حياتهم عند مغادرة الدنيا، إنسان ينازع ، وسيموت، لأنه أسلم، ولأنه خاض هذه المعركة، يقول: أبلغ رسول الله مني السلام، وقل له: جزاك الله خير ما جزى نبياً عن أمته، وقل لأصحابه: لا عذر لكم إذا خُلص إلى نبيكم وفيكم عين تطرف، لذلك حينما بقول عليه الصلاة والسلام:
الموت راحة للمؤمن وحسرة على الكافر

(( تحفة المؤمن الموت ))

[أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب الموت والطبراني والحاكم من حديث عبد الله بن عمر ].

الموت عرس المؤمن، وهو عند الناس أكبر مصيبة أن يموت الإنسان، أما عند المؤمنين الموت تحفة وعرس.
قالت ابنة سيدنا بلال لأبيها: واكربتاه يا أبتِ، وهو على فراش الموت، قال: لا كرب على أبيك بعد اليوم، غداً نلقى الأحبة، محمداً وصحبه.
وازنوا بين حياة مؤمن كلما اقترب من لقاء الله استبشر، ووازنوا بين حياة إنسان متفلت إذا شعر بوخزة في قلبه لا ينام الليل خوفاً، إذا جاء التخطيط مخيفاً، تنهار معنوياته لأنه لم يعد للآخرة، أعد للدنيا ولم يعد للآخرة، لأن هذا الأبد خسره، لذلك قال تعالى:

﴿ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾

( سورة الزمر الآية: 12 ).

بيعة العقبة خطوة أولى لائتلاف الأوس والخزرج

هذه البيعة كانت بداية ائتلاف القبيلتين المتنازعتين المخاصمتين قبيلة الأوس والخزرج، كان هذا اللقاء في بيعة العقبة الأولى بداية ائتلاف هاتين القبيلتين تحت راية الإسلام، الإسلام يجمع، لذلك أعداء المسلمين في بداية عصر النهضة أرادوا تفتيت الجامعة الإسلامية، أنتم أكراد، وأنتم عرب، وأنتم طورانييون، الذي حصل أن جمع الأمة الإسلامية تفرق، والآن قال تعالى:

﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ ﴾

( سورة القصص الآية: 4 ).

وإن لكل عصر فرعون.

﴿ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً ﴾

( سورة القصص الآية: 4 ).

أينما حلّت هذه القوة العظمى تصنف المجتمع إلى طوائف، وتثير الأحقاد بينهم، ألا ترون إلى ذلك في العراق، في لبنان، وفي أي مكان ؟ صرّح أحد كبار زعمائهم مرة فقال: أنا لا يعجبني العالم أن يكون 200 دولة، أنا أتنمى أن يكون العالم 5000 دولة، وسياستهم في إثارة الفتن الطائفية لا تخفى عن أحد أبداً،

﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا ﴾

كان هنالك أوس وخزرج، فصار الأمر هو دين الإسلام، هل يخطر في بالك أن الإمام البخاري ليس عربياً، إطلاقاً، معظم علماء المسلمين ليسوا عرباً، ذابوا في بوتقة الإسلام، الإسلام أممي، كل من أسلم له ما لنا، وعليه ما علينا، ولا فرق بيننا وبينه أبداً.
إذاً بيعة العقبة الأولى بداية ائتلاف القبيلتين المتنازعتين المتحاربتين المتخاصمتين، تحت راية الإسلام، وكان الصحابي الجليل عبادة بن الصامت قد شارك في بيعة العقبة الأولى، لذلك فإنه من مصادر المعلومات الأساسية والدقيقة عنها، معلوماتنا عن بيعة الأولى نأخذها من الصحابي الجليل عبادة بن الصامت، وقد وردت روايته عن البيعة في الصحيحين.
بالمناسبة نحن مع الأسف الشديد لم يتح للتاريخ الإسلامي رجال باحثون، ومدققون كما أتيح للحديث الشريف من رجال بحثوا، ومحصوا، وفرزوا، وأزالوا الضعيف والموضوع عن الصحيح، طبعاً شيء طبيعي، لأن الله في عليائه تولى حفظ قرآنه، ومن لوازم حفظ قرآنه حفظ سنة نبيه، لكن التاريخ الإسلامي لم يتح له ذلك.
إذاً رواية عبادة بن الصامت عن البيعة التي وردت في الصحيحين، وأوردها ابن إسحاق في السيرة بشكل أوضح وأكمل:

بنود بيعة العقبة

قال عبادة بن الصامت:

(( كنت فيمن حضر العقبة الأولى، فكنا اثني عشر رجلا، فبايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء، وذلك قبل أن يفترض الحرب على ألاّ نشرك بالله شيئا ـ البند الأول ـ ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف ـ هذه المعاني وردت في آية كريمة ـ فإن وفيتم فلكم الجنة، وإن غششتم من ذلك شيئا فأمركم إلى الله، إن شاء عذبكم، وإن شاء غفر لكم ))

البيعة إذاً على:

(( ألا نشرك بالله شيئاً، ولا نسرق ولا نزني ))

إن تسعة أحكام الفقه متعلقة بالمال والنساء، ولا شيء يردي الإنسان كالمال والنساء، وكل فضائح أهل الأرض إما فضيحة جنسية أو فضيحة مالية،

(( ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا ))

لأن الأبوة رسالة،

(( ولا نأتي ببهتان ))

بكذب وافتراء،

(( نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ))

إما عمل ندعيه ولم نفعله، أو شهوة نفعلها ولا نعترف بها،

(( ولا نعصيه في معروف ))

والمعصية هنا مقيدة بالمعروف.
النبي عليه الصلاة والسلام أرسل سرية، وأمر عليها أنصارياً ذا دعابة، هكذا ورد في الرواية، فعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: اجعل منهج الله سبيلك في الدعوة إليه

(( بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً، فَاسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ، فَغَضِبَ، فَقَالَ: أَلَيْسَ أَمَرَكُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُطِيعُونِي ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَاجْمَعُوا لِي حَطَبًا، فَجَمَعُوا، فَقَالَ: أَوْقِدُوا نَارًا، فَأَوْقَدُوهَا، فَقَالَ: ادْخُلُوهَا، فَهَمُّوا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يُمْسِكُ بَعْضًا، وَيَقُولُونَ: فَرَرْنَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ النَّارِ، فَمَا زَالُوا حَتَّى خَمَدَتْ النَّارُ، فَسَكَنَ غَضَبُهُ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ ))

[ أخرجه البخاري ومسلم].

إنّ العقل لا يعطل أبداً، بل إن الطاعة مقيدة بالمعروف، أما حينما توسع بعض الجهال فأمروا إخوانهم، وتلاميذهم بأوامر غير معقولة، وغير شرعية جانبوا الصواب، وابتعدوا عن الحق، لماذا نفسر أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قتلى أُحد من الرماة الذين عصوه، قال العلماء: إنهم عصوا أمراً تنظيماً، ولم يعصوا أمراً تشريعياً، نحن الآن إذا كانت زوجة إنسان لا تنجب، أو مريضة، أو هناك مشكلة، لا يحب أن يفصح بها، وتزوج امرأة ثانية، فكأنه زنا عند الناس، كيف ؟

﴿ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ﴾

( سورة الممتحنة الآية: 12 ).

ما فعل شيئاً، هناك ضرورات، وبعد أن تمت البيعة، وأراد المبايعون العودة إلى يثرب بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم الصحابي الجليل مصعب بن عمير ليقرئهم القرآن، وليعلمهم الإسلام، وليفقههم في الدين.

الإلقاء بعد التلقي

كتعليق اسمحوا لي به: أنت أيها الأخ الكريم هل يعقل أن تستمع إلى الدروس طوال عمرك ؟ وأن تتلقى طوال عمرك ؟ متى تلقي الدروس ؟ ومتى تنطق بالحق ؟ ومتى تعلم بعد أن تعلمت، ومتى تشرح بعد أن شُرح لك ؟ ألا تحب أن تلقى الله بعمل صالح ، فلماذا لا توطن نفسك على أن تنطق بالحق ؟ لماذا لا تحاول أن تنقل الهدى إلى إنسان، ألا يغريك عطاء الدعاة إلى الله ؟ ألا تغريك هذه الآية ؟

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

( سورة فصلت ).

(( بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً ))

الإلقاء بعد التلقي

السعادة في خدمة الخَلق

أيها الإخوة الكرام، أكثر مرض يشكَى إلي، يقول: معي كآبة، كلمة شائعة وذائعة، الحقيقة أن الإنسان إذا بقي في ذاته تأتيه الكآبة، أما إذا خرج عن ذاته ليقدم الخير للآخرين تذهب عنه الكآبة.
والله مرة قرأت كلمة في مجلة مترجمة، بعد نهاية المقالة كتبوا حكمة، لكن هذه الحكمة تغلغلت إلى أعماق أعماقي، والقصة من 30 عامًا أو 40 عامًا: " إذا أردت أن تسعد فأسعد الآخرين ".
اخرج من ذاتك إلى خدمة الخلق، إن أسعدت الآخرين فأنت أسعدهم، نحن ألا نقول في الصلاة على رسول الله اللهم صلِ على أسعدنا محمد، هو أسعد الخلق، أنت حينما تخرج من ذاتك لتقدم الخير للآخرين، كلمة طيبة، أو معروفاً، أو مالاً، أو حكمة، أو خبرة، أو خدمة، تشعر أن الله يحبك، وان الله قبل هذا العمل.
لذاك كانت السيدة عائشة، هكذا ورد في السيرة تعطر الدرهم الذي تدفعه صدقة، فلما سئلت عن سر هذا قالت: إن الصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد الفقير، أنا أحب أن أعطرها.
حينما تخرج من ذاتك تعرف معنى السعادة الحقيقية.
أسعد الناس من يجد سعادته في إسعاد غيره
وقبل حلول موسم الحج للسنة 13 من البعثة عاد مصعب بن عمير إلى مكة ليطلع النبي صلى الله عليه وسلم على ما أصابه من نجاح وتوفيق من الله سبحانه وتعالى في مهمته.
الدعوة تحتاج إلى نفس طويل، لأن بناء النفوس ليس سهلاً، والحقائق مع أدلتها ليست سهلة، وإقناع الإنسان أن يستقيموا ليس أمرا سهلاً، أتحبون توضيحاً لذلك ؟
قد يحضر إنسان خطبة، أو درس علم، أو يسمع محاضرة، أو يقرأ كتابًا، إن صح أن للقناعات الإسلامية وحدة تقاس بها، نسمي عشر وحدات، لكن لا تنسوا أن الشهوات ألف وحدة، فالعشرة أمام الألف لا تصنع شيئاً، والدرس الواحد لا يصنع إيمانًا، بالضبط لما يكتب الإنسان على عيادته " الدكتور فلان "، طبيب، ماذا تستنبط أنت من كلمة الدكتور فلان ؟ معه وثيقة إتمام مرحلة، ومعه شهادة إعدادية ومعه شهادة ثانوية، ونال علامات فوق 230، وكان متفوق جداً، ودخل كلية الطب، وأول سنة درس العلوم، والسنة الثانية تشريح، والثالثة فيزيولوجيا، والرابعة علم الأمراض، والخامسة علم الأدوية، وسنتين تطبيق، بعد هذا أخذ إجازة بالطب، بعد هذا ذهب إلى أمريكا، وبقي سبع سنوات لأخذ بورد، حتى جاء إلى بلده فسمح له أن يكتب " الدكتور فلان "، فهناك نفَس طويل.
فهذا الذي يتكلم قبل أن يتعلم، ينطق قبل أن يتقن، هذا لم يسلك الطريق الطبيعي الذي أراده الله، لكن هذه الدعوة إلى الله إذا نجحت فنجاحها لا يقدر بثمن.

﴿ وَمَنْ أَحْيَاهَا ﴾

هذه النفس البشرية:

﴿ فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ﴾

( سورة المائدة الآية: 32 ).

كيف ؟ أنت بجهد كبير، بنفس طويل، بمتابعة، وبإصرار، وببذل، وتضحية أقنعت إنسانًا أن يؤمن ويستقيم، أن يستقيم مع الله، وأن يصطلح معه، وإذا رجع العبد العاصي إلى الله نادى مناد في السماوات والأرض أن هنئوا فلاناً، فقد اصطلح مع الله، هذا الإنسان، أولاً بعد ما اصطلح مع الله، واستقام على أمره لن يتزوج إلا شابة مؤمنة، تسره إن نظر إليها، وتحفظه إن غاب عنها، وتطيعه إن أمرها، ولم يعمل عملاً إلا مشروعاً ، وسوف يربي أولاده تربية إسلامية، وقد ينجب إلى يوم القيامة من ذرية ثلاثة ملايين، وكلهم على هذا النسق، إذاً كل أعمال هذا الذي هديته إلى الله في صحيفتك، الدليل:

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ﴾

( سورة الطور الآية: 21 ).

﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾

أي: ألحقنا بهم أعمال ذريتهم،

﴿ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ﴾

لذلك أيها الإخوة، أقول لكم هذه الكلمة من القلب: لم يبقَ في أيدي المسلمين ـ وهذا حالهم ـ من ورقة رابحة إلا أولادهم، أولادهم هم المستقبل، فإذا أردت أن تقدم لهذه الأمة عملاً لا يقدر بثمن فربِّ ابنك تربية إسلامية، نشئه على العلم، ومعرفة الله، وطاعة رسول الله e، وعلى الخُلق الكريم، إذا قدمت للمجتمع شاباً مؤمناً منضبطاً فقد قدمت للأمة خدمة لا تقدر بثمن، لأن أعداء المسلمين لا يراهنون عليك، أنت بعيد عن طموحهم، لكنهم يراهنون على أولادك، لذلك حتى برامج الكرتون تبنى على الإلحاد والإباحية، وأنت لا تدري، حتى البرامج التي نستوردها للأطفال، ويتعلقون بها أشد التعلق تهدم الدين، تهدم العقيدة، تهدم السنة، فلذلك إذا أردتم أن تقدموا لأمتكم شيئاً، وهي في محنة ما بعدها محنة، والعالم كله يحاربها، وكأن حرباً عالمية ثالثة أعلنت على المسلمين، فاعتنوا بأولادكم، ألحقوهم بالمساجد، ليكونوا معكم في الدروس، أكرموهم، أحسنوا إليهم، اعتنوا بصحتهم، بدراستهم، بأخلاقهم.
كنت مرةً في القاهرة في أحد الأعياد، ولعله عيد الأضحى، فلفت نظري أن هناك تقليداً بالقاهرة، أن الأسر في معظمها لا تسمح لأولادها أن يذهبوا في العيد وحدهم، خوفاً عليهم، مهما علت مرتبة الأب، قد يكون وزيرًا، يأخذ بنفسه أولاده ليلعبوا بإشرافه.
هنا يقع في بعض الأعياد من المخازي في أثناء لعب الأطفال، وفي الساحات العامة ما يندى له الجبين، ابنك أمانة في عنقك، لذلك ورد في بعض الأحاديث:

(( خير كسب الرجل ولده ))

[الجامع الصغير عن أبي بردة بسند ضعيف]

فلذلك بأيدينا أولادنا، هم ثمرة قلوبنا، وهم أملنا، وهم أمتنا في مستقبلها، فاعتنوا بالأولاد، وبينت لكم أن 12 رجلاً هم قوام بيعة العقبة الأولى، هم نواة العالم الإسلامي اليوم، والأمل كبير، الله عز وجل لا يتخلى عنا، وهذا الدين دينه، ولا تقلق على هذا الدين إنه دين الله، ولكن اقلق ما إذا سمح الله لك أو لم يسمح أن تكون جندياً له.
وفي درس قادم إن شاء الله نتابع بيعة العقبة الثانية.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018