بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 078 أ - اسم الله الغفار 1

2008-04-20

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

من أسماء الله الحسنى:(الغفار):

 أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الغفار".

ورود اسم الغفار في القرآن الكريم:

 الله سبحانه وتعالى سمّى نفسه بهذا الاسم على سبيل الإطلاق، لكنه مقرون باسمه تعالى العزيز، في ثلاثة مواقع، كما في قوله تعالى:

﴿ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ ﴾

( سورة ص )

  يعني العزيز الذي يحتاجه كل شيء في كل شيء

﴿ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ ﴾

 وقد ورد مطلقاً منوناً من دون اقتران باسم آخر في قوله تعالى:

 

﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً ﴾

 

( سورة نوح )

النبي الكريم بشر وتجري عليه كل خصائص البشر:

 في صحيح الجامع الصغير السيوطي من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم : كان إذا تضور من الليل (تضور أي تقلب وتلوى من شدة الألم) النبي بشر، وتجري عليه كل خصائص البشر، ولأنه بشر، ولأنه تجري عليه كل خصائص البشر، ولأنه انتصر على بشريته كان سيد البشر.
 ما من أمر إلهي يستطيعه إلا ويستطيعه سائر البشر، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

(( وإنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين ))

[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة ]

  يعني في الاستقامة لا يوجد تفاوت، التفاوت بالمقامات، مقام النبي عليه الصلاة والسلام في أعلى مقام.

 

(( سَلُوا الله لي الوسيلةَ، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكونَ أنا ))

 

[أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ]

 لكن في شأن الاستقامة:

 

(( وإنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين ))

  كيف ؟ أي أقل ممرض في مستشفى في موضوع معين كإعطاء حقنة لمريض يستوي في أسلوبه مع أعلى جراح قلب، لابدّ من تعقيم الموضع، والحقنة، وما إلى ذلك.
 ففي شأن الاستقامة القضية حدية.

 

 

(( وإنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين ))

 لماذا ؟ هناك من يقول: أخي أنا لست نبياً، ومن قال لك إنك نبي ؟ الذي يقود مركبة وهو ملك كمن يقود مركبة وهو في أقل درجة من المجتمع، لابدّ من مكبح، لابدّ من تحريك المركبة، لابدّ من إطلاق البوق أحياناً.
 فالأساليب التفصيلية في قيادة مركبة، لا يختلف فيها أقل إنسان خفير مع أمير هكذا، حينما نفهم أن الاستقامة حدية يستقيم جميع الناس، أحياناً هناك أناس متواضعون جداً لكن يتكلمون الحقيقة، يقول أنا لا أساوي غباراً في نعل النبي، صح، لكنك مأمور أن تستقيم على أمر الله.

 

 

ورود اسم الغفار في السنة النبوية:

 لذلك كان عليه الصلاة والسلام إذا تلوى من الألم ماذا يقول ؟ قال:

(( لا إله إلا الله الواحد القهار رب السماوات والأرض وما بينهما العزيز الغفار ))

[أخرجه النسائي عن عائشة أم المؤمنين ]

 لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( وأُوذِيت في الله ما لم يُؤذَ أحد، ولقد أتى عليَّ ثلاثون من يوم وليلة، ومالي ولبلال طعامٌ إِلا شيء يُواريه إِبطُ بلال ))

 

[أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك ]

لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا:

 مرة ثانية: لولا أن النبي صلى الله عليه وسلم بشر.

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ﴾

( سورة الكهف الآية: 110 )

 لولا أنه بشر، وتجري عليه كل خصائص البشر، وانتصر على بشريته، لما كان سيد البشر.
 وكل ما جاء به النبي من افعل ولا تفعل، في وسع البشر أن يفعلوه.

 

﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا ﴾

 

( سورة البقرة الآية: 286 )

 لكن وسع الإنسان لا تحدده أنت أيها الإنسان، يحدده لك خالقك، كل إنسان له مزاج، يقول لك لا أستطيع، من قال لك ذلك ؟

﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا ﴾

من ارتكب أكبر ذنب في الأرض و تاب توبة نصوحة غفر الله ذنبه و تقبّل توبته:

 أيها الأخوة، "الغفار" في اللغة من صيغ المبالغة، وكما تعلمنا كثيراً أن صيغة المبالغة إن جاء بها اسم من أسماء الله الحسنى تعني شيئين، تعني مبالغة كم، أو مبالغة نوع، أي أكبر ذنب يتصور على وجه الأرض، الله عز وجل يغفره، ومليار ذنب من حيث الكم:

(( إذا رجع العبد العاصي إلى الله نادى منادٍ في السماوات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله ))

[ورد في الأثر]

(( من تاب إلى الله تعالى توبة نصوحاً أنسى الله حافظيه ـ الملكين ـ وبقاع الأرض كلها خطاياه وذنوبه ))

[ أبو العباس بن تركان الهمذاني في كتاب التائبين عن أبي الجون ]

(( إذا قال العبد يا رب وهو راكع، يقول الله له: لبيك يا عبدي، فإذا قال يا رب وهو ساجد، يقول الله له: لبيك يا عبدي، فإذا قال يا رب وهو عاصٍ يقول الله له: لبيك، ثم لبيك، ثم لبيك ))

[ ورد في الأثر ]

 ينتظره لأنه، لذلك:

 

(( لله افرح بتوبة عبده من الضال الواجد، والعقيم الوالد، والظمآن الوارد ))

 

[ أخرجه ابن عساكر في أماليه عن أبي هريرة ]

 ينتظره.

 

﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ﴾

 

( سورة الحديد الآية: 16 )

إلى متى أنت باللذات مشغول  وأنت عن كل مـا قدمت مسؤول
***

تعصي الإله وأنت تظهر حبه  ذاك لعمري فـــي المقال شنيع
لو كان حـبك صادقاً لأطعته  إن الــــمحب لمن يحب يطيع
***

  في بعض الآثار القدسية التي وردت في كتاب ابن القيم مدارج السالكين:

 

(( عبادي إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد، والسيئة بمثلها وأعفو، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها ))

 

الغفار في اللغة:

 أيها الأخوة، "الغفار" في اللغة من صيغ المبالغة، على وزن فعال، أي كثير المغفرة، كماً ونوعاً، الفعل غفر، يغفر، غفراً، ومغفرةً، وأصل المغفرة التغطية والستر.
 "الغفار" سبحانه وتعالى هو الذي يستر الذنوب بفضله، ويتجاوز عن عبده بعفوه، من كمال الله عز وجل لا يكفي أنه يسامحك بهذا الذنب لكنه يستره عنك.
  إنسان أحياناً يتكلم كلمة غير لائقة إطلاقاً، إن لم ينسها تصبح حياته جحيماً لا يطاق.
 إنسان مركب جهاز بين غرفة الضيوف وبين المطبخ، بحسب تصوره، يأتيه ضيف يقول لزوجته اصنعي لنا كذا وكذا، وهو جالس بمكانه، فالجهاز مفتوح جاءه ضيوف ثقلاء، فذهب إلى المطبخ وقال: هؤلاء ثقلاء، طبعاً سمعوا كلامه، لو الإنسان ما ينسى هذا الموقف تكون حياته جحيماً لا يطاق.
 فالله عز وجل يغفر ويستر عنك هذا الذنب، ومن نعم الله الكبرى أنك تنسى لا تقل النسيان مشكلة، أحياناً هناك ميزة كبيرة جداً، أن الأخطاء والمواقف الحرجة بعد حين تنساها.

الثقة بكمال الله و محبته و حكمته شأن كل عبد مع الله تعالى:

 "الغفار" هو الذي يستر الذنوب بفضله، ويتجاوز عن عبده بعفوه، أما إذا كان العبد موحداً فذنوبه تحت مشيئته الله وحده، الله عز وجل كما يقول بعض العلماء: طليق الإرادة إن شاء عفا لحكمة بالغةٍ بالغةٍ بالغة، وإن شاء أدب، ويعفو بعدها، يعني ليس في الإمكان أبدع مما كان، الله عز وجل لحكمة بالغة قد يعفو من دون تأديب، وقد يؤدب فيعفو ، أي شأنك مع الله أن تثق بكماله، وأن تثق بحكمته، وأن تثق بمحبته.

﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾

( سورة الزمر )

 طرفة ! إنسان قال لعبد عند سيد، قال: بلغني أن سيدك سيبيعك، قال: هذا شأنه (يعرف شغله)، قال له: أفكر أن أشتريك، قال له: هذا شأنك أنت (تعرف شغلك)، قال له: اهرب، قال له: أعرف شغلي، كل شخص له مهمة.
  فأنت كعبد مهمتك أن تطيعه،

﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ ﴾

 وانتظر الخير، وانتهى الأمر، الله ما كلفك أن تقنع الغرب أن يكفوا عن عدوانهم، شيء فوق طاقتك أساساً، أما كلفك أن تقيم الإسلام في بيتك، وأن تقيمه في عمله، وهاتان الدائرتان بملكك، فإذا أقمت أمر الله فيما تملك كفاك ما لا تملك، إذا أقمت أمر الله فيما تملك.
  هناك سلوك الآن لائق بين المسلمين، هناك ألم، وهناك تبرم من الوضع العام الدولي، الذي في ملكك بيتك وعملك، وأنت قادر أن تقيم فيهما أمر الله، أنت مقصر فيه هنا، أدِ الذي عليك، واطلب من الله الذي لك، لا تتشاغل فيما ضمنته لك عما افترضته عليك.

 

الفرق الدقيق بين الغفور و الغفار:

 الغفور و "الغفار" قريبان في المعنى من بعضهما، لكن "الغفار" أبلغ من الغفور، الغفور من يغفر الذنوب العظام، أما "الغفار" من يغفر الذنوب الكثيرة، الغفور للذنوب العظام، أما "الغفار" للذنوب الكثيرة، يعني غفور للنوع، وغفار للكم، هذا هو الفرق الدقيق بين الغفور و "الغفار".
 نحن في اللغة عندنا قاعدة: زيادة في المبنى تعني زيادة في المعنى، يعني السين وسوف، حرفا استقبال، سوف للمستقبل البعيد، أما السين للمستقبل القريب، وفي باللغة دقة بالغة، يعني عثر به، غير عثر عليه، عثر به صدفة، أما عثر عليه بعد بحث طويل، ويكفي هذه اللغة العربية شرفاً أن الله اختارها لكلامه، هناك دقة باللغة مذهلة، لكن اللغة ترقى برقي أهلها وتتخلف بتخلف أهلها.
 مرة سمعت أن القرآن مترجم إلى ثلاثين لغة، أما الإنجيل مترجم إلى ألف و ثلاثمئة لغة معناها يعملون ليلاً نهاراً.
 اسم الله "الغفار" على وزن فعال، له موضوعه في حسابات السماء بدقة، واسم الله الغفور على وزن فعول، وله أيضاً حساباته في حسابات الإعجاز الحسابي إن صحّ التعبير.

الخواطر لا يحاسب عليها الإنسان إلا إذا انقلبت إلى عمل:

 أيها الأخوة، يبدو أن هناك نظاماً دقيقاً وضع للملكين الذين يكتبان الحسنات والسيئات، هناك مكان اسمه حديث النفس، أنت راكب بسيارة والطريق طويل تأتيك خواطر والله فلان ينبغي أن أوقفه عند حدّه، ينبغي أن أفك شركتي معه، هذا خاطر، وقد يكون فلان مستقيم معه، قد يكون مخلصاً، قد يكون له كفاءة عالية، لكن جاءك خاطر أن تستقل بهذه الشركة، ولأن اسمه ليس وارد بالسجلات، أنت أقوى منه، تضايقه، يضجر، تفك الشركة معه، هذا خاطر لكن خاطر سيء فيه ظلم، وفيه عدوان، هذا الخاطر لا تحاسب عليه، ما لم تفعل، هذا من فضل الله علينا، الخواطر لا تحاسب عليها.
 أحياناً لا سمح الله ولا قدر إنسان وجد فجأة نفسه في بيت مع امرأة، قد تأتيه خواطر شيطانية، أن يعتدي عليها لكن ما فعل شيئاً، في النهاية خوفه من الله ردعه، مادامت هذه الخواطر لن تنقلب إلى عمل فالمؤمن مكلف أن يستغفر الله من هذه الخواطر، لكن الله لكرمه، ورحمته تجاوز لنا عن هذه الخواطر لما في الحديث الشريف:

(( إنَّ الله تعالى تجاوزَ لأُمَّتِي ما حدَّثَثْ به أنفُسَها، ما لم يَعْمَلُوا به أَو يتكلَّمُوا ما وسْوَستْ به صُدُورها ))

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]

 ما تعلم تعمل أو تتكلم، أنا والله أحياناً تأتيني حالات كثيرة بحكم عملي في الدعوة أن خواطر تكاد تسحق هذا الإنسان، أقول له اطمئن، إن كنت متأملاً فيها فإنها ليست منك والعلامة الصارخة والواضحة والحاسمة إذا تألمت من هذه الخواطر هي ليست منك من وسوسة الشيطان، الله عز وجل يتجاوز عن هذه الخواطر، ما لم تنقلب إلى عمل، أما إذا جاءتك هذه الخواطر وارتاحت نفسك لها هذه منك، هنا الخطر، مع أنه لا تحاسب عليها لكن إذا قبلتها يمكن أن تنقلب إلى عمل، لذلك نقول يجب أن تستغفر ربك من هذه الخواطر التي ارتحت لها لئلا تنقلب إلى عمل، والمعصية تبدأ بخاطرة، ثم بفكرة، ثم بشهوة، ثم بإرادة ، ثم بعمل، فإذا تبعها الإنسان انقلبت إلى عادة وعندئذٍ من أصعب الأشياء أن تدع عادة استحكمت فيك، من أصعب الأشياء.
 لهذا: الإنسان المؤمن بحاجة إلى استغفار عام لمحو الخواطر الشريرة النابعة من هوى النفس، خواطر الشيطان تزعجك أما خواطر الهوى لا تزعج، الخطر أبلغ من خواطر الهوى، يقول لك الشيطان من خلق الله، لا تنام الليل، هذا الخاطر ليس منك وله إجابة كبيرة جداً.

 

باب التوبة مفتوح على مصراعيه لمن تاب و رجع إلى ربه قبل:

 الآن هناك منطقة ثانية منطقة الكسب، أنت جاءك خاطر وقمت إلى تنفيذه، صار عملاً، هذه المنطقة خطيرة جداً، عندئذٍ تسجل عن الإنسان أفعاله، ما دقّ منها وما جلي، يسجل كبير الأفعال وصغيرها، فإذا تاب العبد من الذنب محيت سيئاته، صار في عمل، خاطر انقلب إلى عمل، وغفرت بأثر رجعي، ما دام في توبة رجع العبد إلى الله، محا الله هذه الذنوب، وما أمرك أن تستغفره إلا ليغفر لك، أما معنى قوله تعالى:

﴿ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ﴾

( سورة الفرقان )

  اجتهاد شخصي مني تبديل السيئات بالحسنات بمعنى: أن هذا الإنسان كان بخيلاً فلما عرف الله صار كريماً، كان جباناً فلما عرف الله أصبح شجاعاً، كان حريصاً فلما عرف الله أصبح سخياً، هذا المعنى يتناسب مع الكمال الإلهي.
  فلذلك

﴿ فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ﴾

 لذلك الله جلّ جلاله غفار أي كثير المغفرة، لم يزل ولا يزال للعفو معروفاً وبالغفران والصفح عن عباده موصوفاً، وكلٌّ مضطر إلى عفوه ومغفرته، كما هو مضطر إلى كرمه ورحمته، وقد وعد عباده بالمغفرة والعفو، لمن أتى منهم بأسبابها.

 

الله غفور رحيم لمن تاب من ذنوبه وأقلع عنها وعزم ألا يعود إليها:

 يا أخوان، هناك ملاحظة دقيقة جداً، هناك فكرة ساذجة عند عوام المسلمين، يا أخي الله غفور رحيم.

﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ ﴾

 كلامك صحيح، لكن لمن ؟

 

﴿ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى ﴾

 

( سورة طه )

 هذه ناحية دقيقة.

 

﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾

 

( سورة الحجر )

 أكمل:

 

﴿ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ ﴾

 

( سورة الحجر )

  لمن أنا غفور رحيم ؟

﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى ﴾

من تاب و آمن و عمل صالحاً غفر الله له ذنوبه:

 هناك آيات كثيرة:

﴿ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا ﴾

  من بعد التوبة، والإيمان، والعمل الصالح:

 

﴿ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

 

( سورة النحل )

 دليل آخر:

 

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾

 

( سورة الزمر )

على الإنسان أن يستغفر ربه قبل فوات الأوان:

 دقق:

﴿ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ ﴾

( سورة الزمر )

 غفور رحيم لمن تاب من ذنوبه، وأقلع عنها، وعزم ألا يعود إليها، وأصلح الخطأ السابق،

﴿ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

 وابحثوا بالحاسوب في القرآن الكريم ضعوا كلمة البحث

﴿ مِنْ بَعْدِهَا ﴾

  لرأيتم العجب العجاب، غفور متى ؟ حينما تتوب على الله، حينما تبعد عن الذنب، حينما تعزم ألا تعود إليه، حينما تصلح الخطأ.
 وعند الطبراني من حديث صحيح، من حديث شداد بن أوس رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يا شداد:

 

(( إذا رأيت الناس يكنزون الذهب والفضة فاكنز هؤلاء الكلمات ))

 

[ الطبراني عن شداد بن أوس]

 شخص معه ملايين مملينة، ومعه أموال منقولة، وغير منقولة، وعقارات وأراضي، وأسهم، وشركات، ومعامل... إلخ.

 

(( إذا رأيت الناس يكنزون الذهب والفضة فاكنز هؤلاء الكلمات: اللهم إني أسألك التثبيت في الأمور، وعزيمة الرشد، وأسألك موجبات رحمتك ))

 

[ الطبراني عن شداد بن أوس]

كل إنسان مسؤول عن عمله أمام ربه سبحانه و تعالى :

 ملك له ابن، قال له يا بني: اطلب وتمنى، قال له: مركبة، أغلى مركبة ، طائرة خاصة، طائرة خاصة، يخت في البحر، يخت في البحر، قال له: أريد أن أكون رئيس جامعة، قال له: لا، هذه بجهد منك، اِئتني بالدكتوراه وبعدها أعطيك هذا المنصب ، هناك أشياء تحتاج إلى جهد شخصي، الطيارة سهلة، المركبة سهلة، اليخت سهل، أما أستاذ جامعي ؟ تحتاج إلى دكتوراه، هذه عليك، اِئتني بهذه الشهادة وخذ هذا المنصب، هذه موجبات رحمتك، انظر إلى الأدب، إذا شخص جاهل: يا رب لا تسألنا عن شيء، من قال لك ذلك ؟ الله قال:

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

( سورة الحجر )

 هذا الدعاء في أدب جم:

 

(( وأسألك موجبات رحمتك ))

 أي أسألك عملاً يعد ثمناً لرحمتك.

 

 

(( وعزائم مغفرتك، وأسألك شكر نعمتك ))

 

(( مَنْ أصبَحَ منكم آمِنا في سِرْبه، مُعافى في جَسَدِهِ، عندهُ قوتُ يومِه، فكأنَّما حِيزَتْ له الدنيا بحذافيرها ))

[أخرجه الترمذي عن عبد الله بن محصن ]

((...... وحسن عبادتك، وأسألك قلباً سليماً، ولساناً صادقاً، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم، إنك أنت علام الغيوب ))

[ الطبراني عن شداد بن أوس]

 أيها الأخوة، اسم "الغفار" نحن جميعاً بأمس الحاجة إليه، ولعل بعضهم يرى أن اسم الله الأعظم هو الاسم الذي في ظرف معين أنت بحاجة إليه، فإذا كنت مريضاً فاسم الله الأعظم هو الشافي، وإذا كنت فقيراً فاسم الله الأعظم هو المغني، وإذا كنت مذنباً فاسم الله الأعظم هو "الغفار"، هذا اجتهاد.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018