٠11رمضان 1425هـ - ومضات ايمانية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

ومضات إيمانية لرمضان 1425 - الدرس : 62 - مشهد من مشاهد يوم القيامة


2004-12-03

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الإخوة ورد في سورة ق:

﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾

( سورة ق الآية: 16 )

الحقيقة أن الإنسان يكون أحياناً في حالة حوار داخلي، الحوار الداخلي إما أن يأتي إلهاماً من ملَك، أو أن يأتي وسوسة من الشيطان، أو حديثاً من ذات الإنسان، إما حديث نفسي، أو إلهام ملك، أو وسوسة شيطان، ولكن الله جلت حكمته جعل لكل إنسان ملكاً يلهمه وشيطاناً يوسوس له، وهو مخير، ويجب أن يعلم الإنسان علم اليقين أن كل شياطين الأرض لا تستطيع أن تفعل شيئاً إلا أنها توسوس، بدليل أن الله عز وجل يقول:

﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (22) ﴾

( سورة إبراهيم )

هذه الآية أيها الإخوة أصل في أن الشيطان لا يستطيع أن يفعل شيئاً، كل فعل الشيطان أنه يوسوس.
فلذلك أنت حينما تكون واثقاً أن الشيطان لا يستطيع أن يفعل شيئاً، لكن هو يغوي ويوسوس، ويدعوك إلى معصية، ويزين لك الحرام، ويزهدك بطاعة الله عز وجل، لكنه لا يستطيع أن يفعل شيئاً مادياً، أي أن يحملك على معصية، أو أن يبعدك عن طاعة.
لذلك الشيطان يكتفي بأن يوسوس، والإنسان يستجيب أو لا يستجيب، ذلك لأن الإنسان مخير، فلابد من أن يأخذ موقفاً، معه وسوسة ومعه إلهام، والقصة التي أذكرها كثيراً: أن هذا الذي صعد المركبة، وأعطى السائق مبلغاً كبيراً، ورقة نقدية كبيرة، ورد له السائق مبلغاً أكثر من استحقاقه، وقال في نفسه: بما أنني إمام مسجد، وأنا مسلم ملتزم لا بد من رد المبلغ إلى السائق، لأنه ليس لي، هذا إلهام الملك، فلما جلس في المركبة جاءه خاطر آخر، هو في الحقيقة من وسوسة الشيطان، أن هذه الشركة ضخمة وعملاقة، ودخلها فلكي، والمبلغ يسير، لا يقدم ولا يؤخر، وأنت أيها الشاب في أمسّ الحاجة إليه، ولا عليك أن تأخذه، فهو هبة من الله، هذه وسوسة الشيطان، لذلك لما أراد هذا الراكب الإمام أن ينزل من المركبة دون أن يشعر أعطى السائق المبلغ الزائد وهو عشرون بنسًا، فقال له السائق: ألست إمام هذا المسجد ؟ قال: بلى، قال: والله حدثت نفسي أن أزورك قبل يومين لأتعبد الله عندك، ولكنني أردت أن أمتحنك، لذلك هذا الشاب وقع مغشياً عليه، لأنه تصور عظم الجريمة التي كاد يقترفها لو أنه أبقى المبلغ في جيبه، وقال قولته الشهيرة: كدت أبيع الإسلام كله بعشرين بنساً.
إذاً الإنسان له ملَك يلهمه، وله شيطان يوسوس له، وأنت مخير، فالذي يعرف الله، ويعرف ما وراء المعصية، وما وراء الطاعة، يلتزم جانب إلهام الملك، والذي يكون ضعيف المعرفة بالله، وضعيف المعرفة بالقوانين يلتزم جانب الوسوسة، فالإنسان يُمتحن إما في اتباع الملك في إلهامه، أو باتباع الشيطان في وسوسته، الآية الكريمة:

﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ﴾

أيها الإخوة، الله عز وجل أقرب إليك من كل شيء،

﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ﴾

، يعني أقرب إليه من روحه، كل الخواطر التي تخطر على بالك إنما هي بعلم الله عز وجل، والدليل سيدنا زكريا، جاءت الآية الكريمة:

﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً (3) ﴾

( سورة مريم )

بإمكانك وأنت مطبق الشفتين أن تناجي الله عز وجل، بخواطرك، قضية مناجاة الله عز وجل، والدعاء، والاستعانة، والاستغاثة، والالتجاء إلى الله، يمكن أن تتم وأنت مطبق الشفتين،

﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا ﴾

فالآية :

﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18) ﴾

( سورة ق )

يعني كل حركة، وكل سكنة، وكل كلمة، وكل خاطرة هي مسجلة عليك ، فلذلك يوم القيامة يقول الإنسان:

﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ﴾

أيْ كتاب الإنسان.

﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (49) ﴾

( سورة الكهف )

كل شيء مسجل.

﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾

( سورة الحجر )

وأنت في خلوتك كل شيء مسجل عليك.

(( من لم يكن له ورع يرده عن معصية الله تعالى إذا خلا بها لم يعبأ الله بسائر عمله ))

[ رواه الحكيم عن أنس ]

وعلامة إخلاص المؤمن أن سريرته كعلانيته، وأن سره كجهره، وأن خلوته كجلوته، إذاً:

﴿ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾

أيها الإخوة الكرام، هناك أناس كثيرون لا يلتفتون إلى هذه المعاني التي وردت في القرآن الكريم، ملَك عن يمينك، وملَك عن شمالك، وأنت حينما تنهي الصلاة ماذا تقول ؟ السلام عليكم ورحمة الله السلام عليكم ورحمة الله، فهناك ملَكان موكَّلان بكتابة كل شيء،

﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾

فلذلك يقول عليه الصلاة والسلام:

(( إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً ))

(الترمذي)

((إن الرجل ليتكلم بالكلمة ـ كلمة واحدة ـ لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً ))

نتابع:

﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (19) ﴾

( سورة ق )

إخواننا الكرام، ما من حدث مستقبلي أشد وقوعاً وحتميةً وواقعية ويقيناً من الموت، ﴿ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ﴾، لذلك حال أهل الجنة يتميز بالطمأنينة، أنت في الدنيا إذا كنت في بحبوحة فأنت في قلق مع البحبوحة، لأن هذه البحبوحة تزول عنك، أو أن تزول عنها، إما أن تزول أنت عن هذه النعمة بالموت، أو أن تزول عنك وأنت حي، نعمة البصر إما أن تزول عنك لا سمح الله ولا قدر، أو أن تزول عنها، لابد من الموت، لذلك أجمل أحوال أهل الجنة أنهم مطمئنون أن كل النعم التي هم فيها نعم أبدية دائمة لا تزول.

﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (48) ﴾

( سورة الحجر )

الآن في الدنيا قد يكون لك خصم عنيد، خصم قوي، خصم حاقد، خصم مؤذٍ، خصم يده طولى، فأنت تقلق قلقاً شديداً، أما في الجنة:

﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (47) ﴾

( سورة الحجر )

أجمل ما في الجنة الطمأنينة على أن هذه النعم لا تزول، وأجمل ما في الجنة هذا الإنس الذي بين المؤمنين، بين أهل الجنة:

﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (19) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (20) وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (21) ﴾

( سورة ق )

سائق يسوقها للحساب، وشهيد يشهد على كل فعل فعلته.

﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾

( سورة ق الآية: 22 )

لذلك أشد مرض يصيب الناس في دينهم الغفلة عن الله.

﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22) ﴾

أيها الإخوة، جميع البشر عندما يأتيهم الموت يرون الحقائق التي جاء بها الأنبياء، ولكن بعد فوات الأوان، والدليل فرعون، حينما أدركه الغرق قال:

﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90) ﴾

( سورة يونس )

إذاً خيارنا مع الإيمان خيار وقت، وليس خيار قبول أو رفض، الآن جاء الشاهد الذي بدأت به الموضوع.

﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (23) ﴾

( سورة ق )

قرينه من الشيطان.

﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (23) أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (24) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (25) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (26) ﴾

( سورة ق )

هذا القرين أولاً سائق وشهيد، أولاً ملَكان عن يمين وعن شمال،

﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾

ثانياً:

﴿ وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ ﴾

ثالثاً: هناك القرين الذي يقدم يوم القيامة كل أعمال الإنسان:

﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (24) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (25) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (26) قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (27)﴾

( سور ق )

هذه الحقيقة الدقيقة، لا يمكن لمخلوق أن يضل مخلوقاً، إلا أن الذي أُضل كما يبدو ظاهراً عنده رغبة للضلال، وعنده استعداد للضلال، وعنده اختيار للضلال،

﴿ قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ ﴾

هو أراد الضلال، إذاً يمكن أن نستنبط من هذا أن واحداً من الخلق لا يستطيع أن يغوي واحداً من الخلق، إلا أن الذي أُغوي عنده رغبة في هذه الغواية.

﴿قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (28) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (29) ﴾

( سورة ق )

هذا مشهد أيها الإخوة من مشاهد يوم القيامة، وهذا المشهد سوف يجري علينا جميعاً، فالبطولة أن تتكيف مع ساعة الموت وما يتلوها من حالات مسعدة للمؤمن وصعبة جداً للكافر، فلذلك لو أن الإنسان جاءه ملك الموت، وعرف مكانه في الآخرة لصاح صيحة لو سمعها أهل الأرض لصعقوا، فالتكيف يقتضي أن تتكيف، وتتوافق مع هذه النهاية التي لا بد منها.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018