٠11رمضان 1425هـ - ومضات ايمانية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

ومضات إيمانية لرمضان 1425 - الدرس : 64 - تعظيم الله


2004-12-05

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

من لوازم المؤمن :

 أيها الأخوة الكرام، من لوازم المؤمن أنه يعظم الله عز وجل، وقد قال الله عز وجل:

﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾

[سورة الحج الآية: 32]

 مرة ثانية ألح عليكم في هذا المفهوم: الله عز وجل حينما يقول:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾

[سورة الأحزاب الآية: 41]

 التركيز لا على الذكر، بل على الذكر الكثير، لأن المنافقين يذكرون الله قليلاً, إذاً: قال تعالى:

﴿ذِكْراً كَثِيراً﴾

[سورة الأحزاب الآية: 41]

 هذه مقدمة.

كيف نعظم الله؟ :

 الآن: حينما قال الله عز وجل:
 لم ينفِ عنه الإيمان بالله، بل نفى عنه الإيمان بالله العظيم، فالتركيز هنا لا على الإيمان بالله، إبليس آمن بالله، التركيز على الإيمان بالله العظيم, لذلك يقول الله عز وجل:

﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾

[سورة نوح الآية: 13]

 لمَ لا توقرون الله؟ والحقيقة: أن الوقار متعلق بالتفكر، لأن الله عز وجل يقول:

﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾

[سورة المرسلات الآية: 50]

 ما من طريق إلى الإيمان بالله إلا التفكر في خلق السموات والأرض، فلذلك قال تعالى:

﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾

[سورة نوح الآية: 13]

 هذه تفهم من قوله تعالى:

﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾

[سورة فاطر الآية: 28]

 ولو توقفنا عند كلمة إنما, فهي تعني أن العلماء وحدهم، ولا أحد سواهم يخشى الله، فحجم خشيتك بحجم معرفتك.
 ضربت على هذا أمثلة كثيرة سابقاً: أنت حينما تأتيك بطاقة من البريد: أن تعال يوم الخميس، واستلم رسالة مسجلة، بالتأكيد لا تتحرك شعرة في جسمك إطلاقاً، ولا تقلق، وقد تذهب، وقد لا تذهب، وتأتيك بطاقة من جهة أخرى: أن تعال يوم الخميس للقاء معين، فلا تنام الليل، ما الفرق بين البطاقتين؟
 الآن: أنت حينما تعرف من هو الله، وماذا عنده لو أطعته، وماذا ينتظرك لو عصيته، لعددت للمليون قبل أن تعصيه، فالمشكلة أنه:

﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾

[سورة نوح الآية: 13]

 ولا تجعل الله أهون الناظرين إليك.
 إذاً: التعظيم أن ترجو لله وقارا، أن تقول: إني أخاف الله عز وجل، التعظيم أن ترى أن الله بيده كل شيء.

 

كيف يوقر المؤمن الله؟ :

 الحقيقة: أن عندنا معنيين أساسيين في هذا الموضوع: أن المؤمن يوقر الله من خلال معنيين؛ من خلال إجلال الله، ومن خلال محبة الله، الله عز وجل له أسماء حسنى، هذه الأسماء الحسنى ينبغي أن تدعوك إلى محبته، وله عقاب أليم، وهذا العقاب الأليم ينبغي أن تخافه، وحينما قال بعض الأنبياء:
 يا رب، أي عبادك أحب إليك حتى أحبه بحبك؟ فقال: أحب عبادي إلي: تقي القلب، نقي اليدين، لا يمشي إلى أحد بسوء، أحبني, وأحب من أحبني، وحببني إلى خلقي، قال: يا رب، إنك تعلم أني أحبك، وأحب من يحبك، فكيف أحببك إلى خلقك؟ قال: ذكرهم بآلائي، ونعمائي، وبلائي.
 ينبغي أن يكون في قلب المؤمن تعظيم لله من خلال آياته الكونية، ومحبة له من خلال نعمه الجزية، وخوف منه من خلال عقوباته المؤلمة، فلا بد من أن يجتمع في قلب المؤمن تعظيم وحب وخوف.

أنواع الغلو في الدين :

1- نوع يخرج الإنسان عن كونه مطيعاً بالتجاوز أو غلو الزيادة :

 أولاً: يتنافى مع التعظيم الغلو في الدين، والغلو في الدين كما قال العلماء نوعان: نوع يخرج الإنسان عن كونه مطيعاً بالتجاوز، بالتنطع، يصلي أكثر من الفريضة، يصوم الدهر، هذه عبادات لا ترضي الله عز وجل.
عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ:

((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ))

[أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط, والبزار في مسنده, والإمام أحمد في مسنده]

 فالعبادة إذا كانت وفق عبادة النبي -عليه الصلاة والسلام- كانت طاعة، أما حينما يتزيد الإنسان فهي غلو.
 لما بلغ النبي -عليه الصلاة والسلام- أن بعض أصحابه زهد في الدنيا، جمعهم وذكّرهم.
 عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- يَقُولُ:

((جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، قَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-, قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ الآخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِلَيْهِمْ فَقَالَ: أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي))

 إذاً: نحن نعتقد أن الغلو في الدين أحياناً غلو زيادة، قال تعالى:

﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾

[سورة النساء الآية: 171]

 غلو الزيادة تفريغ الأمر من مضمونه، جعله أمر خرافي، أمر غير واقعي، أمر فيه مبالغة، وأنا والله أرى وأستمع إلى عدد كبير من الشباب, أحياناً الإسلام كله يضغط في شكل لا في جوهر، لا في عقيدة صحيحة، لا في التزام، لا في محبة، في شكل فقط، فهذا الذي يختصر الإسلام كله في شيء طويل، وشيء قصير، وبحركات معينة، الدين كله ينقلب إلى حركات، وإلى طول، وإلى قصر، أما العقيدة السليمة، الأخلاق الرضية، العطاء، البذل، المحبة، التزكية، جوهر الدين بعيد عنه، وقد تعلق بقشور لا تقدم ولا تؤخر.

من الغلو في الدين :

 مرة ذكرت في خطبة إذاعية: أن إنساناً كبيراً في السن صلى إلى جانبه شاب تبدو عليه علامات التدين، يبدو أن الشيخ أعجبته صلاة هذا الشاب، في نهاية الصلاة دعا له أن يرزقه الله صلاة في بيت الله الحرام، -وثمة دعاء يقول أحدهم لأخيه المؤمن عقب الصلاة: حرماً، يعني ادع الله أن يرزقك صلاة في بيت الله الحرام-، فهذا الشاب بحسب برنامجه, جحظت عيناه، واصفر وجهه، وشخص ببصره، وكلم هذا الشيخ كلاماً قاسياً جداً، قال له: هذه الكلمة لم ترد في السنة، فقال له الشيخ: وهل ورد في السنة قلة الذوق؟
 أحياناً تجد غلظة وفظاظة، وقسوة وتعلق بأشياء جزئية جداً، والدين عنده أصبح حركات وسكنات، أما العقيدة السليمة، التوكل، المحبة، الدعوة إلى الله، خدمة الخلق، الأخلاق الرضية، هذه كلها غفل عنها، فهذا غلو في الدين، قال تعالى:

﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾

[سورة النساء الآية: 171]

 هذا غلو زيادة.
 أحدهم أراد أن يحرم قبل الميقات، قال له أحد الصحابة الكرام: لا تفعل ذلك، قال له: أنا في عبادة، وما يمنعني أن أفعل؟ قال: تقع في فتنة، قال: ما الفتنة؟ قال له: وهل من فتنة أكبر أن ترى نفسك سبقت رسول الله؟.

 

هل يتناقض غلو الزيادة مع تعظيم الله عز وجل؟ :

 غلو الزيادة غلو يتناقض مع تعظيم الله عز وجل، فأحياناً هناك تطبيقات في الأوامر فيها غلو، غلو لا يناسب تعظيم الآمر، بل يناسب أن تستهزئ به، أحياناً مثلاً يقول لك: هناك سمسمة بين أسناني، هل أفطرت أستاذ؟ يكون نهاره في الغيبة والنميمة، وإطلاق البصر، ويقلق من أجل سمسمة بين أسنانه!! هذا غلو زيادة، غلو تنطع، لذلك:
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:

((إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا، وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ، وَشَيْءٍ مِنْ الدُّلْجَةِ))

 الإنسان يصلي ما دام نشيطاً، أما إذا أراد أن يصلي النفل وهو في تعب شديد جداً, فالله ما أراده أن يصلي هكذا صلاة، وهو نائم، وهو متعب، يتمنى أن تنتهي، طبعاً أقول الفرائض لا مجال إطلاقاً، لذلك:
 عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ:

((دَخَلَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-, فَإِذَا حَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ، فَقَالَ: مَا هَذَا الْحَبْلُ؟ قَالُوا: هَذَا حَبْلٌ لِزَيْنَبَ، فَإِذَا فَتَرَتْ تَعَلَّقَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: لَا، حُلُّوهُ، لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ، فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ))

[أخرجه البخاري في الصحيح, والنسائي في سننه]

 يعني ما دام نشيطاً، فإذا فترت همته فليرقد.
 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ:

((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ، قَالَهَا ثَلَاثًا))

[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود في سننه]

 أي الذي يبالغ في العبادة حيث يخرجها عن المألوف.
 أنت مسافر، والنبي سمح لك أن تقصر في الصلاة؟ لا، الصلوات تامة في السفر، هذا تنطع:

((هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ، قَالَهَا ثَلَاثًا))

 وهم المتعمقون المتشددون، تشدد في غير محله، هناك تشدد في محله، لكن هناك تشدد في غير محله.
 عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ:

((كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَصِيرٌ، وَكَانَ يُحَجِّرُهُ مِنْ اللَّيْلِ، فَيُصَلِّي فِيهِ، فَجَعَلَ النَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ، وَيَبْسُطُهُ بِالنَّهَارِ، فَثَابُوا ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكُمْ مِنْ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا))

 وإن هذا الدين متين, فأوغل فيه برفق، لا تبغضن إلى نفسك عبادة الله.
 في التعب الشديد: صلِ الفرائض والسنن الراتبة، كنت تصلي قيام الليل أو الضحى لفترة كنت نشيطاً فيها، لكن مع التعب الشديد، مع العمل الاستثنائي كلفت به, لا تكلف نفسك ما لا تطيق، يعني لا تبغض إليك عبادة الله عز وجل، وأحياناً تقصير في العبادة أيضاً، هذا من عدم تعظيم الله عز وجل.

2- غلو نقص :

 عندنا غلو زائد، وغلو نقص، صلاته غير متقنة، سنن لا يصليها، بصره غير منضبط، لسانه غير منضبط، هذا أيضاً يشير إلى عدم تعظيم الله عز وجل.
 وقد قال عليه الصلاة والسلام:

((المؤمن ذنبه كجبل جاثم على صدره، والمنافق ذنبه كالذبابة))

 فكلما عظم الذنب عندك, صغر الذنب عند الله عز وجل، وكلما صغر الذنب عندك, كبر الذنب عند الله.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018