٠11رمضان 1425هـ - ومضات ايمانية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

ومضات إيمانية لرمضان 1425 - الدرس : 63 - الغيرة


2004-12-05

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

من لوازم المؤمن :

 أيها الأخوة الكرام، من لوازم المؤمن أنه يغار، فقد قال الله عز وجل:

﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾

[سورة الأعراف الآية: 33]

 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ:

((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: لَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ، وَلَيْسَ أَحَدٌ أَغْيَرَ مِنْ اللَّهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ، وَلَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنْ اللَّهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَنْزَلَ الْكِتَابَ وَأَرْسَلَ الرُّسُلَ))

[أخرجه مسلم في الصحيح]

 لا سمح الله ولا قدر, لو أنك تمشي في الطريق، ورأيت ابنك وابن أخيك وشابًّا ثالثًا لا تعرفه، الثلاثة يدخنون، تشعر بغليان اتجاه ابنك، وتتألم أشد الألم لهذا الانزلاق في التدخين، وقد تصرخ في وجهه، وقد تعنفه، وقد تضربه، بينما ابن أخيك تكون معه أقلّ حدة من ابنك، تعاتبه، لكن الشاب الثالث تقول له: انصرف، الغيرة: أن تشعر أن إنساناً يلوذ بك ألمّ به مكروه، أو زلت قدمه، أو مشى في طريق الشقاء، هذه الغيرة.

هل يغار الله؟ :

 ولله المثل الأعلى، الله عز وجل يغار أن نعبد غيره، يغار أن نعصيه، مفهوم الغيرة تنطلق من الرحمة، وتنطلق من المحبة، لأن الله سبحانه وتعالى جعل أساس العلاقة بينه وبين عباده المحبوبية، يحبهم ويحبونه، ولو أراد الله عز وجل لهذه العلاقة أن يكون أساسها السيطرة, لحمل الناس جميعاً على الهدى، قال تعالى:

﴿لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً﴾

[سورة الرعد الآية: 31]

 والقضية سهلة جداً، لو أن هذا الهدى يكون قسرياً لا يسعد به إنسان، أرادك الله عز وجل أن تأتيه طائعاً، أن تأتيه مختاراً، أن تأتيه بمبادرة منك، فلذلك: أساس العلاقة بينك وبين الله علاقة الحب، أو علاقة المحبوبية، بشكل مصطلحي، ف:
 إن الله يغار، وإن المؤمن يغار، وغيرة الله أن يأتي العبد ما حرم عليه.

ما معنى هذا الحديث: (إن الله يغار .........)؟ :

 مثل آخر: لو أنك مدير مؤسسة, أعلنت في الصحف أنها بحاجة إلى موظف تحت التدريب، واخترت واحداً من هؤلاء المتقدمين، أعطيت توجيهاً لمن حولك أن تسجل عليه كل حركة وسكنة، متى يأتي؟ متى يذهب؟ لو كلفناه بعمل كم يغيب؟ انضباطه؟ هندامه؟ كلامه مع العملاء كيف؟ لا يشعر هذا المدير بعاطفة نحو هذا الموظف، إلا أن علاقته به علاقة إحصاء أخطاء، فإذا تراكمت، وبلغت حجماً لا يحتمل صرفه من المؤسسة، لكن لو أن هذا الموظف هو ابن صاحب المؤسسة، فإذا أخطأ يعنفه أشد التعنيف، يحاسبه عن خطيئة خطيئة، واحدة واحدة، ولا يدخر له العتاب إلى اليوم التالي من شدة الغيرة، فالله عز وجل كما قال عليه الصلاة والسلام ، وهو لا ينطق عن الهوى:
إن الله يغار ........
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:

((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إِنَّ اللَّهَ يَغَارُ، وَالْمُؤْمِنُ يَغَارُ، وَغَيْرَةُ اللَّهِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ عَلَيْهِ))

 المؤمن يغار أن يرى الناس حوله متفلتين، أن يرى الناس حوله لا يوقرون الله عز وجل، ينتهكون حرمات الله، لا يستقيمون على أمر الله، لا يقيمون للعبادات وزناً، من شدة محبته لله، ومن شدة رحمته لمن حوله يغار عليهم أن يعصوا الله عز وجل، لذلك:
عَنْ أَنَسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ:

((خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خُطْبَةً مَا سَمِعْتُ مِثْلَهَا قَطُّ، قَالَ: لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ, لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا))

[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والترمذي في سننه]

 البكاء الكثير دليل غيرة النبي -عليه الصلاة والسلام- على أمته، وكلما ارتقى موقع الإنسان عند الله تتسع دائرة غيرته، قد تتألم من مسلم يعصي الله، ولكن قد لا تتألم أبداً من كافر ينتهك حرمات الله عز وجل، لكنه كلما ارتقى مقامك عند الله, تتسع دائرة الغيرة لتشمل الخلق جميعاً.
 فالنبي -عليه الصلاة والسلام- بوصف الواصفين: كان أرحم الخلق بالخلق.
 أرحم الخلق بالخلق هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، هذا معنى:

((إِنَّ اللَّهَ يَغَارُ، وَالْمُؤْمِنُ يَغَارُ، وَغَيْرَةُ اللَّهِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ عَلَيْهِ))

ما الحكمة من هذه المعالجات الإلهية على العباد جميعاً وعلى المؤمنين خاصة؟ :

 لذلك: كانت المعالجات الإلهية، قال تعالى:

﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾

[سورة السجدة الآية: 21]

 من الآيات التي تشير إلى هذا المعنى، إلى غيرة الله عز وجل:

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾

[سورة البقرة الآية: 155-157]

 إذاً: من غيرة الله عز وجل على عباده جميعاً، وعلى المؤمنين خاصة: أنه يسوق لهم من الشدائد ما يحملهم على طاعته والتوبة إليه، من هنا نفهم قوله تعالى:

﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾

[سورة الأنعام الآية: 147]

 يعني تقتضي رحمته ألاّ يرد بأسه عن القوم المجرمين الذين أجرموا، وسلكوا طريق شقائهم الأبدي، لذلك يتولاهم الله بالعلاج، هذا معنى قول النبي -عليه الصلاة والسلام-:

((إِنَّ اللَّهَ يَغَارُ، وَالْمُؤْمِنُ يَغَارُ، وَغَيْرَةُ اللَّهِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ عَلَيْهِ))

هل ترتبط الغيرة بالإيمان؟ :

 وفي قول آخر للنبي -عليه الصلاة والسلام-:

((أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ؟ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي))

 والحقيقة: أن الغيرة مرتبطة بالإيمان، وعدم المبالاة مرتبط بالبعد عن الله عز وجل، تجد إنساناً من حديثه اليومي -يستحقون-، لا يشعر برحمة أبداً لما يصيب المسلمين، وكأنه ليس منهم، لا يحس بألم إذا رأى مصائب تترى على بعض المؤمنين، قد لا يتألم لو رأى بعض مناظر القتل والتدمير، وأنا أعجب أشد العجب كيف يروق للمسلمين أن يقيموا حفلات غناء، وأن يقيموا سهرات طرب إلى منتصف الليل، وأخوانهم المسلمون يذبحون ويقتلون؟ لا غيرة عند هؤلاء!؟
 لذلك الإنسان المؤمن ينتمي إلى مجموع المؤمنين، بينما الإنسان المتفلت ينتمي إلى شهوته فقط، فما دامت شهوته محققة فعلى الدنيا السلام، هكذا قيل: من بعدي الطوفان.

من معاني هذه الآية :

 مما يدخل في الغيرة: أن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَاباً مَسْتُوراً﴾

[سورة الإسراء الآية: 45]

 من أدق المعاني في هذه الآية: أن الذي لا يؤمن يغار اللهُ أن يعلِّمه علماً، فأكبر عقاب يعاقب به المتفلت: أن الله يحجبه عن العلم، وعن رحمته.
 وقد ورد في بعض الأحاديث: قد ينسى المرء بعض العلم بالمعصية.
 وحينما شكا الشافعي إلى شيخه سوء حفظه قال:

شكوت إلى وكيع سوء حفظي  فـأرشدني إلى ترك المعاصي
وأنبأني بأن العــــلم نور  ونور الله لا يهدى لــعاص

 كلما اقترب الإنسان من الله عز وجل, هتك الحجاب بينه وبين الله، وكلما ابتعد عن الله عز وجل, يعاقب بهذا الحجاب.

 

أنواع الغيرة :

1-غيرة من الشيء :

 الحقيقة: أن الغيرة كما قال عنها بعض العلماء هي نوعان؛ غيرة من الشيء، وغيرة على الشيء، الغيرة من الشيء: كراهة أن يزاحمك أحد فيما أنت فيه.
 -وهذه صفة أهل الدنيا، لا يحتملون أن يكون أحد معهم متفوق، إذا تفوق دون أن يشعر، بل وبعقله الباطن يحطم كل من حوله، بينما المؤمن يحلو له أن يكون المتفوقون جمعاً كثيراً، هذا يقربه من الله عز وجل.
 هل يمكن لجامعة بكل الأموال الطائلة والملايين المملينة من أجل أن تخرِّج واحدًا؟ الأصل أن يتخرج كل الطلاب، وأن تقدم للأمة قادة كبارًا.
 هناك مفهوم أنا أعده تخلفاً في الإنسان، التوحد أنه إنسانًا وحيدًا فقط لا يقبل إنسانًا آخر، مؤمن هو المؤمن، أو جماعته المؤمنون، وكل فئة أخرى ساقطة من نظره، هذا مفهوم مرضي، أساسه حب الذات، إلى درجة المبالغة، أما أن  ترى أناساً طيبين, متواضعين, مستقيمين, نقيين، لهم عند الله مكانة كبيرة، لهم نيات طيبة، هذا يدعم الحق، الحق لم يأت على إنسان واحد، الأصل أن ينجح كل الطلاب، في التعليم الأصل أن ينجح كل الطلاب، لا أن ينجح واحد، والمجموع يرسب, هذه غيرة من الشيء، لكن أساسها ضعف العلم، قال تعالى:

﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾

[سورة آل عمران الآية: 19]

 بغياً؛ أي حسداً، فالحسد والغيرة والتنافس على الدنيا يسبب الاختلاف، فالغيرة من أحد مظاهر حب الذات، وأحد مظاهر البعد عن الله عز وجل، هذه لا علاقة لها بهذا الدرس-.

2-غيرة على الشيء :

 أما الغيرة على الشيء: فشدة حرصك على المحبوب أن يفوز به غيرك دونك، أو يشاركك الفوز به.
 إذا كنت واثقاً من نفسك فأنت في أعلى درجات الكمال، وبإمكانك أن تعطي هذا الإنسان كل خير، فإذا رأيته انصرف إلى غيرك تغار عليه، طبعاً هذا المعنى يليق بالذات الإلهية، الله عنده كل شيء, عنده كل سعادة الدنيا والآخرة، العطاء منه فقط، والرحمة منه، فإن رأى عبداً من عباده انصرف إلى غيره يغار عليه، لذلك إن صح التعبير: سياسة الله مع الذين يتجهون إلى غير الله, سياسة أن يحبط مسعاهم.
 شيء عجيب! يسعى لإرضاء زيد أو عبيد، أو لاحتلال مكانة عند فلان أو علان، حينما يرى الله منه انصرافاً إلى غيره، ويعلم أنه على خير، لكنه زلت قدمه, ماذا يفعل الله معه؟ يلهم هذا الذي سعى إليه أن يكون لئيماً معه، أو أن يقابل لهفته بتجاهل، أو إقباله بإعراض، هذا شيء من فعل الله عز وجل، فلعل هذا الذي أشرك بالله، وانصرف إلى غيره, تصيبه صدمة محبطة، فيعود إلى الله عز وجل، لذلك خذوا هذه القاعدة:
 أي جهة تتوجه إليها, تطمع بما عندها، أو تخشى من بطشها، وتنسى الله معها, هذه الجهة ينبغي أن يأتيك منها شر كبير؛ رعاية من الله لك, ومعالجة من الله لك.

من أسرار التوحيد :

 لذلك: هناك حكمة لا صحة لها إطلاقاً، إلا أنها في حال واحد تصح:
 اتق شر من أحسنت إليه.
 إن أحسنت لإنسان، ونسيت الله عز وجل، ونسيت أن الفضل بيد الله عز وجل، وأشركته مع الله، وأحببته، بل أطعته في معصية الله, فاعتقد اعتقاداً جازماً أن هذا الإنسان سوف ينالك منه أذى بتوجيه من الله عز وجل، كي تبتعد عنه، وتؤوي إلى الله عز وجل، لعل هذا من أسرار التوحيد، و:
 ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد.
 اطمئن إلى أنه ما دام الله يتابعك، ويدقق على سلوكك، ويعالجك من حين إلى آخر, فهذه بشارة طيبة، تعني أنك مطلوب من قبل الله عز وجل، وأن علم الله بك أنك مؤهل لتنال رحمته، فلذلك المؤمن يصبر على معالجة الله له، يصبر، بل يشكر، و:
 إذا أحب الله عبده ابتلاه، فإن صبر اجتباه، وإن شكر اقتناه.
 وعد ذلك معالجة إلهية، قال تعالى:

﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾

[سورة آل عمران الآية: 179]

 ما كان الله ......، لذلك: الدعاء الرائع أن تقول: يا رب عالجني قبل أن أموت.
 أن ترى أن الله إذا تدخل وعالجك, فهذا جبر خاطر لك، هذا دليل أن فيك الخير، لكن الذي يخرج من عناية الله المشددة، ويشرد على الله شرود البعير، هذا يعطيه الله ما يشتهي، ثم يقصمه قصما واحدًا.
 أيها الأخوة، هذا أبرز ما في موضوع الغيرة.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018