٠11رمضان 1425هـ - ومضات ايمانية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

ومضات إيمانية لرمضان 1425 - الدرس : 58 - من لوازم الإيمان الإحسان


2004-11-12

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين
أيها الإخوة الكرام، من لوازم الإيمان الإحسان، وتعلمون أن في الإسلام مصطلحات ثلاثًا: الإسلام ـ والإيمان ـ والإحسان ـ
فالإسلام: أن تنصاع لأوامر الله عز وجل بجوارحك.
والإيمان: فضلاً عن أن تنصاع إلى الله بجوارحك، تقبل عليه بقلبك.
والإحسان: أن تتجرد عن كل حظوظك، وأن يكون الله ورسوله أحب إليك مما سواهما.

﴿ (161) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) ﴾

( سورة الأنعام )

 وقتك، وعلمك، وخبرتك، وعملك، كله في سبيل الله.

 

﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) ﴾

 

( سورة الواقعة )

 أيها الإخوة الكرام، من تعريفات النبي صلى الله عليه وسلم للإحسان:

(( أن تعبد الله كأنك تراه فإن لن تكن تراه فإنه يراك ))

 من تعريفات الإحسان أن تحسن كل شيء، أن تتقن عملك، أن تكون أباً رؤوفاً، لكوني أماً راعيةً لزوجها وأولادها، أن تكون أخاً صدقاً، أن تكون مسئولاً تخاف الله عز وجل .
 الإحسان كيف ما تحركت، وكيف ما تحولت أنت في طاعة الله، والعبادة كما تعلمون أيها الإخوة لها مفهومات ضيقة، أن نصلي، وأن نصوم، وأن نحج، وأن نزكي، لكن لها مفهومات واسعة جداً، العبادة تدور مع الإنسان كيف ما تحرك، تدور معه في كل أحواله، في كل حركاته وسكناته، في كل أطواره، في كل مواقعه.
سيدنا الصديق خليفة المسلمين قبل أن يتسلم منصب الخلافة كان يؤدي خدمة لجارة عجوز، هذه الخدمة كان يحلب شياهها، فلما تسلم الخلافة غلب على ظن هذه العجوز أن هذه الخدمة قد توقفت، ففي صبيحة اليوم الأول يطرق باب العجوز تقول لابنتها: يا بنيتي افتح الباب، ثم تسألها من الطارق ؟ قالت: جاء حالب الشاة يا أماه، إحسان كامل.
سيدنا عمر رضي الله عن عمر سأل أحد ولاته: ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارق أو ناهب ؟ قال: أقطع يده، قال: إذاً إن جاءني من رعيتك من هو جائع أو عاطل فسأقطع يدك، إن الله قد استخلفنا عن خلقه لنسد جوعتهم، ونستر عورتهم، ونوفر لهم حرفتهم، فإن وفينا لهم ذلك تقاضيناهم شكرها، إن هذه الأيدي خلقت لتعمل، فإن لم تجد في الطاعة عملاً التمست في المعصية أعمالاً، اشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية.
الحقيقة أن الإحسان طوعي، لكن العدل قسري، أنت مأمور بالعدل شئت أم أبيت، أحببت أم كرهت، لكن الإحسان لك أن تحسن بأي مستوى، لذلك هناك آية كريمة تحل مشكلات المجتمع، قال تعالى:

 

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾

 

( سورة النحل الآية: 90 )

 فالقضية إن لم تكن محققة عن طريق العدل تحقق عن طريق الإحسان،

﴿ إن اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾

، فقد لا يستحق هذا الموظف عندك هذا المعاش، لكنه يعاني مشكلة كبيرة جداً، عنده حالة صحية، عنده حالة مرضية، عنده ولادة، فإن لم يسعك أن تعطيه بالعدل، لأن راتبه وفق الحد الأقصى، الإحسان يأمرك أن تفعل ذلك.
مثلاً: الزكاة واجبة وفرض، لكن الصدقة إحسان.
وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177) ﴾

( سورة البقرة )

 فإيتاء المال على حبه إحسان، من هنا أيها الإخوة، يتضح أن الله سبحانه وتعالى حينما قال:

 

﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (60) ﴾

 

( سورة الرحمن )

 الله عز وجل أحسن إليك حينما أوجدك.

 

﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (1) ﴾

 

( سورة الإنسان )

 أنت الآن موجود، تشغل حيزا، هذا الوجود إحسان، منحك نعمة الإيجاد، فضلاً عن ذلك منحك نعمة الإمداد، أمدك بالهواء، وبالماء، بالطعام، بالشراب، بالزوجة بالأولاد، بالمسكن، بالخبرة، أعطاك خبرة ترتزق منها، كل إنسان مكنه الله من عمل.
 في سهرة من السهرات كان معنا طبيب قلب جراح، قلت: سبحان الله ‍! كيف تأتيه رغبة أن يأكل ؟ عمله يفتح الصدر بالصاروخ، يباعد بين العظام، الدم يخرج، يفتح القلب، يشق البطين، يصل إلى الدسام، يزيل الدسام المعطوب، يضع دسامًا جديدًا، والدماء بشكل مخيف، وقد أراني بعض الأفلام للعمليات الجراحية، كيف مكنه الله من ذلك ؟ أمامه إنسان فتح صدره، وفتح قلبه، وفتح بطين القلب، ودخل إلى الدسام، ثم أعاد تشغيل القلب.
 كل إنسان الله عز وجل مكنه من عمل، هذا عطاء أيضاً، منحك نعمة الإيجاد ، ومنحك نعمة الإمداد، كل إنسان عمله سهل عليه، بينما أعمال الآخرين يراها صعبة جداً، مكنك من عمل كي ترتزق منه، فأنت بحاجة لمليون حاجة، وسمح لك أن تتقن حاجة، أتقنت حاجة، وبحاجة لمليون حاجة.
فالإحسان منحك نعمة الإيجاد، ثم منحك نعمة الإمداد، ثم منحك نعمة الهدى والرشاد

﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ﴾

 هذا الذي يأتي يوم القيامة، وقد ابتز أموال الناس، وألقى الرعب في قلوب الناس، وأهان الناس، واستعلى على الناس، وأكل أموالهم بالباطل، بل هؤلاء الطغاة الذين قتلوا الناس، وأفجعوهم بأولادهم، وهدموا بيوتهم، هذا إذا جاء يوم القيامة ماذا يقول لله عز وجل ؟
ورد في بعض الأحاديث:

(( إن العار ليلزم العبد يوم القيامة، حتى يقول: يا رب لإرسالك بي إلى النار أيسر علي مما ألقى، وإنه ليعلم ما فيها من شدة العذاب ))

[ رواه الحاكم عن جابر ]

 منحتك نعمة الإيجاد، وكلهم عبادي، لماذا بنيت مجدك على أنقاضهم ؟ لماذا بنيت غناك على إفقارهم، لماذا بنيت حياتك على موتهم، لماذا بنيت عزك على ذلهم، لماذا ؟!!

﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ﴾

 هذا جزائي معك يا عبدي، والإنسان بنيان الله، وملعون من هدم بنيان الله.
إخواننا الكرام، لو أنك تعيش عيش الكفاف، لكن لا علاقة لك بما يجري في الأرض من جرائم الآن، عندنا ستة جرائم كبيرة، جريمة إفقار المسلمين، إركاعهم
تقريباً في العالم العربي الأمور كلها نحو الأصعب، الدخولُ تقلّ، الشركات لا تربح، المواد الأولية أسعارها ارتفعت، والأسعار ارتفعت، الدخول قلّت، في جريمة إفقار العالم الإسلامي، بتعبيرهم تجفيف مصادر الإرهاب، إلغاء العمل الخيري.
البند الثاني جريمة الإضلال، شبهات، شبهات، شبهات، تطاول على الإسلام على القرآن، على نبي الإسلام، بالإنترنت، وبالصحف، إلغاء القرآن، وإحداث قرآن جديد، اسمه الفرقان الحق، وفيه آيات ما أنزل الله بها من سلطان، هذه الجريمة الثانية إضلال المسلمين، منع التعليم الشرعي، تغيير المناهج، إلغاء الهوية الإسلامية.
الجريمة الثالثة: إفساد المسلمين، يجب أن تكون ساحة الإنسان جنس فقط يجب أن يألف الجنس الشاذ أيضاً، هذه جريمة ثالثة، إفساد المسلمين.
الجريمة الرابعة: إذلالهم.
الجريمة الخامسة: إبادتهم.
لما يكون الإنسان حلقة بهذه الجرائم، ويأتي يوم القيامة، ويقول له: يا عبدي ماذا فعلت ؟

﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ﴾

 هكذا تعامل عبادي، والإنسان بنيان الله، وملعون من هدم بنيان الله.
فيا أيها الإخوة، كما أن الله منحك نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد يجب أن تمنح عباده كل الخير، من دون تفرقة، هذا عدل لله.
 أحياناً لا ترى شيئًا ينتمي إليه الإنسان أقوى من إنسانيته، إنسان، الذي يجري الآن بالعالم العقل لا يصدقه، خلاف بين قبيلتين في جنوب إفريقيا، 500 ألف ذبحوا خلال أسبوع تقريباً، في رواندا، المذابح الجماعية، المقابر الجماعية، التطهير العرقي، شيء تأباه البشرية، هذا الذي يجري في العالم، فالآية الكريمة:

﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ﴾

 أنا أقول لكم أيها الإخوة، هنيئاً لإنسان نظيف، هنيئاً لإنسان يده نظيفة، ولسانه نظيف، وكتاباته نظيفة، أحياناً في إضلال كتابي، مقالة في صحيفة، يقول لك: أنت أخلاقي لأنك ضعيف، وأنت ضعيف لأنك أخلاقي، جعل لك الأخلاق في الحضيض، سبب ضعفك، سبب هيمنة الناس عليك، هذا الصحفي كتب هذه الكلمة قد تفتن شابًّا، قد تفتن إنسان محدود التفكير، يصدقه، أو أن تأتي بصرعة علمية فيها تحدي للخالق، كالاستنساخ، طيب أين هي ؟ تسمع من حين لآخر فقاعات بعد هذا تختفي، استنسخنا أطفالا، في عملية تحدي لخالق السماوات والأرض، والله عز وجل يسمح أحياناً للمحاولات، ولا يسمح بالنتائج، يسمح بالمحاولات لتظهر قدرته التامة والكاملة.
فيا أيها الإخوة، الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
آخر موضوع، أنت غني أول إحسانك أن تنفق، أنت قوي أول إحسانك أن تحق الحق، وتبطل الباطل، أنت عالم، أول إحسانك:

 

﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً (39) ﴾

 

( سورة الأحزاب )

 هذا الإحسان، الإحسان أن يكون عملك مغطى من قِبل الله عز وجل، أن تكون في مرضاة الله، والإحسان واسع جداً، عملك المهني يحتاج إلى إحسان، وبنوتك تحتاج إلى إحسان، دعوتك تحتاج إلى إحسان، أي شيء تفعله يحتاج إلى إحسان، أن تقدم العمل كاملاً أن تقدم العمل كامل بلا شائك، بلا نقص، أنت أعطيت إنسانًا فقيرًا أمام الناس وبإذلال، وهذه زكاة مالي، وأنت فقير، انتهى الفقير ! كأنك ما فعلت شيء.
حدثني مدير مدرسة قال لي: أنا حينما أريد أن أعاون الطلاب الفقراء أستدعي آباءهم، وأعطي هذه الألبسة لأبيه، الأب يعطيها لأبنه على أنها من أبيه، حتى يشعر الطفل باعتزاز، هو ليس فقيراً، هذا اللباس الجديد جاء به أبوه، فكان المدير لما يريد أن يساعد طلابًا فقراء يعطي الحاجات إلى الآباء كي يأتون بها إلى البيت، كأنها من عندهم، أحيانا الإنسان يعمل عملا صالحًا، لكن يسيء إساءة بالغة.
أيها الإخوة، الإنسان يعلم بفطرته كيف يكون الإحسان، ولكن في غفلة من غفلاته، أو برعونة من روعناته، أو بتطاول من تطاولاته، يسيء، وأشخاص كثيرون يسيئون من حيث لا يشعرون، وكلما كنت قريباً من الله كنت أقرب إلى الإحسان، وكلما كنت بعيداً عن الله كنت أقرب إلى الإساءة، والإساءات لا تعد ولا تحصى، أحياناً نظرة قاسية فيها إساءة، أحياناً أن تمن على إنسان، يقول لك: لحم أكتافك من خيري، لا كان هذا الخير، ولا كان هذا المن.
فيا أيها الإخوة، كلما قرأتم قوله تعالى:

 

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) ﴾

 

( سورة القصص )

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018