٠11رمضان 1425هـ - ومضات ايمانية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

ومضات إيمانية لرمضان 1425 - الدرس : 57 - خسارة المقصر ـ أحقية الموت


2004-11-12

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين
أيها الإخوة، في الجزء الثلاثين من القرآن الكريم سورة قال عنها الإمام الشافعي لو تدبرها الإنسان لكفته، وكان أصحاب النبي رضوان الله عليهم لا يتفرقون إلا على هذه السورة، وقد شُرحت مئات المرات، ولكن:

﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾

( سورة الذاريات )

 ملخص الملخص، ملخص ثلاثين يومًا، استمعنا إلى كل القرآن الكريم، في صلاة الفجر، وفي صلاة التراويح، ملخص الملخص: أن خالق السماوات والأرض يُقسم أن الإنسان خاسر، تملك مليار دولار، أنت خاسر، تعتلي أعلى منصب في الأرض أنت خاسر، تتزوج أجمل امرأة في الأرض، أنت خاسر، يكون لك مركز كبير، خاسر، تنجح بتأسيس أكبر شركة، خاسر، تصور أي نجاح في الدنيا، إن حققته بنص هذه الآية فأنت خاسر.

 

﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) ﴾

 جواب القسم، خالق الكون يقسم أنك خاسر، تعلو في الأرض علوًّا علميًّا، علوًّا ماليًّا، علوًّا إداريًّا، يكون لك أولاد نجباء، خاسر، عندك أموال لا تأكلها النيران، خاسر تمتلك أطراف الأرض، خاسر،

 

 

﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) ﴾

 لأن نجاحات الدنيا ليست فوزاً حقيقياً، ولكنها فوز خلبي، يأتي الموت فينهي كل شيء، ينهي قوة القوي، وضعف الضعيف، ووسامة الوسيم، ودمامة الدميم، وغنى الغني، فقر الفقير، الأغنياء يموتون، وأصحاب الملايين يموتون، والمعدمون يموتون، والأذكياء يموتون، والأغبياء يموتون، والأقوياء يموتون، والضعفاء يموتون، وأصحاب الأجسام الرياضية يموتون، وأصحاب العلل السقيمة يموتون،

 

 

﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) ﴾

 لو تنبهنا إلى هذه الخسارة والله الذي لا إله إلا هو لانعكست موازيننا 180 درجة، لو انتبهنا لهذه الخسارة، نعيش في أوهام،

 

﴿ وَالْعَصْرِ ﴾

 خالق الكون يقسم لك بمطلق الزمن، لأنك أنت زمن، لأنك بضعة أيام، كلما انقضى يوم انقضى بضع منك، كيف مضى رمضان ؟ البارحة أعلن أن غداً رمضان، وصلينا التراويح أول يوم، الآن نحن في اليوم الثلاثين، وسيمضي هذا العام، ويأتي رمضان آخر، وفي أحد الأيام يقرأ الناس نعينا، شئنا أم أبينا، أحببنا أم كرهنا، هل هناك من حدث أكثر واقعية بالنسبة إلينا من الموت ؟! أبداً، من يملك أن يعيش ساعة قادمة ؟ أبداً، لا أحد يملك.
إذاً:

 

﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) ﴾

 سيدنا عمر بن عبد العزيز كلما دخل مقره في الحكم يتلو هذه الآية:

 

 

﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (207) ﴾

 

( سورة الشعراء )

 أريد أيها الإخوة أن أبين لكم حقيقة، هناك أعمال ليس لها أثر مستقبلي، فلو سافرت إلى مكان جميل، وأمضيت فيه أياماً، وأنفقت في هذا السفر أموالاً، وعدت، فهذا الاستمتاع بهذا المكان الجميل هل له علاقة بدخلك ؟ هل يزداد دخلك ؟ لا، هل يزداد اختصاصك ؟ لا هناك أعمال ليس لها أثر مستقبلي، وهناك أعمال لها أثر مستقبلي، لو عكفت على دراسة متينة عميقة خطيرة أساسية في حياتك، المستقبل قد تطلب لأعلى منصب، قد يأتي دخل كبير من هذا العمل، فأنت فرِّق بين عملين، عمل استهلاكي وعمل استثماري، عمل له أثر مستقبلي، وعمل ليس له أثر مستقبلي.
لو جلس رجل في حوض السباحة، والماء فاتر، واستمتع بالماء الفاتر ساعتين أو ثلاثًا، لما ينتهي هل يجد مليون ليرة أمامه ؟ لا لن يجد شيئًا، الاستمتاع بالحياة ليس له أثر مستقبلي أبداً.
فربنا عز وجل نبهانا في هذه السورة التي قال عنها الإمام الشافعي: " لو أن الناس تتدبروا هذه السورة لوسعتهم "، ما هذه السورة ؟

 

﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) ﴾

 

 

 تقريباً ولا أبالغ معظم الناس يستهلكون أوقاتهم هكذا، أوقاتهم تنفق من دون أثر مستقبلي، يأكل ويشرب وينام، يتداول الأخبار، يتابع المسلسلات، هذا الإنفاق إنفاق استهلاكي، يأتي ملك الموت فيكون مجيئه كالصاعقة، تفضل، ماذا معك من عمل صالح ؟ ماذا أعددت لهذه الساعة ؟ ماذا تجيب الله عز وجل ؟ ماذا فعلت في الدنيا ؟ هل واليت فيه ولياً ؟ هل عاديت فيه عدواً ؟ هل بذلت من مالك ؟ من وقتك، من علمك ؟ من خبرتك ؟ هل أمرت بالمعروف هل نهيت عن المنكر ؟ هل وفقت بين اثنين متشاكسين ؟ هل أزلت عن الطريق ما يؤذي الناس، ماذا فعلت ؟ هل ربيت أولادك ؟ هل ربيت بناتك ؟

﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) ﴾

 لكن رحمة الله كلها في كلمة:

﴿إِلَّا﴾

( سورة العصر الآية: 2 )

 استثناء.

 

﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) ﴾

 

( سورة العصر )

 لذلك قال بعضهم: لا بورك لي في طلوع شمس يوم لم أزدد فيه من الله علما ، ولا بورك لي فيه طلوع شمس يوم لم أزدد فيه من الله قربا.
والله الذي لا إله إلا هو لو أن غلتك في اليوم مليون ليرة، كل يوم، فأنت خاسر، أما لو ازددت علماً أو عملاً صالحاً فأنت رابح.
فهذه السورة أيها الإخوة يجب أن تكون شعارنا مدى الحياة، تخسر إذا أنفقت وقتك استهلاكاً، وتربح إذا أنفقت وقتك استثماراً، كيف ينفق استثماراً ؟ بأربعة أشياء ملخصها:
يجب أن تطلب العلم، في المسجد، في الجامعة، عن طريق شريط، عن طريق كتاب، عن طريق شيخ، عن طريق درس علم، عام أو خاص، يجب أن تطلب العلم، ولا قيمة للعلم في الإسلام من دون تطبيق، ويجب أن تعمل به.
 ويجب أن تدعو إليه، لأن الدعوة إليه فرض عين، ويجب أن تصبر على طلبه، وعلى العمل به، وعلى الدعوة إليه، وما لم تفعل في اليوم هذه البنود الأربعة فأنت خاسر لا محالة، لماذا ؟ لأن مضي الوقت يستهلكك، أنت بضعة أيام، بعد حين تنتهي ضعف ألفًا، بعد حين تنتهي، ضع مئة ألف، بعد حين تنتهي، أنت لك أيام عند الله، بضعة أيام، كم عمرك الآن أربعون سنة ؟ أيْ مرّ عليك أربعون ربيعًا، و أربعون خريفًا، و أربعون شتاء، و أربعون صيفًا، يمكن لو كان هناك إحصاء دقيق أن تعد سفرات في هذا الأربعين عامًا، الولائم التي دعيت إليها، النزهات التي قضيتها، كل شيء يعد، لك عدد محدود، وعمرك محدود، وقتك محدود، المتع محدودة، الآلام محدودة، كل شيء يعد، ما دام الأمر معدوداً ومحدوداً فسوف ينقضي.
إذاً ما من كلمة أبلغ من أن مضي الوقت وحده يستهلك الإنسان، لذلك قال سيدنا عمر بن عبد العزيز: " الليل والنهار يعملان فيك، كيف ؟ عندك صورة، كان عمرك خمس سنوات ؟ انظر إليها، ثم انظر إلى وجهك في المرآة، هناك فرق كبير جداً، لو كنت في الثمانين الفرق أكبر، انظر إلى صورتك وإلى وجهك في المرآة، هذه الأخاديد، وهذه التجعدات من فعل الليل والنهار، الليل والنهار يعملان فيك، كيف ترد على فعلهما فيك ؟ فاعمل فيهما الأعمال الصالحة، في النهاية بعد الإيمان بالله وطاعته حجمك عند الله بحجم عملك الصالح:

 

﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) ﴾

 

 

 أنت بحاجة إلى مزيد من العلم، وبحاجة إلى مزيد العمل به، وبحاجة لمزيد للدعوة إليه، ثم بحاجة إلى صبر على طلبه، البيت مغرٍ، البيت فيه مقاعد وثيرة، وزوجة أمامك وأولاد، وهناك طلبات، هاتوا كأسًا من الشاي، هاتوا كأس عصير، أمّا المسجد فليس فيه شيء مغرٍ، الجلوس على الأرض، مقعد، يحب الرجل أن يستند فلا يجد شيئًا يستند إليه، فأنت حينما تؤثر طلب العلم، تؤثر تعلم آية، أو حديث شريف، أو حكم فقهي، أو موقف للصحابة، أنت حينما تزداد علماً ينبغي أن تزداد طاعةً لله، وينبغي أن تزداد دعوة إلى الله، وينبغي أن تتسلح بالصبر.
أيها الإخوة، تكاد تكون هذه السورة:

﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) ﴾

 

 هذه السورة ملخص ما سمعناه في هذا الشهر بأكمله من كتاب الله، أنت رابح أو خاسر، رابح بإنفاق وقتك إنفاقًا استهلاكيًّا كما يفعل معظم الناس، يأكل، ويشرب، ويرتاح، ويعلق على أفعال الناس، ولا يفعل شيئاً، ثم هناك بوابة خروج، وأمراض كثيرة، كلها يشفى منها الإنسان إلا مرض واحد، هذا مرض الموت، هذا لا يشفى منه، هذا أنا أسميه بوابة الخروج، من أين تبدأ مع الإنسان، دقق في حالات الموتى، هذا بورم خبيث، هذا بأزمة قلبية، هذا بحادث سير، هذا بخثرة بالدماغ، هذا بتشمع الكبد، هذا بفشل كلوي، من هنا تبدأ، يتفاقم بعدها فيخرج النعي.
واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا.
إذا يمكن أن يكون في سورة ملخص ما سمعناه من كتاب الله طوال رمضان، وما سمعناه من تفسير طوال رمضان هو هذه السورة، بين أن تكون خاسراً، وبين أن تكون رابحاً، وهذا كلام الله، وهل يعقل أن يقسم الله لك ! من أنت ؟ يقول لك الله:

﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) ﴾

 

 خاسر.
 هناك شركات عملاقة دخلها فلكي، هناك مناصب رفيعة جداً، هل هناك منصب أعلى من أن تكون على رأس أكبر دولة طاغية في العالم ؟ العالم كله رهن إشارتك، خاسر هل هناك أعلى من أن تنتصر في حرب ضروس ؟ خاسر، هل هناك أعلى من أن تكون كهذا الذي يملك في أمريكا 90 مليار دولار ؟ خاسر، سوف يموت.
سيدنا عمر بن عبد العزيز اختار أحد العلماء، قال له: كن معي دائماً، فإذا رأيتني ضللت فامسكني من تلابيبي، وهزني هزاً شديداً، وقل لي: اتقِ الله يا عمر، فإنك ستموت.
أكبر موعظة هو الموت، يملك مليارات، في النعش، ترون النعوش كل يوم، تجد كل هذا الضجيج لا ينفعنا في النعش، إلا أن يكون الله راضياً عنا.
أحيانا يكون الإنسان بمكان يحدث له من التبجيل والتعظيم ما لا يوصف، العبرة أن يكون الله راضياً عنه، أن يكون في مرضاة الله، يقول الناس ما يشاؤون، فإذا كان الواحد فرضاً لا يقرأ ولا يكتب، قل له: أنت دكتور، أنت أعلم علماء الأرض، أنت وحيد عصرك، وفريد زمانك، يبقى جاهلا، هذا لا يقدم ولا يؤخر.
فيا أيها الإخوة، نحن في أمس الحاجة في أن نستخدم هذه السورة كل يوم، هذه شعارنا:

﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) ﴾

 

 الآن بعد رمضان يجب أن يكون هناك منهج ثابت، رمضان يسمونه قفزة نوعية، لكن بعد رمضان استمرار لهذا الإنجاز في رمضان.

وكل عام وأنتم بخير

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018