٠11رمضان 1425هـ - ومضات ايمانية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

ومضات إيمانية لرمضان 1425 - الدرس : 60 - التربية الصالحة


2004-12-03

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين
أيها الإخوة، آية في سورة الطور، الحقيقة هي مسعدة، والحقيقة هذه الآية تؤكد أن طريق الجنة يبدأ وينتهي في البيت، في البيت فقط، قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾

( سورة الطور )

 أنت متزوج وعندك أولاد، من يصدق أن هؤلاء الأولاد ذكوراً وإناثاً إذا اعتنيت بهم أشد العناية، اعتنيت بإيمانهم، اعتنيت بعبادتهم، اعتنيت بتحصينهم، اعتنيت بصحتهم، اعتنيت بأخلاقهم حتى كانوا شبابًا مؤمنين صادقين مخلصين، هذا العمل وحده يكفي لدخول الجنة، بل إن كل أعمالهم الصالحة هم وذريتهم من بعدهم، قد لا تصدقون إنسانًا تزوج وأنجب خمسة أولاد، والأولاد تزوجوا، وأنجبوا أولادًا إلى يوم القيامة، كم يكون من ذرية هذا الإنسان ؟ قد يكون الملايين، قد يكون مئات الملايين، قد يكون آلاف الملايين إن كان هؤلاء الذين أنجبهم وعرفهم بربهم وعلمهم، واعتنى بإيمانهم واستقامتهم وعبادتهم بجهد واضح، كل أعمال ذريتهم إلى يوم القيامة في صحيفة هذا الإنسان.
 مرة كنت في بلد عربي مجاور، صليت في المسجد، صدقوا لم تقع عيني على مسجد في أناقته وجماله، والعناية الفائقة به، سمعت أن هذا المسجد بناه مهندسان وفاء لوالدهما الذي علمهما القرآن حينما كانا صغيرين، أصبحا مهندسين كبيرين، ووفاء مع الأب الذي اعتنى بتربية أولاده وبدينهم، وبعبادتهم، وفاء مع أبيهم أنشآ هذا المسجد، وسمياه مسجد الوفاء.
 فيا أيها الإخوة، هذه الآية تحث كل الآباء والأمهات على أن يعتنوا بأولادهم عناية فائقة، فإذا أنشأت ابنك على طاعة الله، وشب على محبة رسول الله، وكان نظيفاً خلقاً وفكراً، وديناً واستقامة، وكان معطاءً فكل أعماله في صحيفتك، لذلك الإنسان يموت، ولكن إذا كان له صدقة جارية لا يموت.

 

(( إذَا مَاتَ الإنْسَانُ انْقَطَعَ عَملُه إلاّ مِنْ ثَلاَثٍ: صَدَقَةٌ جَارِيةٌ. وَعِلْمٌ يُنْتَفِعُ بِهِ))

 وَوَلَدٌ صَالِحٌ يدْعُو لَهُ "

 

 

[ متفق عليه ]

 

﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾

 يعني ألحقنا بهم أعمال ذريتهم.
أيها الإخوة، أكاد أقول: إن أكبر أنواع النجاح أن تنجح في بيتك، لأن الزوجة والأولاد زادك إلى الآخرة، الذي يستطيع أن يتقي الله في أهله لقوله تعالى:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾

 

( سورة التحريم الآية: 6 )

 أنت مسؤول عن زوجتك وأولادك،

﴿ قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ﴾

 إذاً في شيئين في هذه الآية، الشيء الأول: أن تتقي أن تكون سبباً في معصية الله عز وجل لمن حولك، طبعاً إهمال الأب، عدم التدقيق، عدم المتابعة، البعد عن أسرته لفترة طويلة جداً، الغياب المديد عن البيت، هذا يجعل الأهل في حالة فوضى، وحالة عدم ضبط، لأن الأب هو الذي يربي فالبعد، والإهمال، وعدم المتابعة، وعدم الملاحظة، هذه تسبب تفلت من قبل الأولاد ومن قبل البنات والزوجة، لذلك يأتي قول الله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ﴾

 هذا الشيء السري، فأنت مكلف أن تمنع كل مخالفة في بيتك، وأن تمنع كل معصية في بيتك، وأن تكون فوق رأس أهلك، وأن تكون المرأة فوق رأس أولادها من أجل أن تضبطهم، وأن تحملهم على طاعة الله، وعلى السير وفق قواعد الشرع
ومع أن الصوارف عن الدين كثيرة، والعقبات كثيرة، لكن البطولة أن تستطيع وسط هذه الصوارف وتلك العقبات أن تحمي أهلك من معصية الله،

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ﴾

 هذا المعنى الأول.
أما المعنى الثاني الإيجابي: أن هؤلاء الذين ربيتهم وأولادهم من بعدهم، وأولاد أولادهم إلى يوم القيامة كل أعمالهم الصالحة في صحيفة الأب الأول الذي رباهم.
لذلك هذه الآية أيها الإخوة، ينبغي أن تكون باعثاً لنا جميعاً على مضاعفة العناية بالأولاد،

﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ﴾

 من خلال ما أتلقى من مشكلات عبر الهاتف أو عبر رسالة أجد أن آباء كثيرين عندهم خلل في بيوتهم خطير، انحراف خطير، وهم لا يعلمون، وهم لا يسمعون، ولا يدققون، ولا يسألون، هؤلاء يحاسبون عند الله أشد الحساب،

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ﴾

 أما الشيء الإيجابي أنك إن استطعت أن تربي ابنك تربية إيمانية عالية، ربيته على طاعة الله، وعلى محبة الله، وعلى محبة أهل بيت رسول الله، ربيته على الاستقامة والعمل الصالح، وحب الخير، فكل أعمال هؤلاء الأولاد وذريتهم إلى يوم القيامة في صحيفتك من دون أن ينقص من أعمالهم من شيء.
هذه الآية أيها الإخوة كافية لتكون باعثاً لنا جميعاً على العناية بالأولاد.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018