٠11رمضان 1425هـ - ومضات ايمانية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

ومضات إيمانية لرمضان 1425 - الدرس : 59 - استئناف التوبة


2004-11-13

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 أيها الإخوة الكرام، في نهاية المطاف أستعير من مصطلحات الأدب مصطلحين، المصطلح الأول شاعر المناسبات، الشاعر الملتزم، شاعر المناسبات مرتبته دنيا، لكن الشاعر الملتزم مرتبته عليا، لذلك حتى في الدين مناسبات، السابع والعشرون من رمضان، رجب، صوم خمسة عشر يوما من شعبان، صوم رمضان، يضبط أموره، وما سوى ذلك حر طليق، هذا مؤمن المناسبات مرتبته دنيا، المؤمن الملتزم طوال العام في كل الأشهر، وفي كل الأوقات، وفي كل الأمكنة، هذا المؤمن مرتبته عليا، والذي يلفت النظر أن المقصرين يحفلون بالمناسبات أضعاف ما يحتفل بها المؤمنون ! لأنه ينشأ عنده حالة اسمها التعويض، هناك تقصير، وتفلت، فتأتي هذه المناسبة فيقنع نفسه أنه دين، هذا يشبه إنسانًا يأكل ما يشتهي، ووزنه يزداد، عند الشاي يطلب حبة سكر، هذه الحبة من أجل أن يقنع نفسه أنه منضبط، لكنها لا تقدم ولا تؤخر.
أنا أشعر أن أناسًا كثيرين دائماً بالمناسبات يحتفلون احتفال كبيرًا، لأنهم في غير المناسبات مقصرون تقصيرًا كبيرًا.
 الذي أتمناه على نفسي وعلى كل أخ كريم أن يجعل العام كله رمضان والتزامًا، هذا الإنسان الذي وهب وقته وعمر وطاقاته وعلمه وخبرته لله عز وجل المناسبات عنده لا تقدم ولا تؤخر، هو يتألق في المناسبات، ليس معنى هذا أنه في غير المناسبات يقصر، بغض البصر على مدى العام، الصلوات على مدى العام، الإنفاق، تلاوة القرآن، طلب العلم، الدعوة إلى الله، الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، إنفاق المال، الأعمال الصالحة، هذه ديدنه طوال العام، رمضان قد يزداد فيه نشاطا، لأن النبي عليه الصلاة والسلام فيما أثر عنه أنه كان جواداً على مدى العام، وكان أجود ما يكون في رمضان، لكن لم يرد أنه كان جواداً في رمضان فقط.
وبالمناسبة، أنا مضطر لأن أتكلم هذا الكلام، حتى المتفلتات إلى أقصى الحدود ينضبطون، هذا الإنسان الذي يقصر مدى العام، ويلتزم في رمضان مرتبته دنيا، طبعاً نحن نرحب بهذا الالتزام في رمضان، لا نسفهه، لكن ليس هذا شأن المؤمن، شأن المؤمن أنه عاهد الله :

﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾

(سورة التوبة)

 فالمؤمن باع نفسه في سبيل الله، باعها طوال العام، لا في رمضان، طبعاً هذا الكلام يناسب هذا الدرس، وقد انتهى رمضان، وغداً عيد إن شاء الله، الإنسان لا يتوهم أنه انتهى رمضان، وانتهت معه الطاعة، والتلاوة، وغض البصر، و....
كما قال الشاعر:
رمضان ولى هاتها يا ساقي مشتاقة تسعى إلى مشتاق
ليس هذا من شأن المسلم إطلاقاً.
يوجد شيء آخر يضاف إلى هذا الموضوع، منزلة عجيبة اسمها استئناف التوبة، الإنسان تاب إلى الله، واصطلح معه، لكن المؤمن الصادق يتوب كل يوم وكل ساعة.
سأفرض حالة أرجو أن تكون قليلة جداً – يوجد أخ كريم لم تعجبه صلاته في رمضان، ولم يعجبه التزامه في رمضان، ماذا يفعل ؟ لا ينتظر إلى رمضان القادم، ليجعل شهر شوال امتدادًا لرمضان، ويستأنف التوبة في رمضان، ليس لنا إلا الله عز وجل:

 

﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً (27) ﴾

 

(سورة النساء)

 فأهم شيء في التوبة أن تكون من قريب، وأن يكون الفاصل بينها وبين الذنب فاصل قصير جداً، فكلما قلّ الفاصل طال عليهم الأمد، فقست قلوبهم، إذا فعل الإنسان الذنب، وآخّر التوبة يألف هذا الذنب، فإذا أصبح عادة من عوائده من الصعب جداً أن يتوب منه، يألف هذا الذنب، فكلما كانت توبته أقرب إلى الذنب كانت نجاته أكثر احتمالا، لو أن إنسانًا لم يعجبه صيامه في رمضان فلا ينبغي أن ينتظر إلى رمضان القادم، ينبغي أن يكتب برنامج عبادة وانضباط بعد رمضان، ليتابع، لأن الله عز وجل رب الشهور كلها، رب رمضان، وشوال، وذي القعدة، وذي الحجة، ومحرم، وصفر، فهذا استئناف التوبة، أن تعالج الأمر سريعاً، لذلك قال سيدنا عمر:" تعاهد قلبك "، كل إنسان يلاحظ قلبه، إذا كان فيه تقصير، أو جفوة مع الله، أو فتور، والفتور علاجه سهل جداً.

 

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (110) ﴾

 

(سورة الكهف)

 أنا أشعر أن إخواننا الكرام لأنهم ملتزمون طوال العام هم أقرب إلى الحالة التي أتمناها من الحالة التي لا أتمناها، هم يحضرون مجالس العلم كل أسبوع مرتين أو ثلاثًا باتصال مع نفحات الإيمان والعلم، وومضات الدين على اتصال مستمر.
فلذلك أرجو الله سبحانه وتعالى أن يكون رمضان كما يسميه البعض إقلاعًا بعد الإقلاع، طيران، لاحظ، هناك من يدفع السيارة التي تحتاج إلى دفع، هناك جهد كبير جداً، أما إذا دار المحرك فلا يستطيع الذي دفعها أن يلحق بها، وهذا المثل ينطبق على المؤمن، الإنسان يبذل جهدًا، فإذا انطلق ينطلق، وتبقى سرعته متصاعدة، وأنا ألاحظ هذا في إقلاع الطائرات، إذا ركب إنسان الطائرة يمشي الطيار ببطء شديد، لأنه ينتظر الأمر بالإقلاع، بطء غير معقول، يقف، ويمشي، ويقف عند المنعطفات، ويمشي، ثم يقف في أول المدرج، فإذا جاء أمر الإقلاع ارتفعت السرعة فجأة إلى مئتين وثمانين أو ثلاثمئة كيلو متر في الساعة، حتى تكون هذه السرعة كافية كي يطير، فكان المؤمن يتفحص، ينطلق، ينتكس، يتوب، يتكرر هذا الوضع إلى أن يقلع، فإذا أقلع فعليه أن لا يهبط، في الطيران لا بد من الهبوط، أما في عالم الإيمان فممنوع أن تهبط، ينبغي أن تبقى تحلق في الأجواء، فأسأل الله سبحانه وتعالى لي ولكم النجاة، وأن يكون رمضان منطلق وقفزة نوعية، والذي ألفناه في رمضان ينبغي أن يستمر بعد رمضان، وتزود المؤمن من دروس العلم والله الذي لا إله إلا هو يشبه شحن الهاتف المحمول، فما لم تشحن لا تنطلق، والانطلاق هنا العمل الصالح، عندما يضعف الشحن بقي الإنسان كائنًا يأكل ويشرب، ويستمتع بالحياة، انتهت رسالته، وانتهى تحقيق أهدافه الكبرى، أما إذا شحن، فينبغي أن يكون الشحن أسبوعيًّا، الحد الأدنى، من هنا كانت صلاة الجمعة فرضاً، صلاة الجمعة شحن أسبوعي، وعلمي، وروحي، والإنسان ما لم يشحن تتعطل قواه، وقد ورد في الحديث الشريف عَنْ جَابِرِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ ثَلَاثًا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ ))

(سن ابن ماجة)

 فإذا تابع الترك يكون الران، ولا يوجد إنسان ليس بحاجة للشحن، وأنا واحد منكم، لا يوجد إنسان يمكن أن يستغني عن الشحن مهما علا مقامه بدرس علم، بخطبة جمعة، يشحن، يكون قريبًا إلى عالم الإيمان والآخرة، ومفاهيم الدين الصحيحة، وإلى التوبة، وإلى الصلح مع الله، فإذا ترك الشحن انتهى، يعيش مع الناس بالشرك، بالتفلت، بالتقصير، ثم بالسوداوية، ثم اليأس والشكوى، تجلس مع إنسان تشعر أنك لا تستطيع أن تقف من كثرة همومه، هذه هموم من البعد عن الله عز وجل، هذه إعراض الأعراض، أنا أستخدم هذا المصطلح:اليأس والقنوط والشكوى والضجر والانقباض والشعور أن المسلمين انتهوا، هذا شعور يأتي مع البعد عن الله عز وجل، أما القرب ففيه تفاؤل، وثقة بالله، وأمل، يوجد شعور بالتسليم لله عز وجل، وإدراك الحكمة.
الحقيقة أنه من السهل جداً أن تكتشف السلبيات، أي حدث فيه سلبيات صارخة، لكن من الصعب جداً أن تكتشف إيجابيات المرحلة، ونحن في مرحلة صعبة جداً، توجد إيجابيات لا يعلمها إلا الله.
 كلكم يعلم قبل خمسين عامًا مَن هم رواد المساجد، ثمانون فما فوق، الآن في كل أحياء دمشق حتى الأحياء الغنية جداً تجد إقبالا على المساجد يفوق حد الخيال، هذا من بركات الأحداث المؤلمة التي ألمت بالمسلمين، ما بقي أمام المسلمين إلا الله، تعلقنا بأنظمة مستوردة من الشرق والغرب سابقاً، فلم تفلح في إسعادنا، ولا في حل مشكلاتنا، الآن ثبت لكل المسلمين أن أي نظام وضعي مستورد أو مصنع داخلياً لا يمكن أن يسعد الإنسان، بل يزيده شقاء، لذلك هناك اتجاه إلى الله في العالم الإسلامي، لا تعبأ بالأطر الأطر المادية، هذه لا قيمة لها إطلاقاً، العبرة بالمضمون.
هناك وهم خطير جداً يروجه أعداء الدين، أن هذا الدين للفقراء فقط، المفاجأة أن أغنى الأغنياء ملتزمون بالدين كالتزام الفقراء ‍! الدين حاجة أساسية.
فأرجو الله سبحانه وتعالى أن نستأنس بالتوبة بعد رمضان، وأرجو الله أن لا نكون مؤمني مناسبات، بل نكون مؤمنين يداومون على طاعة الله، كشاعر ملتزم، وشاعر المناسبات، وكل عام وأنتم بخير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018