٠11رمضان 1425هـ - ومضات ايمانية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

ومضات إيمانية لرمضان 1425 - الدرس : 52 - ليلة القدر


2004-11-09

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الإخوة،

(( حينما صعد النبي صلى الله عليه وسلم درجات المنبر ففي الدرجة الأولى قال: آمين، وفي الدرجة الثانية قال: آمين، وفي الثالثة قال: آمين، فلما انتهى من صلاته سأله أصحابه الكرام: علام أمّنت يا رسول الله ؟ فقال: جاءني جبريل فقال لي: رغم أنف عبد أدرك رمضان فلم يغفر له، إن لم يغفر له فمتى ؟ ))

[ أخرجه البخاري ومسلم والأربعة وأحمد في مسنده عن أبي هريرة ]

(( من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ))

[ أخرجه البخاري ومسلم والأربعة عن أبي هريرة ]

(( من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ))

[ أخرجه البخاري والثلاثة عن أبي هريرة ]

 نحن جميعاً أيها الإخوة أمام فرصة ذهبية، أن نقيم صلحاً مع الله، وتوبة نصوحًا، فلعل الله سبحانه وتعالى يعفو عما سبق، ويحفظنا فيما سيأتي.
النقطة الدقيقة جداً أن الله سبحانه وتعالى:

 

﴿ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222) ﴾

 

( سورة البقرة الآية: 222 )

﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً (27) ﴾

( سورة النساء )

 وكأن الله سبحانه وتعالى ينتظرنا، إذا رجع العبد العاصي إلى الله نادى مناد في السماوات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله.
 والله أيها الإخوة، لا يمكن أن تقول كلمة: هنيئاً لك بكل معانيها، وبكل الإخلاص إلا إذا قيلت لمن اهتدى إلى الله، لأن تمام النعمة الهدى، وصدق، ولا أبالغ أن الهدى واحد، والصحة صفر أمامه، وأن الغنى صفر آخر، وأن الزوجة الصالحة صفر ثالث، وأن الأولاد الأبرار صفر رابع، وأن الذكاء والوسامة أصفار أمام هذا الواحد، فإذا لم يكن هذا الإنسان مهتدياً ألغي الواحد، فكل الذي بين يديه أصفار.
لذلك أيها الإخوة، يمكن أن تكون مشكلة المسلمين الأولى ضعف معرفتهم بالله، وأصل الدين معرفته، وسورة القدر من دون دخول بالتفاصيل هكذا إذا قرأتها بشكل عفوي يقول الله عز وجل:

 

﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ﴾

 

( سورة القدر )

 ألف شهر تعبده، 33 عاماً، صلوات خمسًا، وصيامًا، وحجًّا، وزكاة، وطاعة إلخ... عبادة جوفاء خير منها أن يحصل لك تقدير لله عز وجل في ليلة من ليالي رمضان،

﴿ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾

 ذلك لأنك حينما تعرف الله تعرف ماذا عنده من عطاء، وماذا عنده من عقاب، والمشكلة الأولى أن المسلمين اليوم مع توسع العلوم الشرعية على علم دقيق بالأمر والنهي، ولكن حينما يعصون الله عز وجل على جهل كبير بمعرفة الله عز وجل، لذلك بين من يقدر الله عز وجل، ومن بين من يعبده عبادة جوفاء، كما بين العالم والعابد، والفرق بينهما كبير جداً.

 

(( لعالم واحد أشد على إبليس من ألف عابد لأن العابد لنفسه والعالم لغيره ))

 

[ رواه ابن النجار عن ابن مسعود ]

 العابد الآن أيها الإخوة لا ينجو، لا ينجو أبداً، لِما في الأرض من شبهات، ومن ضلالات، ومن طروحات مناقضة، ومن تفاوض عن هذا الدين، ومن تطاول على القرآن الكريم، ومن فتن مستعرة، وشهوات سائرة، والدنيا خضرة نضرة، وكل شيء الآن في الدنيا يدعو إلى المعصية، كل شيء في الدنيا يدعو إلى الزهد في الآخرة، أينما تحركت وإلى أي شيء نظرت، وإلى أي جهة تسمعها، تدعوك إلى المعصية.
فلذلك أيها الإخوة، ليلة القدر يجب أن تكون عالماً بالله، تعني أن تعرف أن الله سبحانه وتعالى الذي خلقك لجنة لأبد الآبدين، وأن أكبر خسارة تتحقق أن تخسر الآخرة، وأن هذه الدنيا عرض حاضر، يأكل منه البر والفاجر، وأن الآخرة وعد صادق يحكم فيه ملك عادل
أيها الإخوة الكرام،

(( اغد عالما أو متعلما أو مستمعا أو محبا ولا تكن الخامس فتهلك ))

[ رواه البزار عن أبي بكر ]

أنت حينما تطلب العلم تحقق إنسانيتك.
 مرةً أنا ذكرت: أن طفلاً قال لك: أنا معي مبلغ عظيم، كم تقدر هذا المبلغ ؟ مئة ليرة، فإن قال مسؤول كبير في دولة عظمى: أعددنا لهذا الحرب مبلغاً عظيماً، قد يقدر هذا المبلغ بمئة مليار دولار، فإذا قال ملك الملوك، ومالك الملوك.

﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾

( سورة النساء )

 يبدو أنه أعظم فضل يتفضل الله عليك أن يسمح لك أن تعرفه، إن عرفته وجدت كل شيء، وإن فاتك معرفته فاتك كل شيء، والله أحب إليك من كل شيء.

 

(( ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء ))

 

[ورد في الأثر]

 الآن السؤال التفصيلي: كيف أعرفه ؟ الله عز وجل يقول:

 

﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾

 

( سورة الأنعام الآية: 103 )

 حواسك الخمس غير مؤهلة أن تعرف الله بها، لكن الله سبحانه وتعالى أودع فيك عقلاً إذا أعملته في خلق الله تعرفت إلى الله، وهذا يعد أعلى عبادة على الإطلاق، عبادة التفكر أن تتفكر في السماوات والأرض كي يشف لك الكون عن عظة الله، عن عدله، عن حكمته، عن قدرته، عن رحمته، عن حلمه، فلابد أن تعرف الله على التفاصيل.
لذلك أن تطالع الأسماء الحسنى، وأن تطالع الصفات الفضلى، وأن تبذل جهداً في معرفة الله عز وجل هذا يدعوك إلى طاعته، لأن الله عز وجل يقول:

 

﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾

 

( سورة فاطر الآية: 28 )

 إخواننا الكرام، الآن العباد مقاومتهم هشة، لا يصمدون أبداً أمام الإغراء، ولا أمام الضغوط، وما أكثر العقبات في طريق الإيمان، وما أكثر الصوارف، وما أكثر الضغوط، وما أكثر المغريات، بل إن الشيطان يقول:

 

﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ﴾

 

( سورة الأعراف )

 في اللحظة التي تفكر فيها أن تسلك إلى الله يأتي الشيطان يخوفك، يدعوك إلى البخل، يخوفك من طاعة الله، يوهمك أن طاعته الخسران في الدنيا، وأن الدنيا تحتاج إلى أن تبتعد عن الدين،

﴿ لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾

﴿ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾

( سورة الأعراف الآية: 17 )

 من بين أيديهم التقدم، ونحن في عصر العلم، وعصر الثورة، ثورة المعلومات، وأن المرأة نصف المجتمع، ينبغي أن تكون سافرة، وأن تكون مفاتنها ظاهرة، لأنه من حقها أن تعرض مفاتنها على الناس، تسمع كلاماً مزخرفاً لا ينتهي، نحن في الكمبيوتر، وفي عصر الفضاء، عصر التواصل، عصر انهيار الحواجز بين الثقافات، يريدون ديناً يلغي الآخرة، ويكرس الدنيا من أجل المتع والشهوات، ليس غير، مع أن الله سبحانه وتعالى خلقنا للآخرة.

 

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾

 

( سورة القصص الآية: 77 )

﴿ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ﴾

  الحقيقة أن في الحياة الدنيا أشياء تلمع، التواصل، الإعلام، الأموال الطائلة، السياحة، المرأة السافرة الفاتنة، هذه كلها أشياء تفتن ضعاف الإيمان،

﴿ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ ﴾

 التراث، التاريخ الجاهلي، التاريخ الفرعوني، يعودون إلى ما قبل الإسلام، لسبب بسيط أن ما قبل الإسلام لا يحملهم مسؤولية، لماذا الدينات الوضعية عليها إقبال شديد ؟ 900 مليون في شرق آسيا يدينون بالبوذية فرضاً، دين بلا منهج، بلا تكليف، لست مكلفاً بشيء إلا أن تعلن ولاءك فقط.
 لذلك الناس يميلون إلى التعلق بمرحلة ما قبل الإسلام، لأن هذه المرحلة لا تكلفهم شيئاً، ويعلنون ولاءهم إلى ما قبل الإسلام، ففي كل حضارة هناك عودة نكسة إلى ما قبل الإسلام، لذلك هناك جاهلية الآن، أين منها الجاهلية الأولى ؟

 

﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾

 

( سورة الأحزاب الآية: 33 )

﴿ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ ﴾

الآن:

﴿ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ ﴾

 الدين ينبغي أن يختصر إلى شعائر فقط، إلى زخرفة إسلامية، إلى بطاقة إسلامية، إلى فن إسلامي، إلى خط إسلامي، إلى تراث إسلامي، إلى خلفية إسلامية، إلى نزعة إسلامية، إلى أرضية إسلامية، إلى اهتمامات إسلامية، أما الإسلام كمنهج اقتصادي، كمنهج عبادي، كمنهج اجتماعي، كأمر تفصيلي، كأمر يدخل إلى أدق الخصوصيات الإسلام كشرع، هذا مرفوض، لا بد من أن تكون حياتنا في تعليمنا، وإعلامنا، وجامعاتنا، وكتبنا، وعلاقاتنا، وأفراحنا وأتراحنا، أما على النمط الغربي فهذه،

﴿ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ ﴾

و:

﴿ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ ﴾

 المعاصي والآثام.
فالمعركة أيها الإخوة معركة خطيرة جداً.

 

﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾

 

( سورة الإسراء الآية: 73 )

 جهدهم من أقدم الأزمان إلى نهاية الدوران أن تفتري علينا غيره، شيء يحل محل الشرع، نظام اقتصادي أساسه الربا، نظام اجتماعي أساسه الاختلاط، فن أساسه الإباحية، هكذا، لذلك:

 

﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً (73) ﴾

 

( سورة الإسراء )

 هذا التطبيع:

﴿ لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا ﴾

 إن تخليت عن كون الزنا جريمة يسمح لك أن تدخل في السوق المشتركة، أما إذا أصررت أن الزنا جريمة فليس لك مكان في هذا السوق، إن عددت الزواج أنه يجب أن يكون بين ذكر وأنثى فأنت متخلف، الزواج عقد بين شخصين ذكريين أو أنثيين، أو ذكر وأنثى، هذا مؤتمر السكان، أربع مؤتمرات عقدت ليكون الشذوذ هو الأصل، لا بد من أن تسمح للشباب أن يمارسوا الجنس قبل الزواج في بيت الأسرة، هذا الذي قرأته عن مؤتمر السكان والله لا يصدق أيها الأخوة، لا يستطيع الزوج أن يمنع زوجته من السفر، ولا أن تمتهن أي حرفة ولو الرقص، هذه حرية،

﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ ﴾

 فتاة في مدرسة بنيويورك قبل أشهر ارتدت ثياب الشابات الشاذات جنسياً، هناك شذوذ بين الذكور، وهناك شذوذ بين الإناث، يبدو أن مدير المدرسة على بقية من خلق ففصلها، فأقام الأب دعوى على مدير المدرسة، وربح الدعوى، والحاكم حكم بثلاثين ألف دولار تعويضًا على أنه أهان فتاة سحاقية، فثياب الشاذات مسموح به في العالم، أما حجاب المسلمات فممنوع، لا يسمح لفتاة محجبة أن تدخل المدرسة في فرنسا،

﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا ﴾

﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً (74) ﴾

( سورة الإسراء )

 أحيانا الداعية يقول: سأجاملهم قليلاً، سأتنازل قليلاً لعلهم يسلمون،

﴿ وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا ﴾

﴿ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً (75) ﴾

( سورة الإسراء )

 أيها الإخوة الكرام، ليلة القدر أن تعرف الله، وتعرف أن الله حينما شرع تشريعات هذه التشريعات محض حق، ولو تقوّل المتقولون، قال أحد العلماء: الشريعة عدل كلها، رحمة كلها مصلحة كلها، حكمة كلها، فأية قضية خرجت من المصلحة إلى المفسدة، ومن العدل إلى الجور، ومن الحكمة إلى خلافها، ليست من الشريعة، ولو أدخلت عليها بألف تأويل وتأويل.
 إخواننا الكرام، لو أن الإنسان لم يتح له في رمضان أن يكون كما يتمنى، فليفتح مع الله صفحة جديدة بعد رمضان، وليفكر في خلق السماوات والأرض، وليغض بصره، وليحكم استقامته، وليقدم لله عملاً طيباً، فالله عز وجل معنا في كل الأشهر، وهذا الكلام يقال الآن، في أول رمضان نقول: إن لم يغفر له فمتى ؟ أما الآن فنقول كلامًا آخر، إذا فاتك ما تتمنى في رمضان فاجعل ما بعد رمضان كرمضان، في صلاة الفجر، وفي ذكرك، وفي تلاوة قرآنك، وفي غض بصرك، وفي إنفاق مالك، إلخ...
فيا أيها الإخوة، أرجو الله سبحانه وتعالى أن نكون عتقاء النار في هذا الشهر وفي هذه الليلة.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018