٠11رمضان 1425هـ - ومضات ايمانية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

ومضات إيمانية لرمضان 1425 - الدرس : 51 - ليس للإنسان إلا ما سعى


2004-11-09

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 أيها الإخوة، لو أن طالباً في أول العام الدراسي، وجاءه من يخبره أن المدرس في آخر العام يعطي الأسئلة مقابل هدية، هل يستطيع هذا الطالب أن يدرس، وفي نهاية العام فوجئ أن الأستاذ نزيه جداً، ومستقيم جداً، ولن يعطي لا تلميحاً ولا تصريحاً، وأن هذا الذي نقل له الخبر كاذب مغرض، ضيع العام الدراسي.
الآن في آية من سورة النجم يقول الله عز وجل:

﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39)﴾

 لو فهمنا أبعاد هذه الآية يمكن أن ننفي مئات القصص، ومئات الأوهام والخزعبلات، والترهات، النبي عليه الصلاة والسلام يقول لابنته فاطمة ولعمه العباس:

(( يا فاطمة بنت محمد، يا عباس عم رسول الله، أنقذا نفسيكما من النار إنا لا أغني عنكما من الله شيئاً، لا يأتوني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم ))

[متفق عليه عن أبيس هريرة]

 تقريباً معظم المسلمين معتمدون على مفهوم ساذجٍ للشفاعة، ويقولون: أمة محمد e مرحومة، مع أن النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الكلام الواضح القطعي الدلالة يبين أن كل إنسان يحاسب بعمله.
لو أن واحداً عاش مع النبي صلى الله عليه وسلم، واستطاع بطلاقة لسان، ووضوح بيان، وذكاء، أن ينتزع من فمه الشريف فتوى لصالحه، ولم يكن محقاً بها هل ينجو من عذاب الله ؟ لا ينجو، معه فتوى من سيد الخلق، قال عليه الصلاة والسلام:

(( لعلَّ بعضكُم أن يكونَ ألحنَ بحجَّتهِ من بعضِ، فإنْ قضيتُ لأحدٍ منكُم بشيءٍ من حقِّ أخيهِ، فإنَّما أقطعُ لهُ من النَّارِ ))

[أخرجه الترمذي عن أبي هُرَيرَةَ].

 دائماً وأبداً الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح.
والله أيها الإخوة، يلقى في بعض الدروس كلام لا أصل له إطلاقاً، هي قصص، مدلولاتها خطيرة جداً، لكن لا أصل لها، أنه حينما يوضع الإنسان في قبره، ويأتي الملكان ليسألانه تأتيهم ضربة من شيخ هذا الميت، يقال لهما: أمثل هذا يُسأل ؟ هذا كلام ما له أصل، قال:

(( اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُم وَاسْألُوا لَهُ بالتّثْبِيتِ فَإنّهُ الآن يُسْأَل ))

[ أخرجه أبو داوود عن عثمان بن عفان ]

 هذا كلام النبي عليه الصلاة والسلام.
أيها الإخوة، من خلال هذه الآية:

 

﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40)﴾

 

( سورة النجم )

 هناك أغنياء يموتون، يوهمهم بعضهم أن هناك صدقة تسقط عنه الصلاة، وصدقة أخرى تسقط عنه الصيام، القضية سهلة.

 

(( إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم ))

 

[ الحاكم في المستدرك عن أنس، السجزي عن أبي هريرة ]

(( ابن عمر، دينك دينك، إنه لحمك ودمك، خذ عن الذين استقاموا، ولا تأخذ عن الذي مالوا ))

[ ورد في الأثر]

 النبي عليه الصلاة والسلام يوم القيامة يقول:

(( أمتي أمتي: " فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك أو ما بدلوا بعدك فأقول سحقا سحقا ))

[ أخرجه مسلم في كتاب الفضائل عن أم سلمة]

 مرة ذكرت أنه بعد فتح مكة، وحول النبي e علية القوم، قال له بعض الصحابة: هناك أخت لك تريد أن تلقاك، هي امرأة عجوز رضعت من حليمة السعدية وقت كان النبي e يرضع منها، إذاً هي أخته من الرضاعة، تروي الروايات أنه قام من مجلسه، وانطلق ليلقاها حيث هي، ويرحب بها أشد الترحيب، ويأتي بها إلى مكانه، ويجلسها مكانه، ويظللها بردائه، ويسألها عن حالها، ويخيرها بين أن تقيم عنده، وبين أن تلحق بأهلها ويكرمها، فلما اختارت أن تلحق بأهلها أعطاها مئة ناقة، ما هذا الوفاء، فقلت: يا رسول الله، لا تدري ماذا أحدثوا بعدك ؟ أناس قطعوا أرحامهم، قطعوا علائقهم مع من يلوذ بهم، أناس أساؤوا إلى بناتهم، إلى أمهاتهم، هل تصدق أن دعاوى كثيرة بين الأقرباء، حينما قطعوا أرحامهم بعد ما جاؤوا إلى الدنيا، أو بعد عصور عديدة، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( سحقا سحقا ))

 يا أيها الإخوة الكرام، يمكن أن تنفي قصصاً لا تعد ولا تحصى من هذه الآية:

﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ﴾

  أما أن تفعل شيئاً مكان شيء، أما أن ينال الإنسان أجراً من دون أن يفعله، لذلك العلماء حينما جاء موضوع حجة البدل، لا تقبل حجة البدل إلا ممن وصى، هذا الذي لم يوصِ لو جاء إنسان، وحج عنه هذه الحجة لن يسعى الميت إليها، أما إذا وصى معنى ذلك أنها مقبولة، ولكن استثنى العلماء أن الابن الصّلبي إذا حج عن أبيه ولو لم يوصِ، هذه مقبولة عند الله، ولولا أن هذا الأب ربى ابنه تربية صحيحة حتى كان ديناً، وحتى كان باراً ما كان له أن يكون كذلك.
أيها الإخوة الكرام،

 

﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (24) ﴾

 

( سورة الصافات )

﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) ﴾

( سورة الحجر )

 أعرابي جاء النبي عليه الصلاة والسلام قال: يا رسول الله، عظني، ولا تطل فقرأ عليه قوله تعالى:

 

﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ (8) ﴾

 

( سورة الزلزلة )

 قال: كفيت، فقال: فقه الرجل.
الآن أنا مضطر أن أضع بين أيديكم حقيقة، هي أخطر حقيقة في العبادات، الإنسان يصلي، والصلاة لا تكلفه شيئاً، ويصوم، ويحج، ويعتمر، ويؤدي زكاة ماله، لكن حينما سأل النبي أصحابه الكرام:

(( هل تدرون من المفلس؟ قلنا: المفلس يا رسول الله من لا درهم له ولا متاع، قال: المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار ))

[رواه مسلم والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه ]

 أين الصلاة إذاً ؟ هذه عماد الدين، من أقامها فقد أقام الدين، إن لم ترافقها استقامة لا تصح، ولا تقبل، أوجه هذا الكلام للأخوات الكريمات.

 

(( إن فلانة، فذكر من كثرة صلاتها وصدقتها وصيامها غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها. قال: "هي في النار ))

 

[ رواه أحمد والبزار عن أبي هريرة ]

(( عذبت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت جوعا فدخلت فيها النار، قال الله: لا أنت أطعمتها، ولا سقيتها حين حبستها، ولا أنت أرسلتها فأكلت من خشاش الأرض ))

[ أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]

(( لأعْلَمَنَّ أَقْوَاماً مَنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضاً، فَيَجْعَلُهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُوراً، قَالَ ثُوْبان: يَا رَسُولَ اللهِ ! صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا، أَنْ لاَ نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لاَنَعْلَمُ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتَكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ، إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللهِ، أنْتَهَكُوهَا ))

[ أخرجه ابن ماجه عن ثوبان ]

 هذه الصلاة، الصيام:

 

((من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ))

 

[ رواه أحمد في مسنده وصحيح البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة

 هذا الصيام، الحج:

(( من حج بمال حرام، ووضع رجله في الركاب، وقال لبيك اللهم لبيك، ينادى ألا لبيك، ولا سعديك، وحجك مردود عليك ))

[ورد في الأثر ]

 بقي الإنفاق:

 

﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ (53) ﴾

 

( سور التوبة )

 المشكلة الأولى أن الصحابة الكرام فهموا الإسلام 500 ألف بند، ونحن فهمنا الإسلام خمسة بنود، صلاة، وصيامًا، وحجًّا، وزكاة، ونطق بالشهادة.
أيها الإخوة، كلام سيدنا جعفر كلام بليغ جداً، قال:

(( أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الرحم، ونسيء الجوار، حتى بعث الله فينا رجلاً، نعرف أمانته وصدقه وعفافه ونسبه، فدعانا إلى الله لنعبده ونوحده ونخلع ما كان يعبد آباؤنا من الحجارة والأوثان ـ الآن دققوا ـ وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء ))

[أحمد عن أم سلمة]

 الإسلام انضباط، الإسلام قيم أخلاقية، الإسلام صدق، الإسلام أمانة، الإسلام استقامة، الإسلام إخلاص، الإسلام رحمة، الإسلام عفو، هذا الإسلام، فلما فهمنا الإسلام صلاة، وصيام فقط وجوفاء، وفعلنا كل الموبقات، ونحن مسلمون، ألا ترى إلى رمضان كل المعاصي مجموعة في رمضان، ومن أجل ذلك إكراماً لشهر رمضان المبارك، كل هذا إكرام لشهر رمضان، فلذلك:

 

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً (59) ﴾

 

( سورة مريم )

 ولقد ليقنا هذا الغي، والله أيها الإخوة ما من كلمة تدمي القلب كأن تقول: هان أمر الله علينا فهنا على الله، والله الذي لا إله إلا هو لو فهم الصحابة الكرام الإسلام كما نفهمه والله ما خرج من مكة، بقي في مكة، أما أن يصل إلى الصين، وإلى مشارف باريس، لأن الإسلام كان سلوكاً وانضباط.
 لما أرسل سيدنا رسول الله عبد الله بن رواحة ليقيّم تمر خيبر لاتفاق بينه وبينه اليهود، وأغروه بحلي نسائهم، قال: جئتكم من عند أحب الخلق إلي، ولأنتم عندي أبغض من القردة والخنازير، ومع ذلك لن أحيف عليكم، فقالت اليهود: بهذا قامت السماوات والأرض، وبهذا غلبتمونا.
إخواننا الكرام، كلمة قاسية، لكن لا بد منها، حينما قال الله عز وجل:

 

﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾

 

( سورة المائدة الآية: 68 )

 ( شيء ) أقل كلمة في اللغة تعبر عن أقل شيء، إذا ثار الغبار وسط أشعة الشمس ترى ذرات لا وزن لها إطلاقاً، تراها في أشعة الشمس، هذه شيء، يقاس على هذه الآية، ويا أيها المسلمون لستم على شيء حتى تقيموا القرآن الكريم، فلذلك هذه الآية:

﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ﴾

 هناك خرافات، وإضافات، وترهات، وضلالات، وقصص، ما أنزل الله بها من سلطان، ونتائج باهرة لأسباب صغيرة جداً لا تتناسب هذه مع تلك، فنحن نريد أن نكون واقعيين، وشعارنا الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح.
هذه الحقيقة، العبادات التي نحن فيها لا تقبل، ولا تصح إلا إذا رافقتها عبادات شعائرية.
مثلاً تجد شخصًا يميل إلى أن يأخذ المال دون أن يقدم جهداً، هل سمع قول النبي لما رأى شاباً يتعبد الله في وقت العمل، سأله: من يطعمك ؟ قال: أخي، قال: أخوك أعبد منك، حينما قال النبي الكريم:

(( واليد العليا خير من اليد السفلى ))

[أخرجه أحمد في مسنده وصحيح مسلم عن حكيم بن حزام ]

 حينما قال النبي الكريم:

(( ولا فتح رجل على نفسه باب مسألة يسأل الناس إلا فتح الله عليه باب فقر ))

[ أخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الغضب عن عبد الرحمن بن عوف ]

 صدقوا أيها الإخوة، نحن مفهومنا للدين صلاة وصوم واستقامة، وإنابة، هذا صحيح، لكن يجب أن نفهم الدين عملا، وإنتاجًا، وتطويرًا، وتقوية الأمة، لأن الطرف الآخر قوي جداً، وغني جداً، وذكي جداً، واستطاع أن يفرض علينا إباحيته، وثقافته، وأنا أدعوكم لا إلى التفاؤل الشديد، قد نمنع من هذا الدرس في المستقبل، قد نمنع من أن نحوز القرآنَ، هكذا يخططون، نية الكافر شر من عمله، فما لم نتقوّ، نحن ضعاف الآن، نحن في محنة كبيرة، كل واحد منا يفكر بعمل صالح، يفكر بعمل يقوي أمته، يفكر يطور عمله، يفكر يخفف عن المسلمين الأعباء، يفكر أن يقدم للمسلمين كل الخدمات.
والله أيها الإخوة، حديث شريف أنا أراه هو سر نجاتنا، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( إنما تنصرون بضعفائكم ))

[ رواه أبو نعيم عن أبي عبيدة ]

 ما معنى هذا الحديث ؟ أنت قوي أمامك واحد ضعيف، إذا أكرمت هذا الضعيف أعطيته حقه، أعطيته حاجته، إن كان مريضًا عالجته، وإن كان بلا عمل وفرت له فرصت عمل، وإن كان مظلومًا نصرته، وإن كان عاريًا كسوته، وإن كان بلا مأوى هيأت له المأوى، وإن كان مهانًا كرمته، أنت الآن نصرت ضعيف، وبإمكانك أن تسحقه، ربنا عز وجل سيكافئك مكافأة من جنس عملك، سينصرك على من هو أقوى منك، ليس هناك طريق كي ننتصر على هؤلاء الأعداء المتغطرسين الأقوياء إلا أن ننصر ضعفاءنا، هذا ملمح أنا أسميه ملمحًا توحيديًّا.
هناك ملمح آخر واقعي، الضعيف حينما ننصره يتماسك المجتمع، وعندئذٍ يستحيل أن يخرق من الخارج، صار المجتمع قلعة، هذه الأفكار أيها الإخوة يجب أن نعيها وعياً تاماً، نحن أمام أخطار كبيرة جداً، لأن الأعداء البعيدين يخططون لتغيير هويتنا، لتغيير ثقافتنا لتغيير ديننا، والعمل يجري على قدم وساق.
فنرجو الله سبحانه وتعالى أن نقوي أنفسنا، وأن نفهم الدين عمل.
 أمسك النبي يد بعض أصحابه عبد الله بن مسعود، وكانت خشنة، رفعها، وقال: هذه اليد يحبها الله ورسوله.
سيدنا عمر يمشي في بلدة فرأى كل الفعاليات بيد غير المسلمة، فعاتبهم، فاحتجوا كما يحتج أغنياء المسلمين، الله سخرهم لنا، فقال هذا العملاق الخليفة الراشد: كيف بكم إذا أصبحتم عبيداً عندهم ؟
المنتج قوي، والمستهلك ضعيف، أنت عندك مركبة، تعطلت فيها قطعة، لو طالبوك بمئة ضعف ثمنها فأنت تزعم.
 نحن عندنا عقود شراء اسمها في الفقه عقود إذعان، بمئة ضعف، هناك دراسة أن المركبة تباع القطعة بثلاثمئة ضعف من ثمنها، اشترِ مركبة أنتَ، علقتْ، أي شيء تحتاجه ثمنه غير معقول، ثمنها ثلاثمئة ضعف، قال: كيف بكم إذا أصبحتم عبيداً عندهم ؟ الله عز وجل يحب العمل.
سيدنا عمر يقول: أرى الرجل لا عمل له يسقط من عيني.
 والله أيها الإخوة، لما أزور إخواننا المتفوقين بأعمالهم، والله أشعر بانتعاش، أشعر بحماس لا يوصف، دائماً المسلم الضارب على الآلة الكاتبة، أو الآذن، هذا المسلم ؟ لمَ لا يكون صناعيًّا كبيرًا ؟ لمَ لا يكون تاجرًا كبيرًا، مزارعًا كبيرًا، أستاذًا جامعيًّا كبيرًا، طبيبًا من أعلى درجة ، لماذا ؟ النبي طلب النخبة، قال: الله أعزَّ الإسلام بأحد العُمرين، طلب نخبة يحملون معه، اسمعوا مني هذه الكلمة، والله الآن لن يحترم دينك إلا إذا تفوقت في عملك، تتفوق، يربطون التفوق بالإسلام.
 نحن اليوم من فضل الله أكرمنا طلابًا كثيرين متفوقين في الشهادة الثانوية، 237 من 240، عدد طلاب كبير جداً من المتفوقين، أنا والله أعتز بهم، وهذا هو الدين، الناس الجهلة يفهمون أن التدين يعني التخلف، وهناك عبارة لا سمح الله ولا قدر أن نكون كذلك تقال عنا في الغرب: أن هذا المسلمين أي بي إم، أي إن شاء الله، بي بكرة، إم معلش، دائماً يسوف، ولا يدقق بعمله، لا بمواعيده، لا بإنجازه، لا بإتقان عمله، دائماً يماطل ويقول لك: إن شاء الله، ليس هذا هو المسلم، المسلم صادق الوعد.
فأرجو الله سبحانه وتعالى أن تكون هذه الآية:

﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ﴾

، هذا الدين يجب أن يكون قوياً.
 أقول لكم هذه الكلمة: هناك قوة الحق، وهناك حق القوة، الآن بالعالم كله القوي على حق ولو ظلم، لو قتل، لو أباد، لو أباد مئات الألوف، لو هدم مئات المساكن، لو جرف المزارع، لو هدم الآباء، لأنه قوي على حق، متى يكون للحق قوة ؟ الآن قوة الباطل، مادام قويًّا يدعي أنه على حق .
فأسأل الله سبحانه وتعالى أن يرينا أمتنا وهي قوية، وهذا يقوم على سواعدكم، وكل واحد مسؤول عن هذه الأمة، الآن أنت الطالب تفوقت خدمت أمتك، تفوقت وقدمت للأمة مخترعًا، أو إنجازًا أو حلاًّ لمشكلة، الصانع أتقِن عملك، ونافِس البضاعة الأجنبية.
 واللهِ بعض المسلمين تباع بضاعتهم في أوربة وفي أمريكة، هذا شيء يرفع الرأس، طور عملك، والله معك، فقط تحرك، إذا أراد ربك إظهار فضله عليك خلق الفضل ونسبه إليك، كل واحد يعاهد نفسه، يقدم شيئًا للأمة، هذا الشيء يعود عليك، لكن يطور نفسه فيتفوق في دراسته، يتقن صناعته، يتقن تجارته، يضع نفسه في القمة حتى تقوى الأمة في مجموعها به.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018