٠11رمضان 1425هـ - ومضات ايمانية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

ومضات إيمانية لرمضان 1425 - الدرس : 54 - سورة الممتحنة الآية 12


2004-11-10

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الإخوة الكرام، في سورة الممتحنة آية فيها ملمح دقيق، ألا وهي:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (12)﴾

(سورة الممتحنة)

ما الفرق بين أن يقول الله عز وجل: ولا يعصينك، وبين أن يقول: ولا يعصينك في معروف ؟
 في الحالة الأولى لا يعصينه مطلقاً، لكن في الحالة الثانية معصية النبي مقيدة بالمعروف: ماذا يعني ذلك ؟ يعني أن الدين يتوافق مع العقل: يؤكد هذا المعنى الدقيق أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل سرية: وأمر عليها أنصارياً: بعد حين عثرت على رواية لها: أمر عليها أنصارياً ذا دعابة: فلما انطلقوا قال لأصحابه: أضرموا ناراً عظيمة، فأضرموها، قال: اقتحموها ؟ قالوا: كيف ؟ قال: ألست أميركم ؟ أليست طاعتي طاعة رسول الله ؟ اقتحموها، الصحابة ترددوا، بعضهم حكم عقله، فقال: إنما آمنا بالله فراراً من النار، كيف نقتحمها ؟ وبعضهم همّ أن يقتحمها، فلما عرضوا أمرهم بعد حين على النبي صلى الله عليه وسلم قال: والله لو اقتحمتموها لا زلتم فيها إلى يوم القيامة ؟ إنما الطاعة في معروف.

(الترمذي)

 أي إنّ هذه الشريعة عدل كلها، رحمة كلها، مصلحة كلها، حكمة كلها، أية قضية خرجت من العدل إلى الجور، ومن الرحمة إلى القسوة، ومن الحكمة إلى خلافها، ومن المصلحة إلى المفسدة، فليست من الشريعة، ولو أدخلت عليها بألف تأويل وتأويل.
 من الشريعة أن تذبح في الحج غنمة، إما جزاءاً، أو تقرباً، أو ترميماً، أو شكراً، مضت سنوات طويلة يذبح في منى ما يقترب من مليون أو أكثر، تذبح وتلقى في الطريق، ائت بإنسان عاقل، أيعقل أن يكون هذا شرع الله عز وجل ؟ مليون غنمة ! ثمن الدابة مبلغ كبير، وهناك شعوب تموت من الجوع، هل هذه شريعة ؟ هل أمر الله يقتضي أن تذبح وتمشي ؟ وتبقى منى تفوح منها رائحة اللحم المتفسخ لثلاثة أشهر، الآن طبعاً تذبح في المسالخ، وتجمد، وتساق للدول الفقيرة، هذه شريعة، لا يمكن أن تتناقض الشريعة مع العقل السليم، ولا مع الفطرة السليمة، ولا مع الواقع، لذلك يمكن أن نقول: إن الحق دائرة تتقاطع فيها أربعة خطوط، خط النقل الصحيح، أنا ألح على الكلمة الثانية، النقل الصحيح، وخط العقل الصريح، وخط الفطرة السليمة، وخط الواقع الموضوعي، العقل الصريح لأن هناك عقلاً تبريرياً، أهل الشهوات والأهواء يستخدمون العقل التبريري، فمن أجل شهوتهم ومتعتهم، وانخراطهم في الملذات المحرمة يقولون: المرأة نصف المجتمع، ولا بد أن تعمل، وتكون في كل مكان، ومن حقها أن تظهر مفاتنها، هذا عقل تبريري، هدفه المتعة، نغطي المتعة بفلسفة فارهة، هذا سماه القرآن زخرف القول.

 

﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾

 

(سورة الأنعام)

 هذا العقل التبريري مرفوض، العقل الصريح والنقل الصحيح، هناك أحاديث لا تعد ولا تحصى، لا أصل لها، موضوعة، تثبط همة الإنسان، كل الناس هلكى إلا العاملون، والعاملون هلكى إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم، هذا الحديث مهمته التيئيس، لا بد من نقل صحيح، ولا بد من عقل صريح، ولا بد من فطرة سليمة، ولا بد من واقع موضوعي، حتى يكون الحق حقاً.
 أن تعتقد أن الدين شيء لا يخضع للعقل، مستحيل، من خلق العقل ؟ الله عز وجل، من أنزل الوحي ؟ الله عز وجل، من فطر الإنسان فطرة سليمة ؟ الله عز وجل، من خلق الواقع الموضوعي ؟ الله عز وجل، أيعقل أن تكون أربعة فروع من أصل واحد متناقضة فيما بينها ؟ هذا ما دعا عض كار العلماء أن يؤلف كتاباً حول حتمية توافق النقل مع العقل.
أيها الإخوة: إذا تعارض النقل مع العقل فلضعف في قطعية أحدهما، إذا تعارض العقل مع النقل فلخلل في قطعية أحدهما.
 يا أيها الإخوة: يجب أن نطمئن أن هذا الدين دين الله، النصوص من عند الله، الفطرة من تصميم الله عز وجل، الواقع من خلق الله، العقل من خلق الله، لذلك سيد الخلق، وحبيب الحق، وسيد ولد آدم الذي يوحى إليه معصيته مقيدة بالمعروف، قد يأتي إنسان لم يتعمق بالعلم، يرى أن مخالفة الشيخ في أي شيء محرم.
 مرة كنت في بيت الله الحرام، ودون أن أشعر انتهى إلى سمعي فقرة من درس، هذه الفقرة تقول: أن إنسانا عزف ابنه عن أكل اليقطين، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يحبه، فقتله تقرباً إلى الله ! ما هذا الكلام ؟؟؟ والله المتكلم جاد فيما يقول.

 

﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾

 ما من إنسان فوق العقل، أو يأمر الناس أن يقتلوا أنفسهم، في أميركا قبل أعوام عديدة إنسان جمع خمسة وخمسون شخصا، وألقى في روعهم أنه في مرتبة دينية عالية، ثم أمرهم أن يقتلوا أنفسهم، فقتلوا أنفسهم، المؤمن محصن، الأمر النبوي يجب أن يتوافق مع العقل، ومع النقل، ومع الفطرة، والواقع هذه الحقيقة، فديننا دين علم، دين أدلة، دين عقل، دين فطرة، وواقع، ووحي، انطلقت من هذه الكلمة في آية:

 

 

﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾

 

 العقل لا يعطل أبداً، لكن قد تسألني: ما علاقة النقل بالعقل ؟ التوافق حتمي لكن مهمة العقل له مهمة قبل النقل، وله مهمة بعد النقل، قبل النقل أن يتأكد من صحة النقل، وبعد النقل أن يحاول فهم النقل فقط، أما أن نعطي العقل صلاحية أن يكون حكمًا على النقل، هذه فرقة ضالة هي الفرقة المعتزلة، التي بدأت في العصور العباسية، ولها بقايا الآن، الذي يحكم عقله فقط، فإذا لم يعجب عقلك الشيء رفضته، ولو كان حديثاً، أو قرآناً، أو نصاً صحيحاً هذا غلو في الدين، وتطرف ما بعده تطرف، لن يكون العقل حكماً على النقل.
 أقوى دليل على ذلك ؟ أن العقل مرتبط بالواقع، نحن بين أيدينا قرص فيه مئة وخمسون ألف صفحة، أربعة جدران من الأرض إلى السقف فيه كتب، فيه قرص واحد، وثمنه خمسون ليرة، لو أيقظت إنسانا من قبره قبل مئة عام، وحدثته أن هناك قرصا يتسع لمئة وسبعين ألف صفحة يتهمك بالجنون، ولا يصدق !!! لأن العقل مربوط بالواقع، والبيئة، والخالق.
 مثلاً: في عهد النبي الكريم e يوجد الخيل والبغال والحمير والجمال فقط، لكن قضية الطائرة قد تركب من دمشق إلى أقصى مكان في الدنيا بسبعة عشرة ساعة ! أما قديماً يجب أن تأتي من المدينة إلى دمشق بأشهر، فالذي لن يعيش هذا العصر لن يصدق بالطائرة، لكن الله حينما قال:

﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8)﴾

(سورة النحل)

 لو تعارض العقل مع النقل، ولا يمكن التوفيق بينهما نحن مع من ؟ مع النقل، النقل هو الوحي، والوحي من عند المطلق، من عند الذي علم ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما سيكون ما لم يكن لو كان كيف كان يكون !
أيها الإخوة: هذا المنهج في البحث دقيق جداً، كل هذا الكلام من كلمة في معروف، معصية النبي صلى الله عليه وسلم مقيدة بالمعروف.

 

﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾

 

 

 لذلك لا تعطل عقلك أبداً بالمقابل، إياك أن تحكم عقلك بالنص، استخدم عقلك للتأكد من صحة النص، ثم استخدم عقلك لفهم النص، أما أن تفكر قليلاً فتقول: هذا الحديث غير منطقي، وغير معقول، أنا لا أقبله، من أنت ؟ هذا الآن يجري، كل إنسان اعتمد عقله مرجعية كاملة، وحكما مطلقا، ومقياسا مطلقا، لذلك من علامات قيام الساعة عن أبي أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيُّ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ فَقُلْتُ: يَا أَبَا ثَعْلَبَةَ كَيْفَ تَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ] عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ [، قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْهَا خَبِيرًا، سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:

(( بَلِ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنَاهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا، وَهَوًى مُتَّبَعًا، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْكَ يَعْنِي بِنَفْسِكَ، وَدَعْ عَنْكَ الْعَوَامَّ، فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ، الصَّبْرُ فِيهِ مِثْلُ قَبْضٍ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِمْ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا، يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِهِ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْهُمْ قَالَ: أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ ))

(سنن أبي داود)

 أيها الإخوة: دققوا كثيراً في قوله تعالى:

 

﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾

 

 

واعتقدوا اعتقاداً جازماً أن الذي خلق العقل، والذي خلق الفطرة، والواقع هو الذي أنزل هذا القرآن.
 أحياناً يرد سؤال: ما وضع الإيماء في الإسلام ؟ الآن هذا الموضوع غير موجود إطلاقاً، ولا في أي مكان في العالم، ومع ذلك قبل أن تخوض في تفاصيل هذا الموضوع يجب أن تعتقد أن تشريع الله عز وجل تشريع كامل يجب أن يليق التشريع بكمال الله وعدله ورحمته، أما أن يتناهى على سمعك عن أحكام لا دعم لها من نص قرآني، أو حديث نبوي، لكنها من اجتهاد إنسان عاش حقبة غير هذه الحقبة.
 أنهي هذا الدرس بقول أحد العلماء: الشريعة عدل كلها رحمة كلها، مصلحة كلها، حكمة كلها، وأية قضية خرجت من الرحمة إلى القسوة، ومن المصلحة إلى المفسدة، ومن العدل إلى الجور، ومن الحكمة إلى خلافها فليست من الشريعة، ولو أدخلت عليها بألف تأويل وتأويل.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018