٠11رمضان 1425هـ - ومضات ايمانية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

ومضات إيمانية لرمضان 1425 - الدرس : 55 - التمكن


2004-11-11

 الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الإخوة، من لوازم الإيمان التمكن، ما معنى التمكن ؟ أن تكون في الأعماق، ألاّ يستخفك المبطلون، ألا تتزلزل إن ألمت بك النوازل، ألا يضعف يقينك بنصر الله عز وجل.
فرق كبير بين قارب صغير قد تطيح الأمواج، و بين سفينة عملاقة كالجبل في البحر، فضعيف الإيمان كالقارب، أقلّ موجة تجعله يضطرب، بينما المتمكن كالجبل الشامخ لا تزلزله العواصف ز
الحقيقة أن الآية التي تتعلق بهذه المكانة وهذه المرتبة هي قوله تعالى:

﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (60) ﴾

[ سورة الروم: الآية 60]

 لو أن الإنسان كان خفيفاً فأيّة هزة، أيّ ضغط، أيّ إغراء يخرجه عن استقامته، هذا الذي عبرت عنه ليلة القدر.
حينما يعبد الإنسان الله من دون علم تكون مقاومته هشة، فهو يخرق استقامته لأدنى ضغط، أو لأدنى إغراء، وما أكثر العقبات والصوارف في هذه الأيام، فالذي لا يستخفه الفاسقون والمبطلون وأهل الدنيا والمشككون والمتطاولون يعد متمكناً.
وقد جاء قبل هذه الآية:

 

﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾

 

[ سورة الروم: الآية 60]

 وقد يحتاج الناس إلى شرح هذه المنزلة لما يجري الآن من حرب شعواء على المسلمين في شتى بقاع الأرض، فضعيف الإيمان يقول: أين الله ؟ لما لا يتدخل ؟ أين وعده بالنصر ؟ فكلما ضعف الإيمان تزلزل الإنسان، و في معركة الخندق:

 

﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً (11) ﴾

 

[ سورة الأحزاب ]

 تكلم ما شئت، تحدث عن نفسك ما شئت، لكن الله متكفل أن يضعك في حجمك الحقيقي، فلذلك عاش رجل مع النبي عليه الصلاة والسلام، فلما رأى الأحزاب، وقد جاءت لتستأصل شأفة الإسلام، وتنهي الإسلام، وتبيد المسلمين قال: أيعدنا صاحبكم أن تفتح علينا بلاد كسرى و قيصر، وأحدنا لا يأمن أن يقضي حاجته ؟ المتمكن في قمة جبل، وفي سفح هذا الجبل ساحل بحر، مهما علت أمواجه فلن تصل إلى قمة الجبل، فهو في حرز حريز، وفي مكان قوي، بينما ضعيف الإيمان على ساحل البحر أية موجة تجذبه إلى البحر وتغرقه، فبين أن تكون في الأعماق وبين أن تكن معرضاً لكل الفتن، ولكل الظروف الصعبة، والحقيقة في معامل الإسمنت مع كل وجبة يصنعون مكعبات صغيرة من الإسمنت، بعد أن تجفف توضع على جهاز، وتعلق من أعلاها، وفي أسفلها كفة ميزان، توضع الأثقال في هذه الكفة، فعلى أي وزن تقطع تكون هذه مقاومتها.
لو صح هذا المثَل كل مؤمن في شدة معينة تخرجه عن استقامته، فكلما كان يقينه بالله قوياً وكلما كان متمكناً، وكلما كان في الأعماق، وكلما كان في قمم الجبال لا تستطيع المصائب ولا الزلازل، ولا الإغراءات ولا العقبات، ولا الصوارف أن تصرفه عن طاعة الله عز وجل.
أيها الإخوة الكرام، هذا المعنى يذكرنا بقول الله عز وجل:

 

﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4) ﴾

 

[ سورة القلم: الآية 4]

 ( على ) تفيد التمكن، مهما اشتد الأمور، مهما ظهر الكفار أقوياء، مهما بطش الكفار، مهما كانوا ممكنين في الأرض فيقين المؤمن بنصر الله لا يتزحزح، ولا يتغير، ولا يضعف، فكلما اشتدت الأمور فرز الناس إلى منافقين، وإلى مؤمنين صادقين:
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا

﴿بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (23) ﴾

[ سورة الأحزاب: الآية 23]

﴿قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ﴾

[ سورة الأنعام: الآية 135]

 كل شخص له مكانة، فإما أن تكون هذه المكانة في قمة جبل لا يتأثر بأي طارئ، وإما أن تكون هذه المكانة في سفح جبل معرض لأي طارئ:

 

﴿قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ﴾

 

[ سورة الأنعام: الآية 135]

 هذا التمكن فوق الطمأنينة، المطمئن مطمئن، لكن المطمئن قد لا يطمئن إلا أن المتمكن مرتبته فوق المطمئن، طبيب متبحر في العلم، متعمق رأى آلاف الحالات، الأمراض الإنتانية الناتجة عن التلوث، مستحيل وألف ألف مستحيل أن يأكل فاكهة من دون أن يغسلها، قضية منتهية، يوجد بالإنسان حقائق قد يعبر عنها بأنه عقلها، نحن في الكومبيوتر نحتفظ بالمعلومات، إما على الهارد، أو على الذاكرة، المعلومات في الذاكرة باقية ما دامت التيار موصول بالكومبيوتر، فإذا قطع التيار محيت المعلومات، بينما المعلومات على الهارد مثبتة بشكل ميكانيكي، فلو أطفئ الجهاز، ولو انقطع التيار المعلومات راسخة، لذلك الذي عَقَله الإنسان في الدنيا يكون معه في القبر.
سيدنا عمر سأل حينما أوضع في القبر: عقلي معي ؟ قال له: عقلك معك، الحقائق حينما تبقى في الذاكرة قد تغيب عنك أحياناً، أما حينما تصل إلى القلب فأي حقيقة صارخة ثابتة واضحة مرئية حاضرة دائماً.
 بالمناسبة أصعب شيء وضع المؤمن الضعيف، لا هو مؤمن قوي يقطف ثمار الإيمان، ولا هو كافر، يخاف من الله لكن حاله صعب جداً، أي بين أخذ و رد، الأخبار السارة تثبته قليلاً، الأخبار السيئة تضعفه كثيراً، يكفي أن تقرأ مقالة أنه استطاع العلماء أن يعرفوا جنس الجنين قبل أن يولد، يتزلزل، أين قوله تعالى:

 

﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾

 

[ سورة لقمان: الآية 34]

 كأنه فقد إيمانه، فلو تريث، وتحقق، الله عز وجل لم يقل: يعلم من في الأرحام، أي ذكرًا كان أم أنثى، يقول: يعلم ما في الأرحام، يوجد على الحوين المنوي من المورثات ما يزيد على خمسة آلاف مليون مبرمجة بأوقات معينة من يعلم تفاصيلها ؟ عرفوا ثمانين، مئة، أما العدد فمستحيل أن يحصيه إنسان، فمقالة أنه سوف يخترع دواء لإطالة العمر خطأ، هناك آية:

 

﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (34) ﴾

 

[ سورة النحل: الآية 61]

 أحياناً يقول:

 

﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5) ﴾

 

[ سورة القدر: الآية 5]

 الآن تقصف الفلوجة في ليلة القدر، كيف هذه الآية ؟ أي ضعيف الإيمان أيّ حدث، أيّ ضغط، أيّ إكراه، أيّ إغراء يخرجه عن استقامته، فلابد من التمكن، فالتمكن يحتاج إلى جهد كبير، إلى متابعة، إلى استقامة، إلى إتقان عبادة، إلى بذل، إلى تضحية، التمكن مرتبة أسأل الله جل جلاله أن نرزقها جميعاً.

 

﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78) ﴾

 

[ سورة الحج: الآية 78]

﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (101) ﴾

[ سورة آل عمران: الآية 101]

﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ﴾

[ سورة النساء: الآية 146]

 إذاً التمكن طريقه الاعتصام بالله، الاعتصام بكتابه، الاعتصام بنصوصه كي تتمكن عقيدتك، قال العلماء: اعتصام نوعان، اعتصام توكل، واستعانة وتفويض، وعياذ، وإسلام واستسلام.
سيدنا موسى عندما كان مع بني إسرائيل، وقد فروا من فرعون، فإذا بفرعون وراءه بجيشه، و قده، وطغيانه، وجبروته، وقهره، وبطشه، وكبريائه، والبحر أمامهم، هل يوجد أمان ؟ والآن لا يوجد أمل، لا يوجد أمل أرضيّ الآن:

 

﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62) ﴾

 

[ سورة الشعراء ]

 هذا التمكن، بالمليون واحد لا يوجد أمل، البحر أمامنا، وفرعون بجيشه الضخم، وحقده الكبير، و بطشه، و جبروته، و تألهه وراءنا، فالله عز وجل أوحى إلى سيدنا موسى:

 

﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً﴾

 

[ سورة طه: الآية 77]

 هذه القصص من أجل أن نعلم أنك إذا كنت متمكناً لا شيء يزلزلك، و لا شيء يدخل إلى قلبك الشك، فالتمكن مريح، أما أن تكون في السفح عرضة لكل موجة تأخذك، و العوام يعبرون عن هذه الحالة المرضية بالكلمة الدارجة كلمة تأخذه، و كلمة تحضره، يقرأ مقالة علمية قد تصادم آية يتزلزل، يسمع قصة يزداد إيمانه.
 ذكرت قبل يومين في ليلة من ليالي القدر الماضية أنّ إمام الحرم دعا في صلاة الوتر، و بكى كثيراً، وبالدعاء تقريباً خمس عشرة دقيقة، دعا على إسرائيل أن يدمرها الله عز وجل، والذي لا يصدق أنه في الوقت نفسه كانت طائرتان هيلوكبتر ذاهبتان إلى جنوب لبنان كي يخطف أفراد الطائرتين المسلمين من المساجد كرهائن في ليلة القدر، الذي حصل أن الطائرة الأولى وقعت على الثانية، والطائرتان وقعتا على مستعمرة، ومات مئة وخمسة وعشرون ضابط كوما ندوس، وكل ضابط كلف من خمسة إلى عشرة ملايين دولار، وهذه الخسارة أكبر خسارة تمنى بها إسرائيل من وقت نشوئها.
الذي يلفت النظر أن الصندوق الأسود في الطائرة الأولى لما فتح سمعوا رسالة من الطيار يقول: أنا أسقط، ولا أدري لم أسقط، الأمر بيد الله عز وجل، إن تدخل الله عز وجل ، يحسم كل شيء، و لكن يجب أن نقدم لله سبباً كي يتدخل من أجلنا.
فالمتمكن إذا تدخل الله هذه الحكمة، وإذا لم يتدخل هذه الحكمة، لا يوجد عنده شك، ولا واحد بالمليار، لا يوجد عنده شك أن الذي يفعله الله هو الحكمة المطلقة، ولا ييأس، ويبقى متفائلاً.
وأنا أقول لكم: أيها الإخوة، أخطر شيء أن نهزم من الداخل، أخطر شيء أن نشك في وعد الله لنا، فالتمكن اعتصام توكل واستعانة، وتفويض وعياذ، و إسلام و استسلام.
 أما الاعتصام الآخر فهو اعتصام الوحي، أي أن تحكم الوحي في كل أمورك، لكن الناس ألفوا أن أمور العبادات الشعائرية، هذه وفق الفقه، كم ركعة ؟ الآداب، السنن، الفرائض، المستحبات، هذه كلها من الشرع مأخوذة، أما البيع و الشراء، التعامل المادي، الاحتفالات العلاقات، الأفراح، الأتراح، هذه وفق التقاليد و العادات، مثلاً: من غش المسلمين، وقال: الله أكبر، في الحقيقة ما قالها، ولا مرة، ولو رددها بلسانه ألف مرة، لماذا ؟ لأنه رأى رؤية خاطئة، أن هذا المال الذي سيحققه من غش المسلمين هو أكبر عنده من طاعة الله.
من أطاع زوجته في معصية، وعصى خالقه ما قال الله أكبر و لا مرة، و لو رددها بلسانه ألف مرة، لأنه رأى رؤية خاطئة أن إرضاء زوجته أكبر عنده من إرضاء الله.
من أطاع مخلوقاً أي مخلوق، وعصى ربه، ما قال الله أكبر و لا مرة، و لو رددها بلسانه ألف مرة لأنه رأى أن هذا المخلوق رضاه أكبر من رضا الله عز وجل.
فنحن مشكلتنا أن هذه الكلمات الإسلامية الكبيرة فرغت من مضمونها، لا معنى لها الآن، يرتكب كل المعاصي و الآثام، و ماله حرام، وبالعيد الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، كلام لا معنى له إطلاقاً، الذي يقول الله أكبر لو قطعته إرباً إرباً لا يعصي الله.
المليون عنده كالليرة، التبر كالتراب في جنب طاعة الله.
فيا أيها الإخوة، المطلوب في هذه المنزلة منزلة التمكن أن نسعى لأن نكون في الأعماق، أو أن نكون في قمم الجبال، لا أن نكون على حرف:

 

﴿النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (11) ﴾

 

[ سورة الحج: الآية 11]

بين أن نعبد الله على حرف، و بين أن نعبد الله، و نحن في الأعماق، و نحن في قمم الجبال.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018