٠11رمضان 1425هـ - ومضات ايمانية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

ومضات إيمانية لرمضان 1425 - الدرس : 48 - تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام


2004-11-09

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الإخوة، آخر آية في سورة الرحمن:

﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (78) ﴾

 ماذا تعني:

﴿ ذِي الجَلاَلِ وَالإِكْرِامِ ﴾

  الجلال العظمة، فلعظمته تهابه، فالإكرام مطلق العطاء، فلعطائه تحبه، فالذات الكاملة جل جلاله تعظمها بقدر ما تحبها، وتحبها بقدر ما تعظمها.
أقول لكم هذه الكلمة:
 الأنبياء والمرسلون تعظمهم بقدر ما تحبهم، من رآه بديهة هابه، ومن عاملهم أحبهم، فيهم كمال، وجلال، وعطاء، وهيبة، السؤال المزعج: من قال إن الشارد عن الله نظيف جداً، وأنيق جداً، ومنضبط بقواعد الحياة العامة ؟ ومن قال: إن الشارد عن الله عنده إحساس جمالي ؟ تأتي إلى إنسان يدعي أنه مؤمن فيه إهمال، قد تدخل إلى صيدليتين، تجد الأولى في منتهى النظافة والترتيب والأناقة، وقد تدخل إلى صيدلية ثانية، وقد يكون صاحبها محسوباً علينا، وهي في منتهى الفوضوية، وعدم النظافة، هناك إنسان في البداية يؤخذ بالمظاهر، الذي يحصل أن الذي يذهب إلى بلاد الغرب يرى الشوارع والحدائق والنظام والأناقة والجمال، ثم يأتي إلى بلاد الشرق فيرى الفوضى أحياناً، وعدم النظافة، وعدم الإتقان، من هذا الذي من هذا الذي ربط الأناقة والنظام والنظافة بالكفر ؟ ومن هذا الذي ربط عدم الأناقة، والفوضى وعدم النظافة بأهل الإيمان ؟ شيء واقع.
 أحياناً أيها الإخوة تذهب إلى بلد شارد عن الله، فترى مظاهر الحضارة في أعلى درجة، تذهب إلى بلد مسلم فترى التخلف والإهمال وعدم النظام.
 مرة ذهبت إلى بلد مسلم، لكن لا يختلف عن أرقى بلد في العالم، هذا البلد في آسية، فأحدث لي صدمة، كأنك في أرقى بلد في أوربة أو في أمريكة، وهو بلد مسلم ملتزم، فائضه النقدي 60 مليارًا، يصدّر إلى بلاد العالم كله، مجموع صارداته تزيد على صادرات العالم العربي بأكمله بما فيه النفط، والنظام في أعلى درجة، والأناقة في أعلى درجة، والنظافة في أعلى درجة، والنساء محجبات، والصحون ممنوعة، وغرامتها مبلغ فلكي، والبطاقات ليست فيها فوائد، والبنوك إسلامية، شيء لا يصدق، هذا هو الإسلام، تفوق في الدين، وتتفوق في الدنيا، فإن أردت أن تكون داعية فلا يمكن أن يحترم دينك إذا كنت متخلفاً عملك مهمل، صناعتك غير متقنة، مواعيدك غير منضبطة، حساباتك غير منضبطة، دوامك غير منضبط، فيك اتكالية، وتسويف، وتأجيل.
فلذلك أيها الإخوة، نحن حينما نرى النظافة، والنظام، والأناقة، هذا من لوازم المؤمن، وأن هذا يجلب الناس، أؤكد لكم أن العالم الغربي لا يمكن أن يقنع بإسلامنا، إلا إذا رآه مطبقاً في بلد ما، أما الإسلام بالكتب فلا قيمة له عنده إطلاقاً، إسلام بالمساجد لا قيمة له إطلاقاً، الإسلام في الحياة، في الطريق، في الانضباط، في تلك البلاد لو معك غلاف قطعة حلوى شفافة لا تستطيع أن تلقيها في الطريق، نظافة ما بعدها نظافة، أناقة ما بعدها أناقة، نظام ما بعده نظام، تجد في مصايفنا، وهذا شيء مؤلم جداً، وفي الأماكن الجميلة بقايا الطعام، والعبوات الفارغة، شيء لا يحتمل، إلى درجة أنك تتقزز أن تأتي هذه الأماكن ، الذي يؤلمني أشد الألم من ربط النظافة بالكفر، وعدم النظافة بالإسلام، اذهب إلى قرية مسلمة لا يعجبك لا منظرها، ولا طرقاتها، ولا بناؤها، اذهب إلى بلدة أخرى ترى الورود والنظافة والأناقة.
أنا انطلقت من هذه الآية لأنه بقدر ما تعظم الله عز وجل بقدر ما تحبه، وبقدر ما تحبه تعظمه، وبقدر ما تعظم النبي تحبه من رآه بديهة هابه، ومن عامله أحبه، قال:

(( حسنوا لباسكم، وأصلحوا رحالكم حتى تكونوا شامة بين الناس ))

 لو أن كل واحد اعتنى ببيته، اعتنى بمحله التجاري، تجد لوحة محل تجاري من ثلاثين سنة ما نظفت، أصبحت سوداء، تجد شركة أجنبية كل شهرين اللوحة تغسل، وتلمع، ما الذي يمنع أن يكون عندنا أناقة ونظافة وانضباط ومواعيد صحيحة ؟
فيجب على الطرف الآخر أن يكبر أناقتك ونظافتك، ومواعيدك وحساباتك حتى يعجب بدينك.
 وصدقوا أيها الإخوة أن طالبين مسلمين يقيمان في لندن، ولهم صديق بريطاني يتكلمان العربية، فإذا جاء، وانضم إليهما يتكلمان الإنكليزية، انتبه هو، أنه كلما دخل يغيرون اللغة، فسأل لماذا، فقالوا له: لأن نبينا عليه الصلاة والسلام نهانا أن نتناجى في حضرت رجل ثالث، فإن هذا يحزنه، والتناجي في اللغة العربية، وأنت لا تفهم يحزنك، فإذا دخل إليهم تكلموا الإنكليزية، كان هذا التصرف الطيف سبب إسلامه، قال: نبيكم حضاري.
 والله أيها الإخوة، لو ترجعون إلى دقائق هذا الدين لوجدت المسلم بأعلى درجة من الأناقة، والفهم والنظام، ودقة المواعيد، ودقة الحسابات، أكثر من يحاسبه يقول لك: تحاسبنا، أين الحساب ؟ لا ترتاح، أعطه الحساب، تجد الطبيب يبين لك المرض لا يكبره عليك ولا يصغره، وأسبابه وعلاجه والأدوية، طبيب آخر هذا الدواء فقط خذه، ما ارتاح المريض، لماذا لا نكون حضاريين حتى يحترم الناس إسلامنا ؟ لماذا لا نكون دقيقين بحساباتنا، بمواعيدنا، بكلامنا ؟
والله أيها الإخوة، دخلت إلى بيت في جوبر ما وقعت عيني على بيت أجمل منه، مع أن الأرض ليست عليها بلاط، إسمنت، وغرف، وطرش، والأثاث طراريح، لكن أحواض النبتات كلها مطلية بلون واحد، ليس ثمة شيء في غير محله، البيت في منتهى البساطة، أصحابه فقراء جداً، لكن تشتهي البيت العربي المتواضع من شدة نظافته وأناقته.
 تدخل أحيانا بعض البيوت ما فيها نظافة، ولا فيها أناقة، أنا أقول: نحن بحاجة إلى جانب جمالي في حياتنا، لأن العبادة طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية، أنت بحاجة ماسة إلى الجمال، جمال البيت، جمال المحل، جمال المكتب، جمال المركبة، والجمال يحتاج إلى نظافة فقط، نظافة، وانسجام، ألوان، وترتيب فقط، لو كل واحد جمل مكان عمله، ومكان بيته، وجمل مسجده لأفلحنا.
أحيانا أسمع عن مساجد نظيفة إلى درجة غير معقولة، شيء يلفت النظر، أنت كمؤمن يجب أن يحبك الناس بقدر ما يعظموك، تفوق وأخلاق.
ثمة واقعة مؤلمة جداً، أنك تجد إنسانًا حسن العبادة، سيئ الأخلاق، أو حسن الأخلاق سيئ العبادة، لا يجتمع الأمران عنده، لماذا لا تكون حسن العبادة وحسن الأخلاق معاً ؟ ما الذي يمنع ؟ اجعل هذه الآية منهجاً لك:

﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾

 أحيانا يحب الإنسان أمه محبة لا حدود لها، لكنها أمية، وهو معه دكتوراه، تعليقاتها مضحكة، وفهمها للأمور محدود جداً، هو يحبها، لكن لا يعجب بأفكارها، ولا بنظرتها، ولا بتحليلها، وأحياناً يكون له أستاذ بالجامعة في أعلى درجات الذكاء، والفهم، لكنه لئيم جداً، يكبره لعلمه، ولا يحبه، البطولة أن تجمع بين هاتين الصفتين، أن يحبك الطلاب، وأن يقدروا علمك، وإذا كنت أباً أن تكون محبوباً بقدر ما تكون مهابًا، وإن كنت في منصب أو في عمل جمع طرفي الكمال الإجلال كمال والإكرام كمال، أحدهم موضوعي، والثاني نفعي، جمع طرفي الكمال من جهة واحدة، هذا يلفت النظر، لذلك النبي لما صلى في آخر أيامه نظر إلى أصحابه فابتسم حتى بدت نواجذه، قال:

(( علماء حكماء، كادوا من فقههم أن يكنونا أنبياء ))

 كنت مرة في قطر شقيق، حدثني أخ قال لي: هناك عالم يقول: إن الناس يشربون بول النبي، ودم حجامته، قلت: والله لا أصدق ذلك، كان عليه الصلاة والسلام يأكل التمر، يمسك بالتمرة فيأكلها، لو أنه أنهى أكل التمرة، وبقيت النواة في فمه لو أنه أمسكها بين إصبعيه، ووضعها على الخوان، ثم أمسك تمرة أخرى ليأكلها فوجدها قاسية جداً تركها، وأخذ تمرة ثالثة، ما الذي حصل ؟ انتقل لعابه إلى تمرة لم يأكلها، فكان عليه الصلاة والسلام إذا أكل تمرة وضع النواة هنا بين ظهر إصبعيه لتبقى في إبهامه وسبابته جافة، فإذا أمسك تمرة أخرى لم ينتقل لعابه إلى طبق التمر، هذه أناقة النبي ، وهذا ذوق النبي .
 مرة صلى رجل كبير في السن إلى جانبه شاب، عليه علامات التدين، يبدو أن هذا الشيخ أعجبته صلاة هذا الشاب، فلما انتهى دعا له أن يرزقه الله صلاةً في بيت الله الحرام، إما في حج أو في عمرة، الدعاء طبعاً طويل، ضغطه في كلمة واحدة، قال له: حرماً إن شاء الله، هذا الشاب نظر إلى الشيخ، وجحظت عيناه، واكفهر لونه، وقال له: هذا لم يرد في السنة، بقسوة ما بعدها قسوة، فقال له: وهل ورد في السنة قلّةُ الذوق ؟ هذه السنة إذاً .
تجد أحياناً غلظة في التوجيه، وفظاظة، وقسوة، كان عليه الصلاة والسلام في أعلى درجات اللطف.
أيها الإخوة، نريد نموذجًا يجمع بين طرفي التفوق، طرف أخلاقي وطرف علمي، لا أريد إنسانًا متفوقًا، لكنه زنديق، ولا إنسانًا صالحًا، لكنه جاهل، نريد التفوق مع الإكرام، نريد من جمع طرفي الكمال،

﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾

 وأنت مسلم، وأنت على ثغرة من ثغر الإسلام، فلا يؤتين من قبلك.
 أنا أذكر لكم قصة قد لا تصدقونها، لكن المؤلف ذكرها، وهو عندي صادق ، رجل ملحد، من أكبر ملحدي أمريكة، أستاذ رياضيات في جامعة سان فرانسيسكو، سبب إلحاده لما كان طالبًا في التعليم الثانوي انتقد أستاذ الديانة، فأبوه تعصباً لهذا الأستاذ طرده من البيت، فلما طرده اعتنق الإلحاد، جاءته فتاة شرق أوسطية أرسلها إليه أستاذه، هذه الفتاة محجبة حجابًا كاملا، وفي أيام الصيف، والفتيات في أمريكة شبه عرايا، هو صدم أنه هذه عندها قناعات كبيرة جداً، وعميقة جداً، ومتينة جداً، خالفت في ثيابها معظم الفتيات، وقال: أنا أول مرة آخذ فكرة راقية عن الفتيات الشرق أوسطية، تحضر دكتوراه في الرياضيات، يقول هذا المؤلف: من يوم الذي نظرت إلى هذه الفتاة، وأخذت عنها فكرة جيدة، تهيبت أن أحدق في وجهها، ورغبت أن أقدم لها أعلى خدمة، ثم إنني عكفت في اليوم نفسه على قراءة القرآن، والقصة طويلة، ووصل إلى قوله تعالى:

 

﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً﴾

 

( سورة يونس الآية: 92 )

 فقال: هذا أول خطأ، اتصل بصديقه بوليس بوكاين بفرنسا، قال له: تعال، قال له: هذا فرعون، أنا رممت يديه بنفسي، وجيء به إلى فرنسا، وسبب وفاته هو الغرق، فصعق، في النهاية طبعاً ألف كتابًا طويلا في مئات الصفحات، لماذا أسلم، أسلم وصار هذا الإنسان من أكبر دعاة أمريكة الآن، اسمه جفري لنك.
ما السبب ؟ فتاة محجبة متفوقة في الرياضيات، تحضر دكتوراه، معنى ذلك أنك إذا تفوقت في الدنيا، وكنت متمسكاً في دينك ترى العجب العجاب، أنت تكون داعية، وأنت صامت، ونحن الآن بحاجة إلى دعاة صامتين، لأنه قد تكون أكبر داعية، وأنت ساكت ، استقامتك، عفتك، أمانتك، صدقك، إتقان عملك، إنجاز وعدك، تحقيق عهدك، دعوة إلى الله هذا معنى قول النبي الكريم:

(( أنت على ثغرة من ثغر الإسلام فلا يؤتين من قبلك ))

ي الأثر]

 كل واحد سفير المسلمين، وأقول لكم مرة ثانية: والله الذي لا إله إلا هو لو أن الجاليات الإسلامية في العالم الغربي والشرقي طبقوا منهج الله عز وجل لكان موقف الغربيين من الإسلام غير هذا الموقف، لكن يرون الاحتيال أحياناًُ، والتصريح الكاذب، والتزوير، والطلاق الصوري من أجل نيلة التعويض، كله يفعله المسلمون، أقول لكن هذه الكلمة:
لو نظرت إلى بوذي في الطريق يتسول، هل تفكر لحظة في حياتك أن تقرأ كتابًا عن البوذية ؟ مستحيل، هو حجبك عن دينه، ولما يحتال المسلم، ويكذب، ويكون غير نظيف، وغير أنيق، وغير متفوق، وفي حياته فوضى، وفي حساباته فوضى، وفي علاقاته فوضى، وفي ببيته فوضى.
لو انتقلنا إلى النساء: امرأة مسلمة، لكن لا تعتني بصحتها أبداً، لا تعتني بثقافتها أبداً، لا تعتني بأولادها، تجد امرأة أخرى متفلتة من منهج الله، لكنها أم مثالية، ما الذي يحصل ؟ هذا المسلم يفتن في دينه، لذلك قال تعالى:

 

﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً﴾

 

( سورة الممتحنة الآية: 5 )

 أنت حينما تسيء يتوهم الكافر أنه على حق، ويترفع عما تفعله، ويعتقد أنه على حق، من أقنعه أنه على حق ؟ أنت أقنعته أنه على حق، أنت فتنته في دينه، أما حينما تكون مستقيماً، ومتفوقاً تحدث له صدمة، يندهش، صدقوا أن آلاف الذين دخلوا في الإسلام بسبب مسلم متفوق، أنا مضطر أن أعالج هذه الموضوعات لأننا نعاني مشكلة كبيرة، لأن أعداءنا أقويا، وهم يخططون لتدميرنا، ولا ينجينا من تدميرهم إلا أن نكون أقوياء، وبالتعبير المألوف حضاريين، بمعنى أنه حقائق هذا الإسلام التي أغفلناها يجب أن نعيدها.
والله في الإسلام مبادئ اجتماعية، مبادئ أخلاقية، مبادئ بالتعامل تفوق حد الخيال، لكننا قد أغفلناها جميعاً.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018