٠11رمضان 1425هـ - ومضات ايمانية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

ومضات إيمانية لرمضان 1425 - الدرس : 44 - الآية رقم 21 من سورة الجاثية


2004-11-07

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الإخوة الكرام، في سورة الجاثية آية:

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (4) ﴾

(سورة الجاثية)

 أيها الإخوة، صدقوا أنه لو لم يكن في كتاب الله إلا هذه الآية لكفت ! لأنها تملأ القلب طمأنينة، وتفاؤلاً، وإكباراً لعدل الله عز وجل،
إنسان مستقيم على أمره، آمن بالله حق الإيمان، وعمل الصالحات، لا يمكن، ولا يعقل، ولا يقبل أن يعامل كإنسان اجترح السيئات، ولم يعبأ بالعقوبات.

 

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (4) ﴾

 مستحيل وألف مستحيل أن تطيعه وتخسر، وتعصيه وتربح !
أيها الإخوة الكرام، إذا قرأتم القرآن كان شفاء لما في الصدور، طبيعة الحياة فيها مفارقات، وغنى مطغٍ، وفقر منسٍ، فيها إنسان قوي يبطش كما يريد، وإنسان ضعيف يخشى من ظله، بهذه الآية يتبدل الأمر:

 

 

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (4) ﴾

 شاب نشأ في طاعة الله، وطلب العفاف، وزوجه الله بامرأة، هذه المرأة تسره إن نظر إليها، وتحفظه إن غاب عنها، وتطيعه إن أمرها، لو أنه يعمل عملاً مشروعاً نظيفاً فله معاملة خاصة في بيته، وعمله، وصحته، وسمعته، ومكانته، وأهله، وأولاده.

 

 

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (4) ﴾

 هذا يتناقض مع عدل الله، أن يجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالذين اجترحوا السيئات، أو الذين اجترحوا السيئات كالذين آمنوا وعلموا الصالحات !
قد يذهب أحدكم إلى أنه في الآخرة مستحيل أن يكون هؤلاء كهؤلاء، نقول لك: لا، هذا في الدنيا، الآية تقول:

 

 

﴿سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ﴾

 فأنت حينما تستقيم على أمر الله يملأ الله قلبك غنى وطمأنينة واستقرارًا وسعادة.
عَنْ مُعَاذٍ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ عُفَيْرٌ فَقَالَ:

 

(( يَا مُعَاذُ، هَلْ تَدْرِي حَقَّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقَّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا أُبَشِّرُ بِهِ النَّاسَ ؟ قَالَ: لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا ))

(صحيح البخاري)

 أنت في الدنيا من أجل أن تعبد الله، علة وجودك أن تعبد الله، والعبادة طاعة طوعية ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية تفضي إلى سعادة أبدية.
السلوك هو الأصل، والعلم هو السبب، والسعادة هي الثمرة، في العبادة جانب معرفي، وجانب سلوكي، وجانب جمالي، حق الله على عباده أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئاً، بعد حين سأله مرة ثانية:

(( ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذُ ابْنَ جَبَلٍ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ، وَسَعْدَيْكَ، فَقَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوهُ ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ ))

(صحيح البخاري)

 ما قولك أيها الأخ الكريم ؟ أنشأ الله لك حقاً عليه !!! ولا يخلف الله الميعاد، وزوال الكون أهون على الله من ألاّ يحقق وعوده للمؤمنين، اطمأن أيها الأخ الكريم، واستقم على أمر الله، ولا تعبأ بالموازين المضطربة، ولا تعبأ برضا زيد أو عبيد، لا تقلق، إذا كان الله معك فمن عليك، وإذا كان عليك فمن معك، ولكن الله سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83) ﴾

 

(سورة الأعراف)

 سيدنا يوسف حينما دعته امرأة ذات منصب وجمال هو أعزب، وغريب، ووسيم، والتي دعته ليس من صالحها أن تخبر أحداً بذلك، وهي سيدته وآمرته، أسباب كثيرة تدعوه إلى المعصية، فقال:

 

﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾

 

(سورة يوسف)

 ما الذي انتهى به الأمر ؟ أن هذا النبي الكريم صار عزيز مصر، فقالت جارية في القصر: سبحان من جعل العبيد ملوكاً بطاعته !
أيها الأخ الكريم، اعتقد اعتقاداً جازماً أنه لا يذل من واليت يا رب، ولا يعز من عاديت.

 

﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً﴾

 

(سورة فاطر)

 فحينما تؤثر رضاء الله على الدنيا تأتيك الدنيا وهي راغمة، ومعها رضاء الله، حينما تؤثر الدنيا على الآخرة تخسرهما معاً.
 أيها الإخوة الكرام، ضربت قبل يومين مثلاً، كنت مع إخوة كرام، لو أنك رأيت ما يشبه القنبلة في الأرض احترت، هي قنبلة أم ليست قنبلة ؟ تعال نجرب، لو أنك جربت بنفسك، وكانت قنبلة، وانفجرت لم يبق في حياة الإنسان ثانية، ينتفع بهذا الدرس، ما مهمة الوحي ؟ أن يعطيك تقييم الأشياء قبل أن تدفع ثمن معرفتها، لذلك المؤمن نهي عن الزنى والخمر، والسرقة والغيبة، والنميمة سعادته وسلامته بطاعة الله عز وجل، يأتي إنسان يغامر، ويرتكب المحرمات، ويكتشف الحقيقة بعد فوات الأوان.
إخوتنا الكرام،

 

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾

 مستحيل وألف مستحيل أن يكون المسيء عند الله كالمحسن، أو المحسن كالمسيء، كل له معاملة خاصة، ولو تتبعت قصص آلاف الأشخاص، انظر الذي ماله حلال له معاملة خاصة.
 والله زرت في أحد الأعياد والد صديقي، وكان عمره ستًا وتسعين سنة، يتمتع بذاكرة قوية جداً، قال لي: قبل أيام أجريت فحصاً عاماً فكانت كل التحاليل جيدة، ونظامية، والحمد لله، قال: ولكنني لم آكل قرشًا واحدًا حرامًا في حياتي، ولا يعرف الحرام، هذه لها ثمن، يا رب لو نعلم تلك القوانين التي تحكم العباد.

 

 

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21) ﴾

 والحياة قبل الموت، أنت في الدنيا علاقتك بزوجتك، وبأولادك، وبمن حولك، ومن فوقك وتحتك، وبصحتك كله يأتي على شكل تكون راضياً عنه، لكن الإنسان في الحقيقة والواقع يمر بثلاث مراحل، مرحلة التأديب إذا أخطأ، ثم مرحلة الامتحان والابتلاء إذا استقر، فإذا كانت استقامته أصيلة ثبت ! فإذا نجح في امتحان التأديب والابتلاء دخل في مرحلة الإكرام، واستقرت حياته على الإكرام، لذلك هذه الآية:

 

 

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21) ﴾

 الناس يعتقدون أن القضية بالمال، والدراهم مراهم، ومن ملك المال ملك كل شيء، أو يعتقدون بالمنصب الرفيع، من ملكه ملك السعادة، أو يعتقدون بالوسامة، والاستمتاع بالملذات، لكن الذي يعلم علم اليقين يرى أن السعادة في طاعة الله عز وجل.
شيء آخر، الله عز وجل أنشأ لك حقًّا عليه، إله الكون قال لك: حق علي يا عبدي إذا عبدتني ألاّ أعذبك، لذلك الإمام الشافعي له استنباط رائع، قال:

 

 

﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾

 

(سورة المائدة)

 أي إن الله سبحانه وتعالى لو قبل منهم أنهم أحبابه لما عذبهم، فاستنبط الإمام الشافعي رحمه الله تعالى أن الله لا يعذب أحبابه، هذا الشعور بالأمن هو أثمن شعور تملكه، الشعور أن الله معك، ولا يتخلى عنك، وأنه يحبك، وأنت في عين الله، ورعايته وحفظه، وتأييده وتوفيقه، هذا معنى المعية الخاصة، إن الله مع المؤمنين والصادقين والتوابين، هذه معية خاصة، أي معهم بالتوفيق، وبالحفظ وبالتأييد وبالنصر، هذه الآية ينبغي أن تكون شعاراً لنا

 

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾

 يمكن أن تغش المسلمين وتحيا حياة طيبة، والذي ما غشهم يحيا حياة تعيسة ؟ مستحيل، يمكن أن تكون كاذبًا، وأنت الأول، والصادق متخلف ؟ شيء مستحيل أن يقبله العقل.

 

 

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾

 شاب بار بوالدته، يعامل كما يعامل شاب عاق لوالدته، مستحيل !! شاب متقن لعمله، لا يكذب، لا يخون، لا يأكل مالاً حراماً، هذا له معاملة خاصة، له حفظ وتأييد، وتوفيق ودعم.
والله أيها الإخوة، حينما تعتمد على الله، وترجو رحمته، وتخشى عذابه، ولا تعبأ بغيره إطلاقاً، تأتيك الدنيا وهي راغمة.
أوحى ربك إلى الدنيا أنه من خدمك فاستخدميه، الدنيا تضر، وتغر، وتمر، وأنه من خدمني فاخدميه، الدنيا تأتي، وهي راغمة.
ابن آدم كن لي كما أريد، ولا تعلمني بما يصلحك، كن لي كما أريد أكن لك كما تريد، إذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، أنت تريد، وأنا أريد، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد.
أنا لا أقول لكم: جربوا، لأن الله لا يجرب، ولا يمتحن، لكن أقول لكم: مستحيل وألف مستحيل أن تطيعه وتخسر، وتعصيه وتربح، وتخافه وتدمر، ولا تخاف منه، وأن تعز، مستحيل، والحياة بين أيديكم.
إخواننا الكرام، لا شك أن لكل واحد منكم بضع قصص يعرف تفاصيلها من البداية إلى النهاية، يرى عهد الله المطلق، وحكمته المطلقة، ولكن حينما تستمع إلى آلاف القصص من آخر فصل أنصحك ألاّ تحكم عليها أبداً، لا تحكم على قصة إلا إذا عرفت كل فصولها، لأنك إذا عرفت كل فصولها رأيت عدل الله عز وجل، عدله المطلق ورحمته، تعامل مع الله مباشرة، وبروح الدين، اسأل الله السلامة، وناجه في الليل، واطلب منه المغفرة والتوفيق، والتأييد والنصر، يجب أن تنعقد هذه الصلة مع الله عز وجل، هذه الآية والله تكفي.

 

 

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21) ﴾

 ويدعمها الحديث الشريف:

 

(( حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا...وحَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ ))

( البخاري عن معاذ )

 تدعمها الآية الثانية:

 

﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018