٠11رمضان 1425هـ - ومضات ايمانية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

ومضات إيمانية لرمضان 1425 - الدرس : 34 - من قصص الأنبياء – سيدنا موسى


2004-11-01

الحمد لله رب العالمين ، والصـلاة والسـلام على سـيدنا محمد الصـادق الوعـد الأمين .

قصة سيدنا موسى :

قال كلا إن معي ربي سيهدين
أيها الإخوة الكرام ؛ لا شك أن اليأس كفر ، وأن القنوط كفر ، وأن أخطر شيء يصيب الأمة أن تهزم من الداخل ، أو أن تقع في اليأس ، لذلك ساق الله جل جلاله لنا قصص الأنبياء لتكون دروساً لنا .
الآن أعرض عليكم قصة بمقاييس الأرض ، هل هناك أمل واحد بالمليار أن ينجو واحد من هؤلاء ؟
سيدنا موسى حينما سار بقومه بني إسرائيل ، وهم شرذمة قليلون أتبعهم فرعون بجنوده ، وفرعون بجنوده وطغيانه ، وجبروته وحقده ، وقوته وبطشه ، وصلوا إلى ساحل البحر ، هل هناك من أمل ؟ إطلاقاً ، ولا واحدًا بالمليار .

﴿ فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾

[ سورة الشعراء الآية : 61 ]

نبي كريم ، معه وحي السماء قال : الذي ييأس لا يعرف الله أبدا

﴿ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾

[ سورة الشعراء الآية : 62 ]

فإذا كان الله معك فمن عليك ، وإذا كان الله عليك فمن معك .
هذه القصة تبين لنا أن الذي ييئس ، أو يقنط لا يعرف الله أبداً ، لم يعرف يعرف أن الله بيده كل شيء ، وأمره كن فيكون ، زل فيزول ، العبرة أن نكون مؤهلين كي ينصرنا الله عز وجل : شق الله طريقا في البحر يمر فيه موسى ومن معه

﴿ فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾

فإذا بالبحر يصبح طريقاً يبساً يمر فيه هذا النبي الكريم مع قومه من بني إسرائيل ، فلما وصلوا إلى الضفة الثانية دخل فرعون في الطريق اليبس ، فلما صار في منتصف البحر الأحمر عاد البحر بحراً !!!
آلاف المسلمين ربما يئسوا من أن يهزم الطغاة
هذه القصة لمن ؟ !!
لسيدنا موسى !!؟
جاء القرآن بعد سيدنا موسى لمن ؟؟؟ ... لنا .
إياكم أن تيئسوا ، البطولة أن تقدم لله سبباً كي يتدخل من أجلك ، إذا تدخل الله عز وجل حسم كل شيء ، وإذا كان الله معك فمن عليك ، وإذا كان عليك فمن معك ؟
هذه القصة ليست لأخذ العلم بما حصل لسيدنا موسى ، ومن يظن كذلك فهو لم يقرأ هذه القصة ، أرادها الله لنا درساً عملياً ، وضع لنا حالة الأمل في النجاة صفرًا .
والآن ... آلاف المسلمين يقولون لك : ليس هناك حل أرضي ، لأن هذه القوة الطاغية لا تستطيع قوة في الأرض من بني البشر أن تقف أمامها ، فبدل أن نيئس ونقول انتهينا ، إذا قرأنا القرآن نؤمن أن الأمر بيد الله ، ولا يليق بكمال الله أن يجري في ملكه مالا يريد ، ولا يمكن لجهة أن تتأله ، فالله سبحانه وتعالى يقصم ، هذه قصة !

قصة سيدنا يونس :

قصة ثانية ...
المصائب لا تعد ولا تحصى ...
مصائب متعلقة بالجسم ... أمراض .
مصائب متعلقة بالدخل ... إفلاس ، كوارث اقتصادية ، بطالة ، دخل قليل ، فقر مدقع ، هذه مصائب .
مصائب تنال الإنسان مباشرة ... قد يفقد حريته .
هل هناك أمل إلا الله ويونس في بطن الحوت
لكن بربكم كل هذه المصائب إذا استعرضناها هل من مصيبة أكبر أن يجد الإنسان نفسه فجأة في بطن حوت ؟!!
فم الحوت يتسع لخمسين رجلا واقفًا ؟ فمه فقط ، لا بطنه ! طوله مئة وثمانون مترًا ، ووزنه مئة وخمسون طنًّا ، هذا الحوت الأزرق .
فنبي كريم فجأة يجد نفسه في فم الحوت ، فالتقمه الحوت ، هل يوجد أمل ؟ هو في ظلمات ثلاث ، في ظلمة الليل ، الظلام موحش ، وفي ظلمة البحر ، وظلام البحر أشد وحشة ، وفي ظلمة فم الحوت ، في الليل ، والبحر ، وفم الحوت !

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ ﴾

[ سورة الأنبياء الآية : 87 ]

أنت أحياناً تكون في أمسّ الحاجة لاستخدام الهاتف المحمول تجده خارج التغطية ، في قاع البحر كان هناك تغطية ، نعمة كبيرة !!

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الأنبياء الآية : 87 - 88 ]

لعل أجمل ما في الآية التعقيب الذي قلبها قانوناً في كل عصر .

﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

هذه ليست لسيدنا يونس وحده ، هذه القصص لنا ولأمة محمد صلى الله عليه وسلم ، ليست العبرة أن نأخذ علماً بما وقع لسيدنا يوسف ، أو يونس ، أو نوح ، أو إبراهيم ، هذه مصيبة ، والأمل منعدم ، صفر !!

قصة سيدنا إبراهيم :

قصة ثالثة :
نار أضرمت كالجمر ، وجيء بفتى يقال له إبراهيم ، وألقي في النار ، هل يوجد أمل ؟ نار عظيمة أضرمت ! ألقي في وسطها ، والأمل معدوم ، بكلمتين :

﴿ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾

[ سورة الأنبياء الآية : 69 ]

قال علماء التفسير لو أن الله قال : كوني برداً لمات من شدة البرد ، ولو لم يقل : على إبراهيم لألغي فعل النار إلى الأبد ، قال :

﴿ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾

[ سورة الأنبياء الآية : 69 ]

﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾

[ سورة يس الآية : 82 ]

الغاية من هذه القصص :


الله أرسل السيارة ليجدوا يوسف في الجب
إخواننا الكرام ؛ هذه القصص لنا ، وتعلمنا أن أمر الله هو النافد ، ماذا فعل إخوة يوسف ؟ أرادوا به كيداً ، أرادوا قتله ، كيف ؟ حينما وضعوه في غيابات الجب ، كان وضعه في السجن أفضل ألف مرة من وضعه في غيابات الجب ، السجن حياته مضمونة ، أما هناك فمن ساق هذه السيارة ؟ أرسلت واردها ، فأدلى دلوه ، قال : يا بشرى هذا غلام هذا فعل الله ! إذا كان الله معك فمن عليك ، وإذا كان عليك فمن معك .

وإذا العناية لاحظتك جفونها نم فالمخاوف كلهن أمان
***

لذلك المؤمن لا ييئس ، ولا يقنط ، ولا يرى إلا يد الله وحدها تعمل .

﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾

[ سورة الفتح الآية : 10 ]

الطغاة العتاة المجرمون هؤلاء ليسوا مطلقين ، ما من آية أدق في هذا المعنى من قوله تعالى :

﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

[ سورة هود الآية : 55-56 ]

تخيل وحوشًا كاسرة ، ومفترسة ، ومخيفة ، لكنها مربوطة بأزمَّة بيد قويةٍ رحيمة عادلة ، علاقتك مع الوحوش أم مع هذه اليد ؟ مع اليد ، لأنها إن أرخت الزمام وصلت إليك ، وإن شدته ابتعدت عنك ، علاقتك مع من ؟ ليس مع الوحوش ، ولكن مع من يملكها .
لذلك ورد في بعض الآثار القدسية : أنا ملك الملوك ، ومالك الملوك ، قلوب الملوك بيدي ، فإن العباد أطاعوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة ، وإن هم عصوني حولتها عليهم بالسخط والنقمة ، فلا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك ، وادعوا لهم بالصلاح ، فإن صلاحكم بصلاحهم .
القرآن شفاء لما في النفوس
هذا القرآن شفاء لما في النفوس ، هذا القرآن يبعدك عن اليأس ، ويعطيك التفسير الدقيق لما يجري في العالم ، الأمر بيد الله .

﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ﴾

[ سورة الكهف الآية : 26 ]

والمستقبل لا يعلمه إلا الله ، هذا الذي ينظر إلى مستقبل بعيد ، ويعود يائساً إنسان لا يعرف الله ، هذه الكتلة الشرقية التي تملك من القنابل النووية ما تستطيع تدمير القارات الخمس خمس مرات ، كيف تداعت من الداخل ؟ من كان يصدق قبل أن تنهار في سنتين ؟ الأمر بيد الله عز وجل ، ليس معنى هذا أن نقعد ، وأنها ستدمر وحدها ، هذا موقف غير مقبول أبداً ، لكن أنا أقول هذا الكلام كي لا نيئس ، الأمر بيد الله .

﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ﴾

[ سورة الكهف الآية : 26 ]

﴿ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ﴾

[ سورة يونس الآية : 24 ]

هذه القصص ، قصة سيدنا يونس في بطن الحوت ، وقصة سيدنا موسى مع بني إسرائيل حينما أتبعهم فرعون بجنوده ، وقصة سيدنا إبراهيم وهو في النار ، وقصة سيدنا محمد وهو في الغار ، قال أَبُو بَكْرٍ رَضِي اللَّه عَنْه :

(( كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْغَارِ ، فَرَأَيْتُ آثَارَ الْمُشْرِكِينَ ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ رَفَعَ قَدَمَهُ رَآنَا ، قَالَ : مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا ))

[ صحيح البخاري ]

ألم تقرأ قوله تعالى :

﴿ وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ﴾

[ سورة الأعراف الآية : 198 ]

أنت حينما تؤمن أن الله قادر يقيناً أن يغير موازين القوى بلحظة فما عليك إلا أن تقدم في لله سبباً لينصرك ، وهذا الكلام موجه للأفراد والشعوب ، ولآحاد المسلمين ومجموعهم ، وفي أقل شيء ، وأخطر شيء ، ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد ، وهذه القصص هي لنا ، وليست لقوم يونس ، ولا لقوم موسى عليه السلام ، ولا لقوم إبراهيم ، هي لنا ، لأن هذا القرآن نزل بعد كل هذه القصص .
الآن ليست هذه القصص لأخذ العلم ، بل من أجل أن تجعلها قانوناً يحكم تصرفاتك .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018