٠11رمضان 1425هـ - ومضات ايمانية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

ومضات إيمانية لرمضان 1425 - الدرس : 36 - علامات معرفة الله


2004-11-02

 الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 أيها الإخوة الكرام، من لوازم الإيمان أن تعرف الواحد الديان معرفة الله شيء، ومعرفة العلوم الإسلامية شيء آخر، قد تستطيع أن تتكلم ساعات طويلة ارتجالاً، ومن دون تحضير بأفصح لغة، وبأصح دليل، وبأعمق تحليل، وأنت لا تعرف الله، تعرفه إذا خفت منه، وتعرفه إذا رجوت جنته، وتعرفه إذا شعرت أنه معك دائماً، وتعرفه حينما توقن أنه يعلم وسيحاسب، وسيعاقب، تعرفه إذا توكلت عليه، تعرفه إذا ذكرته، تعرفه إذا اشتقت إليه.
أيها الإخوة، معرفة الله شيء، وأن تكون متبحراً في العلوم الإسلامية شيء آخر، هذه الخصيصة للمؤمن مستنبطة من قوله تعالى:

﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾

[ سورة المائدة: 83]

 إن لم تشعر بالقرب، إن لم تشعر بالحب، إن لم تشعر بأن الله سبحانه وتعالى متفضل عليك فأنت لا تعرفه.
الآن سأورد أقوالا كثيرة حول علامات المعرفة، وهذه مفيدة جداً، من أمارات المعرفة بالله حصول الهيبة منه، فمن ازدادت معرفته ازدادت هيبته، الذي يعرف الله يعظم شعائر الله، وحينما أقول هان أمر الله علينا فهنّا على الله، معنى ذلك نحن لا نعرفه، المعرفة توجب السكون، فمن ازدادت معرفته ازدادت سكينته، الهياج والعنف والصياح والضجيج والسخط، والموقف القاسي، والكلام البذيء هذا لا يعبر عن أنك تعرف الله عز وجل، من علامات المعرفة أنس القلب بالله، فهو يحس أنه قريب منك، ومن كان لله أعرف كان له أخوف، قال تعالى:

 

﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾

 

[ سورة فاطر: 28]

 قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((... أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَتْقَاكُمْ لِلَّهِ وَأَخْشَاكُمْ لَهُ ))

[مسلم عن عمر بن سلمة]

 من علامات معرفة الله أن الدنيا تضيق عليه بسعتها، ومن علامات معرفة الله أن الدنيا تتسع عليه بضيقها كيف ؟ لو عاش في أجمل مكان، وتناول أطيب طعام، وتمتع بأجمل المناظر، وهذا المكان بعيد عن ذكر الله يضيق به، ولو عاش في غرفة قميئة، وهو ذاكر لله تتسع به، أينما حل إذا كان في هذا المكان ما يقرب إلى الله يأنس به، ولو كان ضيقاً، وإذا كان يبعد عن الله يستوحش منه، ولو كان واسعاً، من عرف الله عز وجل صفا له العيش، فطابت له الحياة، وهابه كل شيء، وذهب عنه خوف المخلوقين، وأنس بالله عز وجل، والمخلوق ينتهي عنده، لا يعبأ لا بتهديده، ولا بوعيده، ولا بإغرائه، لا يتأثر لا بسياط الجلادين، ولا بسبائك الذهب اللامعة، من عرف الله عز وجل قرت عينه بالله، وقرت عينه بالموت، وقرت به كل عين، ومن لم يعرف الله تقطع قلبه عن الدنيا حسرات، من عرف الله زهد فيما سواه، ومن ادعى معرفة الله عز وجل وهو راغب في غير الله كذبت رغبته معرفته، ومن عرف الله أحبه على قدر معرفته به، وخافه، ورجاه، وتوكل عليه، وأناب إليه، ونهج بذكره، واشتاق إلى لقائه، واستحيا منه، وأجلّه، وعظمه على قدر معرفته به.
 أيها الإخوة، أي إنسان آتاه الله فكراً وقّاداً بإمكانه أن يقرأ، وأن يحفظ، وأن ينطق بالحق، وأن يجلب عقول الآخرين، هذا شيء، وأن تعرف الله، وأن تتخلق بالكمال البشري، وأن تكون متواضعاً، على الله متوكلاً، إلى ما عنده راجياً، من عقابه خائفاً، راضياً بقضائه وقدره، هذا من علامات المعرفة.
 من علامات معرفة الله أن الذي يعرف الله عز وجل لا يطالب، ولا يخاصم، يؤدي الذي عليه، والذي له الخصومة الشديدة إذا خاصم فجر، ليس هذا من أخلاق العارفين بالله، لا يطالب، ولا يخاصم، ولا يعاتب، ولا يرى على أحد له فضلاًَ، لأن الذي خلقه منحه نعمة الوجود، أعطاه ما أعطاه، مكنه مما مكنه، هو لا يرى أن له على أحد فضلاً، بل يرى أن كل ما هو فيه من فضل الله عز وجل، ليس هذا أدباً، بل هو حقيقة.
من علامات معرفة الله ألاّ يأسف على فائت، وألاّ يفرح بآت، لأنه ينظر إلى الأشياء بعين الفناء والزوال، لأنها في الحقيقة كالظلال والخيال، العارف بالله يخرج من الدنيا، ولم يقضِ وطره من شيئين، بكاء على نفسه، و ثناء على ربه، وهذا من أحسن الكلام، ولا يكون العارف بالله عارفاً ـ حتى لو أعطي ملك سليمان ـ لم يشغله عن الله طرفة عين، قال تعالى:

 

﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾

 

[ سورة النور: 37]

 من علامات معرفة الله أن العارف بالله مستأنس بربه، مستوحش ممن يقطعه عنه، العارف بالله أنس بالله فاستوحش من الخلق، وافتقر إلى الله فأغناه الله عنهم، وذل لله فأعزه الله، وتواضع لله فرفعه الله، واستغنى بالله فأحوجهم إليه.
سئل الإمام الحسن البصري بما نلت هذا المقام ؟ فقال: باستغنائي عن دنيا الناس بما نلت هذا المقام ؟ وحاجتهم إلى علمي.
العارف بالله يتلون بتلون العبودية، بينما تراه مصلياً، إذا هو ذاكراً، أو قارئاً، أو معلماً، أو مجاهداً، أو حاجاً، أو مساعداً للضعيف، أو مغيثاً للملهوف، فيضرب في كل غنيمة من الغنائم بسهم، فهو مع المتعلمين متعلم، ومع الغزاة غازٍ، ومع المصلين مصل، ومع المتصدقين متصدق، فهو ينتقل في منازل العبودية من عبودية إلى عبودية، وهو مقيم على معبود واحد لا ينتقل في منازل العبودية إلى غيره.
من علامات معرفة الله ألاّ يعتقد باطناً من العلم ما ينقضه في ظاهر الحكم، ولا تحمله كثرة النعم على هتك أسرار محارم الله عز وجل.
أيها الإخوة، كثرة النعم تطغي العبد، وتحمله على أن يصرفها في وجوهها، وغير وجوهها، قال تعالى:

 

﴿أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى﴾

 

[ سورة العلق: 7]

 حينما تقوى مالاً أو مكانةً، أو منصباً أو علماً، الإنسان تغريه نفسه إذا استغنى أن يتفلت من منهج الله، علامة معرفة الله عز وجل أنه مهما بلغت بك المراتب، ومهما أقبلت عليك الدنيا ورعك ورعك، وتواضعك تواضعك، وذلك لله، وخدمة المساكين هي خدمة المساكين، صار سيدنا الصديق خليفة المسلمين، وكان قبل أن يكون خليفة المسلمين يحلب شياه جارته العجوز، فلما تسلم منصب الخلافة استقر في ذهن هذه العجوز أن هذه الخدمة انتهت، في اليوم الأول من تسلم منصب الخلافة طرق باب العجوز، قالت: يا بنيتي، افتحي الباب، من جاء ؟ قالت: جاء جالب الشاة يا أماه، المنصب لا يغيره، والمال لا يغيره، هو هُو، الإنسان حينما يقوى، أو حينما يغتني، أو حينما يتسلم منصباً رفيعاً قد يتناول ما يحل له، وما لا يحل، لكن العارف بالله، قال تعالى:

 

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (23) ﴾

 

[ سورة الأحزاب: 23]

 مجالسة العارف بالله تدعوك من ست إلى ست، من الشك إلى اليقين، من الرياء إلى الإخلاص، من الغفلة إلى الذكر، من الرغبة في الدنيا إلى الرغبة في الآخرة، من الكبر إلى التواضع، من سوء الطوية إلى النصيحة.
أيها الإخوة، مقام المعرفة شيء، قد تجد إنساناً يعيد ما بدأت به هذا الدرس، قد تجد إنساناً فصيح اللسان، ناصع البيان، قوي الحجة، له تحليل دقيق لقضايا الدين، إذا تكلم ملك القلوب، أما حينما يعصي الله في خلوته فهو لا يعرفه أبداً، أما حينما يتكبر على خلقه فهو لا يعرفه أبداً، حينما يأخذ ما لا يحل له لا يعرفه أبداً، لذلك قال تعالى:

 

﴿بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾

 

[ سورة الفتح: 6]

 هذا أيها الإخوة، حينما يخيب ظن الإنسان بإنسان يتوهمه مؤمناً، كيف يقول هذا الكلام، ويفعل هذه الأفعال ؟ القضية سهلة جداً، الملخص أن العلم علمان، علم بأمر الله، وعلم بالله، العلم بأمر الله يقتضي المدارسة، يحتاج إلى كتاب، وإلى قراءة، وإلى مذاكرة، وإلى طلاقة لسان، وإلى حفظ، لكن العلم بالله يقتضي المجاهدة، حينما يجاهد نفسه وهواه يكشف الله عز وجل لهذا الإنسان طرفاً من كماله فيحبه، ومن أعجب العجب أن تعرفه، ثم لا تحبه، ومن أعجب العجب أن تحبه، ثم لا تطيعه، مستحيل أن تعرفه، ثم لا تحبه، وأن تحبه، ثم لا تطيعه، العلم بالله يقتضي المجاهدة.
 الآن ثمار العلم بأمر الله، معلومات دقيقة محشوة في الدماغ، أما النفس فليست صافية، علامة معرفة الله أن هذه المجاهدة مجاهدة النفس والهوى ولدت ثقة في النفس، وإقبالاً على الله، فسرى الكمال الإلهي في كل كيان الإنسان، صار متواضعاً صار، مؤدباً صار رحيماً صار منصفاً، صار يحب الخير، صار همه الأول أن يكون الناس بخير، لا أن يعلو عليهم، لذلك حينما قيل: يا من جئت الحياة فأعطيت ولم تأخذ، يا من قدست الوجود كله، ورعيت قضية الإنسان، يا من ذكيت سيادة العقل، ونهنهت غريزة القطيع، يا من هيأك تفوقك لتكون واحداً بين الجميع فعشت واحداً بين الجميع، يا من كانت الرحمة مهجتك، والعدل شريعتك، والحب فطرتك، والسمو حرفتك، ومشكلات الناس عبادتك.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018