٠11رمضان 1425هـ - ومضات ايمانية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

ومضات إيمانية لرمضان 1425 - الدرس : 32 - فرح المؤمن


2004-10-31

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين
أيها الإخوة الكرام، من لوازم الإيمان الفرح، ذاك أن الذي شرد عن الله عز وجل تغلب عليه الكآبة، كآبة البعد عن الله، كآبة الظلمة، ظلمة المعاصي والآثام، كآبة الضياع، كآبة الخروج عن فطرته، لذلك يقابل هذه الحالة الكيبئة أن المؤمن حينما استقام على أمر الله ينسجم مع فطرته يجد نفسه، إذاً هو في طمأنينة، لأن فطرة النفس البشرية على منهج الله، فإذا طبقت منهج الله عز وجل ارتاحت.

﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) ﴾

( سورة الرعد )

 فأول سبب من أسباب الفرح الطمأنينة الناتجة عن طاعة الله عز وجل.
 السبب الآخر: هو أن الإنسان حينما يوحد الله عز وجل تجتمع أموره، اعمل لوجه واحد يكفِك الأمور كلها، من جعل الهموم هما واحداً كفاه الله الهموم كلها، أنا أحلل حالة الفرح التي تنتاب المؤمن، أولاً باستقامته على أمره الله، اصطلح مع فطرته، فأراحته نفسه لأنه أراحها، حينما طبق منهج الله عز وجل ارتاحت نفسه.
 كمركبة مشيت بها على طريق معبد هي مصممة لهذا الطريق، فلما مشيت بها على طريق معبد أراحتك، ارتاحت هي فأراحتك، ليس هناك أصوات، سرعة، انسياب، هدوء، راحة، إذاً أنت حينما تطيع الله عز وجل تصطلح مع فطرتك، تريح فطرتك فتريحك فطرتك، هذا السبب الأول للراحة.
 السبب الثاني: المؤمن بسبب توحيده لله مجتمع على الله، بينما المشرك مبعثر يرضي زيدًا وعبيدًا، وفلانًا وعلانًا، إن أرضى زيداً غضب عبيد، إن أعطى عبداً آخر غضب الآخر، قضية لا تنتهي، لذلك اعمل لوجه واحد يكفك الهموم كلها.
هذه نقطة في تحليل فرح المؤمن، الإسلام ليس فيه كآبة، ليس فيه سوداوية، ليس فيه تشاؤم، ليس فيه انقباض، ليس فيه حقد، المؤمن موحّد.

 

﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) ﴾

 

( سورة الشعراء )

 المشاعر المؤلمة التي تنتاب المشرك أو العاصي، المؤمن معافى منها، عنده راحة نفسية ناتجة من أن فطرته أراحته، لأنه أراحها حينما أطاع الله عز وجل.
الآن يقول الله عز وجل:

 

﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58) ﴾

 

( سورة يونس )

 ( يجمعون ) لها دلالة، الإنسان أحياناً يسعى لتحصيل رزقه، لكن حينما يحصل هذا الرزق، وتستقر أموره ينشأ عنده هم آخر، يريد أن يجمع أكبر ثروة ممكنة، يدخل بمنافسة مع الآخرين منافسة هدفها قذر، أن يجمع أكبر ثروة ممكنة، وأي يتنافس مع الآخرين على الدنيا لا على الآخرة، فهذا الميل الشديد إلى الجمع والتنافس والزهو والفخر هو الذي يسبب له شقاءه، لذلك الله عز وجل يوجه عباده المؤمنين:

 

﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58) ﴾

 

 

 وأنا أقول: قل لي ما الذي يفرحك أقل لك من أنت.
 أما فضل الله ؛ قال بعض العلماء: هو فضل الإسلام، وأما رحمته فهي القرآن: ] قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ [، أنت مسلم، وبرحمته تعلمت القرآن، وتلوته حق تلاوته، وفهمته حق فهمه، ثم عملت به فهذا أكبر إنجاز تحققه في الدنيا.
وبعضهم قال: فضل الله هو القرآن، ورحمته أن جعل الإنسان من أهله، الذي يتلو القرآن، الذي يتلو القرآن، يقرأ القرآن، يفهم القرآن، يفسر القرآن، يعمل بالقرآن، هذا من أهل القرآن،

﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ ﴾

  بالقرآن،

﴿ وَبِرَحْمَتِهِ ﴾

 أن جُعلت من أهله،

﴿ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ﴾

 الدليل على ذلك قوله تعالى:

 

﴿ وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾

 

( سورة القصص الآية: 86 )

 أيها الإخوة، هناك فرح مطلق، وهناك فرح مقيد، الفرح المطلق أي غير مقيد بشيء، قال تعالى:

 

﴿لَا تَفْرَحْ﴾

 

( سورة القصص الآية: 76 )

 بماذا ؟ مطلقة.

 

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) ﴾

 

( سورة القصص )

 لما خرج قارون على قومه بزينته وافتخر بها قيل له:

﴿ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ﴾

 الفرح هنا مطلق، لكن سياق الآية يجعله مرتبطاً بالدنيا، إذاً كقاعدة جاءك دخل كبير اختل توازنك من الفرح، هناك مشكلة، تزوجت امرأة تروق لك، اختل توازنك من الفرح، عندما جاءك ضيف قلت لها: تفضلي أم فلان، تريد أن تفتخر بها أمام الآخرين، هذا الفرح الذي ذمه الله عز وجل،

﴿ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ﴾

بل إن هذا الذي شرد عن الله عز وجل من صفاته أنه:

﴿لَفَرِحٌ فَخُورٌ (10) ﴾

( سورة هود )

 المقيد:

 

﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾

 

( سورة الأنعام الآية: 44 )

 من عقاب الله للشارد عنه أنه لا يسقطه إلا من علٍ، يصعد به إلى أعلى، ثم فجأة يقصمه، هذا سمي السقوط من علٍ، الإنسان تأتيه الدنيا من كل أطرافها، يختل توازنه ، يستعلي، يتكبر، يهمل الفقراء والمساكين، يعلو عليهم، ليس عنده وقت ليلتقي بهم، مشغول، فجأة يقصمه الله عز وجل من علٍ،

﴿ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً ﴾

﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) ﴾

( سورة الأنعام )

 دائماً الإنسان الشارد عن الله تجد بأعلى درجة من النجاح هنا يؤخذ، هنا يقسم،

﴿ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ﴾

 الآن الفرح المقيد نوعان:
نوع مذموم، الفرح المطلق مذموم،

﴿ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ﴾

 الفرح المقيد نوع متعلق بالدنيا، وهو المذموم،

﴿ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً ﴾

 ونوع مقيد بفضل الله ،

﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ﴾

﴿هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58) ﴾

( سورة يونس الآية: 58 )

 هناك شيء آخر، في حالة تشابه الفرح هي الاستبشار، قال تعالى:

 

﴿ فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾

 

( سورة آل عمران الآية: 170 )

 الاستبشار بما لم يحصل بعد، والفرح بما حصل، الأولى بما حصل، والثانية بما لم يحصل، لكن أحد أسباب فرح المؤمن هو استبشاره أن الله وعده بالجنة، فهذا الوعد بالجنة يمتص كل متاعب الدنيا، والإنسان حينما يتوعده الله بالنار أيّ شيء نقص من لذته في الدنيا يقيم الدنيا ولا يقعدها، لأنه ليس له شيء في الآخرة، ليس له إلا الدنيا، فإن لم تكن كما ينبغي ينتحر فوراً، أما المؤمن فكل متاعب الدنيا تمتص بوعد الله له، والدليل قوله تعالى:

 

﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61) ﴾

 

( سورة القصص )

 فوعد لهذا المؤمن بالجنة، المستقيم الطاهر، الذي يخاف الله عز وجل، الذي يعبده، الذي يكون في خدمة عباده، يشعر بأعماق أعماقه أن له عند الله شيئًا بعد الموت، الموت ليس نهاية كل شيء، بداية كل شيء.
فحينما تثق بوعد الله لك، وأنه في الأعم الأغلب إذا كنت مستقيماً، طاهراً محسناً فلك الجنة، فهذه الجنة تنسي كل شيء، لذلك الحياة الدنيا من دون جنة فيها مليون سؤال.
لو فرضنا أن امرأة لم تكن على جانب من الجمال، ما الذي ينسيها هذا النقص ؟ وعد الله لها بالجنة، تجدها مستقيمة، قد لا تلفت النظر، لكن عند الله لها مكانة علية.
إنسان فقد بصره، ما الذي ينسه هذه المصيبة ؟ أنه إذا رضي بحكم الله عز وجل وعده الله بالجنة.
 إنسان ما أنجب أولادًا، عقيم، ما الذي ينسيه هذا العقم ؟ أن الله وعده بالجنة إذا كان صابراً، فتجد أن الإنسان حينما يؤمن بالآخرة، ويؤمن بفضل الله عز وجل هذا الإيمان الذي يلزمه إيمان بوعد الله عز وجل، هذا ينسيه كل متاعب الحياة الدنيا، تجد المؤمن راضيًا، وما عنده شيء، هو راض وهو فقير، راضٍ وهو يسكن بيتًًا صغيرًا، راضٍ ودخله محدود، راض وأولاده ليس كما يتمنى، راض وعمله متعب .
الآخر ساخط، وهو في قمة الغنى، ساخط وهو في قمة اللذات، هكذا شاءت حكمة الله، أن الله يعطي الصحة والذكاء والمال والجمال للكثيرين من خلقه، ولكنه يعطي السكينة بقدر لأصفيائه المؤمنين.
ثم إن الله عز وجل يقول:

﴿ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ﴾

 يعني افرح بفضل الله، افرح أنك مستقيم، سينا عمر أصابته مصيبة، قال الحمد لله ثلاثاً: الحمد لله إذ لم تكن في ديني، الحمد لله إذ لم تكن أكبر منها، الحمد لله إذ ألهمت الصبر عليها.
الآن هناك مفارقة بين حالة الإنسان في الدنيا وفي الآخرة:

 

﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً (11) وَيَصْلَى سَعِيراً (12) ﴾

 

( سورة الانشقاق )

 لكن في الدنيا:

 

﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً (13) ﴾

 

( سورة الانشقاق )

 يأكل، يتغطرس، يمزح مزحًا فاحشًا، يضحك الناس، إذا مسه أحدٌ بكلمة يسحقه،

﴿ إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا ﴾

 أما المؤمن:

 

﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً (8) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً (9) ﴾

 

( سورة الانشقاق )

 من لوازم الفاسق والفاجر والعاصي أنه كان مسرورا، ومن لوازم المؤمن أنه يكون مسرورا، فلذلك العبرة لمن يضحك آخراً، البطولة لا أن تضحك أولاً، أن تضحك آخراً.
هذا الذي أتمنى أن يكون واضحاً في هذا الشهر الكريم، عليك أن تفرح بفضل الله ، وهؤلاء الأنبياء، وهم قمم البشر.
سيدنا موسى امتحن بمفارقة الوطن والأهل والهجرة ، وسيدنا إبراهيم ألقي في النار، وسيدنا يونس كان في بطن الحوت، وسيدنا أيوب ذاق من آلام المرض ما لا يحتمل، وسيدنا النبي عليه الصلاة والسلام قال:

(( لَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّه وَمَا يُؤْذَى أَحَد ))

[ أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك ]

 فحينما يؤمن الإنسان بفضل الله وبرحمته تهون عليه الدنيا.
الدعاء
 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا آثرنا ولا تؤثر علينا أرضنا وارضَ عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018