٠11رمضان 1425هـ - ومضات ايمانية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

ومضات إيمانية لرمضان 1425 - الدرس : 33 - الإحساس بالغربة


2004-11-01

الإحساس بالغربة :

الحمد لله رب العالمين ، والصـلاة والسـلام على سـيدنا محمد الصـادق الوعد الأمين .
أيها الإخوة الكرام ، من لوازم المؤمن في آخر الزمان إحساسه بالغربة ، يؤكد هذا المعنى أن الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ ﴾

[ سورة هود الآية : 116 ]

هناك قلة قليلة أنجاهم الله من الفساد العريض الذي عمَّ أهل الأرض ، إذ يقول الله عز وجل :

﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ ﴾

[ سورة الروم الآية : 41 ]

لذلك هناك أحاديث صحيحة عديدة عن الغربة التي تنتاب المؤمن في آخر الزمان .
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ ))

[ صحيح مسلم ]

من هم الغرباء ؟

الغرباء هم القلة المصلحة التي تعاكس الناس إذا فسدوا
قال : الغرباء هم الذين يصلحون إذا فسد الناس .
الناس يفسدون ، وهم يصلحون ، الناس ينفرون من الله عز وجل ، وهم يدعون إلى الله ، الناس يفسدون العلاقات ، وهم يصلون ما أمر الله به أن يوصل ، هذه الصفة الأولى ، يصلحون إذا فسد الناس ، إن كنت مع التيار العام ، تيار التفلت والفساد وحب الدنيا ، تيار إيثار المصلحة الخاصة على المصلحة العامة ، إيثار الحاجات على القيم ، والشهوات على المبادئ فأنت مع المجموع ، أما إذا كنت على خلاف ذلك تؤثر المبدأ على المصلحة ، والقيمة على الحاجة ، وأنت تصلح حيث فسد الناس فأنت من هؤلاء .
صفة أخرى لهؤلاء الغرباء :
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا ، وَسَيَعُودُ غَرِيبًا ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ ، قَالَ : قِيلَ : وَمَنِ الْغُرَبَاءُ ، قَالَ : النُّزَّاعُ مِنَ الْقَبَائِلِ ))

[ سنن ابن ماجة ]

كل قبيلة لها عاداتها وتقاليدها ، آحاد من هؤلاء القبائل شعروا بغربتهم عن قبيلتهم ، فانضموا إلى الله ورسوله .
قد تجد إنسانًا من أسرة غنية ، لكنه أنِف من هذه المصلحة الطاغية على القيم ، ومن حب الظهور فانضم إلى المؤمنين .
قد تجد إنسانًا من أسرة قوية كره القوة والجبروت والبطش ، وانضم إلى الله ورسوله .
فمن كل قبيلة تجد أناسًا أنفوا من قيم قبائلهم ، ومن فاسد قبائلهم ، وانضموا لله ورسوله ، وكان الذي جمعهم فيما بينهم أنهم كانوا غرباء في قبائلهم .
أحياناً تجد شابًّا في أسرة غنية جداً يميل إلى طاعة الله ، والدعوة إليه ، وفعل الخيرات ، على خلاف كل أفراد أسرته الغارقين في الفساد .
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا ، وَسَيَعُودُ غَرِيبًا ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ ، قَالَ : قِيلَ : وَمَنِ الْغُرَبَاءُ ؟ قَالَ : النُّزَّاعُ مِنَ الْقَبَائِلِ ))

الغرباء من تركوا انتماءهم وانضموا للحق
إنسان في قبيلة نزع نفسه منها ، وانضم إلى الحق .
وفي حديث آخر عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا ، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ ))

[ صحيح مسلم ]

في رواية قيل : ومن الغرباء يا رسول الله ؟ قال : الذين يحيون سنتي ، ويعلمونها الناس .

(( ورد بالأثر ))

من علامات آخر الزمان تضييع السنة ، منهج النبي عليه الصلاة والسلام لا يعبأ به ، بل يفترون على الله الكذب ، ويقولون : نحن مع القرآن فقط ، والقرآن يأمرك أن تتبع سنة النبي :

﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾

[ سورة الحشر الآية : 7 ]

عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ خَرَجَ يَوْمًا إِلَى مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَجَدَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قَاعِدًا عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْكِي ، فَقَالَ : مَا يُبْكِيكَ ، قَالَ : يُبْكِينِي شَيْءٌ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

(( إِنَّ يَسِيرَ الرِّيَاءِ شِرْكٌ ، وَإِنَّ مَنْ عَادَى لِلَّهِ وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَ اللَّهَ بِالْمُحَارَبَةِ ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْأَبْرَارَ الْأَتْقِيَاءَ الْأَخْفِيَاءَ ، الَّذِينَ إِذَا غَابُوا لَمْ يُفْتَقَدُوا ، وَإِنْ حَضَرُوا لَمْ يُدْعَوْا ، وَلَمْ يُعْرَفُوا ، قُلُوبُهُمْ مَصَابِيحُ الْهُدَى ، يَخْرُجُونَ مِنْ كُلِّ غَبْرَاءَ مُظْلِمَةٍ ))

[ سنن ابن ماجة ]

لا يحب الظهور ، ولا أن يشار إليه بالبنان ، ولا يحب أن يجمع الوجوه إليه ، يحب أن يكون مخلصاً و يرضى الله عنه .

(( الْأَبْرَارَ الْأَتْقِيَاءَ الْأَخْفِيَاءَ ، الَّذِينَ إِذَا غَابُوا لَمْ يُفْتَقَدُوا ، وَإِنْ حَضَرُوا لَمْ يُدْعَوْا ، وَلَمْ يُعْرَفُوا ، قُلُوبُهُمْ مَصَابِيحُ الْهُدَى ، يَخْرُجُونَ مِنْ كُلِّ غَبْرَاءَ مُظْلِمَة ))

أيها الإخوة ؛ الآن هناك تسلسل :
أهل الإسلام غرباء بين الناس ، إنسان مسلم يصدق ، لا يكذب ، يغض بصره ، يؤدي زكاة ماله ، لا يدلّس ، ولا يحتال ، ولا يؤذي ، بين مجموع عام ، من الخط العريض ، في المجتمع الفاسد يحس بالغربة ، فالمسلم غريب بين الناس ، المؤمن لم يكتف أنه انصاع لأمر الله ، أحب الله ، وأقبل عليه ، وعقد معه صلة ، فهذا المؤمن أيضاً غريب بين المسلمين .
طالب العلم غريب بين المؤمنين
الآن من طلب العلم ، وتبحر به ، وتعمق فيه ، وتفرغ له فأدرك أشياء ما أدركها الناس ، وأحس بأشياء ما أحس بها الناس ، طالب العلم غريب بين المؤمنين ، لأن المؤمن إذا انصاع لأمر الله كمسلم ، وأتقن عبادته ، لكن يحب المباحات ، طالب العلم يرى الآخرة ، لذلك طالب العلم غريب بين المؤمنين .
الآن أهل السنة الذين تمسكوا بها ، وبتفاصيلها يحسون بغربة بين أهل العلم ، هؤلاء جميعاً هم أهل الله حقاً ، فلا غربة عليهم ، وإن غربتهم بين الأكثرين .
قال تعالى :

﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾

[ سورة الأنعام الآية : 116 ]

الخط العريض في المجتمع خط فاسد .
أيها الإخوة ؛ هذا الغريب لا وحشة عليه ، بل هو آنس ما يكون إذا استوحش الناس ، وأشد ما تكون وحشته إذا استأنس الناس .
أحياناً تجد احتفالا وصخبًا وغناء ورقصًا ، والناس منسجمون ، والغريب يستنكر ، هذا يأوي إلى بيت الله وبيته وإخوانه المؤمنين ، أشد حالات وحشته إذا استأنس الناس ، وأشد حالات أنسه إذا استوحش الناس ، يأتي بأناس إلى بيت من بيوت الله ، هم شاردون ، ماذا يفعلون هناك ؟ يقول : لا شيء ، يملّون ، هو يأنس إذا استوحش الناس ، ويستوحش إذا أنس الناس ، لذلك هناك إشارة إلى هذا الغريب ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لَا يُؤْبَهُ ، لَهُ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ ))

[ سنن الترمذي ]

الناس اعتمدوا قيمًا معينة ، قيمة الغنى والقوة ، والذكاء والوسامة ، والصحة ، هؤلاء الغرباء اعتمدوا قيمًا أخرى ، قيمة الإيمان والطاعة ، والبذل والتضحية ، والتزكية والعمل الصالح ، فقيم هؤلاء تختلف عن قيم هؤلاء .
فيما ورد في الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :

(( ألا أخبركم عن ملوك أهل الجنة ؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : كل ضعيف أغبر ذي طمرين ، لا يؤبه له ، لو أقسم على الله لأبره ))

[ ورد في الأثر ]

مقاييس الدنيا غير مقاييس الخالق العظيم ، الله عز وجل يقيس بطاعة . إن أكرمكم عند الله أتقاكم

﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾

[ سورة الحجرات الأية : 13 ]

ولأن هناك آخرة إلى أبد الآبدين ، هذا العامل الفقير المحب لله ، المستقيم ، الورع هو الذكي العاقل ، وهو المكرم عند الله عز وجل .

(( ألا أخبركم عن ملوك أهل الجنة ؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : كل ضعيف أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره ))

[ ورد في الأثر ]

عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيِّ قَالَ :
أَتَيْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ فَقُلْتُ لَهُ : كَيْفَ تَصْنَعُ بِهَذِهِ الْآيَةِ ؟
قَالَ : أَيَّةُ آيَةٍ ؟
قُلْتُ :
قَوْلُهُ تَعَالَى :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ﴾

قَالَ :
أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْهَا خَبِيرًا ، سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ :

(( بَلِ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ ، وَتَنَاهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا ، وَهَوًى مُتَّبَعًا ، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً ، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ ، وَدَعِ الْعَوَامَّ ، فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا الصَّبْرُ ، فِيهِنَّ مِثْلُ الْقَبْضِ عَلَى الْجَمْرِ ، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ ، قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَجْرُ خَمْسِينَ مِنَّا أَوْ مِنْهُمْ ؟ قَالَ : بَلْ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ ))

[ سنن الترمذي ]

في بعض الزيادات قال :

(( لأنكم تجدون على الخير معواناً ولا يجدون ))

لذلك عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَنْكِبِي فَقَالَ :

(( كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ ، أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ ))

وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ :

(( إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرْ الصَّبَاحَ ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرْ الْمَسَاءَ ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ ))

[ البخاري ]

الغرباء يستوي عندهم الذهب والتراب
أيها الإخوة ؛ لا مانع أن تجامل الناس ، وتكون معهم أحياناً ، لكن تكون معهم ، وتنأى بخلقك عن أخلاقهم ، كلنا يعمل ، الإنسان موظف في دائرة ، يلتقي مع الموظفين الشاردين التائهين الذين يحرصون على مصالحهم ، ولا يعبئون بمصلحة الناس عامة ، إنك معهم ، لكنك في برج عاجي أخلاقي ، تنأى عن سقوطهم ، كل إنسان مضطر بحكم عمله أن يعيش مع أناس شاردين ، لكن تشعر لا كبراً ، ولكن تميزاً أن بينك وبينهم بوناً شاسعاً ، بينك وبينهم مسافات شاسعة ، لأن الذي يألفونه لا تألفه أنت ، والذي يفعلونه لا تفعله أنت ، والذي يحرصون عليه لا تحرص عليه أنت ، هم يعبدون المال من دون الله ، وأنت تعبد الله ، ويستوي عندك الذهب والتراب .
أيها الإخوة ؛ مؤشر دقيق للإيمان ، إن شعرت في غربة في هذا العصر ، فاطمئن على إيمانك ، وإن شعرت أنك منسجم مع هذا العصر ، يقول : عصر تقنية عالية ، وحرية ، والمرأة نصف المجتمع ، ومن حقها أن تعرض مفاتنها على الناس ، هذا رأس مالها ، فإذا استمعت إلى هذا الكلام ، وأن الدنيا هي كل شيء ، وإلى أن تحقيق الشهوات هو الذي يؤكد حرية الإنسان ، ويؤكد حيويته ، هناك كلام مزخرف يقال كل يوم ، إن رأيت أنك منسجم مع هؤلاء المنحرفين الشاردين المعتدين المقصرين بواجباتهم فاعلم علم اليقين أن في الإيمان مشكلة كبيرة ، أما إن شعرت بغربتك فهذا مؤشر طيب .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018