٠13رمضان 1427هـ - صلاح الأمة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

صلاح الأمة - الدرس : 58 - تتمة الأدب - الأدب مع الله ورسوله والمؤمنين والوالدين والأقارب


2006-11-01

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

أقسام الادب:

 مع درس جديد من دروس صلاح الأمة في علو الهمة، ولا زلنا في موضوع الأدب، الأدب مع الله، والأدب مع رسول الله، والأدب مع المؤمنين، ومع الوالدين، ومع الأقارب.

 

الأدب مع الله:

 الأدب مع الله أنواع ثلاثة:
ـ أن تصون معاملتك من أن يشوبها شائبة في علاقتك مع الله.
ـ وأن تصون قلبك من أن تلتفت لغير الله.
ـ وأن تصون إرادتك من أن تتوجه لغير الله القلب ينبغي أن يحب الله، والإرادة التوجه إلى الله، والمعاملة أن تكون وفق منهج الله.
ومَن صاحبَ الملوكَ بغير أدب أسلمه الجهل إلى القتل.
إن امرأة وحيدة طلّقها النبي، قال لها ضراتها: إذا دخل عليك النبي قولي له: أعوذ بالله منك، فقال: الحقي بأهلك.
الإنسان أحيانا بكلمة يخسر حياته، بكلمة يخسر شيئًا ثمينًا.
احفظ لسانك أيها الإنسان لا يلدغنك إنه ثــــــعبان
كم في الـمقابر من قتيل لسانه كانت تهاب لقاءه الشجعان
وإذا ترك المؤمن أدبه مع ربه فقد هلك مع الهالكين.
أحيانا باعتراض، وأحيانا بكلمات لا تليق بذات الله عز وجل.
 من أساء الأدب على البساط رد إلى الباب، ومن تأدب بأدب الله صار من أهل محبة الله، وتعلمون أنه ما مِن إنسان تأدب مع الله كرسول الله، وقد ورد عنه، والحديث في كلام بسنده

 

 

(( أدبني ربي فأحسن تأديبي )

 

[ أخرجه ابن السمعاني عن ابن مسعود ]

  والمؤمن يتأدب بأدب الإسلام، المؤمن عنده حياء، عنده خجل، لسانه نظيف يده نظيفة، جوارحه منضبطة.
سُئل الحسن البصري عن أنفع أدب مع الله فقال: " التفقه في الدين، والزهد في الدنيا، والمعرفة بما لله عليك ".

لا تسألنَ بُنَيّ آدم حــاجةً  وسل الذي أبوابه لا تُحجَـب
الله يغضبُ إن سألت سؤالهُ  وبُنَيّ آدم حينما يُسألُ يغضبُ
***

  الأدب مع الله أن تسأله هو.
ردخل خليفة المسلمين هارون الرشيد إلى الحرم المكي، فالتقى بعالم جليل، قال له: " سلني حاجتك، قال له: والله إن أستحي أن أسأل في بيت الله غير الله، التقاه خارج المسجد، قال له: هنا سلني حاجتك، قال له: والله ما سألتها من يملكها، أفسألها من لا يملكها ؟ قال له: ما حاجتك ؟ قال له: دخول الجنة والنجاة من النار، قال له: هذه ليست عندي، قال له: إذاً ليس لي عندك

 

﴿ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ﴾

تذوب نفسه، الله يعلم أنك أنت صابر، الله يعلم حجم المشكلة، وقوتها، يعلم قوة العقبات، والصوارف، يعلم الضائقة المادية التي تعاني منها، وإذا سألك سائل وأعطيته يعلم ذلك.

 

﴿ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ

( سورة المزمل الآية: 20 )

 حاجة ".
 والله أحياناً أقرأ آية عن سيدنا أيوب:

﴿ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً ﴾

( سورة ص الآية: 44 )

 إنه إنسان ساق الله له مصيبة، قال له: يا رب، لك الحمد، أنا صابر، وما شكا إلى أحد.
ويعاب من يشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم
علمه بحالي يغني عن سؤالي
هناك أشخاص عندهم صبر وجلد، أما إذا قرأ قوله تعالى: قس عليها كل شيء.
قيل: " العبد يصل بطاعة الله إلى الجنة، ويصل بأدبه إلى طاعته ".

 

اداب أهل الدنيا كلام وشعر:

 الآن آداب أهل الدنيا، يقول لك: فلان معه لصنص بالآداب، معه أدب عربي قال: آداب أهل الدنيا الفصاحة والبلاغة.
المتنبي كان من أبلغ الشعراء، قال:

 

 

أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبه  وأسمعت كلماتي من به صمــم
أنام ملء جفوني عن شواردها  ويسهر الخلق جراها ويختصــم
الخليل والليل والبيداء تعرفني  والسيف والرمح والقرطاس والقلم
***

 وكان في طريقه من البصرة إلى حلب تبعه أحد أعدائه فولى هارباً، فقال له غلامه: ألم تقل:
الخيل والليل والبيداء تعرفني
قال له: قتلتني قتلك الله، وعاد فقتل.
الشعراء يتبعهم الغاوون، أدب أهل الدنيا الفصاحة والبلاغة.

 

 

بلاني الدهر بالأرزاء حتى فؤادي في غشاء من نبــــالِ
فكنت إذا أصـابتني سهام تكسرت النصالُ على النــصالِ
***

 والله هذا كلام جميل، الشعر جميل.
أصابت المتنبي الحمى فقال لها:
أبنت الدهر عندي كل بنت فكيف وصلت أنت من ازدحام
شاعر آخر يبدو أنه سمع غناء مغنٍّ فخرج من جلده من رداءة صوته، فقال:

 

 

عـواء كلب على أوتار مندفة  في قبح قرد وفي استكبار هامان
و تحسب العين فكيه إذا اختلف ا عند التنغم فكي بغـــل طحان
***

  هذا الأدب، أدب أهل الدنيا فصاحة وبلاغة.

 

 

أدب أهل الدين في رياضة النفوس:

  أدب أهل الدين، أدب أهل الدين في رياضات النفوس، وتأديب الجوارح، وحفظ الحدود، وترك الشهوات، آداب أهل الدين من نوع آخر، آداب أهل الدنيا فصاحة وبلاغة.
آداب الخواص من المؤمنين في طهارة القلب، ومراعاة الأسرار، والوفاء بالعهود، وحفظ الوقت، وقلة الالتفات إلى الخواطر، وحسن الأدب في مواقف الطلب وأوقات الحضور، ومقامات القرب.
ومن قهر نفسه بالأدب فهو يعبد الله بإخلاص.
مرة ثانية: الدين عقيدة ، وعبادات، ومعاملات، وآداب، فمن وصل إلى الآداب وصل إلى التفاصيل.
الأدب عند ابن المبارك رحمه الله تعالى كما قال: " معرفة النفس، ومعرفة رعوناتها "
أحيانا تنحرف النفس، وتتطاول أحياناً، وتستعلي، وتتكبر، وتقول: أنا.
إن تجنب تلك الرعونات هو الأدب.
 إنّ مركز الإنسان إذا كان قويا لم يعد يُكلَّم، حجمه المالي كبير، يزور قريبه الساكن في بيت مساحته 80 مترا، فيقول هل: كيف وسعك هذا البيت ؟ والله لا يربط فيه، هل من ا لمعقول أن تتكلم هذا الكلام معه ؟ بيته هذا هو مستور فيه، لأنه مساحة بيته هو 400 متر، ما معه ثمن بيتك، دخل بالاستعلاء، فكل إنسان يستعلي يمدح بيته، يمدح مكانته، ويمدح شهاداته يمدح دخله، يمدح مركبته، هذا من سوء الأدب، فهذا الإنسان لما يستعلي يغتني، ويقوى، ويأخذ شهادة عليا، أخذ موقع الاستعلاء قال الشاعر:
رقصت الفضيلة تيهاً بفضلها فانكشفت عورتــــــها
لو أن الفضيلة إنسان رقصت تيهاً بفضلها لانكشفت عورتها، حتى في الحقل الديني، يصلي قيام الليل يطبل الدنيا به، هناك من يعبد الله وهو ساكت، من دون ضجيج، إذا كان صائما يقول: سيدي هل أنتم صائمون اليوم ؟ لا والله، أنا والله صائم الحمد لله، لأنه صائم يريد أن يطبل الدنيا بهذا الصيام.

 

 

الأنبياء اكمل الناس ادبا مع الله:

 إن الأنبياء أكمل الناس أدباً مع الله:

 

 

1 – آدم عليه السلام:

 

﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاِرِينَ ﴾

( سورة الأعراف )

2 – إبراهيم عليه السلام:

﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ* وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ﴾

( سورة الشعراء )

3 – أيوب عليه السلام:

﴿ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾

( سورة الأنبياء )

4 – يوسف عليه السلام:

﴿ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بِي ﴾

 يخاطب أخوته:

﴿ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ ﴾

( سورة يوسف الآية: 100 )

 والجبّ ؟ الجب أخطر، السجن الحياة مضمونة فيه، أما الجب ففيه موت محقق، فلم يذكره لئلاّ يحرجهم، لئلا يحمّر وجوههم، ولم يقل: جاء بكم من مجاعة، لا، قال:

﴿ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ ﴾

( سورة يوسف الآية: 100 )

 لم تكونوا جائعين، وإخوة يوسف أجرموا في حقه، قال:

﴿ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ﴾

( سورة يوسف الآية: 100 )

 نسب القضية للشيطان،

﴿ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ﴾

، هذا كله من أدب الأنبياء.

5 – الخضر عليه السلام:

 سيدنا الخضر:

﴿ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا ﴾

( سورة الكهف الآية: 79 )

 

﴿ فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا ﴾

 

( سورة الكهف الآية: 82 )

6 – موسى عليه السلام:

 سيدنا موسى لما سقى للفتاتين قال:

﴿ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾

( سورة القصص )

 7 – عيسى عليه السلام:

﴿ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ﴾

( سورة المائدة الآية: 116 )

 يا رب، وأنا ما قلته، إذا قلت لأحد فأنا فقد علمتَه،

﴿ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ﴾

 

﴿ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾

( سورة المائدة الآية: 118 )

أنت يا رب لك القرار، لو قرأتم خطاب الأنبياء لله عز وجل لوجدتم فيه أدبا يفوق حد الخيال.

7 – النبي عليه الصلاة السلام:

 نبينا عليه الصلاة والسلام:

﴿ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ﴾

( سورة النجم )

 أحيانا يجلس إنسان في بيت عيونه عشرة عشرة على من دخل، ومن خرج، الشهادة، الكتب، وهناك إنسان يجلس بأدب ولا ينظر،

 

﴿ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ﴾

 

﴿ مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ﴾

( سورة النجم )

 كان مصدقاً لما رآه من ربه عز وجل، وكان عليه الصلاة والسلام أشد حياء من العذراء في خدرها، سألته مرة امرأة: كيف تتطهر من العادة، من الحيض، قال لها: تأخذين قرصة ممسكة فتطهري بها، يعني قماشة ممسكة معطرة، تطهري بها، قالت: كيف أتطهر بها ؟ فامتلأ وجهه دماً وحياء وخجلاً، فسحبتها السيدة عائشة، قالت: تعالي تطهري بها، امرأة.
أحيانا تجد على الهاتف سؤالا من خصوصيات المرأة التي يستحي أن يستمع الإنسان إليها، بكل بساطة، بكل جرأة، يخاطبي رجل، لا يصح أن تحكي له أدق أدق التفاصيل، هناك أشياء نسائية خاصة.
 إخواننا الكرام، هناك شطحة من شطحات الصوفيين لكنها لطيفة، قال السري :... صليت وردي ليلة من الليالي، ومددت رجلي في المحراب، فوقع في قلبه: أن يا سري هكذا تجالي الملوك ؟ فضممت رجلي، ثم قلت: وعزتك وجلالك لا مددت رجلي أبداً، قال الجنيد: فبقي ستين سنة ما مد رجله لا ليلاً ولا نهاراً، هذه القصة لها مغزى فقط، حتى لو كنت وحدك فهناك أدب مع الله.
هذا الذي اغتسل عُرياناً قال له النبي: خذ إجارتك، لا حاجة لنا بك، إني رأيتك لا تستحي من الله، فالتعري بلا سبب، والتبذل بالثياب بالبيت، مع أهله من سوء الأدب.
والله أسمع قصصًا والله لا تصدق، فقد يكن الرجل بالثياب الداخلية طول وقته، مع أمه، وأخته، وعمته، وزوجته، وبناته، هذا من سوء الأدب، فالذي اغتسل عُرياناً، ولم يستتر قال له النبي الكريم: خذ إجارتك، أو أجارتك، لا حاجة لنا بك، إني رأيتك لا تستحي من الله.

 

الادب في العمل:

 وقيل: " الأدب في العمل علامة قبول هذا العمل ".
حتى إذا تصدقت بأدب، حتى إذا نصحت بأدب.

 

 

(( من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف ))

 

[ رواه البيهقي عن ابن عمر )

 ومن نهى عن منكر فليكن نهيه بلا منكر، بغير منكر.

 

(( الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه ))

 

[ أخرجه مسلم عن عائشة رضي الله عنها ]

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018