٠13رمضان 1427هـ - صلاح الأمة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

صلاح الأمة - الدرس : 50 - ليلة القدر هي ليلة تتعرف فيها إلى الله


2006-10-23

 

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

تفسير دقيق لليلة القدر:

ليلة القدر ليلةُ التعرُّف إلى الله:

 أيها الإخوة ، تفسيرات كثيرة لهذه الليلة ، لكن التفسير الذي ينبع من كتاب الله هو أن ليلة القدر هي ليلة نتعرف إلى الله ، وقد يكون التعرف عليه تراكمياً ، فكلما لفت نظرك آية كونية ، أو آية تكوينية ، أو آية قرآنية ، ازددت معرفة بالله ، هذه المعرفة التراكمية قد تكون ذروتها ليلة القدر ، أي ليلة عرفت الله حق المعرفة ، وقدّرته حق القدر ، ولا تنسوا أن في القرآن الكريم آيات كثيرة تبين هذا:

 

﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾

 

( سورة الحج الآية: 78 )

﴿ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾

( سورة آل عمران الآية: 102 )

﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1)﴾

( سورة القدر )

معرفة الأمر ومعرفة الاّمر:

 فليلة القدر ليلة ازدادت معرفتك بالله فيها ، ويجب أن نفرق تفريقاً واضحاً بين أن تعرف الله ، وبين أن تعرف أمره ، لذلك أكثر المعاهد الشرعية والكليات تتحدث عن أمر الله علم العقيدة ، علم الأصول ، علم التفسير ، علم الحديث ، مصطلح الحديث ، شرح الحديث الفقه ، الفقه المقارن ، تاريخ التشريع ، لكن معرفة الله عز وجل ركن من أكبر أركان هذا الدين ، أن تعرفه ، إنك إن عرفته أطعته ، ومستحيل وألف ألف مستحيل أن تعرفه ، ثم لا تحبه ، ثم مستحيل وألف ألف مستحيل أن تحبه ، ثم لا تطيعه.

 

بين العابد والفقيه:

 فلذلك يتفاوت المؤمنون لا في معرفة الأحكام الشرعية هذه بين أيدي الناس جميعاً ومتداولة ، ومن السهل جداً أن تقتني كتاباً ، أو أن تتتلمذ على يد فقيه فتتعرف على الأحكام الشرعية ، هي أمر ونهي وأحكام شرعية ، لكن عظمة هذا الدين أن تعرفه ، لذلك عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

 

(( فَقِيهٌ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ))

 

[ أخرجه الترمذي ]

 إخواننا الكرام ، القصص التي تنتهي إلي كثيرة جداً ، أناس لزموا المساجد سنوات طويلة ، ثم سقطوا فجأة ، سقطوا لأقل ضغط ، أو لأقل إغراء ، إغراء أسقطهم ، وضغط أسقطهم إذاً مقاومة العابد هشة.

 

(( ولفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد ))

للتقريب: حتى يكتب إلى جانب اسم الإنسان لفظ ( د ) فقط ، د. فلان ، كم يحتاج من دراسية ؟ من أجل أن تقول: أنا دكتور ، أو أن يخاطبك الناس بهذا اللقب ، أما من أجل أن تعرف الله.
 إخوانا الكرام ، معرفة الله بحر لا ينتهي ، هناك من يقول: الله خلق السماوات والأرض ، الله رب العالمين ، لكن لو وقفت عند أسماءه الحسنى اسماً اسْماً ، تعرفت إلى قدرته ، وإلى علمه ، وإلى رحمته ، وإلى لطفه ، وإلى حنانه ، وإلى عدله ، وإلى جبروته وإلى بطشه ، لذلك إن أردت أن تعرف الله عز وجل لا بد من أن تقف عند أسماءه الحسنى وصفته الفضلى.
أنا ألح في هذه الليلة على أن نركز على معرفة الله ، إنك إن عرفته كما قال سيدنا رسول الله:

 

 

(( والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه ))

 

[ السيرة النبوية ]

 إلى أن تكون مستعداً أن تضحي بالغالي والرخيص ، والنفس والنفيس تقرباً إلى الله ، إلى أن تسعد حقيقة بقربك من الله.
والله مرة قال لي أخ ذهب إلى بيت الله الحرام حاجاً ، فلما عاد ، زرته مهنئاً قال لي كلمة لا أنساها ، وهذا من عشرين عاما ، قال لي: " والله ليس في الأرض من هو أسعد مني إلا أن يكون أتقى مني ".
 إخواننا الكرام ، إن لم تقل هذه الكلمة عقب اتصالك بالله ، عقب منجاتك له ، عقب انطوائك تحت شرعه ، عقب محبتك لأوليائه ، إن لم تتصل اتصالا حقيقيا ، نحن أحياناً نؤدي العبادات أداء شكليا ، لكن إن لم تناجه ، إن لم تستغفره ، إن لم تدعه ، إن لم تتب إليه ، إن لم تعتذر من خطأ سابق فلست سعيدًا ، لأن لذة القرب ما بعدها من لذة.
 لذلك قال بعض العلماء: " في الدنيا جنة ، من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة " ، بل إنه يقول: " ماذا يفعل أعدائي بي ؟ بستاني في صدري ، إن أبعدوني فإبعادي سياحة ، وإن حبسوني فحبسي خلوة ، وإن قتلوني فقتلي شهادة ، فماذا يفعل أعدائي بي ؟ ".

 

القرأءة التعبدية التدبرية للقرأن:

 إخواننا الكرام ، هناك في الناس كآبة عامة ، وضياع ، وإحباط ، وتعلق بالمادة ، وكراهية للانضباط ، ويؤدون الصلوات ، ويؤدون بعض العبادات ، العبرة أن تركز في هذه الليلة وما بعدها على معرفة الله ، نحن نقرأ القرآن ، لكن لو قرأت قراءتين قراءة تعبدية كما تسمى ختمة ، وقراءة تدبرية ، لو قرأت في اليوم نصف صفحة مع التدبر ، والبحث والدرس ، والتأمل ، والعزم على تطبيق هذه الآيات ، لكانت هذه الصفحة خبير من مئة صفحة تقرأها قراءة سريعة غير متأنية وغير مدققة.
إخواننا الكرام ، كلمة واضحة جداً:

 

 

إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ

 هذا القرآن نزل في ليلة القدر على النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم ، لكن أنت ألا تحب أن تأتي السكينة من الله ؟ ألا تحب أن يمتلئ قلبك سعادة ؟ أن يمتلئ قلبك حبوراً ؟ أن يمتلئ قلبك طمأنينة ؟ أن يمتلئ قلبك راحة ؟ أنت كمؤمن يمكن أن يلقي الله في قلبك نوراً ، أن يهبك الحكمة ، أن يهبك الراحة ، أن يهبك السعادة ، أن يهبك التوازن ، أن يهبك نعمة الأمن ، هذه من ثمار ليلة القدر ، أنت قدرت الله حق قدره ، أنت فكرت في خلق السماوات والأرض والدليل:

 

 

﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾

 

( سورة الزمر الآية: 67 )

معنى تدبر الاّيات:

 كأن الله أرشدنا إلى أن طريق معرفته هو التفكر في خلق السماوات والأرض ، وأقول دائماً هذه العبارات: ما معنى التدبر أيها الإخوة ؟ قرأت آية فيها أمر:

 

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾

 

( سورة النور الآية: 30 )

 ما معنى تدبر هذه الآية ؟ أن تأتمر ، أن تسأل نفسك أين أنت من هذه الآية ؟ قرأت آية فيها نهي:

 

﴿ وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾

 

( سورة الحجرات الآية: 12 )

تدبر هذه الآية أن تسأل نفسك: أين أنا منها ؟
 قرأت آية في وصف أهل الجنة ، ما تدبر هذه الآية ؟ أن تسعى إلى الجنة بصدقة ، بعمل صالح ، بتوبة ، بطلب علم ، بتعليم علم.
قرأت آية فيها وصف لأهل النار ما موقفك من هذه الآية ؟ أن أبتعد عن أسباب النار.

(( أَلَا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ ، ثَلَاثًا ، أَلَا إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ ))

[ رواه أحمد عن ابن عباس ]

 أنا أمهد لك: قرأت قصة قوم سابقين عصوا وعتوا فأهلكهم الله عز وجل ، ما موقفك من هذه الآية ؟ أن أتعظ ، الآن قرأت آية كونية ، ما موقفك ؟ لما قال الله عز وجل عن الماء ؟

 

﴿ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22)﴾

 

( سورة الحجر )

 البيت الذي مساحته مئة متر مربع ، لو كلفنا أن نخزن الماء عاما لاحتجنا إلى مساحة كمساحة بيتنا بالضبط ، لكن الله عز وجل جعله مخزناً في الجبال ، وجعل فتحات ، هذه الفتحة يندفع منها الماء طوال العام ، من خزنه في بطون الجبال ؟ من وضع في الجبال صخور كلسية ؟ وصخور معدنية ، ومغنيزيوم ، وبوتاسيوم ، ويود ، مياه معدنية ، المياه المقطرة لا تصلح للشرب إطلاقاً ، المياه المحلاة لا تصلح للشرب أبداً ، لما قال لك:

﴿ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾

هذا رأس موضوع تتابعه.
 إذاً: أيها الإخوة ، مما يزيد معرفتنا بالله في أسمائه الحسنى وصفاته الفضلى والأمور ميسرة ، ( قرص مدمج ) فيه مئة اسم ، كل اسم مشروح عشرين أو خمس وعشرين صفحة ، يعني 2500 صفحة مع الصوت ، قرص واحد ، وثمنه أقل من ربع شطيرة ، شيء لا يذكر ، فالأمور ميسرة ، لو تتبعت أسماء الله الحسنى ، وصفاته الفضلى ، لو تفكرت في خلق السماوات والأرض تعرف من هو الإله العظيم ، لأن التفكر في خلق السماوات والأرض يضعك وجهاً لوجه أمام عظمة الله.
أيها الإخوة ، ليلة القدر كما قال الله عز وجل:

﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ﴾

لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ

 وقد يسأل سائل:

 

﴿ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3)﴾

 

( سورة القدر )

 ألف شهر ، يعني ثمانين سنة تعبد الله فيها من دون علم ، ليلة واحدة قدرت فيها ربك حق قدره خير من كل هذه السنوات الطويلة والمديدة مع العبادات الأكيدة.

 

رمضان موعد انطلاقة إيمانية معرفية جديدة:

 أيها الإخوة ، أحياناً تكون المناسبة منطلقا ، أنت انطلق منذ الآن وإلى العام القادم إن شاء الله ، وأحياكم الله لأمثاله ، انطلق منذ الآن في التركيز على معرفة الله ، لأنك كلما عرفته ازددت له طاعة ، وله حباً ، وله انقياداً ، وله خضوعاً ، ثمرة هذا الشهر أن تكون لك علاقة مع الله متميزة ، لذلك يوم العيد كما قال عز وجل:

 

 

﴿ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾

 

( سورة البقرة الآية: 158 )

 معنى ذلك أنت في رمضان جاءك الهدى من خلال سماع كتاب الله بأكمله ، الآن القراءة وحدها دعوة ، آيات قليلة جداً متشابهة تحتاج إلى تفسير ، لكن معظم الآيات واضحة جلية ، بل إذا أردت أن تكلم الله فادعه ، أما إذا أردت أن يكلمك الله عز وجل فاقرأ القرآن ، إنك إن قرأت القرآن فإن الله يكلمك ، إن قرأت القرآن كأن الله يحادثك.
إذاً: العبرة في هذه الليلة أن تكون علاقة متميزة مع الله ، والله عز وجل في بعض الآثار القدسية:

 

(( يا موسى ، أتحب أن أكون جليسك ؟ قال: كيف ذلك يا رب ؟ قال: أما علمت أنني جليس من ذكرني ؟ وحيث ما التمسني عبدي وجدني ، أنا جليس من ذكرني ))

 

[ ورد في الأثر ]

من الممكن أن يكون ألم وشقاء ، والله موجود ؟ بيده كل شيء ، فإذا تعرفت إليه جعلت همك هماًَ واحداً ، فكفاك الله الهموم كلها.
 لا أريد أن أدخل في التفاصيل ، هناك معلومات غير صحيحة عن هذه الليلة مفترات وموضوعة ، العبرة أن تكون ذروة معرفتك بالله في هذه الليلة ، حتى إذا قلت يوم العيد: الله أكبر ، الله أكبر ، معنى ذلك أنك كبرت الله على ما هداك.

أهمية العبادات التعاملية:

 من باب التفاصيل ، ولا أدخل لا بمهن ، ولا بحرف ، لكن لو أمامك إنسان عبد لله ، منحك الثقة المطلقة ، لأنك عالم ، بعته حاجة تضره ، تضره ضررا كبيرا في صحته ، لكن ربحك منها عال ، اسمحوا لي بهذا التعريف: لما تضر إنسانا تضر عبدا من عباد الله ، من أجل أن تحقق ربحا معينا فكأنك لا تعرف الله أبداً ، الدين عظمته أنك منضبط بالحق ، منضبط بالاستقامة ، منضبط بالصدق والأمانة.
 والله البارحة سمعت من أخ كريم قصصا تجري في حقل معين فيها غش عجيب للناس ، لكن غش مبني على تلف صحتهم ، من أجل أن تربح تتلف صحة الآخرين ، فهذا الذي لو دخل المسجد لا تنخدعوا بهذا الإنسان ، لو دخل مسجدا ، لو صلى ، ما دام من أجل عشرة آلاف ليرة تزيد في دخلك ، وتضر إنسانا في صحته فأنت لا تعرف الله أبداً.
 القضية ليست قضية دخول مساجد ، ولا أداء صلوات ، قضية استقامة ، المؤمن لا يكذب ، المؤمن لا يغش ، هذه الاستقامة ترفع شأن المسلمين ، لماذا يسيء الناس أحياناً الظن بمن يعمل في الحقل الديني ؟ حتى قال لي أحدُهم: دلني على شيخ صاحب دين ، طبعاً ، هناك أخطاء كبيرة ، كونك مؤمنا يعني مستقيما ، كونك مؤمنا لا يمكن أن تكذب ، كونك مؤمنا لا يمكن أن تغش ، كونك مؤمنا لا يمكن أن تخدع ، لا يمكن أن تتكبر ، لا يمكن أن تحتال ، هذه مسلَّمات ، هذه ثمرة معرفة الله ، لأن الله معك ، لا تجعل الله أقلَّ الناظرين إليك ، قلبك منظر الله عز وجل.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ ))

 

[ أخرجه مسلم ]

نصيحة في شكل رجاء وأمنية:

 أرجو أن تكون هذه الليلة مناسبة لبدء ـ بالتعبير المشهور ـ مشوار طويل في معرفة الله ، في معرفته حق المعرفة ، وفي طاعته حق الطاعة ، وفي المجاهدة في سبيله حق المجاهدة ، وفي أن تتقيه حق التقوى ، هذا الذي يمكن أن يكون من ثمار هذه الليلة المباركة.
 القرآن يقربك من الله ، والدعاء ، والتهليل: لا إله إلا الله ، والتسبيح: سبحان الله ولا إله إلا الله والله أكبر ، هذه أدعية ، وتلك أذكار ، وابتهالات ، واستغفار ، هذا كله يقرب إلى الله ، ولعل أعلى هذه الأذكار أن تقرأ القرآن كل يوم ، إن قرأت القرآن كل يوم فهو شفاء للصدور.
والحمد لله رب العالمين

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018